بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملا صالحا يا كريم.
أما بعد، فهذا هو المجلس الثالث من مجالس التعليق على أحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد رحمه الله تعالى. وكنا قد توقفنا عند الحديث الثاني من أحاديث باب القراءة في الصلاة. نعم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم اغفر لنا ولشيخنا ولجميع الحاضرين ولجميع المؤمنين.
قال رحمه الله تعالى: الحديث الثاني: وعن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين، يطول في الأولى ويقصر في الثانية، يسمع الآية أحيانا. وكان يقرأ في العصر فاتحة الكتاب وسورتين، يطول في الأولى ويقصر في الثانية. وكان يطول في الركعة الأولى من صلاة الصبح ويقصر في الثانية، وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب.
الأوليان تثنية الأولى، وكذلك الأخريان. وأاما ما يشيع على الألسنة من الأولى وتثنيتها بالأولتين فمرجوح في اللغة.
ويتعلق بالمؤلف رحمه الله تعالى حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين، سورتين يعني سورة في الركعة الأولى وسورة في الركعة هذه الثانية، كما جاء ذلك مبينا في بعض الروايات. قال: يطول في الأولى ويقصر في الثانية، يسمع الآية أحيانا. وكان يقرأ في العصر بفاتحة الكتاب وسورتين، كما قلنا سورة في الأولى وسورة في الثانية، يطول في الأولى ويقصر في الثانية. وكان يطول في الركعة الأولى من صلاة الصبح ويقصر في الثانية. وفي الركعتين الأخريين يعني من الظهر والعصر يقرا بأم الكتاب فقط، وهذا هو الغالب من فعله صلى الله عليه وسلم، وربما قرأ في الركعتين الأخريين بسورة زائدة على سورة الفاتحة، لكن هذا أحيانا، وهذا دل عليه حديث أبي سعيد الخدري في صحيح مسلم.
قال: الأوليان تثنية الأولى، وكذلك الأخرى يعني تثنية الأخرى. وأما ما شاع على الألسنة من الأولى وتثنيتها بالأولتين فمرجوح في اللغة. إذا الأصوب في اللغة الأولى، أما الأوله فهو ليس من الفصيح. نعم.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: و يتعلق بالحديث أمور: أحدها: يدل على قراءة السورة مع الفاتحة في الجملة، وهو متفق عليه والعمل متصل به من الأمة. وإنما اختلفوا في وجوب ذلك أو عدم وجوبه، وليس في مجرد الفعل كما قلناه ما يدل على الوجوب إلا أن يتبين أنه وقع بيانا لمجمل واجب، ولم يرد دليل راجع على إسقاط الوجوب. وقد ادعي في كثير من الأفعال التي قصد إثبات وجوبها أنها بيان للمجمل، وقد تقدم لنا في هذا بحث. وهذا الموضع مما يحتاج من سلك تلك الطريقة إلى اخراجه من كونه بيانا، وإلى أن يفرق بينه وبين ما ادعي في كونه بيانا من الأفعال، فانه ليس معه في تلك المواضع إلا مجرد الفعل وهو موجود ها.
نعم، هذه المسألة الأولى من المسائل المتعلقة بالحديث. يقول: يدل على قراءة سورة مع الفاتحة، وهذا قال متفق عليه، يعني العلماء رحمهم الله متفقون على مشروعية قراءة سورة بعد الفاتحة في الركعتين الأوليين. لكن اختلفوا هل هو واجب أو ليس بواجب؟ هنا ذكر رحمه الله أن مجرد فعله من النبي صلى الله عليه وسلم أنه ليس في ذلك دلالة على الوجوب. متى يكون الفعل دالا على الوجوب؟ إذا وقع بيانا لمجمل؛ فإذا وقع بيانا لمجمل واجب، صار هذا المبين واجبا، مثل قول الله تعالى مثلا: أقيموا الصلاة، أداها النبي صلى الله عليه وسلم بركوعها وسجودها ونحو ذلك؛ فأداء النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة بالافعال الواجبه هذا دليل على وجوب الركوع ووجوب السجود ونحو ذلك، وذلك لكونه وقع بيانا للمجمل الوارد في الآية: أقيموا الصلاة.
قال: ليس في مجرد الفعل كما قل يدل على الوجوب إلا أن يتبين أنه وقع بيانا لمجمل واجب، ولم يرد دليل راجع على إسقاط الوجوب. يعني لابد للاستدلال بالفعل على الوجوب من تحقق أمرين: أن يكون هذا الفعل بيانا لمجمل واجب كما قدمنا، وألا يوجد ما يدل على سقوط هذا الوجوب، يعني لو كان فعله النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا وتركه أحيانا مثلا، أو جاءت أحاديث تدل على عدم وجوبه يعني بعض الأفعال، فهنا نقول: نعم، صحيح هو ورد بيان مجمل، لكن جاء في بعض الأحاديث ما يدل على أنه مستحب، فاذا لا نقول عن الفعل أنه يدل على الوجوب إلا إذا وقع بيانا لمجمل واجب، وأن يكون هناك دليل يناهضه ويسقط الوجوب. قال: وقد يدعى في كثير من الأفعال التي قصد إثبات وجوبها أنها بيان للمجمل، وقد تقدم لنا في هذا بحث؛ تقدم الكلام على هذا في حديث المسيء في صلاته.
قال: وهذا الموضع مما يحتاج من سلك تلك الطريقة، يعني لأن بعض العلماء قالوا إن كل ما ورد في حديث المسيء في صلاته يعتبر واجبا لأنه بيان لمجمل إلى آخره. فيقول من سلك هناك هذه الطريقه فيلزم أن يسلك هذه الطريقه هنا، فيقول: قراءة الركعتين بعد الفاتحة واجبة. لكن إذا سلكها لابد أن يبين أنها وقعت بيانا، ولا بد أن يفرق بينها وبين ما ادعي فيه كونه بيانا فعلي، يعني من كان يستدل بفعل النبي صلى الله عليه وسلم أو بقوله في حديث المسيء في صلاته: افعل كذا، افعل كذا، يستدل بذلك على الوجوب؛ يقول: يلزمه الاستدلال بهذا على الوجوب، ولا يقول إن هذا الفعل مستحب إلا إذا حقق أمرين: إما أن يخرج هذه الأدلة عن كونها بيانا لمجمل، أو أن يفرق بين ما أراد في هذا البيان وبين ما وراد في ذلك البيان. فيقول هنا: لم يدل على الوجوب مثلا لوجود أمور تضعف دلالة الوجوب. وهناك دل على الوجوب لعدم ورود ما يضعف دلالة الوجوب. نعم.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: اختلف العلماء في استحباب قراءة السورة في الركعتين الأخريين، وللشافعي فيه قولان. وقد يستدل بهذا الحديث على اختصاص قراءة السورة بالأوليين، فانه ظاهر الحديث؛ حيث فرق بين الأوليين والأخريين فيما ذكره من قراءة السورة وعدم قراءتها. وقد يحتمل غير ذلك لاحتمال اللفظ؛ لأن يكون أراد تخصيص الأوليين بالقراءة الموصوفه بهذه الصفة، يعني التطويل في الأولى والتقصير في الثانية.
نعم، المسألة الثانية: الحديث دل على قراءة السورة في الركعتين الأوليين. طيب في الركعتين الأخريين هل يقرا مع فاتحة الكتاب بسوره أو لا؟ هنا في نهاية الحديث قال: وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب. طيب هل يقرا معها سورة أو لا؟ هنا قال: اختلف العلماء في ذلك، وللشافعي قولان. لكن قال: قد يستدل بهذا الحديث على اختصاص قراءة السورة بالأوليين. لماذا؟ قال: فانه ظاهر الحديث، طبعا ليس نصا وإنما ظاهر. لماذا؟ لأنه في الأوليين قال: يقرا في فاتحة الكتاب وسورتين، ويطول في الأولى ويقصر في الثانية. لما جاء إلى الأخريين قال: يقرا بأم الكتاب، فدل على أنه لا يقرا معها بسورة أخرى. فنستدل بهذا الحديث على أن المستحب قراءة السورة مع الفاتحة في الركعتين الأوليين فقط دون الأخريين.
لكن يقول: قد يحتمل التخصيص غير ذلك، فيحتمل أن يكون أراد أن السورتين اللتين يقرا بهما في الركعتين الأولى تكون الثانية أكثر من الأولى، فهو يريد لك أن يبين لك الوصف، لكن الركعتين اللتين تقرا في الثالثة والرابعة لا يشتركان معها في هذا الوصف، فقد يكون قراءتهما متساوية، فقد يكون أراد هذا، فلذلك لما جاء هذا الاحتمال ضعفت دلالته على كون قراءة السورتين في الركعتين الأخريين ليست مستحبة. فالدلالة محتملة، وقلنا لكم إنه جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث أنه كان يقرا في الركعتين الأخريين من الظهر والعصر بسورة زائدة على الفاتحة، وهذا جاء في حديث أبي سعيد الخدري في صحيح مسلم، ولعله يحمل على أن النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك أحيانا. نعم.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: الثالث: يدل على أن الجهر بالشيء اليسير من الآيات في الصلاة السرية جائز مغتفر، لا يوجب سهوا يقتضي السجود.
نعم، يقول: يدل على أن الجهر بالشيء اليسير من الآيات في الصلاة السرية جائز مغتفر. يعني الأصل في الصلاة السرية أن يسر بالفاتحة والسورة التي بعدها، وفي الجهرية أن يجهر في الركعتين الأوليين. لكن هنا أبو قتادة يحكي صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة سرية؛ الظهر والعصر يقول: يسمع الآية أحيانا. فدل على أن هذا لا باس به، ولا يعد سهوا يقتضي سجود السهو.
في شرح ابن العطار العمدة يقول: إِسْمَاعُهُ صلى الله عليه وسلم يحتمل أنه كان مقصودا، فيكون دليلا على أن الإسرار ليس بشرط لصحه الصلاة السرية، بل يجوز الجهر والإسرار فيها، والإسرار أفضل، فيكون ذلك بيانا للجواز، مع أن الإسرار سنة، فيكون إذا فعله النبي صلى الله عليه وسلم ليبين الجواز، وإلا فالإسرار أفضل. ويحتمل أنه ليس مقصودا، بل كان دليلا على أن الإسرار ليس بشرط لصحة السرية، بل يجوز الجهر فيها والإسرار أفضل، فيكون ذلك بيانا، فيكون ذلك بيانا يحصل بسبب اللسان للاستغراق في التدبر، وهو الأظهر. لكن الإسماع يقتضي القصد له؛ يعني كان ابن العطار يميل إلى الثاني، وهو أن الإسماع ليس مقصودا، وإنما سبق به لسانه لاستغراقه في التدبر، لكن يقول: الإسماع كأنه يقتضي القصد له، يعني في لفظ الراوي قال: يسمع الآية، كأنه يقتضي أن النبي صلى الله عليه وسلم قصد ذلك. نعم.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: الرابع: يدل على استحباب تطويل الركعة الأولى بالنسبة إلى الثانية فيما ذكر فيه. وأما تطويل القراءة في الأولى بالنسبة إلى القراءة في الثانية كما ذكر فيه، ففيه نظر وسؤال على من أراد ذلك؛ لأن اللفظ إنما دل على تطويل الركعة، وهو متردد بين تطويلها بمحض القراءة أو بمجموع من القراءة. فمن لم ير أن يكون مع القراءه غيرها وحكم باستحباب تطويل الأولى مستدلا بهذا الحديث لم يتم له إلا بدليل من خارج على أنه لم يكن مع القراءة غيرها. ويمكن أن يجاب عنه بأن المذكور هو القراءة، والظاهر أن التطويل والتقصير يرجعان إلى ما ذكر قبلهما، وهو القراءة.
نعم، هنا تكون المسألة الرابعة تدل على استحباب تطويل الركعة الأولى بالنسبة إلى الثانية، لأنه قال: يطول في الركعة الأولى ويقصر في الثانية، يطول في الأولى ويقصر في الثانية. دل على استحباب ذلك. هذا تطويل الركعة كاملة؛ الركعة الأولى كاملة والركعة الثانية. طيب في القراءة، هل يطول القراءة في الأولى على القراءة في الثانية، هل يؤخذ هذا من الحديث أو لا؟ يقول: أما تطويل القراءة الأولى بالنسبة للقراءة في الثانية كما ذكر فيه، ففيه نظر وسؤال على من أراد ذلك. يعني أن تطويل أخذ تطويل القراءة في الأولى وتطويل القراءة في الثانية من هذا الحديث، يقول: الدلالة ليست صريحة.
لماذا؟ يقول: لأن اللفظ إنما دل على تطويل الركعة، ويقول: يطول ويقصر في الثانية؛ فاللفظ دل على تطويل وتقصير الركعة بكمالها، وهذا اللفظ متردد بين تطويلها بمحض القراءة أو بمجموع منه قراءة؛ يعني قوله: يطول في الركعة الأولى، يحتمل أن يعود أو يعبر عن الشيء بأصله، فهو يريد القراءة ويعبرها بالركعة، القراءة ويعبرها بالركعة. ويحتمل أن يكون يريد الركعة كاملا فيما فيها من القراءة، ولذلك قال: هو متردد بين تطويله بمحض القراءة، يعني كأن أطلق الركعة وأراد القراءة، أو أنه أراد تطويل ركعة كاملة حقيقة ومنه القراءة، يقول: هي محتملة. قال: فمن لم ير أن يكون مع القراءة غيرها أو غيرها، وحكم باستحباب تطويل الأولى مستدلا بهذا الحديث، لم يتم له إلا بدليل من خارج على أنه لم يكن مع قراءته غيره. يقول: سبب هذا الحديث غير ظاهر، لماذا؟ لأن الحديث في تطويل الركعة، فالذي يريد أن يستدل به على تطويل قراءته في الأولى وتطويل قراءته في الثانية يقول: لا يتم له الاستدلال بهذا، فيستدل له بدليل من خارج.
طبعا جاء في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم يطيل الأولى حتى لا يسمع وقع قدم، يعني يريد أن يدرك الناس الركعة الأولى، فلذلك يطيل الأولى أكثر من الثانية، فيمكن أن يؤخذ بهذه الرواية الأخرى والحديث الآخر، ويجعل مع هذا الحديث، مع دلالة هذا الحديث وأن هذا الحديث يدل على استحباب تطويل القراءة في الأولى على القراءة في الثانية.
طيب، ويمكن أن يجاب عن بأن المذكور هو القراءة، يعني يمكن أن يجاب عن هذه المناقشة ونقول: أصلا الكلام في الحديث يتكلم عن تطويل القراءة، يتكلم عن القراءة ومقدارها؛ كوننا نتكلم عن القراءة ومقدارها هذه قرينة على أن قوله: يطول في الأولى، يعني في قراءة الأولى، هذا التطويل في الثانية. نعم.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: الخامس: فيه دليل على جواز الاكتفاء بظاهر الحال في الأخبار دون التوقف على اليقين؛ لأن الطريق إلى العلم بقراءة السورة في السرية لا يكون إلا بسماع كلها، وإنما يفيد
يقين ذلك لو كان في الجهرية، وكأنه أخذ من سماع بعضها مع قيام القرينة على قراءة باقيها. فإن قلت: فقد يكون أخذ ذلك بإخبار الرسول صلى الله عليه وسلم؟ قلت: لفظة «كان» ظاهرها الدوام أو الأكثرية، ومن ادعى أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يخبرهم عقيب الصلاة دائماً أو أكثرياً بقراءة السورتين، فقد أبعد جداً.
هنا يقول: في دليل على جواز الاكتفاء بظاهر الحال في الإخبار؛ توقف، يعني الإنسان يجوز له أن يخبر عن الشيء عن غلبه ظنه، ولا يلزم أن يتيقن، سواء كان خبراً مجرداً أو كان حلفاً، فيجوز للانسان أن يحلف على غلبه ظنه ولو لم يكن متيقناً، بدليل حديث الأعرابي الذي وطئ امرأته في نهار رمضان. في نهاية الحديث: أتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق من تمر فقال له: «اذهب فأطعمها لك»، فقال: يا رسول الله، ما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا! فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم عليه ذلك. هنا حلف على غلبه ظنه، فلا يلزم -سواء كان الخبر المجرد أو الحلف- أن يكون يخبر عن يقين، لو أخبر عن غلبه ظنه جاز ذلك.
طيب، من أين أخذنا هذا؟ أخذنا هذا من قول الصحابي: كان يقرأ في الأولى بسورتين، وهو إنما يسمع بعض الآيات، ومع ذلك جزم بأنه قرأ في كل ركعة سورة تامة، وهو لم يسمعها كاملاً. يقول: لأن الطريقة إلى العلم بقراءة السورة في السرية لا يكون بسماعك كلها، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يجهر بها كلها، يجهر بآيات منها، ولو كان في الجهرية لكان الأمر واضحاً، لذلك قال: إنما يفيد ظن ذلك، ولو كان في الجهرية لكان متيقناً من ذلك، لكن في السرية يخبر عن غلبه ظن. قال: وكأنه أخذ من سماع بعضها مع قيام القرينة على قراءة بقيتها، يعني أنهم يأخذون بغالب هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه لا يجزئ السور بين الركعتين، وإنما يقرأ في كل ركعة سورة تامة.
قال: فان قلت: فقد يكون أخذ ذلك بإخبار الرسول صلى الله عليه وسلم؟ يعني قد يقول قائل إنهم لم يسمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً، لكن علموا أنه قرأ سورة بعد الفاتحة في الظهرين والعصرين بإغفال النبي صلى الله عليه وسلم له. فقال لك: لا، يقول: لفظة «كان» تدل على الدوام والأكثرية، والنبي صلى الله عليه وسلم لن يحدث أصحابه بعد كل صلاة سرية أو في أكثر الصلوات السرية يقول لهم: إنني قرأت كذا وكذا، يقول: هذا بعيد جداً. ولذلك نقول إن الصحابي عبر بأن النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ سورة تامة، أخذها من غالب هديه صلى الله عليه وسلم.
هنا ابن العطار رحمه الله ذكر من فوائد هذا الحديث أن سورة كاملة أفضل من قدرها من غيرها. لماذا؟ يعني يكون شخص مثلاً يقرا سورة مثلاً، عدد صفحاتها مثلاً ثلاث صفحات، مثل سورة السجدة، يقرأها في الركعة الأولى من صلاة الظهر، هل الأفضل أن يقرا سورة كاملة أو يقرأ ثلاثة أوجه مثلاً من سورة البقرة أو آل عمران ونحوهما؟ يقول لك: لا، سورة كاملة أفضل من قدرها من غيرها. لماذا؟ يقول: لارتباط القراءة بعضها ببعض في ابتدائها وانتهاائها، يعني أن السورة سلسلة مواضيع واحدة -لا أصد أنها لا تتكلم عن مواضيع واحدة، لكن أقصد كلها تدور حول فلك مواضيع معينة- وبداية هذه المواضيع بداية السورة، ونهايتها بنهاية السورة.
لكن الذي يقرأ جزءاً مثلاً من وسط البقرة أو وسط آل عمران تجده يبدأ في منتصف القصة مثلاً أو منتصف الموضوع الذي يتكلمون عنه، ثم إذا انتهى انتهى في موضوع آخر لا علاقة له بالأول، وتصرم المواضيع؛ ليست مترابطة جداً. ولذلك يقول ابن العطار: سورة كاملة أفضل من قدرها من غيرها، لارتباط القراءة بعضها ببعض في ابتداء وانتهائها، بخلاف قدرها من طويلة، فانه قد يخفى الارتباط على أكثر الناس، فيبتدئ ويقف على غير مرتبط، يعني على معنى غير مرتبط، وهو محذور لإخلاله بنظم القرآن.
طيب، نقف على هذا، ونسأل الله للجميع التوفيق والسداد. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان