مسألة التاسعة: الإناء عام بالنسبة إلى كل إناء، والأمر بغسله للنجاسة إذا ثبت ذلك يقتضي تنجيس ما فيه، فيقتضي المنع من استعماله. وفي مذهب مالك قول: إن ذلك يختص بالماء، وأن الطعام الذي ولغ فيه الكلب لا يراق ولا يجتنب. وقد ورد الأمر بالاراقة مطلقا في بعض الروايات الصحيحة.
هنا يتكلم عن لفظة إناء: ولوغ الكلب في إناء أحدكم، هل الإناء عام؟ أو مخصوص ببعض الأواني؟ ذكر القولين، وأن القول الأول أن الإناء عام يشمل إناء الماء وإناء الطعام؛ فكل إناء ولغ فيه الكلب فإنه ينجس على القول بأن الغاسل أيضا للنجاسة، وإذا نجس اقتضى ذلك أنه يمنع من استعمال ما فيه، لأنه استعمال للنجاسة. وهذا مصير منهم إلى أن الطعام لأنه نكرة في سياق الشرط فيعم إذا ولغ الكلب في إناء. يقول القول الثاني: هناك قول عند المالكية بأن المقصود به إناء الماء لا إناء الطعام، وأن الطعام الذي ولغ فيه الكلب لا يراق ولا يجتنب.
لماذا خصوا بناء الماء لا إناء الطعام؟ يقول المازري رحمه الله في شرح مسلم: ونقول ويصح أن يبنى على خلاف أهل الأصول في تخصيص العموم للعادة؛ إذ الغالب عندهم وجود الماء لا الطعام. فهذا لفظه. الفاكهاني رحمه الله أوضحه أبين من هذا في أنه يعني يقصد العادة يعني العرف؛ العرف عند الناس الذين عندهم كلاب يباح اتخاذها أنهم يحفظون آنية الطعام عن الكلاب، فلا تكاد تصل الكلاب إلى آنية الطعام وإنما تصل إلى آنية الماء.
هل هذا العرف يخصص العموم؟ لا لا، هذا العرف والعادة يخصص العموم أو لا؟ هذه مسألة أصولية. فمن ذهب إلى ذلك إلى تخصيص العموم بالعرف يقول بهذا، وأن الإناء مخصوص بإناء الماء لا إناء الطعام. هنا المؤلف رحمه الله ختم هذه المسألة بقوله: وقد أورد الأمر للإراقة مطلقا في بعض روايات الصحيحة. فلما ورد الأمر بالاراقة من غير قيد دل على أنه على العموم. والأمر بالاراقة جاءت في بعض روايات صحيح مسلم وجاء خارج الصحيح، وفيها كلام للمحدثين من ناحية ثبوتها من الناحية الحديثية، لكن من حيث الصنعة الفقهية يعني حكمها صحيح، لان هذا من تمام للتخلص من النجاسة، وأراقة دليل نجاسته؛ لأن إراقة إضاعة له، فلو كان طاهرا ما يؤمر بالإراقة، لأنه قد نهي عن إضاعة المال، فيما قاله النووي رحمه الله في شرح مسلم: والمطلق يبقى على اطلاقه، فما دام أنه جاء مطلقا فليرقه، فهذا نص مطلق فيبقى على اطلاقه لا نقيده بإناء معينة.
قال رحمه الله تعالى: المسألة العاشرة: ظاهر الأمر الوجوب، وفي مذهب مالك قول إنه للندب، وكأنه لما اعتقد طهارة الكلب بالدليل الذي دله على ذلك جعل ذلك قرينة صارفة للأمر عن ظاهره من الوجوب إلى الندب، والامر قد يصرف عن ظاهره لدليل.
هنا يتكلم الأمر في هذا الحديث، الأمر بالغسل يغسله سبع مرات، هل الأمر بذلك على الوجوب أو على الندب؟ هنا ذكر القولين؛ القول الأول أنه للوجوب لظاهر الأمر بل يغسله، والامر أنه للوجوب إذا لم تأتي قرينة على صارفة. يقول عند مالك قول إنه للندب، لماذا؟ لأنه كما قدمنا أنه يرى طهارة الاناء وطهارة الكلب أيضا، فلما اعتقد ذلك وان هذا ليس لاجل النجاسة وإنما هو للتنظيف بعد القذارة، فهذا التنظيف من القذارة لا يقتضي الوجوب، فجعل ذلك قرينة صارفة للأمر عن ظاهره. وذكر ابن دقيق العيد رحمه الله أن الأمر يصرف عن ظاهره بدليل، هذا متفق عليه يعني عند الاصوليين أن الأمر إذا ورد له قرينة تصرف عن ظاهره جاز صرفه من الوجوب إلى غيره أما ندب أو اباحة. والكلام هنا عن هذه المسألة كما قال المؤلف أن هذا مبني على النجاسة، فإذا رجحنا أن غسل الكلب وأن الكلب نجس وأن الغسل لاجل نجاسة، نقول إذا القرينة التي ابداها بعض المالكية إنما هي قرينة ضعيفة، لأن الغسل للنجاسة يكون الأمر للوجوب.
قال رحمه الله تعالى: المسألة الحادية عشرة: قوله بالتراب يقتضي تعيينه، وفي مذهب الشافعي قول أو وجه أن الصابون والأشنان والغسلة الثامنة تقوم مقام التراب بناء على أن المقصود بالتراب زيادة التنظيف، وأن الصابون والأشنان يقومان مقامه في ذلك. وهذا عندنا ضعيف، لأن النص إذا ورد بشيء معين واحتمل معنى يختص بذلك الشيء لم يجز إلغاء النص واطراح خصوص المعين فيه. والامر بالتراب وإن كان محتملا لما ذكروه وهو زيادة التنظيف فلا نجزم بتعيين ذلك المعنى، فانه يزاحمه معنى آخر وهو الجمع بين مطهرين أعني الماء والتراب، وهذا المعنى مفقود في الصابون والأشنان. وأيضا فإن هذه المعاني المستنبطة إذا لم يكن فيها سوى مجرد المناسبة فليست بذلك الأمر القوي، فاذا وقعت فيها الاحتمالات فالصواب اتباع النص. وأيضا فإن المعنى المستنبط إذا عاد على النص بابطال أو تخصيص مردود عند جمع من الاصوليين.
هنا يتكلم في هذه المسألة عن التراب، وهل يتعين التراب؟ أو له أن يبدله بما يقوم مقامه من المنظفات؟ ذكر الخلاف؛ القول الأول أنه يتعين التراب لأنه منصوص عليه بالحديث، والقول الثاني ونسبه إلى بقول أو وجه عند الشافعي وهو أيضا قول عند الحنابلة وهو المعتمد عندهم، أنه لا يتعين التراب بل له أن يضيف إلى الماء ما يقوم مقام التراب من المنظفات من أشنان، غسلة ثامنة يعني بدل أن نغسله سبع مرات بالتراب يغسل ثمان مرات بالماء، فتكون الثامنة بدل التراب.
لماذا قالوا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نص على التراب لزيادة التنظيف وهذه فيها زيادة تنظيف. هكذا استدلوا به. المؤلف رحمه الله قالوا هذا عندنا ضعيف عدم تعين غير التراب يقوم مقامه، وذكر ثلاثة أوجه لتضعيفه.
الوجه الأول: يقول معنى هذا الوجه أن نص النبي صلى الله عليه وسلم على التراب يحتمل أن يكون نص عليه لعينه، ويحتمل أن يكون نص عليه لزيادة التنظيف، ويحتمل أن يكون نص عليه لأنه يستعمل في التطهير بدل الماء يكون من اجتماع المطهرين. فإذا قلنا إنه بزيادة التنظيف وأخذنا الصابون مثلا فإننا أغفلنا معنى محتملا، إما أن يكون نص عليه بعينه أو نص عليه لاجتماع المطهرين، فلذلك لا يجوز يعني فعل ذلك واغفال معنى محتملا، وهذا أوضحه ابن العطار رحمه الله في قول: هذه المسألة مبنية على أصل، وهو أن التراب لماذا روعي؟ لماذا روعي زيادة التراب؟ يقول: اختلف أصحاب الشافعي فيه على أوجه؛ أحدها: أنه للتعبد، يتبع فيه النقل الذي قلنا لكم إنه نص عليه بعينه. وقيل: للاستطهار بغير الماء يعني أهم شيء يضيف شيء مع الماء. وقيل: للجمع بين نوعي الطهور الماء والتراب.
هذه ثلاث؛ يقول: فعل الأول والثالث، الأول أنه للتعبد وعلى الثالث أنه باستعمال مطهرين اللي هو الماء والتراب، يقول: لا يكفي استعمال غير التراب ولا الغسلة الثامنة ولا التراب النجس ولا المزج بسائر النجاسات المائية الماء ولا المزج بسائر النجاسات، وعلى الثاني يجوز. فعل الثاني اللي هو غسلة أخرى غير الماء يجوز. يقول إنه لما احتمل هذا أكثر من معنى، إذا استعملنا التراب يعني نكون طبقنا الحديث يقينا، وإذا استعملنا غير التراب احتمل أننا طبقنا الحديث احتمل أننا لم نطبق الحديث. هذا الرد الأول.
الرد الثاني: قوله فإن هذه المعاني المستنبطة إذا لم يكن فيها سوى مجرد المناسبة فليست بذلك الأمر القوي، فإذا وقعت فيها احتمالات فالصواب اتباع النص. يعني حنا هذه معالم مستنبطة كونكم تقولون إن هذا زيادة تنظيف، هذا معنى مستنبط محتمل أن يكون صحيحا ومحتمل أن يكون خطأ، فهي ليست قوية، الاقوى منها اتباع النص؛ يعني كما قلنا إذا اتبع النص، إذا اتبع التراب هنا طبق الحديث يقينا، أما إذا تابع يعني إذا استعمل غير التراب فاحتمال أن يكون طبق الحديث يعني طبق الأمر واحتمالا لا يكون ذلك. هنا يعني المعنيين؛ معنى التعبد ومعنى المناسبة هنا معنيان، ننظر ما الأقوى منهما؟ يكون الأقوى إذا اتباع النص وكونه للتعبد.
المعنى الثالث: يقول المعنى المستنبط إذا أورد الوجه الثالث من الرد يقول: المعنى المستنبط إذا عاد على النص بابطال أو تخصيص مردود عند جمع من الاصوليين. وهذه مسألة أصولية؛ إذا ويتكلمون في المعنى المستنبط هل يخصص اللفظ العام؟ العلة المستنبطة هل تخصص اللفظ العام؟ وهي كما قلنا مسألة أصولية، تخصيصها للفظ العام هذا في إشكال، لماذا؟ بأننا سنخرج بعض أفراد العام اللفظ العام بمعني نحن استنبطناه، نحن استنبطناه. لذلك يرى جمع من الاصوليين أن العلة المستنبطة إذا عادت على النص بالتخصيص أو الابطال فإنها تكون مردودة، وهذا إذا كانت العلة مستنبطة، أما إذا كانت منصوصة تخصص العام.
ابن حجر رحمه الله لما شرح هذا الحديث بالفتح قال في خاتمة شرحه: والكلام على هذا الحديث وما يتفرع منه منتشر جدا، ويمكن أن يفرد بالتصنيف، ولكن هذا القدر كاف في هذا المختصر والله المستعان. وهو يرى أن شرحه فتح الباري مختصر أنه محتمل للتطويل لكن اختصره، فكيف لو أطاله؟ وهذا مثله تفسير ابن جرير رحمه الله ذكر في ترجمته أنه قال لأصحابه: هل تنشطون لتفسير القرآن؟ قالوا: فيه كم يكون؟ قال: فيه ثلاثين ألف ورقة. قالوا: هذا مما تبنى به الاعمار قبل تمامه. فقال: الله المستعان ماتت الهمم، مختصر لهم في ثلاثة آلاف ورقة. وهذا التفسير الذي بين أيدينا هو قرابة عشر ما عند ابن جرير رحمه الله من العلم بالتفسير، وهو من التفاسير الضخمة في زمننا هذا.
ورحم الله علماءنا وغفر لهم وفي كلام ابن حجر رحمه الله يعني يفتح لك باب في التأليف والتصنيف، يعني لو اتجه شخص إلى إفراد بعض الاحاديث برسائل مفردة مثل هذا الحديث، مثل يعني حديث إنما الأعمال بالأخذ بالتأليف، ابن رجب رحمه الله له رسائل في شرح رسالة يعني كاملة في شرح حديث واحد، وهذا جيد لو أن شخصا انبرأ لمثل هذا العمل، خاصة الاحاديث التي يترتب فيها عمل كبير، حديث اليدين في السهو في الصلاة أخرج في الشرح، لو أن شخص مثلا أخرج حديث المسيء في صلاته وجمع رواياته والكلام عليه ونحو ذلك، ينفع الأمة نفعا عظيما، يعني من ناحية المحدث ينقل كلام المحدثين، ينقل كلام شراح الحديث، ينقل كلام البقال ينقل كلام الأصوليين في الاستدلال بهذا الحديث ليستفيد منه المحدث يستفيد منه الفقيه يستفيد منه الأصولي.
نعم انتقل الحديث الذي بعده. احسن الله إليكم. قال رحمه الله تعالى: الحديث الثامن: حمران مولى عثمان بن عفان رضي الله عنهما أنه رأى عثمان دعا بوضوء فأفرغ على يديه من إنائه فغسلهما ثلاث مرات، ثم أدخل يمينه في الوضوء ثم تمضمض واستنشق واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثا ويديه إلى المرفقين ثلاثا، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاثا، ثم قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ نحو وضوئي هذا، وقال: «من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه».
نعم هذا حديث عثمان في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، وقد طبقها إمام إمام من يرى بالفعل، وهذا فيه ترسيخ المعلومة، وهذا جاء في عدة أحاديث، أنا مثلا حديث عثمان وحديث عبد الله بن زيد الآتي بعده فيها تعليم الوضوء بالفعل، وهذا من أساليب التعليم؛ كل التعليم بالقول تعليم بالفعل، وهذا الحديث لفظ البخاري وذكر الاستنشاق فيه لم يرد في مسلم وإنما انفرد به البخاري، لكن مسلم ذكر الاستنكار. كيف التقدم الكلام على لفظ الاستنثار وأنه يشمل الاستنشاق على قول بعض أهل اللغة؟
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: عثمان هو ابن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، نجتمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عبد مناف، أسلم قديما وهاجر هجرتين، وتزوج بنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وولي الخلافة بعد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقتل يوم الجمعة لثماني عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين من الهجرة. ومولاه حمران بن أبان بن خالد، كان من سبي عين التمر ثم تحول إلى البصرة، احتج به الجماعة وكان كبيرا.
نعم هذا التعريف بعثمان؛ عثمان رضي الله تعالى عنه لأنه تزوج بنتي النبي صلى الله عليه وسلم؛ زوج رقية، فلما توفيت زوجها النبي صلى الله عليه وسلم اختها أم كلثوم. قال ابن العطار: ولم يعرف أحد من لدن آدم صلى الله عليه وسلم تزوج بنتي نبي غير عثمان رضي الله تعالى عنه. ومولاه حمران وكان من سبي...
عين التمر هذه بلدة من الكوفة، فتحت سنة اثنتي عشرة من الهجرة، وكان قائد جيش المسلمين خالد بن الوليد. وكان حمران هذا سبي هذه المعركة، وجد في كنيسة مع مجموعة كانوا مغلقا عليهم يتعلمون الإنجيل فسبوا جميعا، وكان حمران رحمه الله تعالى من نصيب أحد الصحابة ثم اشتراه عثمان رضي الله تعالى عنه ثم أعتقه عثمان رضي الله تعالى عنه، واحتج به الجماعة، يعني حديث مخرج لدى أصحاب الكتب الستة.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: الكلام على هذا الحديث من وجوه. أحدها: الوضوء بفتح الواو اسم للماء، وبضمها اسم للفعل على الأكثر. وإذا كان بفتح الواو اسما للماء كما ذكرناه، فهل هو اسم لمطلق الماء؟ أو للماء بقيد كونه متوضأ به؟ أو معد للوضوء به؟ فيه نظر يحتاج إلى كشف. وينبني عليه فائدة فقهية، وهو أنه في بعض الأحاديث التي استدل بها على أن الماء المستعمل طاهر، قول جابر: فصب علي من وضوئه. فإنا إن جعلنا الوضوء اسما لمطلق الماء، لم يكن في قوله فصب علي من وضوئه دليل على طهارة الماء المستعمل، بل دليل على طهارة وبول أحسن الله نعم.
فصب علي من وضوئه دليل على طهارة الماء المستعمل، لأنه يصير التقدير فصب علي من مائه، ولا يلزم أن يكون ماؤه هو الذي استعمل في أعضائه، لأنا نتكلم على أن الوضوء اسم لمطلق الماء. وإذا لم يلزم ذلك، جاز أن يكون المراد بوضوئه فضلة ماءه الذي توضأ ببعضه لا ما استعمله، جاز أن يكون المراد بوضوئه فضلة الذي توضأ ببعضه لا ما استعمله في أعضائه، فلا يبقى فيه دليل من جهة اللفظ على ما ذكر من طهارة الماء المستعمل.
وإن جعلنا الوضوء بالفتح الماء مقيدا بالإضافة إلى الوضوء بالضم أعني استعماله في الأعضاء أو إعداده لذلك، فها هنا يمكن أن يقال: فيه دليل، بأن وضوءه بالفتح متردد بين مائه المعد للوضوء للوضوء بالضم، وبين ماءه المستعمل في الوضوء، وحمله على الثاني أولى لأنه الحقيقة أو الأقرب إلى الحقيقة، واستعماله بمعنى المعد مجاز، والحمل على الحقيقة أو الأقرب إلى الحقيقة أولى.
هنا يتكلم على قوله دعا بوضوء، يقول: الوضوء بفتح الماء بفتح الواو اسم الجمع، وبضمها اسما للفعل على الأكثر، يعني هذا الفرق عند أكثر أهل اللغة، كما نقله ابن الأنباري وجماعات من أهل اللغة عن أكثر أهل اللغة، أنه يطلق عليهما بالفتح كلاهما الوضوء للماء وللفعل، وهذا قليل، وقيل يطلق عليهما جميعا بالضم، وهذا شاذ. لكن أكثر التفريق فيما ذكره المؤلف.
ذكر المؤلف مسألة مترتبة على ذلك، يقول: إذا قلنا الوضوء والماء فهل هو اسم لمطلق الماء؟ يعني أي ماء نقول له وضوء، أو هو الماء المتوضأ به أو المعد للوضوء به؟ يقول: فيه خلاف يحتاج إلى كشف، يقول: ينبني على ذلك فائدة فقهية، وهي هل في حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم صب عليه من وضوئه، هل فيه دلالة على طهارة الماء المستعمل أو لا؟ طبعا هنا كلام هل يقصد كونه مطهرا أو طهورا، أو كونه طاهرا من غير نجس؟ محتمل محتمل هذا، لأن المسألة خلافية حتى يكون نجسا، لأن بعض الفقهاء كما قدمنا سابقا أن احنا نقرب إلى مذهبهم منسوب إلى أبي حنيفة أنه رجح.
فيقول: إذا قلنا الوضوء اسم لمطلق الماء، أي ماء، فهنا ليس في قوله فصب علي من وضوئه دلالة على هذا المستعمل، لماذا؟ لأنه كأنه يقول: صب علي من الماء. يقول: لكن إذا قلنا إنه يقصد ماء الوضوء مع الوضوء الذي توضأ به، أيضا ليس فيه دلالة، لماذا؟ بأنه قد يكون صب علي تفضل يا شيخ، يعني مثلا هو كان يصب أن النبي صلى الله عليه وسلم مثلا كان يفرغ على نفسه من الماء، من إناء يعني، فبقيت للإناء نصفه، يقول: هذا هو المقصود، وهذا ليس هو الماء المستعمل، الذي يتكلم عن الماء المستعمل هو ما تساقط الماء الذي استعمله بالوضوء وليس هو الباقي.
يقول: على الاحتمالين ليس فيه إذا قلنا إنه مطلق الماء فليس فيه دلالة، لكن إذا قلنا هو الماء المتعلق بالوضوء، فيقول: أما أن يكون المراد، يقول: قد يكون فيه دليل، لماذا؟ لأنه إما أن يكون المراد هو الماء الذي استعمل في الوضوء استعمل حقيقة، أو المراد بوضوئه يعني الماء الذي سيستعمل معد للوضوء سيستعمل. وحمله على الأول استعمل حقيقة أولى من كونه يحمل على الاستعمال، لماذا؟ لأنه هو الأقرب للحقيقة، لأنه لما وصف بذلك فالاصل وصف بأنه وضوء، فالأصل أنه استعمل فيه، وكونه سيستعمل هذا مجاز، والحقيقة تقدم على المجاز، هذا مراده رحمه الله هنا.
في يعني كلامه هل يمكن أن يستدل أن يكون في حديث جابر دلالة على هذه المسألة أولى، فعل هل احتمال أنه مطلق الماء، أو احتمال أنه الماء المقيد بالوضوء أو المعد له، قد يكون فيه دلالة. الحافظ رحمه الله في الفتح ذكر أن قوله من وضوئه قد يحتمل أن يكون المراد صب علي بعض الماء الذي توضأ منه، أو مما بقي منه، قال: والأول هو المراد الماء المستعمل. لماذا؟ قال المصنف للبخاري في الاعتصام: ثم صب وضوءه علي، ولأبي داود: فتوضأ وصبه علي. فيقول يعني هذه الروايات يفهم منها أن المراد ما استعمله في ذلك.
لكن هل نقول إن هذه تدل على أن الماء الطهور؟ لأن حديث جابر أنه كان أغمي عليه، النبي صلى الله عليه وسلم توضأ وصب عليه، لأن هذا يدل على أنه طهور؟ لا، هذا يدل على أنه طاهر، يدل على أنه طاهر، ويبدو أن ابن دقيق العيد رحمه الله يريد أن يستدل على أنه طاهر، يعني ليس هذا الظاهر والله تعالى أعلم.
نقف على هذا، نسأل الله للجميع التوفيق والسداد، صلى اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان