الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وعملاً يا كريم. أما بعد، فهذا هو اللقاء الرابع والعشرون من لقاءات التعليق على كتاب الإمام ابن دقيق العيد في الحديث الأول في باب في المذي وغيره، وهو حديث علي رضي الله تعالى عنه، وأخذنا منه سبع مسائل، ووقفنا على المسألة الثامنة.
ثامنها: وانضح فرجك. يراد به الغسل هنا؛ لأنه المأمور به مبيناً في رواية أخرى، ولأن غسل النجاسة المغلظة لا بد منه، ولا يكتفى فيه بالرش الذي هو دون الغسل. والرواية "وانضح" بالحاء المهملة، لا نعرف غيره، ولو روي بالخاء المعجمة لكان أقرب إلى معنى الغسل؛ فإن النضح يطلق هنا.
المؤلف رحمه الله تعالى في هذه المسألة بين المراد بالنضح في قوله: "وانضح فرجك". طبعاً سبق بينا أن الرواية تأتي بمعنى الرش بالماء، يعني إمرار الماء على الموضع الذي ورد غسله بدون الغسيل، وليس مجرد الرش. لماذا؟ يقول لأمرين: لأنه المأمور به في رواية أخرى، ولأن الإصلاح المعروف في المغلظة أنه يطلق على الكلب وما ألحق به؛ لأنه هو الذي يغسل سبعاً إحداهن بالتراب، لكن غيرها يقال له نجاسة متوسطة. ثم بين المؤلف رحمه الله هنا أيضاً أن الرواية بالحاء المهملة، ولم ترد بالخاء المعجمة، فدلت على الغسل من ينضح.
تاسعها: قد يتمسك به في قبول خبر الواحد من حيث أن علياً رضي الله عنه أمر المقداد بالسؤال ليقبل خبره. والمراد بهذا ذكر صورة من الصور التي تدل على قبول خبر الواحد، وهي فرد من أفراد لا تحصى، والحجة تقوم بجملتها لا بفرد معين منها؛ لأن إثبات ذلك بفرد معين إثبات للشيء بنفسه وهو محال. وإنما تذكر صورة مخصوصة للتنبيه على أمثالها لا للاكتفاء بها؛ فليعلم ذلك؛ فإنه مما فقد على بعض العلماء حيث استدل بآحاد، وقيل: أثبت خبر الواحد. وجوابه ما ذكرناه.
وقيل: أثبت خبر الواحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المذي بحضرة علي، فسمع علي الجواب، فلا يكون من باب قبول خبر الواحد، وليس من ضرورة كونه يسأل عن المذي في حضرة علي أن يذكر أنه هو السائل. نعم، إن وجدت رواية مصلحة لأن علياً أخذ هذا الحكم عن المقداد، هذه الحجة.
هنا المؤلف رحمه الله تعالى ذكر أن هذا الحديث مما يستدل به على قبول خبر الواحد. وجه الدلالة من أن علياً رضي الله عنه أمر المقداد بالسؤال؛ فلو لم يكن خبر المقداد ملزماً لعلي بالأخذ به، لما كان هناك فائدة من أنه يأمره أن يسأل وهو لن يقبل خبره بذلك. المؤلف رحمه الله يقول: هذا الدليل نحن لا نستدل به على المسألة المعروفة في كتب العقائد وكتب أصول الفقه، هل يقبل خبر الواحد أو لا؟ وجمهور أهل السنة على أنه يقبل ولا يرد خبر شخص واحد. يقول: المراد بهذا صورة من الصور التي تدل على قبول خبر الواحد، نحن أصلاً لا نستدل بهذا الدليل فقط. لماذا نقول لا؟ وذكر الإلزام في ماذا؟ يقول: لأن لا يأتي واحد ويقول أنتم استدللتم على قبول خبر الواحد بصورة واحدة، فصار هذا يلزم عليه التوبة، نحن استدلالنا بعيد هذه، لو نظرتم في نصوص السنة لوجدتم نصوصاً كثيرة كهذا الحديث تدل على قبول خبر الواحد، فهذا الحديث مثال من الأمثلة وليس هو الدليل الوحيد. فيقول: الحجة تقوم بجملتها لا بفرد معين منها. قال: لأن إثبات ذلك الشيء لو قلنا إن هذا الحديث يدل على قبول خبر الواحد، يجيء المنازع يقول: هذا الحديث فيه كذا، إنما نستدل على قبول خبر الواحد بورود نصوص كثيرة في السنة تدل على قبوله، ومنها هذا الحديث. ثم انتقد المؤلف رحمه الله هذا الاستدلال، يقول: الاستدلال بهذه الرواية، المجلس الذي يسأل فيه المقداد إذا كان حاضراً فلا يتم الاستدلال؛ فالخاصة أخذ الدليل من النبي صلى الله عليه وسلم، أخذ الحكم من النبي صلى الله عليه وسلم. ولو حملوه على أنه لم يحضر لولادة في مسند المقداد؛ لأن المقداد هو الذي سأل، وهو الذي أخبر علياً رضي الله تعالى عنه. يقول: نعم، إن وجدت رواية، يقول هذا الحديث جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، ونقول سواء تم الاستدلال به، فهناك نصوص كثيرة أخرى في السنة تدل على قبول خبر الواحد.
عاشرها: قد يؤخذ من قوله عليه السلام في بعض الروايات: "توضأ وانضح فرجك"، جواز تأخير الاستنجاء عن الوضوء. وقد صرح به بعضهم، وقال في قوله: "توضأ واغسل ذكرك"، إن فيه دليلاً على أن الاستنجاء يجوز وقوعه بعد الوضوء، وأن الوضوء لا يفسد بتأخير الاستنجاء عنه. وهذا يتوقف على القول بكون الواو للترتيب، وهذا مذهب ضعيف، وفي هذا التوقف نظر. وليعلم بأنه لا يفسد الوضوء بتأخير الاستنجاء إذا كان الاستنجاء بحائل يمنع انتقال الطهارة.
هنا يقول في قوله صلى الله عليه وسلم: "توضأ واغسل ذكرك" في الرواية الأخرى، يدل على جواز تأخير الاستنجاء عنه، وأن الإنسان لو قضى حاجته ثم توضأ وأخر الاستنجاء إلى ما بعد الوضوء، فإنه صحيح ولا يلزمه إعادته. بعضهم قال: إن فيه دليلاً على أن الاستنجاء يجوز وقوعه بعد الوضوء، وأن الوضوء لا يفسد بتأخير الاستنجاء عنه، لكن يقول: هذا الاستدلال لهذا الدليل متوقف على أن الواو تكون للترتيب، وهذا ضعيف، يعني كونه الواو للترتيب هذا ضعيف؛ يعني الواو تدل على الترتيب أو على مطلق الاشتراك؟ يعني لو قلت: جاء زيد وعمر، أو نقول اشتركوا في المجيء، قد يكون لا تدل على ترتيب من عدمه. يقال وليعلم بأنه لا يفسد الوضوء بتأخر الاستنجاء إذا كان الاستنجاء بحائل، يعني يقول الذين قالوا إن الاستنجاء لا يصح بعد الوضوء لماذا قالوا؟ لأنه يلزم منه أن يمس فرجه، فيقول: إذا كان ذلك بحائل، هل يشترط أن يسبق الوضوء أو لا؟ والمذهب عند الحنابلة أنه من المفردات.
حادي عشرها: اختلفوا في أنه هل يجوز في المذي الاقتصار على الأحجار؟ الصحيح أنه لا يجوز، ودليله أمره صلى الله عليه وسلم بغسل الذكر منه، فإن ظاهره يعين الغسل، ولا يقع الامتثال إلا به. يقول: المذي الآن قول النبي صلى الله عليه وسلم يدل على أنه لا بد فيه من الاستنجاء، الاستجمار بالأحجار يكون فيه خلاف، والمذهب الصحيح أنه لا يجوز، وأنه لا بد فيه من الاستنجاء، لا يجزي فيه الاستجمار. لماذا؟ قال: دليله أمره صلى الله عليه وسلم بغسل الذكر، النبي صلى الله عليه وسلم قال، فإن ظاهره يعين الغسل، وأنه لم يأتِ تغيير بين الغسل. المعين لا يقع الامتثال إلا به، يعني أنه إذا استجمر فإنه لم يمتثل أمر النبي صلى الله عليه وسلم. والذين رأوا الجواز، قالوا: هذا على الحدث المعتاد، والأمر بالحديث خرج مخرج الغالب، قالوا: الغالب أنه سيكون عنده ماء في نفس الوقت، فالأمر بالحديث يحمل على مخرج الغالب، أو أنه يحمل على الاستحباب، لأنه يكون الماء مستحباً، لكن لو أنه استعمل حجر الأحجار فإنه يكون مباحاً. والمذهب عندنا الجواز في الخارج دون باقي الذكر والأنثيين، يعني عندنا في المذهب أن من خرج منه مذي فإنه يغسل ذكره كله مع الأنثيين. طيب هل يجوز الاستجمار؟ يقولون يجزي الاستجمار فقط على رأس الذكر الخارج منه، لكن بقية الذكر لا، وهي نجاسة، ولا يزيل النجاسة إلا الماء، وأما المذي فإنه جاء فيه أنه نجاسة الخارج، فأجزأ في الاستجمار على الحدث المعتاد. الحافظ ابن حجر رحمه الله نقل القول بعدم إجزاء الاستجمار في المذي عن النووي في شرح مسلم، أنه لا يجوز الاستجمار في المذي، ولكن هو صحح في باقي كتبه جواز الاقتصار على الحجر. ذكر الله وقع في شرح مسلم للنووي، أنا صححت القولين عندنا، الأول أنه لا يجوز، وصحح عندنا الثاني.
ثاني عشرها: الفرج هنا هو الذكر، وصيغة لها وضعان لغوي وعرفي، فأما اللغوي فهو مأخوذ من الانفراج، على هذا يدخل فيه الدبر. الطهارة بنفسه بدخوله تحت قوله: "من مس فرجه من الرجل والمرأة". والشافعية استدلوا بنقض الوضوء بنفس الدبر بالحديث وهو قوله: "من مس فرجه"، فيحتمل أن يكون ذلك لأنه لم يثبت في ذلك عند المستدل اللغوي عن الاستعمال العرفي. أحسنت، يقول: الفرج هنا، وإن كان في النصوص قد يراد به الدبر، فاستعماله في اللغة، الفرج، يقول: الغالب أنه يستعمل في القبل، قبل الرجل والمرأة. وهذا الاستدلال من هؤلاء يحمل على أحد أمرين: إما أن المستدل به يرى أن معنى الفرج في اللغة والعرف هو واحد، وأنه معناه في اللغة ومعناه في العرف هو ما يشمل القبل والدبر، ويحتمل معنى ثاني وهو أن المستدل به يرى أن المعنى العرفي يختلف عن المعنى اللغوي، لكنه يقدم إذا اختلف العرفي عن اللغوي على الاستعمال العرفي، وهذه مسألة خلافية بين أهل العلم، هل إذا اختلف، وهم يتكلمون عنها في ألفاظ المتكلمين، يعني لفظ الشخص إذا أوقفت ونحو ذلك، أو حلف يمين ثم توفي.
وعن عباد بن تميم، عن عبد الله بن زيد بن عاصم المازني رضي الله عنه قال: "شكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً". الشيء هذا الحديث، عباد بن تميم هذا تابعي ثقة، متفق على توثيقه، جاء عنه أنه قال: أنا يوم الخندق ابن خمس سنين، أذكر أشياء وأعيها، وكنا مع النساء في الآطام، ينامون إلا عقب خوف من بني قريظة أن يغيروا عليه، هكذا قال. يقول ابن العطار رحمه الله: ومعلوم أن يوم الخندق كان سنة خمس من الهجرة قبل ذلك، أن عباد في صغار الصحابة لا في التابعين، يقول: ولم أعلم أن أحداً ذكره فيهم في الصحابة، مع ذكره في الصحابة محمود، معدود من الصحابة، وكذلك فهو متقدم على الحافظ ابن حجر والذهبي، وغير الذهبي ذكر عباد بن تميم في تجريد أسماء الصحابة، تجريد أسماء الصحابة، النبي صلى الله عليه وسلم، عبد الله بن زيد، الرجل الذي يخيل إليه الذي جاءت في رواية البخاري، وليست في نسخة ابن دقيق، وليست في العمدة، ولا في رواية مسلم، حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً، ومعناه الناس، والنافلة، لا ينصرف، على أن لا ما هي جازمة، جاءت الرواية، ومعناه حتى يعلم وجود أحدهما، ولا يشترك اجتماع السماع في جميع المسلمين. يقول الخطابي: لأن المعنى إذا كان أوسع من اللقب كان الحكم المراد، المعنى الآن، هذا هو الغاز، يقول: الشيخ إليه صلى الحركة التي يظن أنها حدث، وصرح به في رواية الإسماعيلي، قال رحمه الله تعالى: "الشيء" مشار إليه هي الحركة التي يظن أنها حدث، والحديث أصل في إعمال الأصل وطرح الشك.
وكان العلماء متفقون على هذه القاعدة، لكنهم يختلفون في كيفية استعمالها. مثاله: هذه المسألة التي دل عليها الحديث، وهي من شك في الحدث، منع من الصلاة مع الشك في بقاء الطهارة، وكأنه أعمل الأصل الأول وهو تركب الصلاة في الذمة، رأى أنه لا يزال إلا بطهارة، في إعمال الطهارة الأولى. والقائلون بـ لا، يقول الحديث أصل في إعمال الأصل وطرح الشك، وهذه قاعدة عامة من القواعد الكبرى: أن اليقين لا يزول بالشك، اليقين لا يزول بالشك، والعلماء متفقون على هذه القاعدة، يقول: كان العلماء متفقون على هذه القاعدة، لكنهم يختلفون في كيفية استعماله. وسيضرب لك مثلاً في هذا الحديث، وهي من شك في الحدث بعد شك الطهارة، فسيذكر لك أربعة أقوال، الشافعي وهو أيضاً عندنا، يقول الشافعي إنه إذا شك في الحدث بعده أو لا فإنه يأخذ بيقين الطهارة ولا يلتفت لهذا الشك، فهو يقول أعمل الأصل السابق. الإمام مالك لا، الإمام مالك مانع من الصلاة مع الشك، الطهارة بشكل الأول، وهو أنك لا بد أن تأتي بالصلاة، تأتي بالصلاة على الوجه المطلوب الأتم، طيب فإذا صليت وأنت شاك في بقاء الطهارة هنا، يعني اليقين الذي هو بقاء الصوت في ذمتك ما يزول بهذه الصلاة في كلاين، ورأى أنه لا يزال هذا الصوت في ذمته إلا بطهارة من منظر آخر، الصلاة، والإمام أحمد رحمه الله من دقيق العيد رحم الله يقول: هذا الحديث ظاهر في إعمال الطهارة الشك، أن يكون هذا حديث يقوي ما ذهب إليه الكراسي رحمه الله، ذكر في الفروق في الفرق السابع والتسعين، لماذا؟ يقول: من جهة أن الصلاة مقصد، أي المقصود الأساسي، والطهارة وسيلة إليها.
يقول: وترفي الشك تحقيقًا للمقصد أولى من طرف لتحقيق الوسائل. طبعًا خروج عن الحديث؛ يقول إن الحديث واضح؛ لأنه صار حتى يسمع صوتك. هذا الحديث في الفتح في فتح الباري، وفي كشف السفاريني، جاء العراقي يقول: إن يقول في الأصل القراءة، وهذا التصرف غير محمود. مثل المخطوط هو الصحيح، فالمحقق بناءً على أن الأصل أن يذكرها حتى لو كانت خطأ، يذكرها كما ذكر المؤلف وينبه في الحاجة إلى ما يقصدها.
يقصد القراءة المشهورة في المصاحف، يعني مثلًا في الكتاب الفرقان بين أولياء الرحمن الرحيم، يقرأ القراءة الثانية، القراءة المشهورة بالضبط. ولا أمثلة أخرى على القراءة على ما أراده المؤلف الذي كتب التفسير، كتب غير حفص عن عاصم في الآيات على قراءة حفص، يفسر على القراءة التي سائدة في بلده، ويذكر قراءة أخرى.
الآن الثالث، أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: والقائلون بهذا اختلفوا؛ الشافعي طرح الشك مطلقًا، وبعض المالكية طرحه بشرط أن يكون في الصلاة، وهذا له وجه حسن؛ فإن القاعدة أن النص إذا وجد فيه معنى يمكن أن يكون معتبرًا في الحكم، فالأصل يقتضي اعتباره وعدم طرحه. وهذا الحديث يدل على طرح الشك إذا وجد في الصلاة، وكونه موجودًا في الصلاة معنا يمكن أن يكون معتبرًا، فإن الدخول في الصلاة مانع من إبطالها على مقتضى استدلاله في مثل هذا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 33]، فصارت صحة الصلاة أصلًا سابقًا على حال الشك مانعًا من الإبطال. ولا يلزم من إلغاء الشك مع وجود المانع من اعتباره، إلغاءه مع عدم المانع، صحة العمل ظاهراً، معنى يناسب عدم الالتفات إلى الشك، فإنه لا ينبغي إلغاؤه.
القائلون بأنه لا يلتفت للشك في الحدث اختلفوا؛ الشافعي يقول: أطرح الشك مطلقًا، يعني سواء كان في الصلاة أو كان خارج الصلاة، أو كان شكله أنه خرج منه الحدث قبل الصلاة. والقول الثالث في أصل المسألة ذكره لبعض المالكية، ومنهم من نسبه للإمام مالك رحمه الله أنه إذا شك وهو في الصلاة، بخلاف خارج الصلاة، فإنه يلتفت للشك.
يقول من وجه حسن: إذا وجد فيه معنى يمكن أن يكون معتبرًا في الحكم، فالأصل يقتضي اعتباره وعدم طرحه. يعني يقول لك إن القاعدة عن أي لفظ إذا تردد بين أن يكون لفظًا مفيدًا قيدًا، أو أنه لفظ فردي، فإننا أن الأصل اعتبار اللفظ. شك النبي ﷺ في الصلاة، فهل في الصلاة هذه وصف طردي بمعنى أن هذا الحكم شامل، أو أنه يدل على أن هذا الحكم إنما هو قاصر لما كان في الصلاة فقط بدون الحديث، أما بعد يقين الصلاة في ذمته؟
الآن يأتي سائل يقول: ما سبب التفريق بين ما كان داخل الصلاة وما كان خارجه؟ يقول: داخل الصلاة عندنا معنى آخر، وجبنا الافتراض أن الشك وهو أن من دخل في عبادة فلا يخرج منها، ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾، ولو أنت مثل الشك فإنه يكون في صلاته فيكون قد خالف. بخلاف ما كان خارج الصلاة، فإنه إذا التفت للشك لأنه لا يترتب عليه المطلوب. وقال: ولا يلزم من إلغاء الشك مع وجود المانع من اعتباره، يعني لا يلزم من أننا نلغي الشك في الصلاة لماذا؟ يقول: صحة العمل ظاهراً لوجد الفرق بوجود الفرق في كوننا نصحح العمل ولا نقله في الصلاة، هذا معنى يناسب بخلاف ما كان خارج الصلاة.
الرابط طبعًا هذا الحجر رحمه الله في الفتح أجاب عنه؛ النهي حُمل على مكان العبادة، المتوقف على صحتها. هذا التخيل، يعني الشك في الحدث إن كان ناقضًا خارج السنة فينبغي أن يكون كذلك فيها كبقية النواقض، الناقض داخل الصلاة دوماً، ومستغرب خارج الصلاة، لأنه أصلًا لا تطول الصحيحة وهذا عمل باطل، بدليل أن التخيل تخيل الحدث ذلك داخل الصلاة، خارج الصلاة يبطل عليه السلام.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: ومن أصحاب مالك مقيدة هذا الحكم، يعني طرح هذا الشك بقيد آخر، وهو أن يكون الشك بسبب حاضر كما جاء في الحديث، حتى لو شك في تقدم الحدث على وقته الحاضر لم تبطل له الصلاة. يعني هذا الدليل، هذا القول يقول: إذا شك في الصلاة في سبب حاضر، يعني هو يشك في الصلاة أنه أحدث في الصلاة، لكن لو شك وهو يصلي أنه قبل الصلاة، بخلاف القول الثالث. هذا الفرق بين القائلين الآن سيذكر.
قال رحمه الله تعالى: وماخذه هذا ما ذكرناه من أن مورد النص ينبغي اعتباره أوصافه التي ينبغي اعتبارها، ومورد النص اشتمل على هذا الوصف وهو كونه شك في سبب حاضر، فلا يلحق به ما ليس فيه معناه من الشك بسبب متقدم. إلا أن هذا القول أضعف قليلاً من الأول؛ لأن صحة العمل ظاهراً وانعقاد الصلاة سبب مانع مناسب لطرح الشك، أما كون السبب ناجزًا فإما غير مناسب أو مناسب مناسبة ضعيفة.
دليل القول الأول يقولون: قول الصحابة، شك في الصلاة، الرجل الخير في الصلاة يكون في الصلاة، يعني أنه شك في الصلاة، وإن شك أنه أحدث في الصلاة. وكل سائل يقولون: شك في الصلاة، جاءه شك الصلاة، أن واحد الآن يكون في الصلاة، في الصلاة، في الصلاة. هذا يعود إلى الأمرين؛ يعود إلى الشك أن يكون في الصلاة، وإلى الحدث أن الحدث في الصلاة.
لكن يقول إن هذا أضعف قليلاً مما قبله، لماذا؟ يقول اللي قبله في سبب يقويه، وهو أنه يلزم من يقع في إبطال العمل ما يلزم من هذا الأمر. لكن الآن سيذكر له دليلاً يقويه.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: والذي يمكن أن يقرر به قول هذا القائل، أن يرى أن الأصل الأول وهو ترتب الصلاة في ذمته فلا يخرج عنه إلا بما ورد فيه النص، وما بقي يعمل فيه بالأصل، ولا يحتاج في المحل الذي خرج عن الأصل بالنص إلى مناسبة، كما في صور كثيرة وعمل فيها العلماء. هذا العمل يعني أنه مقتصر على مورد النص، إذا خرج عن الأصل أو القياس من اعتبار من غير اعتبار مناسبة، وسببه أن أعمال النص في مورده لابد منه، والعمل بالأصل أو القياس المفترض مسترسل، لا يخرج عنه إلا بقضاء الضرورة، ولا ضرورة فيما زاد على مورد النص، ولا سبيل إلى إبطال النص في مورده سواء كان مناسباً أو لا. وهذا يحتاج هنا يقول لك: نستطيع أن نقوي هذا القول.
عندنا الأصل الذي يقرره ابن دقيق العيد في الصلاة، لا نخرج عنه إلا بشيء، وكما يقولون في الأصل: البقاء على العموم حتى يبدأ المخصص، فالمخصص فقط يخص الجزئية التي ورد بها النص، ويبقى ما عداها على العموم. يكون عندنا الأصل فيما ورد به النص، فإذا شك في الصلاة أنه خرج منه حدث في الصلاة، لا نخرجه عن هذا التخصيص وندخله في العموم، ولا ننظر إلى هل في ذلك مناسبة أم لا، حتى لو لم يفهموا وجه المناسبة. إذا جاء عام ثم تخصص بشيء ولم يفهموه، يقولون هذا مطرد، فما دام الأمر كذلك، نبقى على استثناء هذه الجزئية ونخرج ما عداها. يقولون إن أعمال النفس لا سبيل إلى إبطال النص في موردها سواء بالمناسبة أم لا، ولا نقول إنها غير مناسبة، بل نبقى عليه.
الآن سيأتي مناقشة الانقسام الثالث. أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: وهذا يحتاج معه إلى إلغاء الوصف كونه في الصلاة. يمكن هذا القائل منع ذلك بوجهين؛ أحدهما أن يكون هذا القائل نظر إلى ما في بعض الروايات، وهو أن يكون الشك لمن هو في المسجد، وكونه في المسجد هو الذي اعتبره القائل الآخر، وهو كونه في الصلاة، ويبقى كونه شاكًا في السبب. إلا أن القائل الأول له أن يحمل كونه هنا على كونه في الصلاة، فأهل القول الرابع يرون أن الشك في سبب الحضور أن يكون في المسجد.
يقول الرابع: نحن أخذنا في بعض الروايات التي دلت على أنه يجب أن يكون في المسجد، فلا يخرج من المسجد، وهذا دليل على أنه لا يلزم أن يكون في الصلاة أو في غير صلاة، هذا جوابهم الأول.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: إلا أن القائل الأول له أن يحمل كونه في المسجد على كونه في الصلاه، فإن الحضور في المسجد يراد للصلاة، فقد يلازمها فيعبر بها. هذا الرد من أهل القول الثالث، قد يجيبون عن هذا بأن العبرة بالمسجد لا عن الصلاة.
أحسن الله لكم، قال رحمه الله تعالى: إذا اعتبر الحديث الأول، ذلك الاختلاف في عبارة الراوي بتفسير أحد لفظين بالآخر، ويرجع إلى أن المراد كونه في الصلاة، وهذا وإن كان مجازًا. الآن ترى رد القول الرابع، أن تقولون إن قوله في المسجد يعني في الصلاة هذا مجاز ونحن نحمله على الحقيقة. لكن رحمه الله قال: لكن قولهم في المجاز يقوى من جهة أخرى، وهو أنه قد يكون الحديث واحد مخرجه واحد، فيكون اختلاف الألفاظ من تصرف الراوي، فإذا جعلنا اختلاف الألفاظ من تصرف الراوي، فإذن فنقول إن هذا يقوي أن يكون بالمسجد إنما الصلاة.
سيقوى إذاً دليل القول الثالث أن وصفه هو كونه في الصلاة. لما ذكر هذا الكلام عن ابن دقيق العيد رحمه الله، قال: قلت الحديث غير متحد ومخرجهما مختلف كما أسلفته، وإن رواية أبي داود صرح فيها بذكر الصلاة، وأما رواية أبي هريرة عند مسلم: «فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتنا»، فالحديثان مختلفان.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: الثاني وهو أقوى من الأول، ما ورد في الحديث أن الشيطان ينفخ بين يدي الرجل، وهذا المعنى يقتضي بمناسبة السبب الحاضر إلغاء الشك. والوجه الثاني الذي يقوي قول الرابع، أن الوصف الذي لا يُحدث هو أنه يلغى الشك في السبب الحاضر؛ يقول في الحديث: «الشيطان». وهذا الحديث رحمه الله تعالى على إرادة بنحوه عند السنن الكبرى من حديث عبد الله، لكن بنعمة ليس بهذا الاسم، يقول: أحدث، وليس المراد أنه إذا كان في الصلاة.
ثم ختم المؤلف رحمه الله تعالى هذا الخلاف في قوله، أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: وإنما أوردنا هذه المباحث ليتلمح الناظر ما أخذ العلماء في أقواله، ويرى ما ينبغي ترجيحه فيرجحه، وما ينبغي إلغاءه فيتركه. والشافعي رحمه الله تعالى ألغى القيدين معًا، يعني كونه في الصلاة وكأنه في سبب أصل الطهارة.
أحسن الله هنا، يقول لك رحمه الله إنما أردنا لك هذه الأقوال وأدلتها والمناقشة ليتبيّن لك مأخذ العلماء، والعلماء لا يقولون الأقوال إنما يبنون على قواعد وعلى أدلة، وكلهم أخذ من هذا الحديث، أو نقول الأول والثالث والرابع كلهم سندوا إلى هذا الحديث، وقال الثاني سند إلى قاعدة عامة دل عليها هذا الحديث، فكلهم يدورون في فلك القواعد والنصوص. لكن الإنسان إذا علم مأخذهم، يتبين له ما المرجح من المضعف، لكن أحيانًا ينسى الإنسان قولًا واحدًا ويعلمه، ثم يسمع بالقول الثاني ويستغربه ويقول هذا خلاف الدليل واضح، لكن إذا علم منزعهم من الدليل عرف أنه عندما قال بهذا القول لسبب معين جاء إلى أن يقول به، ولذلك هذه فائدة قراءة هذا الكتاب رحمه الله تعالى في استدلالاتهم، ويقوي فيك السداد، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان