بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وعملاً صالحاً يا كريم.
أما بعد، فهذا هو المجلس الثاني من مجالس التعليق على كتاب إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد رحمه الله تعالى. وقد توقفنا عند الحديث الثاني من أحاديث باب المرور بين يدي المصلي.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: الحديث الثاني عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان».
أبو سعيد الخدري هو سعد بن مالك بن سنان الخدري، وقد تقدم الكلام فيه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: الحديث يتعرض لمنع المرور بين يدي المصلي وبين سترته، وهو ظاهر. وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز للمصلي أن يدفع المار بين يديه، وهذا دليل على منع المرور بين يدي المصلي؛ لأنه لو كان مباحاً لما أذن للمصلي أن يتحرك هذه الحركة في دفع أمر مباح.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: وفيه دليل على جواز العمل القليل في الصلاة لمصلحتها؛ لأنه أذن للمصلي بأن يدفع هذا المار لأجل مصلحة المصلي، لأجل ألا يشوش هذا عليه صلاته.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: ولفظة المقاتلة محمولة على قوة المنع من غير أن تنتهي إلى الأعمال المنافية للصلاة. واطلق بعض المصنفين من أصحاب الشافعي القول بالقتال وقال: فليقاتله على لفظ الحديث. ونقل القاضي عياض رحمه الله الاتفاق على أنه لا يجوز المشي من مقامه إلى رده، والعمل الكثير في مدافعته؛ لأن ذلك في صلاته أشد من مروره عليه.
تكلم المؤلف رحمه الله في هذه المسألة: أن لفظة «فإن أبى فليقاتله» هل هي فيها عمل كثير أو لا؟ يقول: فليقاتل هذه محمولة على قوة المنع؛ يعني يدفعه بشدة، وليس المراد بها عملاً كثيراً. وذكر أن بعض الشافعية ذكروا أنه يقاتله حقيقة، لكن نقل عن القاضي عياض رحمه الله تعالى اتفاق أهل العلم على أنه لا يجوز الحركة الكثيرة في الصلاة لأجل منع المار بين يدي المصلي. لماذا؟ لأن هذه الحركة الكثيرة أشد من كونه يدع المار يمر بين يديه، أشد من ذلك. وإنما أجيزت الحركة اليسيرة في دفع المار لرد هذه المفسدة، مفسده المرور، فإذا ترتب على مفسده منع المار حركة كثيرة فإن هذه الحركة الكثيرة مفسدتها أعظم من مفسدة مرور المار بين يدي المصلي.
يقول رحمه الله في فوائد الحديث: وقد يستدل بالحديث على أنه إذا لم يكن ستره لم يثبت هذا الحكم من حيث المفهوم؛ يعني لأن الحديث يقول: إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه، فمفهومه أنه إذا صلى إلى غير ستره فليس له حق دفع المار بين يديه. لكن قال: وبعض المصنفين من أصحاب الشافعي نص على أنه إذا لم يستقبل شيئاً أو تباعد عن السترة، فإن أراد أن يمر وراء موضع السجود لم يكره، وإن أراد أن يمر في موضع السجود كره، ولكن ليس للمصلي أن يقاتله، وعلل ذلك بتقصيره حيث لم يقرب من السترة أو ما هذا معناه.
يعني أن بعض الشافعية فصل فقال: إذا لم يصلي إلى ستره، أو صلى إلى ستره لكنها بعيدة، فهنا يفرق في المرور؛ فإذا كان الشخص سيمر أمام الموضع الذي سيسجد فيه المصلي فلا بأس ولا يمنعه المصلي، أما إذا أراد أن يصلي بين مكان المصلي وبين سجوده، فإن مروره هنا قال مكروه. لأن بعض العلماء يعبر بالكراهة، وإن كان الاقرب والله أعلم أنه محرم. لكن يقول: وإن كان مكروهاً، ليس للمار، ليس للمصلي أن يقاتله؛ لأن المصلي قصر في عدم اتخاذ السترة وفي الابتعاد عنها.
قال رحمه الله: ولو أخذ من قوله: إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره، جواز التستر بالأشياء عموماً، لكان فيه ضعف؛ لأن مقتضى العموم جواز المقاتله عند وجود كل شيء ساتر، لا جواز الستر بكل شيء؛ إلا أن يحمل الستر على الأمر الحسي لا الأمر الشرعي. وبعض الفقهاء كره التستر بآدمي وحيوان غيره لأنه يصير في صورة المصلي إليه، كإبريق أو مراه. يعني هل ناخذ من قوله إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره أن انه يجوز للمصلي أن يستتر بأي شيء؟ يقول: لا، لا ناخذ منها. لماذا؟ يقول: لان الحديث يدل على أنه له المقاتله إذا تستر بشيء، لكن ليس في الحديث ما يدل على أنه يتستر بهذه الأشياء؛ لأن هناك أشياء إذا تستر بها، يعني جعلها ستره له، قد تشغله. ولذلك قال بعض الفقهاء: كره التستر بآدمي أو حيوان غيره لأنها قد تشغله عن صلاته، وبعضهم، وجاء في بعض الأحاديث أنه يعني الصلاه إلى المتحدث أو إلى النائم أنه قد يشغله، ومالك رحمه الله كره الصلاة إلى المرأة لأنها قد تفتنه. فلا يستدل إذا بهذا الحديث على أن للمصلي، أو أنه تحصل السنية بالاستتار بأي شيء؛ لأن هناك أشياء لا ينبغي أن يستتر بها لأنها قد تفتنه وتشغله.
قال: وفي الحديث دليل على جواز اطلاق لفظة الشيطان في مثل هذا والله أعلم؛ لأنه قال: «فإن أبى فليقاتله فانما هو شيطان». وإنما شبه بالشيطان لأن امتناعه عن الرجوع عن المرور فعل من أفعال الشيطان، فأشبه فعله فعله؛ يعني اشبه فعل هذا المار فعل الشيطان، لأن الشيطان بعيد من الخير وقبول السنة فلذلك شبه به. وقيل، يعني في سبب ذلك: وقيل إنما حمله على المرور والامتناع من الرجوع الشيطان؛ يعني الشيطان هو الذي سول له ذلك. وقيل المراد بالشيطان القرين؛ قال لأنه جاء في رواية: «فإن معه القرين». وهذا ذكره ابن العطار في شرحه العمده.
قال ابن بطال رحمه الله: في هذا الحديث جواز اطلاق لفظ الشيطان على من يفتن في الدين، وأن الحكم للمعاني دون الأسماء لاستحالة أن يصير المار شيطاناً بمجرد مرور؛ فيعني أنه إن فعله فعل الشيطان. وفي هذا الحديث التنبيه على عظم رتبه الصلاة ومناجاه الرب سبحانه وتعالى، واحترام المصلي وعدم تعاطي اسباب تهويش قلبه وشغله عما هو بصدده؛ فانها حاله عظيمه ومقام كريم خاص بالله تعالى، لأن الانسان وهو قائم في الصلاة إنما هو قائم بين يدي الله عز وجل يناجي ربه.
ولذلك جاء في الحديث القدسي يقول الله تعالى: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي. وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله: أثنى علي عبدي. وإذا قال: مالك يوم الدين، قال الله: مجدني عبدي. وإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال الله: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل. فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل».
وجاء في الحديث أن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد. ولذلك فالصلاة صلة بين العبد وربه يناجي فيها ربه عز وجل، يبث فيها همومه ونجواه وشكواه إلى ربه عز وجل. ولذلك جاء منع المار بين يدي المصلي؛ لأنه يشوش على قلب هذا المصلي ولا يجعله يستحضر هذه المناجاه والمناداه التي تكون بينه وبين ربه جل وعلا.
قال رحمه الله: الحديث الثالث عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: أقبلت راكباً على حمار أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت فأرسلت الأتان ترتع ودخلت في الصف فلم ينكر ذلك علي أحد.
وهذا الحديث أتى به المؤلف رحمه الله تعالى ليبين أن مرور الحمار لا يقطع الصلاة. وهل ذلك لكونه لا يقطع الصلاة مطلقاً، أو لكونه مر بين يدي المامومين ولم يمر بين يدي الإمام؟ سيتبين لنا في شرح هذا الحديث.
يقول رحمه الله: قوله حمار أتان، قال: فيه استعمال لفظ الحمار في الذكر والأنثى كلفظ الشاة ولفظ الإنسان. وفي رواية لمسلم: وفي رواية مسلم: على أتان ولم يذكر لفظة حمار. قول حمار أتان هذه رواية البخاري رحمه الله، وعند مسلم جاء بلفظ على أتان، وفي اللفظ الآخر على حمار. لكن الجمع بينهما جاء في رواية البخاري التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى، والأتان هي الأنثى من جنس الحمر.
يقول الزركشي رحمه الله في نكته على العمدة، والزركشي المقصود به الزركشي الشافعي: فإن قيل ما الحكمة استدراك الحمار بالاتان؟ لماذا قال حمار ما قلتان؟ يقول وجوابه: لينبه على أن الأنثى من الحمر لا تقطع الصلاة فكذلك لا تقطعها المرأة يعني من بني آدم، ذكره أبو موسى المديني في المغيث وتبعه ابن الأثير يعني في النهاية قال وفيه نظر؛ لأنه ليس العلة مجرد الأنوثة فقط، بل الأنوثة بقيد البشرية لأنها مظنة الشهوة.
قال رحمه الله: وقوله ناهزت الاحتلام. شيخنا أحسن الله إليكم رغبتم القراءة يا شيخ؟
طيب. أحسن الله إليكم. قال رحمه الله تعالى: وقوله ناهزت الاحتلام، أي قاربت. وهو يؤيد قول من قال إن ابن عباس ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، وقول من قال إن النبي صلى الله عليه وسلم مات وابن عباس ابن ثلاث عشرة سنة، خلافا لمن قال غير ذلك مما لا يقارب البلوغ.
أحسنت. طبعاً ناهزت الاحتلام يعني قاربته. قوله بعد بعدها عندك وهو يؤنس؟ نعم شيخنا عندنا وهو يصحح. قول من قال إن ابن عباس قبل؛ لأنه أورد، يعني حصل خلاف بين العلماء متى ولد ابن عباس؟ أو يعني متى ولد وكم عمره يوم توفي النبي صلى الله عليه وسلم؟ فهذا يدل على المشهور أنه ولد قبل الهجرة ثلاث سنوات، فيكون عمره، هذه في حجة الوداع يكون عمره ثلاث عشرة سنة ومقارباً للاحتلام. بعضهم قال، خلافا لمن قال غير ذلك، ذكروا أن سعيد بن جبير وتابعه الإمام أحمد رحمه الله قالوا إنه إن عمره يوم توفي النبي صلى الله عليه وسلم خمس عشرة سنة. على كل حال، خمس عشرة قريبة من الثلاث عشرة، يعني هم، يعني خمس عشرة قد يكون في بداية الرابعة، يعني تم چهار عشرة وبدأ بالخامسة عشرة، فيكون يعني الأمر قريباً من ذلك.
نعم، أحسن الله إليكم. قال رحمه الله تعالى: ولعل قوله قد ناهزت الاحتلام ها هنا تأكيد لهذا الحكم، وهو عدم بطلان الصلاة بمرور الحمار؛ لأنه استدل على ذلك بعدم الإنكار، وعدم الإنكار على من هو في مثل هذا السن أدل على هذا الحكم؛ لأنه لو كان في سن الصغر وعدم التمييز مثلاً، لاحتمل أن يكون عدم الإنكار عليه لعدم مؤاخذته بسبب صغر سنه وعدم تمييزه.
وقد استد، هنا يقول: لماذا أتى بلفظة وقد ناهزت الاحتلام؟ يقول: ليؤكد هذا الحكم. ما هو هذا الحكم؟ اللي هو عدم بطلان الصلاة بمرور الحمار. لماذا؟ يقول: لو كان هو صغير السن فربما لم ينكروا عليه لكونه صغيراً لا لكونه فعل أمراً صواباً في نظرهم، لا، قد يكون فعل أمراً خطأ في نظرهم لكن لم ينكر عليه لأنه صغير. لكن قال: ناهزت الاحتلام، يعني أنا خلاص قريب من البلوغ فلو كان ما فعلته خطأ لأنكر علي.
نعم، أحسن الله إليك. قال رحمه الله تعالى: وقد استدل ابن عباس بعدم الإنكار عليه ولم يستدل بعدم استئنافهم للصلاة؛ لأنه أكثر فائدة؛ فإنه إذا دل عدم انكارهم على أن هذا الفعل غير ممنوع من فاعله، دل ذلك على عدم إفساد الصلاة؛ إذ لو أفسدها لامتنع إفساد صلاة الناس على المر، ولا ينعكس هذا، وهو أن يقال: ولو لم يفسد لم يمتنع على المر لجواز ألا تفسد الصلاة ويمتنع المرور على المرء، كما تقول في مرور الرجل بين يدي المصلي حيث يكون له مندوحة، أنه ممتنع عليه المرور وإن لم يفسد الصلاة على المصلي. فثبت بهذا أن عدم الإنكار دليل على الجواز، والجواز دليل على عدم الإفساد، وأنه لا ينعكس، فكان الاستدلال بعدم الإنكار أكثر فائدة من الاستدلال بعدم استئنافهم الصلاة.
أحسنت. هنا يقول: لماذا ابن عباس يقول فلم ينكر ذلك علي أحد، ولم يقل فلم يعيدوا الصلاة؟ يقول: كونه يستدل بعدم الإنكار هذا أقوى من أن يستدل بعدم اعادتهم للصلاة أو بعدم استئنافهم لها. لماذا؟ لأنه يقول: إذا ما أنكروا عليه دل على أن فعله صحيح وانه لا يبطل الصلاة. لكن لو قال إنهم استأنفوا الصلاة، أنهم، لو قال نعم، لو قال إنهم لم يستأنفوا الصلاة، هذا لا يدل على جواز فعلهم، على جواز فعله. لماذا؟ لأنه قد يكون فعله محرماً لكن لا يبطل الصلاة، وضرب لذلك مثلاً: مرور الرجل بين يدي المصلي محرم، ومع ذلك لا يبطل الصلاة. محرم مع ذلك لا يبطل الصلاة. فيقول هنا: لو قال لم يعيدوا الصلاة لقلنا هو إذاً مثل مرور الرجل، وهو يريد أن يؤكد الحكم، حكمه وهو الإباحة، إباحة المرور.
نعم، أحسن الله إليكم. قال رحمه الله تعالى: ويستدل بالحديث على أن مرور الحمار بين يدي المصلي لا يفسد الصلاة. وقد قال في هذا
الحديث بغير جدار ولا يلزم من عدم الجدار عدم السترة، فإن لم يكن ثمّ سترة غير الجدار فالاستدلال ظاهر. وإن كان وقف الاستدلال على أحد أمرين؛ إما أن يكون هذا المرور وقع دون السترة أعني بين السترة والإمام، وإما أن يكون الاستدلال وقع بالمرور بين يدي المأمومين أو بعضهم. لكن قد قالوا إن ستْر الإمام سترة لمن خلفه، فلا يتم الاستدلال إلا بتحقيق إحدى هذه المقدمات، التي منها أن ستْر الإمام ليست ستْرًا لمن خلفه إن لم يكن مجمعًا عليها. وعلى الجملة، فأكثرُ الفقهاء على أنه لا تفسد الصلاة بمرور شيء بين يدي المصلي، ووردت أحاديث معارضة لذلك.
هنا يقول: يستدل بحديث على أن مرور الحمار بين يدي المصلي لا يفسد الصلاة، لأن ابن عباس مرّ بين يدي المأمومين ولم يعيدوا الصلاة. ثم قال، قد قال في الحديث بغير جدار: يعني النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالناس بمنى إلى غير جدار. ما معنى إلى غير جدار؟ هل معناها إلى غير ستْرة مطلقًا، أو معناها إلى ستْرة لكن الستْرة غير جدار؟ يقول محتمل الأمرين، ولذلك قال: وقد قال في الحديث بغير جدار ولا يلزم من عدم الجدار عدم السترة، وقد يكون الستر لكن بغير الجدار. فإن لم يكن ثمّة ستْرة غير الجدار فالاستدلال ظاهر؛ يعني أنه لو كان النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى ستْرة لكنها... نعم صلى إلى غير ستْرة، فهنا مرور الحمار دليل على أنه لا يقطع الصلاة، لأنه ما في ستْرة.
لكن يقول: وإن كان وقف الاستدلال على أحد أمرين؛ إما أن يكون هذا المرور وقع دون الستْرة أعني بين السترة والإمام، فيكون الاستدلال ظاهرًا أن الحمار لا يقطع الصلاة. واما أن يكون الاستدلال وقع بالمرور بين يدي المأمومين أو بعضهم، فهنا لا يتم الاستدلال بهذا، لماذا؟ لأنه لم يمر أمام السترة، يعني لأن ستْر الإمام ستْر لمن خلفه، فهو لم يمر بين يدي الإمام بل خلفه، فلا يؤثر ذلك على صلاة من خلفه.
ثم قال: وعلى الجملة، فالأكثرون من الفقهاء على أنه لا تفسد الصلاة بمرور شيء بين يدي المصلي. يعني عندنا مسألة أول شيء، هل يجوز المرور بين يدي المصلي؟ نقول: لا، وهذا دل عليه الحديث. المصلي الإامام أو المنفرد، المأموم إذا قلنا ستْر الإمام ستْر لمن خلفه، فهل يجوز المرور بين يديه أو لا؟ مسألة خلافية. لكن عندنا مثل الإمام والمنفرد، الإمام والمنفرد لا يجوز المرور بينهم وبين ستْرَتهم، وإذا لم يضعوا ستْرَة فنقول لا يجوز المرور بينهم وبين موضع سجودهم. طيب، إذا مر أحد بينهم وبين موضع السجود فتبطل الصلاة؟ نقول: هذه مسألة خلافية، والذي ورد به الحديث الصحيح أنه تبطل الصلاة بمرور الكلب الأسود والمرأة والحمار، كما جاء ذلك في حديث أبي ذر في صحيح مسلم.
هل هذا الحكم ثابت أو منسوخ؟ وقع الخلاف الكبير بين أهل العلم في ذلك، الآن سيذكر لك شيئًا مما ورد فيه.
حسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: فمنها ما دل على انقطاع الصلاة بمرور الكلب والمرأة والحمار. ومنها ما دل على انقطاعها بمرور الكلب الأسود والمرأة والحمار. وهذان صحيحان. يعني في أحاديث أنه يقطع الصلاة الكلب والمرأة والحمار، وفي بعضها تقييد الكلب بالاسود. نعم يقول: وهذان صحيحان، يعني درجتهما في الأحاديث الصحة، ولكن هل الحكم فيهما ثابت أو نسخ؟ هذا الكلام الذي سياتي لاحقًا.
حسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: ومنها ما دل على انقطاعها بمرور الكلب الأسود والمرأة والحمار واليهودي والنصراني والمجوسي والخنزير. وهذا ضعيف. فذهب أحمد بن حنبل إلى أن مرور الكلب الأسود يقطعها ولم نجد لذلك معارضًا، قال: وفي قلبي من المرأة والحمار شيء. وإنما ذهب إلى هذا والله أعلم لأنه ترك الحديث الضعيف بالمرّة ونظر إلى الصحيح فحمل مطلق الكلب في بعض الروايات على تقييده بالأسود في بعضها، ولم يجد ذلك معارضًا فقال به، ونظر إلى المرأة والحمار فوجد حديث عائشة الآتي يعارض أمر المرأة، وحديث ابن عباس هذا يعارض أمر الحمار، فتوقف في ذلك.
وهذه العبارة التي حكيناها عنه أجود مما دل عليه كلام الأثرم من جزم القول عن أحمد بأنه لا يقطع المرأة والحمار، وإنما كان كذلك لأنه جزم القول... لأن جزم القول به يتوقف على أمرين؛ أحدهما: أن يتبين تأخر المقتضي لعدم الفساد على المقتضي للفساد وفي ذلك عسر عند المبالغة في التحقيق. والثاني: أن يتبين أن مرور المرأة مساوٍ لما حكته عائشة رضي الله عنها من الصلاة إليها وهي راقده. وليست هذه المقدمة بالبينة عندنا لوجهين؛ أحدهما: أنها رضي الله عنها ذكرت أن البيوت يومئذ ليس فيها مصابيح، فلعل سبب هذا الحكم عدم المشاهدة لها. والثاني: أن قائلًا لو قال إن مرور المرأة ومشيها لا يساويه في التشويش على المصلي اعتراضُها بين يديه، فلا يساويه في الحكم، لم يكن ذلك بالممتنع، وليس يبعد من تصرف الظاهرية مثل هذا.
أحسنت، هنا قال: الأكثر من الفقهاء على أنه لا تفسد الصلاة بمرور شيء بين يدي المصلي، طبعا هم يحملون الأحاديث الواردة على نقصان الأجر؛ يقطع الصلاة يعني ينقص أجرها، وعندهم حديث: «لا يقطع الصلاة شيء وادرؤوا ما استطعتم»، والحديث فيه كلام. قال: أوردت أحاديث معارضة لذلك، ذكر أنه حديث فيها يقطع صلاة المرأة والحمار والكلب، وفي بعضها تقييد الكلب الأسود، وفي بعضها زياده اليهودي والنصراني والمجوسي والخنزير اللي فيه زيادة اليهودي والنصراني والمجوسي والخنزير يقول هذا ضعيف جاء في حديث أبي داود في حديث ابن عباس عند أبي داود وغيره.
ثم ذكر توجيه الإامام أحمد رحمه الله إلى حديث؛ يقول الإامام أحمد رحمه الله رأى قطع الصلاة في مرور الكلب الأسود دون المرأة والحمار. طبعا هذا هو المشهور في المذهب، وهناك قول آخر في المذهب أن هذه الثلاث كلها الكلب الأسود والحمار والمرأة كلها تققطع الصلاة لصراحة حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه. يقول قال: يعني الإامام أحمد رحمه الله وفي قلبي من المرأة والحمار شيء. لماذا؟ يقول: لأنه الحديث جاء في ثلاثة؛ الكلب الأسود والحمار والمرأة. الكلب الأسود ما جاء حديث يعارضه فأخذ به، يعني حديث صحيح. المرأة جاء حديث عائشة يعارضه، حديث عائشة يعارضه الذي سياتينا الحديث الذي بعد هذا في العمدة، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي وكانت معترضة بينه وبين القبلة فالنبي صلى الله عليه وسلم استمر في صلاته. والحمار حديث ابن عباس هذا. فبقي الكلب لا معارض له، فبقي الكلب يعني قطع الصلاة في مرور الكلب الأسود لا معارض له فلذلك أخذ به.
وأما حديث عائشة حديث عائشة الآتي وحديث ابن عباس هذا فانه يعارض حديث أبي ذر في قطع الصلاة بالمراه والحمار. قال: وهذه العبارة التي حكيناها عنه -قوله وفي قلبي من المرأة والحمار شيء- أجود مما دل عليه كلام الأثرم من جزم القول عن أحمد بأنه لا يقطع المرأة والحمار. الأثرم يقول: سئل أبو عبد الله ما يقطع الصلاة؟ قال: لا يقطعها عندي شيء إلا الكلب الأسود البهيم.
طيب لماذا يقول... يعني رجعنا عبارة توقف الإامام أحمد على ردّه على جزمه برد الأحاديث اللي فيها قطع المرأة والحمار؟ يقول: لأن... وإنما كان كذلك -يعني العبارة التي حكيناها أجود من العبارة الثانية التي حكاها الأثرم- بأن جزم القول به -يعني جزم القول بأنه لا يقطع الصلاة المرأة والحمار- الجزم بذلك يتوقف على أمرين؛ الأمر الأول قال: أن يتبين تأخر المقتضي لعدم الفساد على المقتضي للفساد، يعني أن يتبين أن حديث عائشة وحديث ابن عباس جاء بعد حديث أبي ذر اللي فيه يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود. قالوا: وفي ذلك عُسْر، صحيح حديث ابن عباس جاء في حجة الوداع، لكن ما يدرينا أنه قد يكون حديث أبي ذر جاء بعده، لذلك يقول: في كوننا نعرف المتقدم والمتأخر عُسْر. الثاني: أن يتبين أن مرور المرأة مساوٍ لما حكته عائشة رضي الله عنها من الصلاة إليها وهي راقدة، يعني أنه قد يجاب بأن حديث عائشة يجاب عنه لأن... حديث عائشة كانت لم تمرّ إنما هي راقدة، والحديث دل على قطع الصلاة بالمرور فلا ينسخ هذا بهذا.
لكن قال: ليست هذه المقدمة بالبيّنة عندنا لوجهين. طبعا هو يقصد الأمر الثاني، اللي هو أن يتبين مرور المرأة مساويًا، قال: هذه ليست بالبيّنة، لماذا؟ يقول: لأن حديث عائشة الثاني اللي هو أنها أن النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وهي معترضة بينه وبين القبلة، يحمل على أحد الأمرين؛ الأمر الأول: أنها ذكرت عذره، وأن ليس في البيوت مصابيح، فقد تكون لم تعلم بذلك إلا لما سجد النبي صلى الله عليه وسلم، وقد يكون هو لم يعلم بها إلا لما أراد أن يسجد فوجدها في محض سجوده. والثاني: قد يقول قائل إن مرور المرأة ومشيها لا يساويه في التشويش اعتراضُها بين يديه، فلا يسويها في الحكم. قال: لم يكن... إن قائلًا لو قال إن مرور المرأة ومشيتها لا يساوي في التشويش المصلي اعتراضُها بين يديه، فلذلك لا يسويها في الحكم، لم يكن ذلك الممتنع، وليس يبعد من تصرف الظاهرية مثل هذا.
يعني أنها... أن حديث عائشة في المكث وحديث أبي ذر في المرور، فلما اختلف في الحقيقة اختلف في الحكم. لكن يقول: كان هذا... يعني لا يبعد عنه تصرف الظاهرية، وإن كان ليس ببعيد في المعنى، لا سيما إذا كانت... إذا كانت مثلاً... إذا كان المرأة أمامه، وكانت... يعني من محارمه فربما لا يفتتن بها كفتنته المرأة التي ليست من محارمه.
ومن راى أن الصلاة تقطع بمرور الكلب الأسود والحمار والمرأة أجاب عن حديث ابن عباس هذا بأن مرور الحمار إنما هو بين يدي المأمومين وليس بين يدي الإامام وسترته. وأما حديث عائشة فكما قال المؤلف هنا إنه في المكث وحديث أبي ذر في المرور، فافترق.
حسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: وقوله: «فأرسلت الأتان ترتع» أي ترعى. وفي الحديث دليل على أن عدم الإنكار حجة على الجواز، وذلك مشروط بأن تنتفي الموانع من الإنكار ويعلم الاطلاع على الفعل، وهذا ظاهر. ويعلم... ويعلم الاطلاع على الفعل، حسن الله إليكم، ويعلم الاطلاع على الفعل وهذا ظاهر. ولعل السبب في قول ابن عباس: «ولم ينكر ذلك عليّ أحد» ولم يقل: «ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم عليّ ذلك»، أنه ذكر أن هذا الفعل كان بين يدي بعض الصف، وليس يلزم من ذلك اطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك لجواز أن يكون الصف ممتدًا فلا يطلع عليه لفقد شرط الاستدلال بعدم الإنكار على الجواز، وهو الاطلاع مع عدم المانع. أما عدم الإنكار ممن راى هذا الفعل فهو متيقن، فترك... فترك المشكوك فيه، وهو الاستدلال بعدم الإنكار من النبي صلى الله عليه وسلم، وأخذ المتيقن وهو الاستدلال بعدم انكار الرائين للواقعة. وإن كان يحتمل أن يقال إن قوله: «ولم ينكر ذلك عليّ أحد» يشمل النبي صلى الله عليه وسلم وغيره لعموم لفظه أحد، إلا أن فيه ضعفًا، لأنه لا معنى للاستدلال بعدم إنكار غير الرسول صلى الله عليه وسلم بحضرته وعدم إنكاره إلا على بعد.
هنا يقول: في الحديث دليل على أن عدم الإنكار حجة على الجواز. ابن عباس رضي الله تعالى عنه إنما ساق هذا الحديث وقال: «ولم ينكر ذلك عليّ أحد»، يستدل به على الجواز. لكن هل يقال في كل مسألة لم ينكر فيها أنه دليل على الجواز؟ يقول لك: لا، لابد من أمرين؛ أن تنتفي الموانع من الإنكار، لكن لو كان مثلاً لو فرض أنه فعل شخص متنفّذ وظالم ومتجبر، فعل أمرًا منكرًا وراه بعض العلماء ولم ينكروا عليه، فلا يقال إن هذا دليل على الجواز، فهم لم ينكروا عليه مثلاً لخوفهم منه ورأوا أن سكوتهم في هذه الحالة أولى من مجابهته بالإنكار، (رأوا أن المصلحة في سكوتهم وعدم مجابهتهم بالإنكار). وهذا أمر يقيسه العلماء رحمهم الله تعالى، يوازنون بين المصالح والمفاسد، ولذلك يخطئ بعض الناس عندما يتكلم في أعراض أهل العلم الناصحين الغيورين على الدين، ويقول مثلاً في البلد منكرات كثيرة ولم نجد للعلماء أثرًا، لا نجدهم ينصحون يوجهون ويحذرون ونحو ذلك. نقول: هل لابد إذا أرادوا أن ينصحوا أن يخبروك بذلك؟ لا، ولذلك قال بعض السلف لما قيل له: لماذا لا تنكر على... من بعض الصحابه لماذا لا تنكر على فلان -الظاهر أنه حذيفه- قال: هل كل ما جئنا ننكر عليه أخبرناكم؟ نحن نكلمه بيننا وبينه، وهكذا أهل العلم المعاصرون منهم والمتقدمون لا يظن بهم أنهم يتركون الإنكار والموعظة والنصيحة لمن ولاهم الله أمر بلدهم.
قال: هذا الأمر الأول أن تنتفي الموانع من الإنكار، والثاني أن يعلم الاطلاع على الفعل، يعلم الاطلاع على الفعل، فلو فعل شخص فعلاً وربما لم يطلع عليه أحد فلا نقول إن هذا دليل على جوازه حيث فعل ولم
ينكر عليه أحد؟ نقول: لا، هنا لم يطلع عليه. لكن إذا اطلع عليه ولم ينكر عليه أحد، فهذا دليل على الجواز. طيب، هل قولهم: لم ينكر ذلك على أي أحد، يقصد به الصحابة، أو يقصد به حتى النبي صلى الله عليه وسلم؟ ذكر احتمالين، وقوى الاحتمال بأن المراد به الصحابة الذين رأوه. لماذا؟ لأنه يقول: كون النبي صلى الله عليه وسلم علم به مشكوك؛ قد يكون علِم به وقد لا يكون، لم يعلم به، لكن كون الصحابة علموا به هذا متيقن، فذكر ابن عباس الأمر المتيقن.
قال: وإن كان يحتمل أن يقال قول ابن عباس كذلك على حديث من النبي صلى الله عليه وسلم عموم لفظه أحد، إلا أن فيه ضعفاً؛ لأنه لا معنى للاستدلال بعدم انكار غير الرسول صلى الله عليه وسلم مع عدم إنكار إلا على بعد، يعني يقول: لو كان يريد النبي صلى الله عليه وسلم لصرح، قال: فلم ينكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، علي، لم ينكر ذلك على أي أحد، ويقصد به الصحابة الذين رأوه.
لكن يقال من وجه أعم: هل فعل الصحابي رضي الله تعالى عنه للشيء في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وعدم إنكار النبي صلى الله عليه وسلم له دليل على جوازه، ويكون بمثابه ما أقره النبي صلى الله عليه وسلم؟ ذهب إلى ذلك بعض الأصوليين وقالوا: ما فعل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكره، يعني ولم يفعل معه لكنه لم ينكر، فإن هذا يكون من السنة، أو بمثابة السنة الإقرارية.
واستدلوا بحديث جابر رضي الله عنه قال: كنا نعزل والقرآن ينزل، ولو كان شيء ينهى عنه لنهانا عنه القرآن أو لنهانا عنه النبي صلى الله عليه وسلم، لم ينزل بناهٍ قران أو بشأنه قران كان شيء نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم. فهنا استدل بعدم نزول شيء في، يعني عدم نزول وحي يخص هذا، فدل على أن فعل أو قول الصحابي على أن ما فعل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينزل بإنكاره لا من القرآن ولا من السنة، فانه يكون مباحاً ويعتبر بمثابة السنة الإقرارية.
نعم، نقف على هذا، ونسأل الله للجميع التوفيق والسداد، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان