بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملا صالحا يا كريم.
أما بعد، فهذا هو المجلس السابع من مجالس التعليق على كتاب إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام للحافظ تقي الدين ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى، ووقفنا على الحديث الثاني من أحاديث باب سجود السهو، وهو حديث عبد الله بن مالك بن بحينة. يقول المؤلف رحمه الله تعالى: عن عبد الله بن مالك بن بحينة، وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم الظهر، فقام في الركعتين الأوليين ولم يجلس، فقام الناس معه، حتى إذا قضى الصلاة وانتظر الناس تسليمه، كبر وهو جالس، فسجد السجدتين قبل أن يسلم، ثم سلم.
راوي الحديث هو عبد الله بن مالك بن القشب الأزدي رضي الله تعالى عنه. وبحينة هي والدة عبد الله، ولذلك إذا أردنا أن ننطق اسمه نقول: عن عبد الله بن مالك بن بحينة. أما لو كان بحينة جده فنقول: عبد الله بن مالك بن بحينة، لكن مادام بحينة أمه ومالك أبوه فيقال: عبد الله بن مالك بالتنوين ثم يققال ابن بحينة. وتجدون في الحديث همزة ابن موجودة بين مالك وبحينة، لماذا؟ لأن همزة ابن تسقط بين العلمين إذا كان أحدهما أبًا للآخر، وهنا بحينة ليست أبا لمالك، وإنما هي أم لعبد الله، وتعتبر زوجة لمالك.
يقول عبد الله بن مالك بن بحينة رضي الله تعالى عنه: إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم الظهر، فقام في الركعتين الأوليين ولم يجلس؛ يعني قام من التشهد الأول، قام من السجود في الركعة الثانية، من السجدة الثانية في الركعة الثانية، قام للركعة الثالثة مباشرة ولم يجلس للتشهد الأول ناسيًا. يقول: ولم يجلس فقام الناس معه. جاء في رواية ابن خزيمة: فسبحوا به فمضى في صلاته. فدل على أنهم علموا بنقصان صلاته صلى الله عليه وسلم وتركه لسجود السهو، فسبحوا به، لكنه صلى الله عليه وسلم لم يرجع، لذلك وسنبين سبب ذلك إن شاء الله في شرحنا.
قال: فمضى في صلاته حتى إذا قضى الصلاة وانتظر الناس تسليمه. وقضى الصلاة يعني قارب الانتهاء منها، يعني ما بقي إلا التسليم، جلس للتشهد الأخير فما بقي إلا التسليم وانتظر الناس تسليمه، كبر وهو جالس فسجد السجدتين قبل أن يسلم؛ كبر لسجود السهو، ثم كبر للجلوس، ثم كبر لسجود السهو، ثم كبر للجلوس ثم سلم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: الكلام عليه من وجوه؛ الأول: فيه دليل على أن السجود قبل السلام عند النقص، فإنه نقص من هذه الصلاة الجلوس الأوسط وتشهده، فلأن النبي صلى الله عليه وسلم هنا سجد سجود السهو قبل السلام، قال: هذا إذا كان عن نقص. وذكرنا في مجلس ماضي أن أهل العلم رحمهم الله تعالى اختلفوا في أفضلية سجود السهو، متى يكون أفضل؟ متى يكون أفضل قبل السلام؟ ومتى يكون أفضل بعد السلام؟ وذكرنا الخلاف في ذلك.
المسألة الثانية يقول: الثاني: فيه دليل على أن هذا الجلوس غير واجب، يعني الأول؛ يعني الجلوس للتشهد الأول من حيث إنه جبر بالسجود، ولا يجبر الواجب إلا بتداركه وفعله. وكذلك فيه دليل على عدم وجوب التشهد الأول، يعني عندنا النبي صلى الله عليه وسلم لما قام من التشهد أو لما قام من السجود ولم يجلس للتشهد الأول، سبحوا به ولم يرجع ثم سجد للسهو. المؤلف رحمه الله ذكر -طبعا هذا الذي ذكره هو قول لبعض أهل العلم- أن الجلوس للتشهد الأول وكذلك التشهد الأول، يعني عندنا واجبان؛ سقط الجلوس للتشهد الأول -مجرد الجلوس- وأيضًا ذكر التشهد الأول (التحيات لله والصلوات الطيبات)، هذان أو هذان أمران فعلا أو ترك فسجد عنهما. هنا يقول المؤلف رحمه الله تعالى: مادام أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرجع إليهما وإنما سجد عنهما فقط، فهذا يدل على أنهما غير واجبين، وأنهم مستحبان، لأنهما لو كانا واجبين لفعلهما النبي صلى الله عليه وسلم، يعني لرجع. هذا ما قرره المؤلف رحمه الله هنا، وهو قول لبعض أهل العلم.
والمشهور من مذهب الحنابله رحمهم الله تعالى أن التشهد الأول والجلوس له يعتبران واجبين، وإنما لم يرجع النبي صلى الله عليه وسلم إليهما لأنه تذكره أو لأنه ذكر بهما بعد أن وصل إلى الركن الذي يليهما، فإذا وصل إلى الركن الذي يليهما فلا يرجع إلى الواجب الذي تركه وإنما يجبره بسجود السهو. قال: ولو كان سنة لما وجب سجود السهو عن تركه.
الأمر الثالث يقول: فيه دليل على عدم تكرار السجود عند تكرار السهو، لأنه قد ترك الجلوس الأول والتشهد معًا واكتفى لهما بسجدتين، هذا إذا ثبت أن ترك التشهد الأول بمفرده موجب. يعني هنا يقول: إن الأفعال التي تركت في الصلاة هنا فعلان؛ التشهد الأول والجلوس له، يقول: مع ذلك اكتفى لهما بسجدتين! صح، لم يسجد لكل فعل منهما سجدتين، وإنما جمعهما بسجدتين للسهو. قال في النهاية: هذا إذا كان ترك التشهد، ترك هذا إذا كان إذا ثبت أن ترك التشهد الأول بمفرده موجب. يعني يقول: هذا مبني على أنه لو ترك التشهد الأول وحده فانه يجب عليه السهو، فنقول: هذه الفائدة تتم، لكن إذا قلنا لا، أصلا السجود إنما هو لترك الجلوس فقط، ترك الجلوس فقط، فلا تتم هذه الفائدة، لأنه إنما ترك شيئًا واحدًا، إنما ترك شيئًا واحدًا.
وكما قلنا إن المشروع عند الحنابلة رحمهم الله تعالى أن كليهما واجب؛ التشهد الأول والجلوس الأول. بمعنى أنه لو سجد السجدة الأولى ثم جلس وقال: رب اغفر لي، ثم سجد السجدة الثانية ثم جلس -هذه في الركعة الثانية ثم جلس، هي الأصل جلسة التشهد لكنه نسي فقال: ربي اغفر لي، ربي اغفر لي، ربي اغفر لي، ثم قام- فهنا صحيح جلس للتشهد الأول، لكنه لم يذكر الذكر المشروع في التحيات لله، وهو واجب، فعلى المذهب أيضًا هذا يجب عليه سجود السهو في نهاية الصلاة، فكلاهما واجب؛ التحيات اللي هو التشهد الأول، وأيضًا الجلوس له.
قال الرابع: فيه دليل على متابعة الإمام عند القيام عن هذا الجلوس، وهذا لا إشكال فيه على قول من يقول: إن الجلوس الأول سنة؛ فإن ترك السنة والإتيان بالواجب واجب ومتابعة الإمام واجبة. يعني يقول: إن المأمومين لو علموا بخطأ الإمام فإنهم يسبحون به ويتابعونه؛ فإن لم يرجع يتابعونه، يقول: هذا -طبعا عندنا العلماء رحمهم الله تعالى مختلفون في الجلوس للتشهد الأول هل هو واجب أو سنة؟- يقول: هذا واضح عند من يقول: إن الجلوس في التشهد الأول سنة. لماذا واضح؟ لأنهم يقولون: إذا جلسوا التشهد الأول فإنهم يفعلون سنة، وإذا قاموا لمتابعة الإمام فإنما يفعلون واجبًا، والسنة لا تقدم على الواجب. لكن من يقول: إن التشهد الأول واجب، فما الجواب؟ فيقولون: صحيح أن التشهد الأول واجب، لكن سقط هذا الوجوب لمتابعة الإمام، فيعني أن متابعة الإمام أوجب، فياتون بالواجب الاقوى.
والعلماء رحمهم الله تعالى -أقصد الحنابلة رحمهم الله تعالى- في القيام من التشهد الأول إلى الركعة الثالثة -القيام من السجدة الثانية إلى الركعة الثالثة ناسيًا للتشهد الأول- هل يجب عليه الرجوع أو يحرم عليه الرجوع؟ يقولون: لا يخلو من يقوم من السجدة الثانية إلى الركعة الثالثة ناسيًا للتشهد الأول من ثلاثة أحوال.
الحال الأولى: أن يتذكر التشهد الأول قبل أن يستتم قائمًا، قبل أن يستتم قائمًا، وهو في أثناء النهوض لكنه ما استتم قائمًا إلى الان، فانه يجب عليه أن يرجع، لأنه ترك واجبا ولم يصل إلى الركن الذي يليه، فيجب عليه أن يرجع ويسجد للسهو في نهاية الصلاة، هذا إذا كان قد بدأ بالنهوض. لكن لو أنه تذكر قبل أن تفارق ساقاه فخذيه، قبل أن تفارق ساقاه فخذيه، يعني الآن سينهض فتذكر وجلس، فهنا يجلس ولا سجود عليه. فنقول: إذا تذكر قبل أن يستتم قائمًا، فإنه يلزمه الرجوع ويلزمه سجود السهو في نهاية الصلاة، إلا أن تذكر قبل أن تفارق ساقاه فخذيه، فانه يلزمه أن يرجع ولا يسجد في نهاية الصلاة.
الحالة الثانية: أن يتذكر بعد أن يستتم قائمًا وقبل أن يشرع في الفاتحة، فهنا يقولون: يكره له أن يرجع، وإن رجع فلا باس، لأنهم يقولون: وإن وصل إلى الركن الذي يليه، لكن ما وصل إلى الركن الذي يليه المقصود منه الركن الذي هو القيام، لكن مقصود القيام قراءة الفاتحة، وهو لم يشرع في الفاتحة، فيقولون: لم يصل إلى الركن المقصود. فهنا يقولون: الأفضل أن يكمل القيام، لكن لو رجع فلا باس؛ يعني فلا باس، لا تبطل صلاته، وإن كان يكره له الرجوع. وفي قول ثانٍ في المذهب أنه يحرم عليه الرجوع في هذه الحال.
الحالة الثالثة: أن يتذكر بعد أن يشرع في قراءة الفاتحة، فهنا يحرم عليه الرجوع. وفي كل الأحوال الثلاثة يجب عليه سجود السهو.
طيب، قال الخامس: إنه استدل به على أن ترك التشهد الأول بمفرده موجب لسجود السهو، يعني لو جلس لو جلس بعد السجدة الثانية، لكنه لم يذكر التشهد الأول، لم يذكر التحيات لله وإنما ذكر ذكرًا آخر مثل قال: رب اغفر لي وارحمني إلى أخرة، ثم قام للركعة الثالثة، فإن هذا يوجب التشهد الأول، وهذا ذكره أو أشار إليه قبل قليل، لكن قال: وفيه نظر! الاستدلال بهذا الحديث بمفرده على ذلك فيه نظر. لماذا؟ يقول من حيث إن المتيقن السجود عند هذا القيام عن الجلوس، وجاء من ضرورة ذلك ترك التشهد فيه، فلا يتيقن أن الحكم يترتب على ترك التشهد الأول فقط، احتمال أن يكون مرتبًا على ترك الجلوس وجاء هذا من الضرورة الوجودية أو عليهما.
يعني يقول: إنه لا يتيقن من هذا الحديث أن السجود لاجل ترك التشهد الأول أو ترك الأمرين. المتيقن أنه ترك أنه سجد لأجل ترك الجلوس، فقد نقول: إن الجلوس فقد نقول صحيح أنه لم يجلس ولم يذكر التشهد الأول، فقد نقول: إنه أصلا سجد لأجل الأمرين، لأن ذكر التحيات هذا لا يمكن لا يكون إلا في الجلوس فتركه ضرورة، والا فلو تركه وحده فقد لا يسجد، لو تركه لو فرض أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك ذكر التشهد وحده -إن جلس في التشهد لكن لم يذكر التشهد- فقد لا يكون لا يسجد. فيقول: من هذا الحديث وحده لا نتيقن أن السجود أن التشهد الأول وحده موجب لسجود السهو.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان