دخولتسجيل الدخول

التعليق على إحكام الأحكام – كتاب الصلاة (3) باب المواقيت شرح الحديث الرابع من أحاديث الباب

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا، وزدنا علما وعملا صالحا كريما. أما بعد:

فقد كنا قد توقفنا في تعليقنا على أحكام الأحكام رحمه الله تعالى، على الحديث الرابع من أحاديث باب المواقيت في كتاب الصلاة. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين.

قال المصنف رحمه الله تعالى في الحديث الرابع عن أبي هريرة، سيار بن سلمة، قال: دخلت أنا وأبي على أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه، فقال له أبي: كيف كان رسول الله ﷺ يصلي المكتوبة؟ قال: كان يصلي الهجير التي تدعونها الأولى حين تدحف الشمس، ويصلي العصر، ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حية، ونسيت ما قال في المغرب. وكان يستحب أن يؤخر العشاء التي تدعونها العتمة، وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها، وكان ينفلت من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه، ويقرأ بالستين إلى المئة.

أبو برزة الأسلمي اختلف في اسمه، وأشهر ما قيل فيه وأصححه نضلة بن عبيد، ويقال نضلة بن عبد الله، ويقال نضلة بن عائض بالذال المعجمة. قيل مات سنة أربع وستين، وقيل مات بعد ولاية ابن زياد قبل موت معاوية سنة ستين، وكانت وفاته بالبصرة.

وقد تقدم أن لفظة «كان» تشعر عرفا بالدوام والتكرار، كما يقال: كان فلان يكرم الضيف، وكان فلان يقاتل العدو، إذا كان ذلك دأبه عادته.

تكلم المؤلف رحمه الله تعالى في حديث أبي برزة الأسلمي وذكر أن أبا برزة اختلف في اسمه، وأيضا اختلف في اسم أبي على أقوال، وذكر أن صحها نضلة بن عبيد، وقيل نضلة بن عبد الله، وقيل بالعكس في كل منهما، فقيل عويدنا، وقيل عبد الله بن نضلة، وذكر خامسا أنه نضلة بن عائض، غير ذلك. ومات سنة أربعين أو سنة ستين من الهجرة رضي الله تعالى عنه.

وهذا الحديث في ذكر وقتي صلاة النبي ﷺ للصلوات الخمس في غالب وقته أو في غالب أحواله ﷺ. هنا ذكر قال: إن لفظة «كان» تشعر عرفا بالدوام للتكرار؛ لأنه قال: «كان يصلي الهجير» إلى آخره، فهذه تشعر بالدوام والتكرار غالبا لا دائما، وإنما استفدنا كون ذلك غالبا من تصرف الصحابة رضي الله عنهم في ذكر أفعال النبي ﷺ. فمثلا يكون: «كان يقرأ في صلاة الجمعة سورة الغاشية»، وجاء في بعض الأحاديث أنه «كان يقرأ في صلاة الجمعة سورة الجمعة والمنافقين»، فكلمة «كان» إذا لم تكن تدل على الدوام، وإذا قلنا إنها تدل على الدوام دائما لقلنا بين الحديثين تعارض، لكنها تدل عليه غالبا.

قال رحمه الله: والألف واللام في «المكتوبة» للاستغراق، ولهذا أجاب بذكر الصلوات كلها؛ لأنه فهم من السائل العموم. هنا والده سيارة بن سلمة سأل أبا برزة: «كيف كان النبي ﷺ يصلي المكتوبة؟»، فهنا يقول لك المكتوبة، الألف واللام في المكتوبة هذه للاستغراق للجنس؛ لأن الألف واللام أحيانا تأتي للاستغراق التي تأتي بمعنى كل، كأنه يقول الصلوات أو المكتوبات. أحيانا تأتي بمجرد التعريف، وأحيانا تأتي للعهد، وهذا سبق معنا في التعليقة. وهنا يقول الألف واللام هنا للاستغراق، ولذلك مما يدل على أنها تدل على العموم أن أبا برزة أجاب بالصلوات كلهم ولما اكتُفي بصلاة واحدة.

قال رحمه الله: وقوله «كان يصلي الهجير» فيه حذف مضاف، تقديره: كان يصلي صلاة الهجير. وقد قدمنا قبل أن الهجير أو الهاجرة شدة الحر وقوته، وإنما قيل لصلاة الظهر الأولى؛ لأنها أول صلاة أقامها جبريل عليه السلام للنبي ﷺ، على ما جاء في حديث إمام جبريل عليه السلام.

هنا يقول: «كان يصلي الهجير»، هذا من أسماء صلاة الظهر، صلاة الهجير أو الهاجرة. كان في حذف مضاف؛ لأنه ليس هناك صلاة اسمها صلاة الهجير، لكنها صلاة الظهر، ولكن أطلق عليها من باب إطلاق الشارع وقته، فكان يوصل الهجير بالصلاة التي تصلى وقت الظهر وقت شدة الحر.

ويقول: وإنما قيل لها الأولى؛ لأنه قال: «وهي تتبعون الأولى»، لأن أول صلاة أقامها جبريل عليه السلام للنبي ﷺ على ما جاء في الحديث. النبي عليه السلام لما نزل فرض الصلوات الخمس في ليلة الإسراء، في صبيحتها نزل للنبي ﷺ وعلمه أوقات الصلوات الخمس في يومين؛ في اليوم الأول علمه أول الوقت، وفي اليوم الثاني علمه آخر الوقت بعد صلاة المغرب، فكانت صلاته في اليومين في وقت واحد، وقال له: «الوقت ما بين هذين»، فكانت أول صلاة صلاها النبي ﷺ هي صلاة الظهر، في ذلك سميت صلاة الأولى.

قال رحمه الله: وقوله «حين تدحف الشمس» بفتح التاء والحاء، والمراد به ها هنا زوالها. واللفظة من حيث الوضع أعم من هذا، وظاهر اللفظ يقتضي وقوع صلاته ﷺ للظهر عند الزوال، ولا بد من تأويله.

هنا قوله: «الشمس»، يعني تزول، صلي الهاجرة حين تدحف الشمس، أي تزول. يقول: المراد بها هنا «تدحف»، لكن «دحف» في اللغة على زوال وزلق، كما ذكره ابن فارس في المقاييس، يقول: الدال والحاء والضاد أصل يدل على زوال، هذا أصلها في اللغة. الآن لما كان دخل الشمس يعني زالت، فدحفت الشمس يعني زالت، فهو بعض معناها اللغوي، فسمي الزوال دحضا لأن الشمس تزلق عن مكانها إلى مكان آخر؛ لأنها إذا زالت تجاه ظلها للغرب.

يقول: ظاهر اللفظة يقتضي وقوع صلاته ﷺ الظهر عند الزوال، ولا بد من تأويله عن ظاهره؛ لماذا؟ لأنه لا يمكن أن توقع صلاة الظهر أربع ركعات في هذا الوقت، يعني أن تكون الصلاة كلها في هذا الوقت، فلا بد أن تؤول. الآن سيذكر لك التأويل.

وقد اختلف أصحاب الشافعي فيما تحصل به فضيلة أول الوقت، فقال بعضهم: إنما تحصل بأن يقع أول الصلاة من أول وقت مع أول الوقت، بحيث تكون شروط الصلاة متقدمة على دخول الوقت، فتكون الصلاة واقعة في أوله. وقد يتمسك هذا القائل بظاهر هذا الحديث؛ فإنه قال: «يصلي الظهر حين تزول»، وظاهره وقوع أول الصلاة في أول جزء من الوقت عند الزوال، لأن قوله «يصلي» يجب حمله على «يبتدئ الصلاة»، فإنه لا يمكن إيقاع جميع الصلاة به حين الزوال. سيذكر لك التأويل، طبعا التأويل ذكره في...

آخر الكلام الآن تأويل؛ يعني يقول يصلي، والمراد بيصلي يبتدئ. لماذا قلنا يبتدئ ولم نقل يصلي؟ لأن كل الصادق لا يمكن عقلاً أن توقع أربع سنوات في هذا الوقت، ليزيد في الوقت يسير، فنقول إذاً هذا الوقت هو وقت ابتداء الصلاة.

اكتب، رجع بك إلى مسألة أخرى، وهي الآن من يريد أن يطبق الصلوات في أول وقتها، فكيف يحصل له أجر التبكير والمبادرة بالصلاة في أول وقته؟ لأنه جاء في الحديث -لقد تقدم معنا لما سئل النبي ﷺ عن الصلاة- فقال: «الصلاة على وقتها»، وفي بعض الروايات تفسير ذلك بأنه الصلاة في أول الوقت.

الآن الصلاة، فضيلة الصلاة في أول الوقت تحصل بماذا؟ ذكر لك ثلاثة أقوال: القول الأول الذي ذكره هو الأخذ بالظاهر، بأن تكون تكبيرة الإحرام تكون في أول الوقت، بمعنى أنه يستعد للصلاة من طهارة ونحوها ولباس وكل شيء قبل دخول الوقت، فإذا دخل الوقت يسرع في الصلاة. وهذا القول يستدل صاحبه بالظاهر لأنه قال يصلي الظهر حين تذح الشمس، فدل على أنه يصليها في أول وقتها، فتمسك بالظاهر في قوله يصلي، وتأول قوله حين تذح لأنه أول قوله يصلي إلى يبتدئ، وتمسك بالأصل في قوله حين تذح فأوقعه أو حمله على أول أوقاته.

القول الثاني: قال رحمه الله، ومنهم من قال تمتد فضيلة أول الوقت إلى نصف وقت الاختيار، فإن النصف السابق من الشيء ينطلق عليه أول بالنسبة إلى المتأخر. الثاني أن فضيلة أول الوقت تحصل لمن أوقع الصلاة في نصفها الأول، طبعاً هذا إذا كان للصلاة وقت واحد، أما إذا كان لها وقت اختيار ووقت ضرورة فإنه يوقع في نصف وقت الاختيار الأول؛ لماذا؟ لأنه يقول إن النصف الأول يطلق عليه أولاً بالنسبة لنصفها الآخر، فيكون لأنه وقع في أول وقته، بمعنى لو كانت مثلاً وقت صلاة الظهر ثلاث ساعات، فإذا وقعها في الساعة والنصف الأولى فإنه يكون أوقعها في أول وقتها ويحصل له الفضيلة.

القول الثالث: قال رحمه الله، ومنهم من قال وهو العدل، أنه إذا اشتغل بأسباب الصلاة عقيب دخول الوقت، وسعى إلى المسجد وانتظر الجماعة، وبالجملة لم يشتغل بعد دخول الوقت إلا بما يتعلق بالصلاة، فهو مدرك لفضيلة أول الوقت. ويشهد لهذا فعل السلف والخلف، ولم ينقل عن أحد منهم أنه كان يشدد في هذا حتى يوقع أول تكبيرة في أول جزء من الوقت.

أحسنت، القول الثالث أن المراد أنه تحصل فضيلة صلاة أول الوقت لمن بادر إلى الاستعداد في أول وقتها ولو لم يوقع الصلاة إلا بعد دخول الوقت مثلاً بربع ساعة أو بنصف ساعة ونحو ذلك، مثل الشخص الذي إذا استمع الأذان هنا يترك كل شيء بيده ويستعد للصلاة من وضوء من لباس، مع ذلك يخرج إلى المسجد، أو إذا كانت امرأة تستعجل في بيتها، فهذا يحصل له فضيلة الصلاة في أول الوقت.

ويقول هذا أعدل الأقوال؛ لماذا؟ لأنه يقول يشهد له فعل السلف والخلف، فهم لم يكونوا يقصدون إيقاع الصلاة في أول جزء من وقتها، بل كانوا يستعدون للصلاة ويوقعون الصلاة بعد وقت، لاسيما في صلاة الجماعة صلاة الرجال في الجماعة، فإن يكون هناك وقت بين الأذان والإقامة، لاسيما في الصلوات التي يسبقها نوم فيكون وقته أطول، إضافة إلى أن هناك صلوات لها سنن رواتب يكون إيقاعها قبل أداء الصلاة، أي بين الأذان وأداء الصلاة، تحتاج إلى وقت لكي يوقع فيها هذه السنة. فيقول إن هذا هو أعدل الأقوال.

السلام عليكم. قال رحمه الله وقوله: «والشمس حية» مجاز عن نقاء بياضها وعدم مخالطة الصفرة لها، وفيه دليل على ما قدمناه من الحديث السابق، «والشمس حية» يقول مجازاً، يعني أنه يقدم صلاة العصر لا يؤخرها إلى آخر وقتها، وهذا تقدم الكلام على الوقت الأفضل لصلاة العصر في الحديث السابق.

واحسنت، قال رحمه الله وقوله: «كان يستحب أن يؤخر من العشاء»، يدل على استحباب التأخير قليلاً، لما تدل عليه لفظته من التبعيض الذي حقيقته راجعة إلى الوقت أو الفعل المتعلق بالوقت. أحسنت، هنا يقول كان يستحب التأخير من العشاء، يقول فيه استحباب التأخير لأنه قال يؤخر. أيضاً التأخير يكون بعض الوقت، لماذا استفدنا التأخير من قوله يؤخر من العشاء؟ فالتاخير يكون قليلاً بما تدل عليه لفظته من التبعيض الذي حقيقته راجعة إلى الوقت أو الفعل المتعلق بالوقت، فهو يؤخر من الصلاة قليلاً، ومقدار التأخر هذا دل عليه الحديث السابق. النبي ﷺ كان يراعي أحوال المصلي، فكانوا إذا اجتمعوا قدم، وإذا افترقوا أخر. وأيضاً كان النبي ﷺ ذكر مرة، كان النبي ﷺ أخر صلاته صلاة العشاء مرتين ثم خرج وصلى بهم وقال: «لوقتها لولا أن أشقى أمتي». يعني وقتها الأفضل.

قال رحمه الله وقوله: «التي تدعون العتمة»، اختيار لتسميتها بالعشاء، كما في لفظ الكتاب العزيز، فقد ورد في تسميتها بالعتمة ما يقتضي الكراهة، وورد أيضاً في الصحيح تسميتها بالعتمة، ولعله لبيان الجواز، أو لعل المكروه أن يغلب عليها اسم العتمة بحيث يكون اسم العشاء لها مهجوراً أو كالمَهجور.

هنا يقول: «التي تدعون العتمة»، رضي الله عنه قال كان يستحب أن يؤخر من العشاء التي تدعونها فسماها العشاء، وقالوا هكذا إنما سمى العشاء اتباعاً لما ورد في الكتاب العزيز، فقد ورد اسمها في القرآن العشاء، كما في قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [القصص: 58]. أما تسميتها بالعتمة فورد في بعض الأحاديث ما يقتضي الكراهة كما في قوله ﷺ: «لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم، ألا إن العشاء يسمونها العتمة»، وجاء في الصحيح أيضاً تسميتها بالعتمة: «لو يعلمون ما في العتمة لَأَصْبَحُوا».

فاختلف في الصحيح كل الحديثين في الصحيح، فاختلف العلماء في وجه الجمع بينهما. ذكر لك رحمه الله قوله في وجه الجمع بينهما، قال: الأول لعله لبيان الجواز، والجواز هنا يقصد ما يقابل التحريم، فيقول لك النهي إذاً للكراهة، وفعل أحياناً لبيان أن النهي ليس للتحريم. القول الثاني أن النهي ليس على إطلاقه، إنما هو متوجه لحال من يطلق العتمة على صلاة العشاء حتى يكون اسم العشاء مهجوراً أو شبه مهجور، بحيث لو ينطبق مثلاً على حال قوم لا يعرفون اسم العشاء وإنما دائماً يسمونها العتمة، فإذا وجدوا في النصوص أسماء...

يستغربون ما المراد بالعشاء؟ فهنا يقول لك في هذه الحال يكره إطلاق "العتمة"، لكن إذا كانت تطلق أحياناً عند قوم يعرفون المراد بالعشاء فإنه لا يكره إطلاقها.

إن المعنى في الناهية عن تسميتها بالعتمة هو تنزيه لهذه الصلاة الشريفة الدينية؛ أن يطلق عليها اسم مأخوذ من فعل دنيوي. فالعتمة كما جاء في الحديث "تعتم بالحلاب"؛ لأن الرعاة يؤخرون الحلب إلى وقت الظلام، فكأنه مأخوذ من هذا، وهذه الصلاة يطلق عليها اسم مأخوذ من فعل دنيوي.

قال رحمه الله: وكراهة النوم قبلها؛ لأنه قد يكون سبباً لنسيانها أو تأخيرها إلى خروج وقتها المختار. نعم، كراهة النوم قبلها؛ لأنه قد يؤدي إلى نسيانها أو لتأخيرها، لأن قد يكون السبب هو النوم.

وهذا يمكن أن يكون مثل كراهة من ينام قبل العشاء، لكن أقول إذا كان نادراً. هذا الحديث كان في قوم يكدحون طوال النهار، فإذا غربت الشمس، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يكره النوم قبل صلاة العشاء؛ لماذا؟ لأنه قد يكون سبباً لنسيانها، ثم ينتبه وينسى أنه لم يصلِّ العشاء، أو يكون السبب لتأخير صلاة العشاء إلى خروج وقتها المختار.

قال رحمه الله: وكراهة الحديث بعدها؛ إما لأنه قد يؤدي إلى السهر الذي يفضي إلى النوم عن الصبح، أو إلى إيقاعها في غير وقتها المستحب، أو لأن الحديث قد يقع فيه من اللغط واللغو ما لا ينبغي الختم باليقظة به، أو لغير ذلك، والله أعلم.

أحسنت؛ كراهة الحديث بعد صلاة العشاء ذكر لك ثلاثة معاني، لماذا كره الحديث بعد صلاة العشاء؟ طبعاً بعد العشاء يعني بعد فعلها لا بعد دخول وقتها. ذكر لك ثلاث معاني: المعنى الأول أنه يؤدي إلى سهر يفضي إلى النوم عن صلاة الصبح، فهو منهي عنه أو مكروه من باب سد الذريعة. وإذا أدى السهر إلى النوم عن صلاة الصبح، فإنه يكون هذا السهر محرماً ولو كان على خير؛ هذا شخص يطلب العلم ويمكث يطلب العلم ثم ينام ثم لا يستيقظ لصلاة الفجر، هنا نقول هذا سهر محرم ولو كان على طاعة.

الأمر الثاني: أنه يؤدي إلى إيقاع صلاة الفجر في غير الوقت المستحب، بأن يوقعها في آخر وقتها وقرب طلوع الشمس.

والأمر الثالث: أنه قد يكون الحديث إذا طال يكون فيه لغط ولا نحو ذلك، فيختم يقظته في هذا اللغط، بخلاف ما لو كان آخر فعله في اليقظة الصلاة؛ فالصلاة كفارة لما قبلها، فإذا صلت ثم تحدث ثم نام، فإنه لا يكون هناك شيء يكفره بعده، ولذلك شرع من الذكر عند النوم أذكار تقال كأنها كفارة لما سبقها من اللغط.

بعضهم قال حكمته: إن الليل جعله الله عز وجل سكناً يسكن فيه، فإذا تحدث فيه فقد جعله المتحدث مثل النهار الذي هو وقت تصرف ومعاش، فكأنه قصد إلى مخالفة حكمة الله التي أجرى عليها وجودها.

وهناك حكم أخرى ذكرت في كراهة الحديث بعد صلاة العشاء، لكن هل هذا الحديث بعد صلاة العشاء بكل أحد؟ أو هناك حالات لا يكره فيها الحديث؟ ذكر لك هنا: نعم، قال رحمه الله: والحديث هنا قد يخص بما لا يتعلق بمصلحة الدين أو إصلاح المسلمين من الأمور الدنيوية. فقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم حدث أصحابه بعد العشاء، وترجم له البخاري بـ «باب السمر بالعلم».

ويستثنى منه أيضاً ما تدعو الحاجة إلى الحديث فيه من الأشغال التي تتعلق بها مصلحة الإنسان. نعم، هناك ذكر لك أن الحديث هنا مخصوص، يعني كراهة الحديث هذه ليست عامة؛ فهناك أشياء مخصوصة. فالحديث هنا قد يختص بما لا يتعلق بمصلحة الدين، فإذا كان يتعلق بمصلحة الدين من مباحثات في العلم مثلاً، أو إصلاح المسلمين من أمر دنيوي يتعلق بمصلحة المسلمين فلا بأس به.

صح أن النبي صلى الله عليه وسلم حدث أصحابه بعد العشاء، وكذلك اجتمع أبو بكر وعمر بعد العشاء للتباحث في أمور الدين في أمور تهم المسلمين، وكذلك الأشياء التي تتعلق بها مصلحة الإنسان؛ كالحديث مع الضيف الزائر، والحديث مع الزوجة، وهذا كله من الأمور المستثنيات، لكن بشرط أن لا يكون حديثاً طويلاً يؤدي به النوم عن صلاة الفجر.

قال رحمه الله: وقوله «وكان ينفتل» إلى آخره؛ دليل على التغليس بصلاة الفجر، فإن ابتداء معرفة الإنسان لجليسه يكون مع بقاء الغبش. وقوله «يقرأ ما بين الستين إلى المئة» أي بالستين من الآيات إلى المئة منها، وفي ذلك مبالغة في التقديم في أول الوقت، لا سيما مع ترتيل قراءته رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله أعلم.

أحسنت؛ قوله «كان ينفتل» إلى آخره، يقول بصلاة الفجر. هذا يقول الآن نحن أخذناه من حال النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى الفجر أطال، يقرأ ما بين الستين إلى المئة، فإذا قرأ القراءة المتأنية ما بين الستين إلى المئة ثم انتهى من صلاته، فإن الشخص الذي كان قريباً منه يبدأ يعرف، فلدى أن النبي صلى الله عليه وسلم يقدم الصلاة في أول الوقت، ولا يصلي مع الإسفار كما يقول فقهاء الحنفية، رضي الله تعالى عنهم.

وهذا فيه مبالغة في التقديم في أول الوقت مع ترتيل قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ونسأل الله للجميع التوفيق والسداد، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.