بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما وعملا صالحا كريما.
أما بعد، فهذا هو اللقاء الحادي والأربعون من لقاءات "على كتاب أحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق العيد رحمه الله تعالى. وكنا قد توقفنا في أثناء باب المواقيت من كتاب الصلاة على حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي ﷺ قال: «إذا أقيمت الصلاة وحضر العشاء فابدأوا بالعشاء»، وعن ابن عمر نحوه.
هل أحد منكم لديه استعداد للقراءة هنا؟ قال المؤلف رحمه الله تعالى: عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي ﷺ قال: «إذا أقيمت الصلاة وحضر العشاء فابدأوا بالعشاء». هذا حديث عائشة رضي الله عنها في الصحيحين، وقال: وعن ابن عمر رضي الله عنهما نحوه. ونص حديث ابن عمر: «إذا وُضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدأوا بالعشاء، ولا يعجل حتى يفرغ منه». ولعل المؤلف رحمه الله تعالى زاد ذكر حديث ابن عمر أو الإشارة إليه لأن فيه زيادة أنه لا يعجل حتى يفرغ منه.
هنا قال المؤلف رحمه الله تعالى: لا ينبغي حمل الألف واللام في "الصلاة" على الاستغراق، ولا على تعريف الماهية، بل ينبغي أن تُحمل على المغرب. هنا في قوله: «إذا أقيمت الصلاة»، هل معناها الاستغراق؟ يعني أنها لكل صلاة؟ هذا المعنى الأول، هنا المؤلف يقول لا تُحمل، وسيبين سبب ذلك. قال: ولا على تعريف الماهية، يعني ولا على مجرد التعريف الذي ينقل الكلمة من النكرة إلى المعرفة. قال: بل ينبغي أن تُحمل على المغرب.
يعني أن معناها هي "الـ" العهدية، والعهد سبق لنا في درس ماضٍ أن تكلمنا عنها؛ وإن العهد إما أن يكون عهدا ذكريا، يعني كلمة مذكورة قريبا، أو عهدا حضوريا يشير إليه هذا الرجل مثلا، وإما أن يكون عهدا ذهنيا، يعني معروفا لدى المخاطب. فهنا يقول لك هي للعهد الذهني، ينبغي أن تُحمل على المغرب.
لماذا يقول ذلك؟ لقوله: «فابدأوا بالعشاء»، فإذا مادام قال: «ابدأوا بالعشاء»، هل كل الصلوات يوافقها وقت العشاء؟ لا، إذا فذلك يدل على أنها ليست للاستغراق. وكونها أيضا تربط بالعشاء يدل على أنها ليست من مجرد تعريف الماهية، إنما تُحمل على الصلاة التي يوافقها وجبة العشاء، وكانوا يأكلون العشاء في ذلك الوقت، إما قبيل المغرب أو بعده مباشرة، ليس كمثل الحال عندنا أنهم يأكلونه بعد صلاة العشاء وبعضهم يأكله في منتصف الليل ونحو ذلك.
قال: بل ينبغي أن تُحمل على المغرب لقوله: «فابدأوا بالعشاء»، وذلك يخرج صلاة النهار، ويبين أنها غير مقصودة. يعني عندنا يقول أخرج صلوات النهار: الفجر، الظهر، العصر؛ هذه ما فيها عشاء، يعني لا يوافق وقت العشاء. بقي لنا المغرب والعشاء، يقول يبقى التردد بين المغرب والعشاء، فيترجم على المغرب.
طبعا إضافة إلى قوله: «فابدأوا بالعشاء»، وأنهم كانوا يتعشون قرب المغرب أو بعده مباشرة، أيضا يقول: جاء في بعض الروايات: «إذا وُضع العشاء وأحدكم صائم فابدأوا به قبل أن تصلوا»، فهذا يدل على أن المراد بها صلاة المغرب، ويقول: وهو صحيح من هذه الرواية، وهي عند الطحاوي وغيره. قال: وكذلك صح أيضا: «فابدأوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب»، والحديث يفسر بعضه بعضا.
إذا رجح المغرب من ثلاثة أوجه: الوجه الأول أن هذا هو المعهود عند العرب المخاطبين أنهم يتعشون عند المغرب، إما في آخر العصر أو في أول المغرب، فالصلاة التي توافق وقت العشاء هي صلاة المغرب، فتحمل "الـ" إذا أنها على العهد الذهني. الأمر الثاني ما جاء في بعض الروايات: «وأحدكم صائم»، فذا يدل، وبداية أكل الصائم من غروب الشمس، يدل على المقصود بها المغرب. الأمر الثالث التخصيص بها في بعض الروايات: «فابدأوا بها قبل أن تصلوا صلاة المغرب»، هذه جاءت عند البخاري ومسلم.
قال: والحديث يفسر بعضه بعضا؛ يعني ما دام أنه جاء في بعض الروايات تسميتها المغرب، وجاء في بعض الروايات ما يشير إلى أنها المغرب، إذا نفسر الروايات المطلقة بأنها تُحمل على المغرب. هذا ما ذكره المؤلف رحمه الله هنا. وابن الفكان رحمه الله في شرحه قال: لا هي للاستغراق، يعني تعم كل الصلوات.
الأحاديث التي استدل بها المؤلف هنا، الفاكهاني رحمه الله، نظر إلى العلة، قال: العلة حصول التشويش أو التشوش المفضي إلى عدم الخشوع والحضور بين يدي الله والإقبال عليه بالكلية. يقول: ما دام أن العلة هي حصول التشوش المفضي إلى أن الإنسان لا يخشع، فالخشوع مطلوب في صلاة المغرب فقط؟ لا، مطلوب في جميع الصلوات. إذا نقول إن هذا الأمر مطلوب في كل الصلوات؛ أنه إذا قدم العشاء وحضر الصلاة، أو إذا قدم الطعام وحضر الصلاة فإنه يبدأ بالطعام. وذكرك للمراد من الأحاديث في بعض الأحاديث من تسمية المغرب أو ذكر الصائم فإنه لا يقتضي التخصيص والحصر؛ لماذا؟ يقول: فقد يكون الجائع غير الصائم أتوق للطعام من الصائم، فلذلك نقول يعني أنه ذكر الصائم وذكرت المغرب من باب المثال وليس من باب التخصيص.
طيب، الآن ننتقل، تكلم في المسألة الأولى عن معنى "الـ"، المسألة الثانية: هل دائما يقدم الطعام على الصلاة؟ وما الحكم لو قدم الصلاة على الطعام؟ يقول: الظاهرية رحمهم الله تعالى أخذوا بظاهر الحديث في تقديم الطعام على الصلاة، يعني قالوا دائما يقدم الطعام على الصلاة، وزادوا فيما نقل عنهم فقالوا: إن صلى فصلاته باطلة. طبعا يأخذون بالحديث الآخر الذي سيذكره المؤلف بعد هذا الحديث: «لا صلاة بحضرة طعام»، فلا صلاة، يعني حملوها على نفي الصحة.
أما الجمهور فعلى أن الصلاة صحيحة؛ لماذا قالوا ذلك؟ لأن تقديم الطعام رخصة، فإن لم يفعلها صحت صلاته كسائر الرخص. يعني عندنا الآن المسافر يرخص له في قصر الصلاة، لو لم يقصر أتم، إن قصرته باطلة؟ لا، بل نقول صلاته صحيحة لكنه أساء في مخالفته أو في عدم أخذه بالرخصة، والله عز وجل يحب أن تؤتى رخصه. مسافر صام في رمضان وقال أنا لا أريد أن أقضي لاحقا، أريد أن أصوم مع الناس، فهل نقول صومه باطل لأنه لم يأخذ بالرخصة؟ لا، يقولون هذا مثله. إذا قدم الصلاة على الطعام لا نبطل صلاته لأنه لم يأخذ بالرخصة، نقول هذه رخصة مثل سائر الرخص. هؤلاء هم الظاهرية الذين قالوا ببطلان الصلاة. قال: وأما أهل القياس والنظر، فإنهم نظروا إلى المعنى وفهموا أن العلة التشويش لأجل التشوف إلى الطعام في بعض...
النسخ لأجل التشوق إلى الطعام، وقد أوضحته تلك الرواية التي ذكرناها وهي قوله: «أحدكم صائم».
أهل القياس والنظر قالوا: لا يقدم الطعام على الصلاة مطلقًا، وقالوا إنه إذا صلى قبل أن يطعم فصلاته صحيحة؛ لماذا؟ لأنهم نظروا إلى المعنى، والمعنى هو ألا يتشوش قلب المصلي، فقالوا إذا كان لا يتشوش، فيقدم الصلاة، لا بأس.
مثلاً إنسان غير جائع، وقدم له الطعام وهو غير جائع، أي لا يجد له مساغًا، هل نقول قدم الطعام للصلاة؟ لا نقول هنا لن يتشوش قلبه في الصلاة فيقدم الصلاة، ولذلك يقول: وقد أوضحته تلك الرواية التي ذكرناها وهي قوله: «أحدكم صائم»؛ لأن الصائم غالبًا من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ما تناول شيئًا، فإذا قدم له الطعام يكون متشوقًا جدًا، وهذا يدل على أن المقصود بمن يقدم الطعام على الصلاة هو من يتشوش قلبه إذا صلى وهو لم يأكل.
ولذلك قال: وقد أوضحته تلك الرواية ذكرناها وهي قوله: «أحدكم صائم»، فتتبع هذا المعنى، فحيث حصل التشوف مؤدي إلى عدم الحضور في الصلاة، قدموا الطعام؛ إذ هم اقتصروا على حصول التشويش على القلب، فإذا حصل تشويش على القلب فأصبح قد لا يخشع في الصلاة، فهنا نقول: إذا قدم الطعام ولم يحصل تشويش، فالأفضل تقديم الصلاة أيضًا.
يقول: هل يأكل حتى يشبع أو ما الذي يأكله؟ يقول: واقتصر أيضًا، وفي بعض النسخ زيادة: «أو بعضهم على مقدار ما يكسر سورة الجوع»؛ يعني أنه لا يأكل حتى يشبع، بل يأكل حتى يذهب جوعه ثم يصلي، ثم يذهب لأتم صلاته.
قال: ونقل عن مالك رحمه الله أنه يبدأ بالصلاة، إلا أن يكون طعامًا خفيفًا، أي طعام خفيف لا يؤثر على أنه قد يؤخر الصلاة وتفوت صلاة الجماعة، فيبدأ بالصلاة، فإذا كان طعامًا خفيفًا فلا إشكال أن يبدأ بالطعام، فهو قيده بالخفيف؛ لأنه رأى حال النبي ﷺ والصحابة رضي الله تعالى عنهم، فطعامهم يسير، لا تبسط لهم الموائد التي تبسط عند أغنياء زماننا، لا عند متوسط زماننا، تبسط لهم الأطعمة المتنوعة والفاخرة.
فالإمام مالك رحمه الله يقول: يقدم الصلاة إلا إذا كان طعامًا خفيفًا، لماذا قيده بالخفيف؟ يقول: أنا رأيت حال النبي ﷺ والصحابة الذين تكلم النبي ﷺ عندهم بهذا الحديث، ما طعامهم؟ طعامهم يسير لا يؤثر على التبكير للصلاة.
ابن الفقيه رحمه الله لما ذكر ما ذكره بعض الفقهاء من أنه يأكل لا إلى أن يشبع، بل إلى أن يكسر سورة الجوع، قال: وفيه بُعد؛ لماذا؟ لأنه إذا شرع في الأكل ورفع يده قبل الشبع، قد يكون ذلك أدعى لتأخر خاطره بالطعام، وهذا حقيقة يختلف من شخص لآخر؛ فبعضهم مثلا إذا كان جائعًا لا يخشى، وبعضهم يقول: لو خيروني بين أن آكل قليلاً ثم أقوم للصلاة، أو بين أن لا آكل إلا بعد الصلاة، فأنا سأختار الثاني، لن آكل إلا بعد الصلاة؛ لأني إذا أكلت قليلاً ثم قمت يتعلق قلبي بالأكل أكثر فيظهر.
والله أعلم أن المعنى الذي لاحظه الجمهور معنى جيد، وهذا المعنى يختلف من شخص لآخر؛ فإني أقول: إذا كنت ممن يتشوش قلبك في الصلاة إذا لم تأكل شيئًا، فنقول: كل، طيب كم يأكل؟ نقول: إذا كنت أهم شيء عندك أن تنكسر سورة الجوع، فكل ما يكسر سورة الجوع، إذا كنت إذا أكلت ما يكسر سورة الجوع ثم قمت فإنك ستتعلق أكثر، فهنا نقول: يأكل إلى أن يشبع، فيختلف الأمر باختلاف أحوال المصلي.
هذه المسألة الثانية في تقديم الطعام على الصلاة، هل هو مطلق أو لا؟ وهل له معنى؟ المسألة الثالثة يقول: استدل بالحديث على أن وقت المغرب موسع، وفي بعض النسخ: «فيه توسعة من وقت المغرب». الذي أخذناه سابقًا أنه من غروب الشمس إلى غياب الشفق الأحمر، وبعض الفقهاء قالوا: وقت المغرب مضيق، لماذا؟ قالوا في حديث جبريل: النبي ﷺ صلى بجبريل في اليومين كليهما، صلى صلاة المغرب في أول الوقت، قال: دل على أن وقتها واحد لا يمتد إلى مغيب الشفق.
المؤلف يقول: استدل بالحديث على أن وقت المغرب موسع؛ لماذا؟ لأنه يتسع للأكل إلى أن يشبع كما جاء في بعض الروايات ثم الصلاة، فهذا عندنا موسع. المؤلف الآن سيناقش وجه الاستدلال، يقول: إذا أريد به هذه الفائدة، أي إذا أريد به مطلق التوسعة، فصحيح؛ صحيح أن وقت المغرب ليس وقتًا كافيًا فقط لثلاث ركعات ثم يخرج الوقت، بل وقت المغرب أوسع من هذا، والحديث يدل على هذا، صحيح.
لكن ترى الخلاف ليس في هذا، يقول: ليس بمحل الخلاف المشهور؛ يعني محل الخلاف المشهور: هل وقت المغرب إلى مغيب الشفق، أو أنه يكون قبله، بعضهم قال: إلى غياب النجم، فهذا هو الخلاف المشهور، ولذلك قال: إن أريد به التوسعة إلى مغيب الشفق، ففي هذا الاستدلال ما برر؛ يعني لا نقول نستدل بالحديث على أن وقت المغرب يتسع إلى مغيب الشفق الأحمر، يقول: لا، الحديث لا يدل على هذا، الحديث صحيح يدل على أن وقت المغرب أوسع من أنه يتسع لثلاث ركعات فقط، هذا فيه دلالة، لكن كونه يدل على أنه يمتد إلى مغيب الشفق لا يدل عليه.
لماذا؟ يقول: لأن بعضهم، وفي بعض النسخ، فإن بعض من ضيق وقت المغرب جعله مقدرًا بزمان يدخل فيه مقدار ما يتناول لقيمات يكسر بها سورة الجوع؛ يعني بعضهم يقول: وقت المغرب مضيق، ويقول: ليس مضيقًا بمعنى أنه لا يكفي ثلاث ركعات فقط، بل يزيد عليه إلى أن يتناول معها لقيمات تكسر سورة الجوع، فالذين يقولون هذا، يقولون: نحن متفقون معكم على أن وقت المغرب ليس مقتصرًا على ما يكفي ثلاث ركعات فقط، بل يزيد عليه إلى أن يتناول معها لقيمات تكسر سورة الجوع، وهذا الحديث لا يدل على أكثر من هذا المعنى، يعني لا يدل على أن وقت المغرب متسع إلى مغرب الشفق.
قال: فعلى هذا لا يلزم -والصواب بحذف "لا"- يلزم أن يكون وقت المغرب موسعًا إلى غروب الشفق، قال: على أن الصحيح الذي نذهب إليه أن وقت المغرب موسع إلى غروب الشفق، إنما الكلام على وجه استدلال؛ يعني يقول: صحيح المغرب وقته يمتد إلى مغيب الشفق، لكن الكلام في هل يؤخذ هذا الحكم من هذا الحديث أو لا؟ يقول لك: لا، أنا أوافق على أن وقت المغرب ممتد إلى مغرب الشفق، لكني لا أوافق على أن هذا الحكم يؤخذ من هذا الحديث.
من هذا الحديث، ابن الملقن رحمه الله يقول رواية، لكن رواية مسلم الأخرى صريحة في ذلك، فإن لفظها: «إذا قرب العشاء وحضرت الصلاة فابدأوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب، ولا تعجلوا عن عشائكم». ظاهرها أن يأكل حاجته بكمالها بحيث يسمى عشاء.
يعني يقول إن في هذا الحديث بالرواية الأخرى دلالة على أن وقت المغرب ممتد إلى أكثر من وقت يقام فيه، أو أنه يكسر به صلاة الجوع؛ لأن النبي ﷺ قال: «لا تعجلوا عن عشائكم»، يعني كلوا إلى أن تشبعوا، ليس فقط تأكلون مقدار ما يكسر ثورة الجوع. وطبعاً وحتى على هذه الرواية لا يدل على أنه ممتد إلى مغيب الشفق.
المسألة الرابعة: قال وقد استدل به أيضاً على أن صلاة الجماعة ليست فرضاً على الأعيان في كل حال، يعني حكم صلاة الجماعة هل هي فرض أو لا؟ يقول استدل بها على أن صلاة الجماعة ليست فرضاً على الأعيان في كل حال.
المؤلف رحمه الله يناقش هذا الاستدلال، يقول: الآن أبيح له أن يأكل العشاء ويتأخر عن الصلاة وقد تفوت صلاة الجماعة، لكن فُتحت صلاة الجماعة لعذر، وأنتم تقولون صلاة الجماعة ليست فرضاً على الأعيان يعني مطلقاً، سواء بعذر أو بغير عذر. يقول: لا، هذا الحديث يدل على أن صلاة الجماعة ليست فرضاً حال العذر.
قال وهذا صحيح إن أريد به أن حضور الطعام عذر في ترك الجماعة، وإن أريد به الاستدلال على أنها ليست فرضاً من غير العذر لم يصح ذلك. يعني هذا الحديث لا يدل على أن صلاة الجماعة ليست فرضاً مطلقاً، لكن يدل على أن تقديم الطعام عذر في التخلف عن الجماعة، أما من ليس بمعذور فإنه يجب عليه أن يصلي الجماعة.
المسألة التي بعدها، الخامسة: عند تزاحم الأمر المتعلق بوقت العبادة أو مكانها مع الأمر المتعلق بروح العبادة، فإنه يقدم الأمر المتعلق بروح العبادة. عبر عنها بقوله: «وفي الحديث دليل على تقديم فضيلة حضور القلب». وفي بعض النسخ، وعندي حتى في نسختي، قال: «دليل على فضيلة تقديم...» لا، هي بالعكس، تقديم فضيلة حضور القلب في الصلاة على فضيلة أول الوقت.
يقول: فإنهما لما تزاحما، إما أن يأكل ما يجعله يخشع في صلاته ثم يصلي متأخراً عن أول الوقت، أو أنه يصلي أول الوقت لكنه يصير مشوش القلب؛ فهنا هذا الحديث يدل على تقديم الطعام على الصلاة فيصلي وهو حاضر القلب. وهذا الدليل على أنه يقدم ما يتعلق بروح العبادة على ما يتعلق بزمانها أو مكانها.
ولهذا أمثلة، كون الإنسان مثلاً دخل مسجداً وقد أقيمت الصلاة، والصف الأيمن التكييف فيه عالٍ جداً، فيقول: أنا أريد أن أصلي في الصف الأيمن لأنال فضيلة الميم من الصفوف، لكني إن صليت بالصف الأيمن لن أخشع لأن تبريد المكيف عالٍ جداً ويؤذيني ذلك، وإن صليت في الصف الأيسر -والصف الأيسر أقل فضيلة من الصف الأيمن- لكنني إذا صليت في الصف الأيسر التبريد معتدل وأنا أرتاح لهذا المكان وهذه الآية، فنقول: الأفضل تصلي بالصف الأيسر.
لماذا؟ قال الصف الأيمن أفضل، نقول: إذا تعارضت الفضيلة المتعلقة بذات العبادة مع الفضيلة المتعلقة بزمانها أو مكانها، فإنه تقدم الفضيلة المتعلقة بذات العبادة. وهو ما عبر عنه المؤلف هنا قال: فإنهما لما تزاحما قدم صاحب الشرع الوسيلة إلى حضور القلب على أداء الصلاة أول الوقت؛ لأن هذه المقدمة لحضور القلب في الصلاة هي فضيلة متعلقة بذات العبادة، أما صلاة أول الوقت فهي فضيلة متعلقة بزمان العبادة، فتقدم الفضيلة المتعلقة بذات العبادة على الفضيلة المتعلقة بزمانها أو مكانها.
المسألة اللاحقة لها: هل الحكم مخصوص بالطعام أو لا؟ يقول: والمتشاكل أيضاً قد لا يقصرون الحكم على حضور الطعام. طبعاً هما مسألتا: هل الحكم خاص بالطعام أو لا؟ يعني يقاس عليه ما مثله مما يشتاق إليه الإنسان؟ والمسألة الثانية: هل حضور الطعام بين يديه يقاس عليه تشوفه إلى الطعام ولو لم يحضر؟
المؤلف رحمه الله يتكلم عن المسألة الثانية، ليس عن الأولى، قال: تشوفون إلى المعنى أيضاً قد لا يقصرون الحكم على حضور الطعام، بل يقولون به عند وجود المعنى، وهو التشوف إلى الطعام. يعني لو كان مثلاً الطباخ يطبخ ولم ينضج الطعام بعد وقد أقيمت الصلاة والمصلي يشم رائحة الطعام، فهل نقول ينتظر إلى أن ينضج الطعام ثم يأكله ثم يصلي، أو نقول يصلي؟
من العلماء من قال: ينتظر إلى أن يفرغ ثم يصلي؛ لأن العلة واحدة وهي تشويش القلب، ومنهم من يقول: لا، الحديث خاص بحضور الطعام، وهنا الطعام لم يحضر بعد. المؤلف رحمه الله يقول التحقيق في هذا أن الطعام عنده تفصيل؛ يقول إن الطعام إذا لم يحضر فإما أن يكون متيسر الحضور عن قريب حتى يكون كالحاضر، أو لا.
فإن كان الأول فلا يبعد أن يكون حكمه حكم الحاضر، يعني مثلاً الطباخ انتهى، ما بقي إلا أن يجعل الطعام في الأواني ويقدمها وما زال في القدر، فحضوره قريب، فهنا المؤلف يقول: إذا كان حضوره قريباً جداً فهنا يلحق بالحاضر حقيقة. لكن إذا كان حضوره بعيداً، وهو ما مثلنا قبل قليل لم ينضج بعد، فهنا يقول: فإن كان الثاني وهو ما يتراخى حضوره فلا ينبغي أن يلحق بالحاضر؛ فإن حضور الطعام يوجب زيادة تشوف وتطلع إليه، وهذه الزيادة يمكن أن يكون الشارع قد اعتبرها في تقديم الطعام على الصلاة، فلا ينبغي أن يلحق بها ما لا يساويها للقاعدة الأصولية: «أن محل النص إذا اشتمل على وصف يمكن أن يكون معتبراً لم يُلغَ».
يقول: إذا كان حضور الطعام قد يتأخر فهنا لا يلحق بالحاضر، لماذا؟ أليس نفسه يتشوف له؟ قال: نعم صحيح يتشوف له نفسه، بس في حضور الطعام تشوف أكثر؛ فالعين تبصر والأنف يشم، بخلاف الذي أكله متيسر يعني جاهز للأكل، بخلاف ما لم يتهيأ بعد، فإنه قد لا يكون رآه بعينيه فقط، بل شمه بأنفه وأيضاً أكله غير متيسر الآن. فيقول لك: يعني الطعام الحاضر إذا زاد بأوصاف على الطعام الذي لم يحضر ولن يحضر قريباً، فزاد بأوصاف، ويقول: هذه الأوصاف الزائدة قد يكون الشارع قد اعتبرها، فلا نلحق بها ما لم تتحقق فيه هذه الأوصاف. وذكر لك القاعدة الأصولية التي ذكرها، ونصها كما قال هنا: «إن محل النص إذا اشتمل على وصف يمكن أن يكون معتبراً لم يُلغَ»، محل النص الذي هو.
حضور الطعام، حضور الطعام هو محل النصب؛ حضور الطعام إذا قدمت الصلاة عليه، فإن فيه تشوفا في النفس للطعام؛ فقد أبصرته العينان، وشمّه الأنف، وتيسر تناوله. فهذه الأوصاف الثلاثة قد تكون هي التي أثرت في كون الطعام يقدم على الصلاة، وهذه الأوصاف لم تتوفر كلها في الطعام الذي لم يتهيأ بعد، فلذلك نقول: لا يلحق به ما لم يتهيأ بعد.
هناك مسألة أخرى وهي: هل يلحق بالتوق إلى الطعام التوق إلى غيره أو لا؟ فكان يقول: وينبغي أن يقاس على حضور الطعام ما كان في معناه مما يؤدي إلى عدم الخشوع، كما قيس على قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يقضي القاضي وهو غضبان» ما في معناه من الجوع والعطش الشديد والغم والفرح ونحو ذلك.
يقول إنه يقاس على حضور الطعام وتشوف القلب له غيره مما يتفق معه في العلة من تشوش القلب. يقول: كما قسنا على قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يقضي القاضي حين يقضي وهو غضبان» ما كان مثل الغضب مما يؤدي إلى تشوش قلب القاضي؛ كالجوع الشديد، أو العطش الشديد، أو الحر الشديد ونحو ذلك. وهي لم ينص عليها في الحديث، لكن العلماء استنبطوا ذلك من المعنى.
قال: وكذلك يرى أنه يستنبط من هذا الحديث أن ما يؤثر على قلب المصلي، ما كان حاضرا أو قريب الحضور، أنه يقدم على الصلاة.
نقف على هذا، ونسأل الله للجميع التوفيق والسداد. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان