دخولتسجيل الدخول

التعليق على إحكام الأحكام-المجلس التاسع والسبعون-كتاب الصلاة- المرور بين يدي المصلي شرح الحديث الأول

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى الباب الذي يليه، باب المرور بين يدي المصلي، وذكر فيه أربعة أحاديث.

الحديث الأول يقول: عن أبي جُهَيْم بن الحارث بن الصِمَّة الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه من الإثم لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمر بين يديه». قال أبو النضر: لا أدري أقال أربعين يوماً أو شهراً أو سنةً.

وهنا قال أبو الجهم هو عبد الله بن جهم الأنصاري، سماه ابن عيينة في روايته والثوري، وكذا سماه الحافظ ابن عبد البر في كتابه الاستيعاب في معرفة المشهور من أصحاب العلم والكنى.

والذي في كلام المؤلف رحمه الله تعالى يقول: أبو الجَهْم بن الحارث بن الصِمَّة، وأبو الجهم هو عبد الله بن الحارث بن الصمة. هذا القول الثاني في اسمه: عبد الله بن الحارث بن الصمة الأنصاري، وهو خلاف بين المحدثين: وهل هو واحد أو اثنان؟ لأنه جاء أيضاً في حديث الذي مر على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم -هذا حديث أبي جهم- فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرد النبي صلى الله عليه وسلم عليه حتى أقبل على الجدار فتيمم ثم رد عليه، هذا أيضاً حديث أبي جهم، وهذا في صحيح البخاري ورواه مسلم منقطعاً معلقاً، يعني رواه مسلم معلقاً.

وهو غير أبي الجهم الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اذهبوا بهذه الخميصة إلى أبي جهم واتوني بأنبجانيته فإنها ألهتني آنفاً عن صلاتي»، هذا شخص آخر غيره.

يقول: لو يعلم المار، هنا تقييده بالمار دليل على أن القاعدة والقائم والثابت والنائم لا يأخذ حكم المار؛ يعني لو أن شخصاً جالساً أمام شخص يصلي لم يمر، فهذا لا يأخذ الحكم، لو أن شخصاً واقفاً أمام شخص يصلي لا يأخذ الحكم، واقفاً يتحرك، لو أن شخصاً نائماً أمام شخص يصلي، فانه لا يأخذ الحكم. إذاً، الذي يأخذ الحكم هو الذي يمر، يجتاز بين يدي المصلي؛ يعني من أمامه. بين يدي المصلي يعني أمامه.

وهذا إذا كان لديه سترَة فنقول يكون يعني يمر بينه وبين السترة. أما إذا لم يكن بين يديه سترَة، فيقول أهل العلم رحمهم الله تعالى، منهم من قال إنه له أن يجتاز إلى ثلاثة أذرع، يعني يجعل بين رجل المصلي وبين المكان الذي سيمر منه ثلاثة أذرع، قرابة متر ونصف، وبعضهم قال: إلى موضع سجود المصلي ويمر من أمامه، هذا إذا لم يجعل المصلي سترَة.

لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه من الإثم، لفظة "من الإثم" لم ترد في الصحيحين، لم ترد في الصحيحين وإن كانت جاءت في بعض نسخ البخاري. من الإثم ليست في الصحيح كما قاله الزركشي في النكت، في نكت العمدة، وذكره أيضاً بأتم منه ابن الملقن في شرح العمدة، وهو الحافظ ابن حجر وابن رجب في الفتح. فهذه اللفظة إذاً لم ترد في الصحيحين، لكن كما قلنا أنها جاءت في بعض روايات الصحيحة روايات البخاري.

البخاري رحمه الله كتب عنه الصحيح كثير وبدأوا يروونها للناس، من الروايات المشهورة مثلاً رواية أبي ذر الهروي، هنا في رواية الكُشْميهني. الكشميهني هذا هو الذي أثبت رواية "من الإثم"، لفظة "من الإثم". وهذه اللفظة جاءت في مصنف ابن أبي شيبة مدرجة من الراوي، يعني قال جاء الحديث: لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه، بعدها يعني من الإثم، وقول يعني من الإثم هذا من أحد الرواة، فظنها الكشميهني من أصل الحديث فأثبتها.

قال الحافظ ابن حجر في الفتح: فظنها الكوشمهيني أصلاً، لأنه لم يكن من أهل العلم ولا من الحفاظ، لأن بعض من ينسخون كتب أهل العلم، أو يقرؤون كتب الحديث، أو يقرؤونها، قد يكون لا علم لهم بالحديث، لا علم لهم بالحديث وبالأسانيد، بالحديث رواية ودراية، فيقع منهم الخلل. فلذلك هذه اللفظة إذاً لم ترد في الحديث وكما قلنا جاءت في بعض طرق البخاري، لكن أكثر روايات البخاري ليست فيه، أقصد روايات البخاري يعني النسخ التي روي بها صحيح البخاري ليست فيه، هي في رواية الكشميهني، وجاءت في الجامع بين الصحيحين عبد الحق الإشبيلي، وربما دخلت عليه، يعني أنه وجدها في بعض الروايات.

العجيب أن الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح ذكر أنه مما يستدرك أنه عيب على صاحب العمدة إدراجها في العمدة، وهو يعني كتابه ذكر أنه إنما يذكر الأحاديث التي في الصحيحين، وهذه الرواية وهذه اللفظة ليست في الصحيح. فوقع الحافظ ابن حجر رحمه الله في هذا الخلل في كتابه البلوغ، فلما أورد هذا الحديث: لو يعلم المار قال: ماذا عليه من الإثم، مع أنه ذكر في الفتح أن هذا مما عيب على صاحب العمدة. وعلى كل حال الإنسان بشر ينسى، والفتح تعرفون أنه كبير جداً، ألفه في خمس وعشرين سنة تقريباً رحمه الله، فربما حينما أراد أن يكتب البلوغ نسي هذا التقرير الذي قرره في الفتح.

قال: لكان أن يقف أربعين. وقع الإبهام في تمييز العدد، يعني لم يكن أربعين يوماً أو شهراً أو سنةً، ليكون أردع عن المرور بين يدي المصلي، وإن كان جاء في بعض الروايات جاء عند البزار: أربعين خريفاً، وعند ابن أبي شيبة: لكان أن يقف مائة عام خير له من الخطوة التي خطا. وكل هذه تدل على أن المراد التشديد والتهديد، وليس المراد وليس المقصود العدد، يعني أربعين لا تزيد عليه ولا تنقص، وإنما المراد التهديد والتشديد.

كان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمر بين يديه. قال أبو النضر: هذا، يسمونه معلقاً لأنه لم يذكره بالإسناد، وهو كذلك في الصحيحين مذكور هكذا. والذي قال: قال أبو النضر هو الإمام مالك رحمه الله، لأن صاحبي الصحيح أورداه من طريق مالك عن أبي النضر، وأبو النضر هو سالم بن أمية القرشي، روى عنه مالك وابن عيينة والثوري، توفي سنة 129 في خلافة مروان بن محمد.

قال أبو النضر: لا أدري أقال -يقصد بسر بن سعيد الذي روى عنه أبو النظر ورواه عن أبي جهيم، أو يقصد الرسول صلى الله عليه وسلم- لا أدري أقال أربعين يوماً أو شهراً أو سنةً. قال أبو جهيم: عبد الله بن جهيم الأنصاري سماه ابن عيينة في روايته والثوري، هذا تكلمنا عنه.

قال: فيه دليل على منع المرور بين يدي المصلي إذا كان دون سترة، لأنه فيه تهديد هذا على المنع، والعلماء رحمهم الله تعالى متفقون على أنه يأثم، كما نقله ابن حزم رحمه الله تعالى. وعبر بعضهم بالكراهة، ومرادهم التحريم، لأن هذا اصطلاح الكراهة عند المتقدمين يطلق على التحريم، وهذا نبه عليه ابن حجر رحمه الله، ابن رجب رحمه الله في الفتح. قال: إذا كان دون سترة أو كانت له سترَة فمر بينه وبينها. وقد صرح في الحديث بالإثم وهذا دليل على التحريم.

قال بعض الفقهاء: قسم ذلك إلى أربع صور. وهذا ينقله العلماء عن ابن الحاجب، الحاجب له كتاب جامع الأمهات، كتاب في الفقه المالكي، قسم المسألة إلى أربعة أقسام. يقول بعض الفقهاء: قسم ذلك إلى أربع صور الأولى، وهي يعني قسمة عقلية، لأنه يقول الآن: المار والمصلي، أما أن يكون المصلي صلى في مكان واسع ولم يصلي في طريق الناس، والمار عنده طرق يستطيع أن يخرج بها من المسجد ولكنه مر بين يدي المصلي، فهذه الحالة الأولى، فهنا الإثم على المار.

الحالة الثانية: العكس، المصلي عنده مكان طويل كبير في المسجد، لكنه تعمد أن يصلي عند باب المسجد الذي كل من أراد الخروج من المسجد لازم أن يمر من هذا الطريق، فهنا الإثم على المصلي.

الحالة الثالثة: أن المصلي يصلي في مكان مرور الناس، لكن المار هذا عنده طريق غير هذا الطريق يستطيع أن يمر من غير هذا الطريق، فهنا الإثم عليهما.

الحالة الرابعة: أن يكون المصلي صلى في مكان ليس في طريق الناس، لكن المار ليس له إلا هذا المكان ليمر بين يدي المصلي، فهنا لا إثم عليهما.

فهذه الأقسام الأربعة التي ذكرها هنا ونقراها، يقول: الحالة الأولى أن يكون للمار مندوحة عن المرور بين يدي المصلي ولم يتعرض المصلي لذلك، فيُخص المار بالإثم إن مر. المسجد كبير، المصلي صلى مثلاً في وسط المسجد، المار يستطيع أن يخرج من المسجد من دون أن يمر بين يدي المصلي، لكنه تعمد أن يمر بين يدي المصلي، فالإثم على المار.

الصورة الثانية: مقابلته، وأن يكون المصلي تعرض للمرور والمار ليس له مندوحة عن المرور، فيختص المصلي بالإثم دون المار؛ يعني ما في إلا باب واحد يخرجون منه المسجد، والمسجد كبير، المصلي تعمد أن يصلي هاهنا، ذهب يصلي السنة الراتبة تعمد أن يصلي في المكان الذي لابد لكل من أراد المسجد يمر عنده، فهنا نقول الإثم على المصلي. ومثلها الذين يصلون في المطاف في الزحام، المسجد كبير لكنه تعمد أن يصلي في المطاف، والذي يطوف يشق عليه جداً أن يغير مكانه إذا كان في زحام، فهنا نقول الإثم على المصلي.

الصورة الثالثة: أن يتعرض المصلي للمرور ويكون للمار مندوحة فيمر، أما المصلي فلتعرض، وأما المار في المرور ما كان لا يفاد؛ يعني المصلي صلى في طريق مرور الناس، يعني مثلاً صلى الباب الذي يخرجون فيه من المسجد، لكن المسجد فيه أربعة أبواب متجاورة، خرج من الباب الثاني أو الثالث أو الرابع لا يمر، فهنا لكن هذا المار قال: ساخرج من الباب الأول الذي المصلي يصلي أمامه، فهنا نقول الإثم عليهما.

الصورة الرابعة: يتعمد المصلي ولا يكون للمار مندوحة، فلا يأثم واحد منهما، ومثله في الحرم المكي في الزحام، ليس في المطاف، في مثلاً أماكن الصلاة لكن في زحام شديد، وإنسان يصلي السنة وهناك شخص يريد أن يمر، ليس له مندوحة أن يمر، فهنا نقول لا إثم على واحد منهما.

نقف على هذا، ونسأل الله للجميع التوفيق والسداد. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله.