دخولتسجيل الدخول

التعليق على إحكام الأحكام – كتاب الصلاة (5) باب المواقيت شرح الحديث السادس

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم وعلم آدم، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علمًا وعملًا صالحًا كريمًا.

أما بعد، فنحمد الله عز وجل على ما من به من عودة الدرس بعد انقطاع للإجازة، وأسأل الله أن يمدنا بالعلم النافع والعمل الصالح. وهذا هو المجلس الأربعون من مجالس التعليق على أحكام الأحكام؛ شرح همزة الأحكام لابن دقيق العسال رحمه الله.

وكنا قد وقفنا على حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في أبواب المواقيت من كتاب الصلاة، في تأخير النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء إلى أن أعتَم جزء من الليل.

قال المصنف رحمه الله تعالى: الحديث الثالث، أنا بالله بن عباس رضي الله عنهما قال: «اعتَم النبي صلى الله عليه وسلم بالعشاء، فخرج عمر رضي الله عنه فقال: الصلاة يا رسول الله، رقد النساء والصبيان، فخرج ورأسه يقطر يقول: لولا أن أشق على أمتي أو على الناس لأمرتهم بهذه الصلاة هذه الساعة».

عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم، أبو العباس، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أحد أكابر الصحابة وعلمائهم، كان يقال له البحر. مات بالطائف سنة 68 في أيام ابن الزبير، وذاك قبل الهجرة بثلاث سنين في قول الواقدي.

وفي الحديث رحمه الله تعالى: حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتَم بالعشاء، أي أخرها إلى أن أعتَم جزء من العتمة، فخرج عمر فقال: الصلاة يا رسول الله، فقد رقد النساء والصبيان، فالنبي صلى الله عليه وسلم خرج بعد ذلك ورأسه يقطر، ومعناه أنه اغتسل حينئذ، وقيل إنه يقترب من الوضوء.

لكن هذا فيه فضل لابن عباس رضي الله تعالى عنهما وابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وأحد أتباع الصحابة وعلمائهم، وقد دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بأن يفقهه الله في الدين ويعلمه التأويل، فاستجاب الله دعاء نبيه صلى الله عليه وسلم، فصار ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من أكابر الصحابة في العلم، مع أنه كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم صغيرًا، فقد توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو لم يناهز الاحتلام بعد.

لكنه بذل جهده في تعلم العلم، ورزقه الله علمًا غزيرًا فاق به أقرانه، بل فاق به من تقدمه من الصحابة في الإسلام وفي السن، وصار له شأن كبير في العلم بالتفسير، وفي العلم بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي العلم بالفقه، وفي العلم باللغة ونحوها؛ لأن الله عز وجل استجاب دعاء نبيه صلى الله عليه وسلم.

ولما مات النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لأحد أقرانه: «اذهب بنا نسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم»، فقال له صاحبه: «أثر الناس يحتاجون إلى علمك، الناس فيهم فلان وفلان»، وعدة ناس من أكابر الصحابة.

وابن عباس رضي الله تعالى عنهما أقبل على سؤال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كان يدرؤهم ويسألهم عما سمعوا من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، حتى إنه يأتي إلى بيت الصحابي في الظهيرة فلا يطرق عليه بابه لئلا يؤذيه وقت نومه، فينتظره إلى أن يخرج للصلاة، فربما كان ينتظره حتى يأتيه النوم، فيخرج الصحابي ويجد العباس متوسدًا عتبة باب هذا الصحابي فيوقظه ويقول. ثم يصير ابن عباس عما سمعهم النبي صلى الله عليه وسلم. وقال له زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه: «أنا أحق أن آتيك لأنك ابن عم رسول الله»، فقال: «العلم يؤتى ولا يأتي».

إلى أن بلغ ابن عباس رضي الله تعالى عنه مولانا العظيم في العلم، فكان هذا الأنصاري الذي كان يقول له: «وترنا نعلمك علمك؟»، فكان يقول: «إن ابن عباس أعقل مني» رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

أحسن الله عليكم، قال رحمه الله: وفي الحديث المباحث الأولى: يقال أعتَم الليل، يُعتَم بكسر التاء إذا أظلم، والعتمة الظلمة، وقيل إنها اسم لثلث الليل الأول بعد غروب الشفق، نقل ذلك عن الخليل. وقوله اعتَم أي دخل في العتمة، كما يقال أصبح وأمسى وأظهر؛ قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى السَّحَابِ مَوْكِلَهُمْ ۖ يَحْبِسُهُ السَّمَاءَ﴾، وفي قوله: ﴿تُصْبِحُونَ﴾، وفي قوله: ﴿وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾.

أحسنت، هنا يفسر المؤلف رحمه الله تعالى في الحديث "اعتَم"، فهو رد إلى أصلها "عتمًا"، قال: عتمة يعتم إذا أظلم، والعتمة الظلمة. هذا التفسير الأول في اللغة. والتفسير الثاني تفسير أخص، أنها ليست كل ما هي ظلمة، بل ثلث الليل الأول، قالوا: الثلث الأول بعد غروب الشفق. وقوله اعتَم أي دخل في العتمة، كما قال أصبح دخل في الصباح، وأمسى دخل في المساء، وأظهر دخل في الظهر. لكن هل هي تصدق على أول العتمة أو على آخرها؟ سيأتينا إن شاء الله في المساء.

الرابعة تقرير ذلك؛ قال النووي رحمه الله تعالى في قوله اعتَم: "يقول: آخرها حتى اشتدت عتمة الليل وهي ظلمة"، وفسر اعتَم إذاً بالظلمة عمومًا، أو الظلمة الخاصة التي في أول سورة الليل، ومنهم من فسرها بالإبطاء. فسر اعتَم بالإبطاء، قال ابن طريف في الأفعال: "جاءهم ضيف عاتم إذا أبطأ"، وجاء في عتمة الليل، ولعله هذا يرجع إلى المعنى الأول، فيكون أبطأ حتى وافق وقت العتمة، ففسر بالزمن.

أحسن الله عليكم، قال رحمه الله: الثاني، اختلف الناس في كراهية تسمية هذه الصلاة بالعتمة، فمنهم من أجاز واستدل بهذا الحديث، وفي هذا الاستدلال نظر؛ فإن قوله اعتَم أي دخل في وقت العتمة، فالمراد صلى فيها، ولا يلزم من ذلك أن يكون تسمية الصلاة بالعتمة، وأصح منه الاستدلال بقوله صلى الله عليه وسلم: «لو يعلمون ما في العتمة والصبح».

ومنهم من كره ذلك، قال الشافعي رحمه الله: «وأحب أن لا تسمى صلاة العشاء بالعتمة»، ومستند هذا الحديث الصحيح عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم، ألا وإنها العشاء، ولكنهم يعتمون بالإبل أي يؤخرون حلبها إلى أن يظلم الظلام»، وعتمة الليل ظلمته كما قدمناه. وهذا الحديث يدل على هذا المقصود من وجوه: أحدها صيغة النهي، والثاني ما في قوله "تغلبنكم" فإن فيه تنفيراً عن هذه التسمية؛ فإن النفوس تأنف من الغلبة، والثالث إضافة الصلاة إليهم في قوله.

«...على اسم صلاتكم؛ فإن فيه زيادة. ألا ترى أنني لو قلت: لا تغلبن على مالك، كان أشد في الترغيب من قولنا: لا تغلبن على مال، أو على المال؛ لما في الإضافة من دلالة على الاختصاص به.

ولعل الأقرب هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى خلاف العلماء رحمهم الله تعالى في حكم تسمية العشاء بالعتمة، فذكر أن العلماء اختلفوا في قوله: فمنهم من أجازه وذكر له دليلين؛ الدليل الأول: هذا الحديث في قول ابن عباس: «أعتم النبي صلى الله عليه وسلم بالعشاء»، فسمى العشاء كما في قوله. لكن المؤلف رحمه الله تعالى ناقش هذا الاستدلال وقال: لا يدل على جوازه؛ لأنه بقوله «أعتم» أي دخل في وقت العتمة، وعندنا الصلاة وعندنا الوقت، والوقت لابد لا بأس أن يسمى، يعني وقت العشاء أوله عتمة من باب الظلمة، لكن لا تسمى الصلاة نفسها العشاء. فيقول: هذا الحديث يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر الصلاة إلى أن اشتدت الظلمة، لكن ليس فيه تسمية بهذه الصلاة، فبذلك يكون الاستدلال بهذا الحديث في بعد.

لكن يقول: أصح منه قليلًا، الثاني: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لو يعلمون ما في العتمة...» الحديث، وهو حديث صحيح وسيأتي الجواب. المؤلف رحمه الله تعالى ذكر القول الثاني: كراهية ذلك، كراهية تسمية العشاء بالعتمة. يقول: قال الشافعي رحمه الله: «وأحب أن لا تسمى صلاة العشاء»؛ لحديث: «لا تغلبنكم الأعراب، هذا اسم صلاتكم، العشاء، ولكنهم يعجبون بالإبل، يؤخرون حلبًا لن يظلم الظلام». يقول: هذا الحديث يدل على المقصود على نكرات التسمية من ثلاثة أوجه: الأول صيغة النهي «لا تغلبن»، الثاني قوله «تغلبنكم»؛ هذا في التنفيذ لأن الإنسان لا يحب أن يُغلب، الثالث قوله «اسم صلاتكم»؛ في زيادة التأكيد. نقول: الفرق بين أن أقول لك: لا تغلبن على مالك، أو أقول لك: لا تغلبن على المال؛ فإني إذا قلت: على مالك الذي تختص به، يكون هذا أقوى في ترغيبك على أن لا تغلب على هذا المال.

الآن ذكر القولين ودليلهما، والآن سيذكر المؤلف ترجيحه. قال رحمه الله: «ولعل الأقرب أن تجوز هذه التسمية، ويكون الأولى تركوها». وقد قدمنا الفرق بين كوني الأولى ترك الشيء، وبين كون الفعل مكروهًا. أما الجواز ففي لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما عدم الأولوية ففي الحديث المذكور، ورفض الشافعي وهو قوله: «لا أحب»، أقرب إلى ما قلناه من قول من قال من أصحابه: «يكره أن يقال لها العتمة». أو نقول: المنهي عنه إنما هو الغلبة على الإثم، وذلك بأن يستعمل دائماً أو كثيراً، ولا يناقضه أن يستعمل قليلاً، فيكون الحديث من باب استعماله قليلاً، قوله صلى الله عليه وسلم: «لو يعلمون ما في العتمة والصبح». ويكون حديث ابن عمر محمولاً على أن تسمى بذلك الاسم في الغالب أو دائماً.

المؤلف رحمه الله تعالى يقول: لا نقول جائز ولا نقول مكروه، يعني لنقل جائز بالإطلاق، ولا نقول يجوز، لكن الأولى تركها. وقد قدمنا الفرق بين كون الأولى ترك الشيء وبين كونه مكروهاً، كما في حديث النهي عن غمس اليد في الإناء؛ فرق بين التعبير بالكراهة وبين التعبير بترك الأولى. قال: «وليعلم الفرق بين قولنا يستحب فعل كذا، وبين قولنا يكره تركه، فلا تلازم بينهما»؛ فقد يكون الشيء مستحب الفعل ولا يكون مكروه الترك؛ لأنهم يقولون إذا كان الشيء مكروهاً جاء النهي عنه، كأنه عنه، فهذا نقول فعله مكروه، وإذا لم يأتِ النهي عنه، لم يأتِ النهي عنه بخصوصه، فنقول إن تركه هو الأولى.

ثم جاء المؤلف رحمه الله تعالى يستدل للجواز، قال لك: فعله جائز لكنه مخالف للأولى. طيب، الجواز يعني الآن على وجه الجواز من النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «لو يعلمون»، استعمال النبي صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ، وترك الأولى؛ أن كونه ليس هو الأولى لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تغلبنكم الأعراب». فيجمع بين الحديثين؛ نقول: حديث أبي هريرة «لو يعلمون» دليل الجواز، وحديث «لا تغلبنكم الأعراب» على أنه ليس هو الأولى، فيكون حديث أبي هريرة صرف النهي من الصلاة بحديث ابن عمر من التحريم إلى ما هو دونه. وقول الشافعي: «لا أحب»، أقرب إلى ما قلناه، حتى الشافعي قد نستشف من تعبيره أن التعبير بالعتمة هو من باب ترك الأولى ولا يصل إلى الكراهة، يعني ترك الأولى هذا مرتبتان: الكراهة والإباحة.

إذاً هذا جمع بين الحديثين؛ أن نقول: حديث أبي هريرة «لو يعلمون ما في العتمة والصبح» دليل الجواز، وحديث «لا تغلبنكم الأعراب» دليل على أنه ترك للأولى. وفي جمع آخر: أن حديث ابن عمر «لا تغلبنكم الأعراب» هذا فيما إذا كان الاسم يطلق عليه كثيراً، إذا كنا لا نطلق على العشاء إلا العتمة، أما إذا كان يستعمل أحياناً فهذا لا بأس به، ويكون استعمال النبي صلى الله عليه وسلم هذا من الاستعمال القليل، فيكون لا بأس به، لكن إذا كان الإنسان دائماً يعبر عن العشاء بالعتمة فنقول: هذا هو المكروه.

إلى هذا في شرح الحديث الرابع، حديث أبي برزة في قوله: «وإنه كان يستحب أن يؤخر من العشاء التي تدعونها العتمة». وذكر المؤلف رحمه الله تعالى هذين الوجهين، وهناك وجه ثالث ذكره النووي رحمه الله، وهو أنه يحتمل أنه خاطب بالعتمة من لا يعرف العشاء، فخاطب بما يعرف، واستعمل لفظ العتمة لأنه أسرع عند العرب، وإنما يطلقون العشاء على المغرب، والعشاء يطلقون عليه العتمة. وأشار له القاضي في إكمال المعلم، يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم عبر بالعتمة؛ لأن من كان يخاطبهم كانوا لا يعرفون مصطلح العشاء، بل إنهم يطلقون العشاء على المغرب، والعشاء يطلقون عليه العتمة، فعبر لهم بذلك لئلا يلتبس عليهم الأمر، فيكون استعماله هناك استعمالاً للحاجة.

وأحسن لك رحمه الله، الثالث في الحديث دليل على أن الأولى تأخير العشاء، وقد قدمنا اختلاف العلماء فيه، ووجه الاستدلال قوله صلى الله عليه وسلم: «لولا أن أشق على أمتي...» أو على الناس، «لأمرتهم بهذه الصلاة هذه الساعة». وفيه دليل على أن المطلوب تأخيرها لولا المشقة، أحسنت، يعني الحديث يدل على أن الأولى تأخير العشاء.»

حديث يدل على أن الأولى تأخير العشاء، يقول: قدمنا اختلاف العلماء فيه، ومن العلماء من يرى أن الأفضل تأخيرها، ومنهم من يرى أن الأصل تقديمها كما هو الحال في كل الصلوات.

ما هو الحل في كل الصلوات؟ وأما التأخير فهذا هو الواضح من هذا الحديث في قول النبي ﷺ، وأيضا يقول النبي ﷺ في قوله في الآخر إنه لوقتها؛ قال: وجه الاستدلال على ذلك على أن الأولى التأخير قولوا: ﴿لَوْلَا أَشُقُّ عَلَى أُمَّتِي﴾، وفيه دلالة مطلوبة تأخيرها لولا المشقة، والآن زالت هذه العلة.

زالت هذه العلة وهي أن النبي ﷺ يخاف أن يأمرهم فيفهمون منه أن هذا هو وقتها المتأكد فيستمرون على ذلك وفيهم مشقة، فلذلك نقول في ذلك: الأولى إذا كان الإنسان لا يشق عليه ولا على من معه، لا سيما إذا كانوا محصورين كما إذا كانوا مثلا خارجين في نزهة ولا يشق عليهم تأخر صلاة العشاء، فنقول الأفضل أن يؤخروها. أما إذا كان لا يشق على المأمومين أو كانوا في وسط المدينة، وغالبا يسّر عن الناس ذلك، سنقول الأولى أن يقدموها أول وقتها.

السلام عليكم. قال رحمه الله: الرابع، قد حكينا أن العتْمة اسم للثلث الأول بعد غيبوبة الشفق، فلا ينبغي أن يحمل قوله "وعتم" على أول أجزاء هذا الوقت؛ فإن أول أجزائه بعد غيبوبة الشفق، ولا يجوز تقديم الصلاة على ذلك الوقت، فإنما ينبغي أن يحمل على آخره أو ما يقارب ذلك ليكون ذلك مخالفا للعادة وسببا لقول عمر رضي الله عنه: «رقد النساء والصبيان».

أحسنت. إذا رجعنا للمعنى اللغوي للعتْمة، المعنى الثاني الذي نقل عن الخليل أنه اسم لثلث الليل بعد غيبوبة الشفق، فيكون من أول وقت الليل إلى آخر وقتها المختار. يقول: فلا ينبغي أن يحمل قوله "وعتم" على أول أجزاء الوقت، يعني لا نقول عتم يعني دخل في العتمة الآن، لماذا؟ وإن كان هذا صحيحا لغة لكن ما يحمل الحديث عليه، لماذا يقول أول أجزائه بعد غيبوبة الشفق ولا يجوز تقديم ذلك الوقت؟

يعني الآن عمر قال له: تأخرت يا رسول الله ورقد النساء والصبيان، فلو كان قوله "عتم" يعني يدخل الوقت ما قال هذا الكلام، وإنما يحمل على قرب آخره، لماذا؟ لأن هذا يدل على أنه ليس من عادة النبي ﷺ التأخير إلى ذلك الوقت، لذلك يكون ذلك مخالفة، لو كان هذا أول وقت ما قال عمر، يعني كان يقول النبي ﷺ تأخرت يا رسول الله الآن ناموا النساء، فلو كان ذلك أول وقت ما قال ذلك، لكن هذا يدل على أنه كان هذا في آخر وقت العتمة التي هي في آخر الليل الأول.

نعم، الله عليكم. قال رحمه الله: الخامس، قد كنا قدمنا في قوله ﷺ: «لولا أنا أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة»، أنه استدل بذلك على أن الأمر للوجوب، فلك أن تنظر هل يتساوى هذا اللفظ مع ذلك في الدلالة أم لا؟ فأقول لقائل إن يقول لا يتساوى مطلقا، فإن وجه الدليل أن كلمة "لولا" تدل على انتفاء الشيء لوجود غيره، فيقتضي ذلك انتفاء الأمر لوجود المشقة، والأمر المنتفي ليس أمر الاستحباب في ثبوت الاستحباب، فيكون المنتفي هو أمر الوجوب، فثبت أن الأمر المطلق للوجوب.

فإذا استعملنا هذا الدليل في هذا المكان وقلنا إن الأمر المنتفي ليس أمر الاستحباب، توجه المنع ها هنا عند من يرى أن تقديم العشاء أفضل بالدلائل الدالة على ذلك، اللهم إلا أن يضم إلى هذا الاستدلال الدلائل الخارجة الدالة على استحباب التأخير، وترجح على الدلائل المقتضية للتقديم ويجعل ذلك مقدمة، ويكون المجموع دليلا على أن الأمر للوجوب، فحينئذ يتم ذلك بهذه الضميمة.

يقول في حديث: «لولا أنا أشق على أمتي»، قدمنا هناك أنه استدل بذلك على أن الأمر المطلق للوجوب؛ لأنه قال: «لولا أنا أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة»، وأمر الندب لا مشقة فيه، فدل على أنه إذا أطلق الأمر فإنه يراد به الوجوب. لكن يقول: هل يمكن أن نقول أيضا ها هنا يمشي هذا الدليل؟ قد يقول لا يتساوى، لماذا يقول؟ لأن وجه الدليل في حديث السواك أن كلمة "لولا" تدل على انتفاء الشيء لوجود غيره، فيقتضي ذلك انتفاء الأمر لوجود المشقة، فلما وجدت المشقة في السواك لكل صلاة انتفى الأمر للوجوب.

قالوا الأمر المنتفي ليس أمر الاستحباب، لأن الاستحباب لا مشقة فيه، فيكون المنتفي هناك هو أمر الوجوب، فثبت أن الأمر المطلق للوجوب. يعني هناك "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة"، "لولا" حرف امتنان لوجود، فيقول معنى الحديث: لولا أن لا توجد مشقة لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، فيه أمر بالسواك، يقول لك لا آمر بالسواك، هذا أمر الاستحباب، فدل على أنه إذا أطلق الأمر في النصوص فإنه يراد به الوجوب.

طيب، هذا في حديث السواك، طيب هل نستعملها هنا؟ قال: فإذا استعملنا هذا الدليل في هذا المكان وقلنا إن الأمر المنتفي ليس أمر الاستحباب، توجه المنع عند من يرى أن تقديم العشاء أفضل. يعني يقول لك أما القائلون باستحباب تقديم العشاء، أن تقدم كغيرها من الصلوات أن تصلى في أول وقت لها هذا الأفضل، يقول لك ينازعونك في هذا الدليل، ويستدلون بالادلة الدالة على أفضلية تقديم الصلاة أول وقتها، فيقولون لك: إذًا ما نستدل بهذا الدليل، يعني هذا الدليل لا يدل على أن الأمر المطلق يفيد الوجوب، يعني لا يساوي حديث السواك.

نحن ننازعكم في أن الصلاة العشاء إلى ثلث الليل أفضل، بل نقول إن تقديمها هو الأفضل.

كل من دقيق العيد رحمه الله، إلا أن ينضم إلى هذا الاستدلال الدلائل الخارجية الدالة على استحباب التأخير، فيرجع الدالة المقتضيات التقديم؛ يعني يقول الآن جاءتنا أدلة دالة على استحباب التأخير، وأدلة دالة على استحباب التقديم، فإذا قلنا القرائن دلت على تقوية أحاديث التأخير، فنقول إذا دلت القرائن خلاص يسلم لنا الاستدلال بهذا الدليل على أن الأمر المطلق يفيد الوجوب. قالوا جعل ذلك مقدمة ويكون مجموعها دليلا على أن الأمر بوجوب، فحينئذ يتم ذلك في هذه الضميمة.

إذا انضم هذا الحديث مع حديث السواك مع القرائن التي تدل على استحباب تأخير العشاء وأن تأخيرها أفضل باجتماعها، نقول نتوصل إلى أن الأمر المطلق يفيد الوجوب.

قال رحمه الله: السادس في الحديث دليل على تنبيه الأكابر إما لاحتمال الغفلة أو الاستثارة. فائدة منهم في التنبيه لقول عمر رضي الله عنه: «رقد النساء والصبيان». المؤلف رحمه الله يرى أن هذا ليس مخالفا للأدب، أن تنبيه الأكابر ليس مخالفا للأدب، فينبههم بالأسلوب المناسب.

فعمر رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «رقد النساء والصبيان»، فبين بأن النبي صلى الله عليه وسلم نسي الصلاة، هذا معنى غفلة أو استثارة، فائدة منهم في التنبيه، يعني أنه يطلب فائدة يسمعها من النبي صلى الله عليه وسلم في خصوص هذه الصلاة، وقد سمع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم فتبين للنبي صلى الله عليه وسلم أن تأخيرها إلى هذا الوقت أفضل.

السلام عليكم ورحمة الله. السابع: يحتمل أن يكون قوله «رقد النساء والصبيان» راجعا إلى من حضر المسجد منهم لقلة احتمالهم المشقة في السهر، فيرجع ذلك إلى أنهم كانوا يحضرون المسجد لصلاة الجماعة. ويحتمل أن يكون راجعا إلى من يخلفه المصلون من النساء والصبيان بالبيوت، ويكون قوله «رقد النساء والصبيان» إشفاقا عليهم من طول الانتظار.

أحسنت، يعني قول عمر رضي الله عنه «رقد النساء والصبيان»، من يقصد؟ النساء والصبيان؛ احتمال أنه يقصد الذين حضروا إلى المسجد، فالنساء والصبيان الذين حضروا من المسجد هم أقل احتمالا للسهر من الرجال، ولذلك اعتبر عمر رضي الله عنه هذا العذر، وأن النساء والصبيان يشق عليهم طول الانتظار. قال: فيرجع ذلك إلى أنهم كانوا يحضرون المسجد لصلاة الجماعة، يعني هذا مما يستدل به على أن النساء والصبيان كانوا يحضرون صلاة الجماعة مع النبي صلى الله عليه وسلم.

الاحتمال الثاني أن المراد النساء والصبيان الذين في البيوت فرقدوا، وهذا الاعتذار يكون إشفاقا عليهم من طول الانتظار، لأنهم سينتظرون أزواجهم، والصبيان قد ينتظرون آباءهم أو إخوانهم، فيكون في ذلك مشقة عليهم. وهذه الجملة «رقد النساء والصبيان» قصد بها عمر رضي الله عنه الاعتذار عن طلبه من النبي صلى الله عليه وسلم الحضور إلى الصلاة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو إمام أمته صلى الله عليه وسلم وكان مهيبا عليه الصلاة والسلام، فعمر رضي الله عنه قد اعتذر بهذا العذر، وأنه تقدم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ينبهه واعتذر له بهذا العذر.

وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالصلاة هذه الساعة»، فيه أنه يستحب للعالم والإمام أن يعتذر إذا تأخر عنهم، أو جرى منه ما يظن أنه يشق عليهم، ويقول لهم عذره. وفي هذا النبي صلى الله عليه وسلم ذكر لهم العذر، أنه إنما يريد لهم الأفضل. وجاء في بعض الروايات: «ليس أحد من أهل الأرض ينتظر هذه الصلاة غيركم».

كان الخطابي رحمه الله يقول: إنما يستحب تأخيرها، تأخير العشاء، لتطول مدة انتظار الصلاة ومنتظر الصلاة. منتظر الصلاة في صلاة ماذا؟ معنى لطيف، شرحه الخطابي رحمه الله تعالى.

نقف عند هذا ونسأل الله للجميع التوفيق والسداد، وصلى الله صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.