بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفاهيم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا وعملًا صالحًا كريمًا. أما بعد:
هذا هو المجلس الثاني والأربعون من مجالس التعليق على أحكام الأحكام، شرح عمدة الأحكام، رحمة الله تعالى عليه. كنا قد توقفنا على حديث عائشة رضي الله عنها في باب المواقيت من كتاب الصلاة: «لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافع الأخبثان». أسأل الله لي ولكم التوفيق.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمستمعين. يقول المؤلف رحمه الله تعالى: «ولمسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافع الأخبثين».
هذا الحديث يدخل في العموم من الحديث الأول، أعني بالنسبة إلى لفظ الصلاة. والنظر إلى المعنى يقتضي التخصيص، وهو الأليق بمذهب الظاهرية، وقد قدمنا ما يتعلق بحضور الطعام. وطبعًا فيه سقط عندكم وهنا أيضًا في النسخة: "النظر إلى المعنى يقتضي التخصيص"، هذا صحيح، بعده: "يكثر التخصيص ببعض الصلوات، والنظر إلى اللفظ يقتضي التعميم".
هنا المؤلف رحمه الله تعالى ذكر حديث عائشة رضي الله عنها، وقال: «ولمسلم»، فهذا الحديث من أفراد الإمام مسلم رحمه الله تعالى. وهذا من الأحاديث التي لم يلتزم فيها المؤلف رحمه الله تعالى بشرطه الذي ذكره في مقدمته، وأنه إن الحديث سيكون مما اتفق عليه الشيخان رحمهما الله تعالى، لكنه هنا بدأ بهذا، وهذا من غير الغالب، وأن هذا من أفراد الإمام مسلم، وحما الله تعالى. وسبقًا قدمنا ونبهنا مرارًا على بعض الروايات، ولعل هذه الرواية قد تكون عند البخاري ومسلم بمعنى أو نحو ذلك كما ذكر الشراح رحمهم الله تعالى.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافع...». الحديث السابق في الصلاة بحضرة الطعام، إذا أقيمت الصلاة وحضر العشاء، تبدأ بالعشاء. ابن عمر رضي الله عنهما هنا أحدث عشية صلاته بحضرة الطعام. المؤلف رحمه الله تعالى حمل الصلاة في قوله في الحديث السابق -إذا أقيمت الصلاة- حملها على صلاة المغرب، وذكر أدلتهم.
بحضرة الطعام أيضًا، هل هو فقط في المغرب أو لا؟ يقول: هذا الحديث أدخل في العموم من الحديث الأول، يعني دلالته على العموم أقوى من الحديث السابق. لماذا؟ يقول: أعني بالنسبة إلى الصلاة، فالصلاة تحمل على العموم؛ لأن "لا" هنا لني الجنس، "لا صلاة" تنفي الجنس، و"صلاة" نكرة وقعت في سياق النفي فتعم، فيكون عامًا في كل صلاة.
ثم قال المؤلف رحمه الله: "والنظر إلى المعنى". الآن عندنا الحديث السابق دلت قرائن على أنه يراد بها المغرب، وهذا الحديث ما فيه قرائن. فإما أن ننظر إلى المعنى، والمعنى قد يكون للرخص، ليدل على أنه المغرب، فإذا نظرت إلى المعنى والمعنى يقتضي التخصيص ببعض الصلوات، فالقرائن التي دلت على تخصيص المغرب والتي قدمها المؤلف رحمه الله في السابق، أن الصلاة تُكره بحضرة الطعام سواء كان صومًا أو غير ذلك.
نواصل طبعًا، ويشمله الدخول فيها، وأيضًا لم يكن الوقت قد ضاق. وقد قدمنا ما يتعلق بحضور الطعام، لأن التفصيل في الصلاة على حضور الطعام قد سبق، الآن سيتكلم عن الصلاة في حال مدافع الأخبثين. وقوله: «وهو يدافع الأخبثين»، هذه كلها تشغل القلب عن الخشوع، ويلحق بها ما كان في معناها مما يشغل القلب ويذهب كمال الخشوع، كما لو كان في حر شديد ونحو ذلك.
وقوله: «يدافع الأخبثين»، "يدافع" من "المفاعلة" من الجانبين، فكأنهما يدفعان أنفسهما، الأخبثان لينفتح لهما المخرج فيبرزا، ويدفعهما الشخص بضم المخرج وانضمام فخذيه ليدفعهما إلى الداخل، وهذه حقيقة المفاعلة، وهذه ذكرها الصفدي رحمه الله في كشف اللثام.
قال رحمه الله تعالى: «والأخبثان: الغائط والبول، وقد ورد مصرحًا به في بعض الأحاديث. ومدافعة الأخبثين إما أن تؤدي إلى الإخلال بركن أو شرط أو لا، فإن أدى إلى ذلك امتنع دخول الصلاة معه، وإن دخل واختل ركن أو شرط فسدت الصلاة بذلك الاختلال، وإن لم يؤدِ إلى ذلك فالمشهور فيه الكراهة».
أحسن الله إليكم، الأخبثان هما الغائط والبول، وكذلك الريح. أما مدافعة الأخبثين، فإما أن تؤدي هذه المدافعة إلى الإخلال بركن أو شرط، أو لا تؤدي إلى ذلك. تؤدي إلى الإخلال بركن، مثل ركن الطمأنينة؛ فمثلاً إذا صلى واطمأن، يخرج منه الأخبث إما الغائط أو البول أو الريح.
وكذلك لو أدى إلى الإخلال بشرط من شروط الصلاة، فمثلاً إذا استقبل القبلة، واخشى أن يخرج منه شيء، فإنه قد يضطر للصلاة إلى غير القبلة، فنقول هنا أدت مدافعة الأخبثين إلى الإخلال بالشرط. فإن أدى إلى ذلك امتنع دخول الصلاة معه، فإن دخل واختل ركن أو شرط فإن الصلاة تبطل؛ بمعنى أنه لو دخل في الصلاة وأسرع فيها ولم يطمئن، نقول صلاته باطلة، ولو صلى إلى غير القبلة نقول صلاته باطلة.
طيب، إن لم يؤدِ إلى ذلك، يعني صلى ويدافع الأخبثين لكنه لم يخل بركن أو بشرط، فماذا نقول؟ يقول: «فالمشهور فيه الكراهة»، وهذا قول الجمهور رحمهم الله تعالى. هذا قول الجمهور إذا كان في الوقت سعة، أما إذا لم يكن في الوقت سعة -بمعنى أن الوقت مضيق- كأن يبقى من الوقت مقدار أربع صلوات وهو الآن عليه صلاة الظهر ويدافع الأخبثين، فنقول: مدافعة ليست شديدة جدًا، فيصلي على حسب حاله محافظة على حرمة الوقت ولا يجوز له تأخيرها.
قال: "المشهور فيه الكراهة"، الآن سيذكر قول الإمام مالك رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: «ونقل عن مالك أن ذلك مؤثر له بشرط شغله عنه، وقال يعيد في الوقت وبعده، وتأوله بعض أصحابه على أنه إن شغله شغلاً حتى إنه لا يدري كيف صلى فهو الذي يعيد قبل وبعد، وأما إن شغله شغلاً خفيفًا لم يمنعه من إقامة حدودها وصلى ضامًا بين وركيه فهو الذي يعيد في الوقت». وقال القاضي عياض: «وكلهم مجمعون على أن من...»
بلغ به ما لا يعقل به صلاته ولا يضبط حدودها، إنه لا يجوز ولا يحل له الدخول كذلك في الصلاة، وأنه يقطع صلاته إن أصابه ذلك فيها. وهذا الذي قدمناه من التأويل، وكلام القاضي عياض فيه بعض الإجمال، والتحقيق ما أشرنا إليه أولا؛ أنه منع للركن أو شرط امتنع دخوله الصلاة معه ففسدت الصلاة إن منع.
مربوط عندي بالضمني، أحسن الله؛ أنه إن منع من ركن أو شرط امتنع الدخول في الصلاة معه وفسدت الصلاة باختلال الركن والشرط، وإن لم يمنع من ذلك فهو مكروه إن نظر إلى المعنى، أو ممتنع إن نظر إلى ظاهر النهي، ولا يقتضي ذلك الإعادة على مذهب الشافعي.
أحسنت. هنا يقول الآن يتكلم عن المدافعة، المدافعة غير الشديدة التي لا تؤدي إلى الإخلال بركن. يقول: نقل عن الإمام مالك رحمه الله أن ذلك مؤثر في الصلاة بشرط شغله عنه. ذكر القاضي عياض في إكمال المعلم: نقرأ عن الإمام مالك رحمه الله أن الذي يعجل صلاته من أجله هو الذي يشغله.
يعني إذا كان يشغله، كيف نعرف أنه أشغله عنها أو لا؟ استعجل لأجله فبدأ يخفف الصلاة، لم يخل بالطمأنينة لكنه خفف في الصلاة عن المعتاد لأجل مدافعة الأخبثين، فيرى الإمام مالك رحمه الله أن ذلك مؤثر في الصلاة، وقال يعيد في الوقت وبعده؛ يعني سواء سأل عن حالته في الوقت فنقول له يعيد، أو سأل عن حالته بعد الوقت فنقول له أيضا يعيد لوقوعه في النهي.
يقول: وتأوله بعض أصحابه، مالك رحمه الله أطلق الكلام "أن شغله عنه"، فبعض أصحابه قال: لا، المراد أن شغله عنه بحيث إنه اشتغل قلبه عن الخشوع بحيث لا يدري كم صلى، فهو الذي يعيد قبل وبعد، فهو الذي نقول يعيد سواء سألنا في وقت الصلاة، ولم يقل بعد أو سألنا بعد الصلاة.
أما الشغل الخفيف الذي لا يمنعه إقامة حدودها، يعني هو الذي قلنا إنه لا يخل بركن ولا بشرط. قال: وصلى ضامًا بين والديه، فهو الذي يعيد في الوقت. هنا القاضي عياض رحمه الله في إكمال المعلم قال: كلهم مجمعون على أن من بلغ به ما لا يعقل به صلاته وحدودها أنه لا يجوز.
طبعا اللي في الإكمال أنه لا تجزئ ولا يحل له الدخول كذلك في الصلاة، وأنه يقطع صلاته إن أصابه ذلك فيها. يعني رحمه الله يقول: إذا بلغ مدافع أحد الأخبثين بحيث إنه لا يعقل خلاص، متجه تفكيره وقلبه إلى مراقبة أحد لا يخرجه وهو يصلي، فلا يدري يقرأ الفاتحة، يذكر أذكار الركوع والتشهد وهو لا يعلم شيئا، منشغل قلبه بما قد يخرج من أحد السبيلين، فيقول: هذا لا تجزئه الصلاة ولا يحل الدخول فيها، وأنه إذا أتاه هذا العارض أثناء الصلاة فإنه يجب علينا اقتطاعه.
إذا، هذا نستطيع أن نقول من تحريف محل النزاع. ذكر ابن العطار رحمه الله أن مدافعة الأخبثين لها أحوال ثلاثة:
الحالة الأولى التي ذكرها القاضي أن يكون بحيث لا يعقل الصلاة ولا يضبط حدودها، فهذا لا تحل له الصلاة ولا الدخول فيها إجماعا.
الحالة الثانية أن يعقلها، يدري أنه يقرأ الفاتحة، يركع، لكن لا يعلم كل تفكيره متجه إلى... ولا قلت له الركعة الأولى، ما يتذكر هل سجد سجدتين ولا ثلاث، ما يتذكر لأن كل تفكيره متجه إلى... فهذا لا تصلح. وهناك حالة أخف، يعني يعقل صلاته لكن ذهب الخشوع فقط، لكن يعلم أنه صلى أربع ركعات وأنه لم يزل بأركانه ولم ينقص شيئا لكن الخشوع لا يوجد، فهذا مذهب الجمهور عدم بطلان الصلاة لأنهم يرون أن الخشوع أمر مؤكد غير واجب، ونقل عنه الشافعي رحمه الله البطلان؛ يعني الشافعي رحمه الله تعالى استبعدوا ذلك، والدخول فيها مع فقدان الخشوع قد يقال بمنعه وقد يقال بكراهته، وذكر أنه المتعين.
الثالث: أن يكون بحيث يؤدي إلى الإخلال بركن أو بشرط، قدمنا لكم مثالا، فهذا يمتنع معه الدخول، فإن دخل واختل ركن أو شرط فسدت صلاته، وإن دخل ولم يخل بركنه فإن المشهور الكراهة.
الرابع: أن يكون بحيث يؤدي إلى الشك في ركن من الأركان، فهذا حكمه حكم من شك في ركن، البناء على اليقين. ذكره ابن العطار رحمه الله في شرحه فإنه يقول: فإنه مكروه إن نظر إلى المعنى.
يعني يقول هذا على قولين عند أهل العلم: هل نقول دخوله في الصلاة مكروه أو محرم ضمن هذا؟ مبني على نفي الصحة في الصلاة، هل هناك صحة أو نفي كمال؟ فمن يقول إنه نفي صحة نظر إلى ظاهر اللفظ، وقال: إذا لا تصح، كحضور الطعام. ومن نظر إلى المعنى، وإن المقصود أنه قد يمنعه الخشوع في الصلاة أمر مؤكد، وأكثر أهل العلم رحمه الله تعالى لأن الخشوع مستحب وليس بواجب، فإذا فقده فإنه لم يفقد أمرا واجبا في الصلاة، ولذلك قالوا إن النفي هنا نفي الكمال لا نفي الصحة. لذلك قال: وإن لم يخل بذلك فهو مكروه إن نظر إلى المعنى، وأنه يمتنع أو يحرم إن نظر إلى ظاهر النهي، ولا يقتضي ذلك الإعادة على مذهب الشافعي وكذلك على مذهب الإمام أحمد رحمه الله.
الآن سيذكر لك مناقشة ما نقل من تفسير وتقييد الكلام للإمام مالك رحمه الله تعالى. أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: «وأما ما ذكر في التأويل لأنه لا يدري كيف صلى»، أو ما قال القاضي عياض: «أما من بلغ به ما لا يعقل صلاته، فإن أريد بذلك الشك في شيء من الأركان فحكمه حكم من شك في ذلك بغير هذا السبب وهو البناء على اليقين، وإن أريد به أنه يذهب الخشوع بالكلية فحكمه حكم من صلى بغير خشوع».
ومذهب جمهور الأمة أن ذلك لا يبطل الصلاة. وقوله: «وأما ما ذكر أنه لا يدري كيف صلى»، تأول بعض أصحاب الإمام مالك كلام الإمام مالك أنه يقصد بشرط شغله عنه بحيث لا يدري كم صلى. وكذلك قال القاضي: «إن من بلغ بما لا يقاتل»، فيقول هذا: إن أريد به الشك في ركن نحمله على من شك في عدم فعل ركن، واليقين أن يأتي به ولا نقول إن صلاته باطلة، وإن أريد به أنه يذهب الخشوع بالكلية، هل هذا يقتضي بطلان الصلاة؟ لا، فحكمه كحكم من صلى بغير خشوع، ومذهب جمهور الأمة رحمه الله تعالى أن ذلك لا يبطل الصلاة، لأن الخشوع مستحب، ومنهم من قال إنه واجب للصلاة.
واجب للصلاة وليس واجباً فيها، بمعنى أنه يأثم إن تركه لكن تصح صلاته. وأكثر أهل العلم أنه مستحيل، ومن العلماء من قال إنه واجب من واجبات الصلاة، فكان قوله قليل من أهل العلم، رحمهم الله تعالى.
على كل الجمهور أنه إذا يحمل النفي على الكمال، يقول؛ لأننا ننظر إلى المعنى، لماذا؟ لأنه سيؤدي به ذلك إلى تركه، وهو لو ترك الصلاة فإن صلاته -إذا قالوا في الحديث يحمل على نفي الكمال- نعم، أحسن الله إليكم.
قال رحمه الله تعالى: وقول القاضي: «ولا يضبط حدودها»، إن أريد به أنه لا يفعلها كما وجب عليه فهو ما ذكرناه مبيناً، وإن أريد به أنه لا يستحضرها فإن أوقع ذلك شكاً في فعلها فحكمه حكم الشاك في الإتيان بالركن أو الإخلال بالشرط من غير هذه الجهة، وإن أريد به غير ذلك من ذهاب الخشوع فقد بيناه أيضاً.
يقول أيضاً قول القاضي: «ولا يضبط حدودها»، إن أراد بها أنه لا يفعل كما يجب عليه، ما عمل ركناً أو شرطاً يمكننا الدخول به، فالممنوع هو المكروه. وإن أريد به أنه لا يستحضرها، فيحتمل المعنيين اللذين ذكرناهما في الجملة السابقة؛ يحتمل الشك، ويحتمل عدم الخشوع، وعلى كلا الاحتمالين فإن صلاته صحيحة، فالشاك يأتي بما شك به، ومن ذهب خشوعه فإن صلاته تصح، نعم، أحسن الله إليكم.
قال رحمه الله تعالى: وهذا الذي ذكرناه إنما هو بالنسبة إلى إعادة الصلاة، وأما بالنسبة إلى جواز الدخول فيها، فقد يقال إنه لا يجوز له أن يدخل في صلاة لا يتمكن فيها من تذكر إقامة أركانها وشرائطها.
يقول هذا الذي ذكرناه، هذا بالنسبة لإعادة الصلاة هل يعيدها أو لا يعيدها، لكن عندنا في البداية: هل يجوز له أن يدخل في صلاة وهو يدافع الأخبثين؟ يقول لك قد يقال احتمال إنه لا يجوز له أن يدخل في صلاة لا يتمكن فيها من تذكر إقامة أركانها وشرائطها. فيمكن أن يحمل الحديث على النهي؛ النفي يراد به النهي لمن أراد الابتداء، فيقال له: لا تدخل، لكن من شرع وانتهى نقول له: صلاتك صحيحة، لكنها ليست على الكمال المطلوب.
والنفي إذا جاء في النصوص الشرعية فالأصل أن يحمل على نفي الوجود، فإن تعذر هذا فنحمله على نفي الصحة، وإن تعذر حمل على نفي الصحة فنحمله على نفي الكمال. فهنا نطبقها على هذا الحديث: «لا صلاة بحضرة طعام». هل يمكن أن نقول لا يمكن أن توجد صلاة بحضرة الطعام؟ لا، هذا النفي ليس لنفي الوجود، فيوجد صلوات بحضرة الطعام. فإذا تعذر، ننتقل إلى المرتبة الثانية: نفي الصحة، أن نقول لا تصح صلاة بحضرة الطعام، هذا قال به قليل من أهل العلم كأهل الظاهرية رحمهم الله تعالى، وأيضاً في بعض الأحوال يقول به جماعة من أصحاب المذاهب الأربعة. والذين لم يحملوه على نفي الصحة، قالوا دلت القرينة أنه لا صلاة في نفي الصحة، فحملوه على نفي الكمال.
وقد قال الناظم رحمه الله تعالى: والنفي للوجود ثم الصحة ثم الكمال فرعين الرتبة فإذا جاءك نفي في النصوص الشرعية، فأول ما تفسره بنفي وجوده، فإذا كان هو موجود فتفسره بنفي الصحة. في الوجود مثل: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾، الخلق الذي هو إيجاد من العدم، لا خالق إلا الله، فهنا لا يوجد خالق غير الله تعالى. أما في الصحة، فمثل: لا صلاة في غير وضوء، أو «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ»، فهنا يحمل النفي على نفي الصحة ونفي الكمال كما في هذا الحديث.
قال رحمه الله تعالى: وأما ما أشار إليه بعضهم من امتناع الصلاة مع مدافعة الأخبثين من جهة أن خروج النجاسة من مقرها يجعلها كالبارزة ويوجب انتقاض الطهارة وتحريم دخوله في الصلاة من غير التأويل الذي قدمناه، فهو عندي بعيد؛ لأنه إحداث سبب آخر في انتقاض الطهارة من غير دليل صريح فيه، فإن أسنده إلى هذا الحديث فليس بصريح في أن السبب ما ذكره، وإنما غايته أنه مناسب أو محتمل، والله أعلم.
أحسنت، يعني ذكر هنا احتمالاً ذكره بعض العلماء، يقولون إن النبي ﷺ قال ينطبق على الجملة الثانية: «لا تصح الصلاة مع مدافعة الأخبثين»، يقولون لأنه إذا دافع الأخبثين فالنجاسة في بدنه تحركت من مقرها إلى أن صارت قريبة من الخروج، فلما كانت قريبة من الخروج أعطيت حكم الخارج، فتنقض الطهارة بذلك ويحرم الدخول في الصلاة.
قال المؤلف رحمه الله: هذا عندي بعيد، لماذا؟ لأنه إحداث سبب آخر في انتقاض الطهارة. عندنا الأصل بقاء الطهارة، لا نقول بانتقاض الطهارة إلا إذا وجد خروج الخارج من أحد السبيلين، دل عليه الدليل أن خروج الخارج من أحد السبيلين ينقض الوضوء، أما تحركه في نفس الجسم بدون خروجه فهذا لا دليل على أنه ينقض الطهارة، فما دام أنه لا يوجد دليل على ذلك، فنبقى على أصل الطهارة.
يقول: فإن أسنده إلى هذا الحديث، فلو قال هذا الحديث يدل، نقول لا، هذا الحديث لا يدل؛ هذا الحديث يدل على أنه ينهى عن الصلاة بهذه المدافعة، ليس بصريح، فإن السبب وإنما غايته أنه منعٌ محتمل، يعني قد نقول إنه توجد وجه مناسبة أو يوجد احتمال، هذا هو المقصود، لكن عندنا هذا الاحتمال ضعيف، وعندنا الأصل بقاء الطهارة. ولذلك النبي ﷺ في حديث عبد الله بن زيد قال: «حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً»، لأن الأصل بقاء الطهارة فلا ننصرف عنها إلا بيقين.
وفي أهل الحديث دليل على أن المصلي ينبغي أن لا يدخل في الصلاة إلا وقلبه فارغ من كل ما يشغله ويذهب خشوعه؛ لأن الإنسان -أو بالأصح نُفيت الصلاة عنه إذا قلنا النفي للكمال- فيكون النهي عن الصلاة لأنه إذا صلى سيكون قلبه مشغولاً بالطعام أو بمدافعة الأخبثين، فدل ذلك على أنه ينبغي أن يكون أن يفرغ قلبه من الشواغل ليقبل على صلاته، ويقبل على استحضار لقائي ربي عز وجل. وبالنسبة للصلاة، من طرأ عليه الأخبثان وهو في الصلاة، أو طرأ عليه الطعام للأكل وهو في الصلاة، يعني كان ذلك في أثناء الصلاة ولم يكن ذلك قبل الصلاة، يقول ابن مفلح رحمه الله في...
النكت، لم أجد أحداً صرح بكراهة صلاة من طرأ عليه ذلك، ولا من طرأ عليه التوق للأكل في أثناء الصلاة.
إن الكراهة التي يتكلم عنها العلماء المتقدمون يتكلمون عنها في ما إذا كانت المدافعة، أو كان الداعي إلى الطعام قبل التكبير، أما إذا كانت في الصلاة فإنه لم يتكلموا عنها.
يقصد بالمدافعة ما قبلها من الأسباب، رحمه الله تعالى، لكن على كل حكم واحدة، سواء كان ذلك قبل أو أثناء الصلاة، فإن العلة فيها واحدة.
نقف على هذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان