دخولتسجيل الدخول

التعليق على إحكام الأحكام (23) باب المسح على الخفين، الحديث 1 من أحاديث المذي حتى نهاية المسألة 7

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علمًا وعملاً صالحًا كريمًا. أما بعد.

هذا هو المجلس الثالث والعشرون من مجالس التعليق على كتابه، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم. عن النبي ﷺ، وعن حذيفة رضي الله عنه قال: «كنت مع النبي ﷺ في سفر، فبالى وتوضأ ومسح على خفيه». مختصر الحديثين يدل على جواز المسح على الخفين، وقد تكررت فيه الروايات؛ أنشرها في رواية المغيرة، ومن أصحها أيضًا رواية جرير بن عبد الله البجلي في الفتح، والحديثان معًا.

وكان أصحاب عبد الله بن مسعود يعجبهم حديث جرير بن عبد الله؛ لأن إسلامه كان بعد نزول المائدة. قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: باب المسح على الخفين. المغيرة يقول: كنت مع النبي ﷺ في سفر، تبوك قبل الفجر كما جاء ذلك فيه. وهذا الدليل قولي، مثلًا النبي ﷺ وقولي فيه الذكر اشتراك.

من شروط المسألة حديث حذيفة في الفعل أيضًا، حذيفة قال: كنت مع النبي ﷺ. لم يرد في رواية البخاري، وإنما هو عند مسلم فقط، كما نبه عليه عبد الحق الشافعي رحمه الله في الجمع بين الصحيحين، وذكره ابن الملقن رحمه الله في شرح العمدة. كلا الحديثين يدل على جواز المسح على الخفين.

طبعًا المؤلف رحمه الله لعله أورد حديث حذيفة وهو يدل على ما دل عليه حديث المغيرة، بل إن حديث المغيرة فيه زيادة شرط الاشتراك. حديث حذيفة أيضًا، لأن حديث المغيرة إذا كان في السفر وحديث حذيفة كان في الحضر، فلا يظن أن من شروط المسح أن يكون في السفر.

الحديث الأول، الحديث الشريف، وأنه غير منسوخ في حديث جرير، واضح؛ لأن جرير رأى النبي ﷺ. المؤلف رحمه الله سيشرح سبب إعجاب التابعين من أصحاب عبد الله بن مسعود بحديث جرير، وما علاقته بنزول المائدة.

أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: ومعنى هذا الكلام أن آية المائدة إن كانت متقدمة على المسح على الخفين، كان جواز المسح ثابتًا من غير شبهة، وإن كان المسح على الخفين متقدمًا كانت آية المائدة تقتضي خلافه، فيكون المسح على الخفين بها. فلما تردد الحال توقفت الدلالة عند قوم وشكوا في جواز المسح، وقد نقل عن بعض الصحابة رضي الله عنهم أنه قال: قد علمنا أن رسول الله ﷺ مسح على الخفين، ولكن قبل المائدة أو بعدها؟ إشارة منه بهذا الاستفهام على ما ذكرناه.

لما جاء حديث جرير بن عبد الله مبيناً بأن المسح بعد نزول المائدة زال الإشكال. أريد بعض الروايات التصريح بأنه رأى النبي ﷺ يمسح على الخفين بعد نزول المائدة، وهو أسرع من رواية من روى عن جرير. وهل أسلم إلا بعد نزول المائدة؟ الجملة السابقة: كان يعجبهم حديث جرير لأن إسلامه كان بعد نزول المائدة، التي فيها آية الوضوء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6]، على القراءة المشهورة.

سورة المائدة من أواخر ما نزل، ومن سورة التوبة، وعائشة قالت: ليس فيها منسوخ. إذا كانت المائدة متقدمة، فيكون جواز المسح ثابتًا في القرآن، فلما تردد الحال: هل مسح النبي ﷺ على الخفين كان قبل آية المائدة ناسخة، أو كان بعد المائدة من غير نسخ؟ فيقول توقفت الدلالة. فلما جاء حديث جرير، جاء الحديث الشريف مبيناً أن مسح النبي ﷺ كان بعد المائدة، والنبي ﷺ أسلم وهو متأخر.

أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: وقد اشتهر جواز المسح على الخفين عند علماء الشريعة، حتى عُدَّ إنكاره شعارًا لأهل البدع. اتفق أهل العلم رحمه الله تعالى على جواز المسح على الخفين في الجملة، حتى إن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم أنكروا المسح أو توقفوا فيه، وهذه بعض الروايات. لكن من نقل عنهم الإنكار لا يصلح أن يكون علي بن أبي طالب، أو عائشة، أو أبو هريرة، لكن بعضهم جاءت عنه روايات أصحح بأنه نقل عن النبي ﷺ أنه يمسح على الخفين.

وقد عُدَّ إنكاره شعارًا لأهل البدع، ولذلك هذا مشهور عن الرافضة؛ أنهم لا يرون المسح على الخفين وإنما يرون المسح على القدمين، فخالفوا أهل السنة، ولذلك بعض من كتب في العقائد يكتبون: مما يتميز به أهل السنة مخالفتهم لهم.

وقوله ﷺ في حديث المغيرة: «دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين»، استدل به على اشتراط الطهارة في اللبس لجواز المسح، فإنه علل عدم نزعهما بإدخالهما غير طاهرتين. هذا يدل على اشتراط الطهارة، فقوله «دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين» يفهم منه أنه لو أدخلهما غير طاهرتين، فإنه يقتضي أن ينزع ولا يمسح عليهما، فهذا وجه الاستدلال على هذه المسألة.

يقول لك: «أدخلتهما طاهرتين»، هذا الحديث الآن سيذكر مسألة خاصة وأدق، أحسن الله إليكم. قال رحمه الله: وقد استدل به بعضهم على أن إكمال الطهارة فيهما ترك، حتى لو غسل إحداهما وأدخلها الخف ثم غسل الأخرى وأدخلها الخف لم يجز المسح. وفي هذا الاستدلال عندنا ضعف في دلالته على حكم هذه المسألة، فلا يمتنع أن يعبر بهذه العبارة عن كون كل واحدة منهما أدخلت طاهرة، وقد يدعي أن هذا ظاهر في ذلك، فإن الضمير في قوله «أدخلتهما» يقتضي تعليق الحكم لكل واحدة منهما، فإني أدخلتهما وهما طاهرتان.

«أدخلتهما يقتضي كل واحدة منهما»، وقوله «وهما طاهرتان»؛ قالوا: حال من كل واحدة منهما، فيصير التقدير: أدخلت كل واحدة في حال طهاره، وذلك إنما يكون بكمال الطهاره. وهذا الاستدلال في هذه الرواية من هذا الوجه قد لا يتأتى في روايتي من رواه: «أدخلتهما طاهرتين».

وعلى كل حال، فليس الاستدلال بذلك بالقوي جداً؛ لاحتمال الوجه الآخر، إلا الفرق بين ذكر «وهما» وعدم ذكره؛ لأن «طاهرتين» حال سواء ذكر «وهما» أو لم يذكر. فإن صح الاستدلال مع إثبات اللفظة، فليصح إسقاطها في الروايتين معاً، اللهم إلا أن يضم إلى هذا دليل يدل على أنه لا تحصل الطهاره لأحدهما إلا بكمال الطهاره في جميع الأعضاء، فحينئذ يكون ذلك الدليل مع هذا الحديث مستنداً لقول القائل بعدم الجواز.

يقول: استدل به بعضهم على أن إكمال الطهاره فيهما شرط، حتى لو غسل أحدهما وأدخله ثم غسل الأخرى وأدخلها لم يجوز لبس الخفين على الطهاره، هذا واضح من الحديث، لكن هل يشترط كمال الطهاره واشتراك الطهاره أو لا؟ هذا الذي يتكلم عنه. طبعاً نريد أن نتكلم عن مسألة كانت سبب الخلاف في هذه، وهي: هل الطهاره معنا واحد يأتي مرة واحدة، أو أنها تأتي تباعاً؟ بمعنى الإنسان إذا أردنا أن نقول هل غسل وجهه، نقول الآن ارتفع الحدث عن الوجه، فهل ارتفع عن اليدين وباقي الرأس مع الرجلين؟ أو نقول لا، ما ارتفع عنهم الحدث، فلذلك لا يرتفع الحدث إلا بعد غسل آخر بقعه في الرجل الثانية.

هل الطهاره تأتي مرة واحدة، يعني تحصل مرة واحدة في نهاية الوضوء، أو أن الطهاره تحصل اتباعاً، فكل جزء يغسله، أو في كل عضو يغسله، أو جزء من العضو، أو كل جزء من الغسل من العضو يغسله فإنه طهاره؟ هذا محل الخلاف. فإذا قلنا إن الطهاره لا تحصل إلا بتمام الوضوء أو الغسل، نقول: إذاً لا يلبس الخفين إلا إذا أكمل الوضوء جميعاً. أما إذا قلنا لا، الطهاره تكون متجزئة، فنقول: إذا غسل الرجل اليمنى لبس الخف، هذا محل الخلاف.

فالخلاف إذاً مترتب على مسألة: بماذا تحصل الطهاره؟ هل تحصل بكمال الوضوء أو الغسل، أو تحصل مرة واحدة، أو تحصل مجزأة؟ ولأن الطهاره لم تحصل بعد، لا تحصل الطهاره إلا باكتمال الوضوء، قالوا في هذا الاستدلال عندنا ضعف، وهو عبارة عن كوني جعلت كل واحد طهارة بما يحصل به الطهاره. وأيضاً يترتب عليه مسائل متفرعة عنهما، وهي: هل يجوز له أن يدخل إحدى القدمين في الخف قبل أن يغسل القدم الأخرى؟

القول بأنه لا يمسح على الخفين إلا بعد غسل كامل، إلى أن يلبسهما بعد انتهاء الوضوء. حتى لو كان هذا الجزء الذي سيمسح به، مثلاً وهو يتوضأ غسل يديه للمرفقين، الآن بقي له مسح الرأس وغسل الرجلين، هل يقول خلاص تحصل مرة واحدة؟ وكذلك في إدخال الخفين، توضع القدم ثم الوضوء. إذا قلنا إن الطهاره تتجزأ، ارتفع الحدث عن الأعضاء الكلية كالقدمين، أما إذا قلنا لا تتجزأ، لم يرتفع الحدث عن القدمين.

المؤلف قوله في هذا السياق يعني يقول: ترى هذا لا يدل على أنه لابد من كمال الطهاره، لا يدل على أنه لابد من كمال الطهاره. لكن يقولون كما أخذنا الطهاره من حديث آخر في نهاية المبحث، هذا الحديث، نعم من روى: «فإني أدخلتهما وهما طاهرتان»، الرواية الأخرى: «أدخلتهما طاهرتين»، تمسكه به ويقولون إنه يقتضي إدخال كل واحد منهما وهي طاهرة، ولا تعتبر طاهرة إلا إذا كمل الوضوء. لكن يقول هذه تأتي معنا ليس بالكويت لأنه محتمل، لكن يقول إذا انضم إلى ذلك دليل آخر من الخارج، هذا صحيح.

فيكون هذا الدليل ما هو؟ الدليل القائلين بعدم الجواز أن يكون المجموع للأحاديث دليلاً على اشتراك كل واحد منهما، ويكون ذلك يعني.. لكن لا نأخذ الطهاره من هذا الحديث، بل من حديث آخر. ابن العطار يقول: الدليل الآخر الذي يدل على أنه لابد من كمال الطهاره شرعاً هو أن يكون الشخص متطهراً بمن تطهر في جميع الأعضاء. النبي ﷺ، لو مسحت في العضو مسحاً بسيطاً وصفة الطهاره، ما بالك بمن يترك عضواً كاملاً؟ يقول لا يسمى شرعاً متطهراً في جميع الأعضاء كاملة.

إن رسول الله ﷺ أرخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوماً وليلة، إذا تطهر فلبس خفيه أن يمسح عليهما. إكمال الطهاره، إذا نحن أدخلناهما على ظهره من أحاديث.. أما القول الثاني فهو قول أبي حنيفة الذين ذهبوا إلى أنه له أن يمسح على الخفين ولو كان قد لبس الخف اليمنى قبل أن يغسل اليسرى.

الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في قواعده ذكر هذه المسألة، وأدرجها تحت القاعدة الثالثة عشرة بعد المائة، يقول: إذا وجدنا جملة ذات أعداد موزعة على جملة أخرى، فهل تتوزع أفراد الجملة الموزعة على أفراد الجملة الأخرى، أو كل فرد منها على مجموع الجملة الأخرى؟ طبعاً قسمها إلى قسمين: هل نوزع أفراد الجملة الموزعة على أفراد الأخرى، أو كل فرد منها على مجموعة الأخرى؟ يقول الأشهر إنه يوزع كل فرد من أفراد الجملة على جميع أفراد الجملة الأخرى.

وذكر أن لذلك.. وبدأ بهذا المثال، يقول منها قوله ﷺ، هل المراد أنه أدخل كل واحدة من قدمين وكل واحدة منهما طاهرة، أو المراد أنه أدخل القدمين وكل قدم في حالة إدخالها طاهرة؟ يعني هل المراد بكل القدمين أنهما لما دخلا كانت طاهرة، أو لا، كل واحدة حكمها مستقل؟ فهذه إذا طبقناها، وجدنا جملة أخرى: «أدخلتهما وهما طاهرتان»، هل نقول كل واحدة حكمها مستقل، أو نقول لا، الجميع حكمه واحد؟ هل تتوزع أفراد الجملة الموزعة على الأفراد الأخرى؟

سنقول: أدخل الرجل اليمنى الخف الأيمن وهي طاهرة، ثم أدخل الرجل اليسرى الخف اليسرى وهي طاهرة، يعني الجملة: القدم اليمنى والخف اليمنى بعد تطهير القدمين، وكذلك الرجل، توزيع كل فرد على مجموع الجملة. فلذلك يقول: ينبني على ذلك المسألة ما إذا غسل أحد رجليه ثم أدخل.. فعل التوزيع الأول هو توزيع المفرد على الجملة، يكون لا يجوز المسح، لأن توزيع المفرد على الجملة، إذا وزعنا المفرد على الجملة، لا يجوز المسح؛ لماذا؟ لأنه في حالة إدخال.

قال رحمه الله: في المسألة روينا، لكن القائل بأن الحدث الأصغر لا يرفع، وأنه لا يرتفع الطهارة، يمنع طهارة الرجل الأولى عند دخول.

إذا أردنا أن يلبسهما بعد اكتمال الطهارة، فيقول: إذا غسل اليمنى ثم لبسها، ثم الذي يفعل يكون يخلع اليمنى ثم يعيدها مرة أخرى، فيكون هنا قد لبسهما بعد اكتمال الطهارة المتيسر.

قال رحمه الله: في حديث حذيفة، الثانية هذا في تصريح بجواز المسح عن الخفين، أما الحدث الأكبر فلا يمسح فيه، وهذا مشروط في المسألة؛ إذا في هذين الحديثين في الطهارة، وأن يكون ذلك في الحدث الأصغر، لا في الحدث الأكبر.

الحديث الأول عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «كنت رجلاً تستحيي أن أسأل رسول الله ﷺ عن مآل ابنته مني، فأمرت المقداد بن الأسود فسأله».

وفي رواية البخاري: «اغسل ذكرك وتوضأ»، وفي مسلم: «توضأ، توضأ، وتوضأ فرجك».

وقراء الحديث يقرأونه بفتح الضاد، وهو خطأ على ما قدر في نكت الزرقاء، وقال النووي: نستفيد هذا، والذي قلته هو القياس. هذا الكلام أبو حميد قال: الزرقاء شيء، وكلام الجوهري يشهد لما قاله النووي، لكن نُقل عن صاحب الجامع أن الكسرة لغة، والفتح بالكسر، لكن الأكثر على الكسر.

هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أشياء تتعلق بالطهارة في هذا الباب؛ فالغاني يكثر من هذه التبويبات التي يذكر فيها موضوعاً ويقول: أشياء تشترك معها في الطهارة لكن تختلف فيها في مكانه أو في الجنس.

يكون علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «كنت رجلاً تستحيي أن أسأل رسول الله ﷺ عن مآل ابنته مني»، علي رضي الله عنه هو زوج بنت النبي ﷺ، فيستحي أن يسأل شيئاً يفعل بينه وبينهم.

فسأله المقداد فقال: «يغسل ذكره ويتوضأ». وفي البخاري: «اغسل ذكرك وتوضأ»، كما ذكره الإسماعيلي، ورواية البخاري وليست عنده، وهذا يدل على أن أحياناً الأحكام النحوية ينقلونها من الجمع بين الصحيحين، وهكذا.

قال: ولمسلم رحمه الله تعالى: «والمذي»، ومخفف الياء هذا هو مشهوره، وتخفيف الياء يكون في لغة أخرى، والمذي بكسر الذال وتخفيف الياء يخرج من الذكر عند الانثيال.

وعلي رضي الله عنه قال: «كنت رجلاً»، وهي صيغة مبالغة.

هنا نذكر من فوائد الحديث: استعمال الأدب، ومحاسن العبد في ترك المواجهة مما يستحي منه؛ حيث إنه لم يسأل النبي ﷺ بل سأل المقداد، وهذا من الحياء والأدب من علي رضي الله عنه.

وثانيتها: وجوب الوضوء من المذي، وأن هناك ذُكر الوضوء بصيغة الخبر، والمقصود بها الأمر، ولذلك في الرواية الأخرى: «توضأ»، هذه تفسر الرواية الأولى بين أهل العلم رحمه الله تعالى.

وثالثتها: عدم وجوب الغسل، فإن النبي ﷺ أمر بالوضوء ولم يأمر بالغسل، ولو كان الغسل واجباً لأمر به النبي ﷺ، فإنه أمر بغسل الذكر منه.

الرابع: النجاسة؛ لأن النبي ﷺ أمر بغسل الذكر، فهذه كلها تدل على أن المذي نجس وأمر بغسله.

والحقيقة أن أكثر أهل العلم رحمه الله تعالى اختلفوا: هل يغسل منه الذكر كله أو محل النجاسة فقط؟ فالجمهور على أنه يقتصر على محل النجاسة، وعند طائفة من المالكية أنه يغسل منه الذكر كله، تمسكوا بظاهر قوله، فإن اسم الذكر حقيقة في العضو كله.

وإذا أوجبنا غسل جميع الذكر كان ذلك تعبداً، والطهارة التعبدية تحتاج إلى نية كالوضوء. أما الجمهور، فلم يستعملوا الحقيقة في الذكر كله نظراً منهم إلى المعنى، وأن الموجب إنما هو خروج الخارج، وذلك يقتضي الاقتصار على محله.

فالخلاف إذاً داخل في اشتراك النية عند أصحاب القول الثاني الذين يقولون إنه يجب غسل جميع الذكر تعبداً، فيقولون: لابد له من نية قبل الغسل؛ لما كان ذلك تعبداً.

أما الجمهور، فما جوابهم عن أن الأصل في استعمال الذكر أنه ذكر كامل؟ يقولون: نظرنا إلى المعنى، لماذا وجب غسل المذي؟ بسبب الخارج، فيجب عليه.

وقد وصف علي رضي الله عنه نفسه بأنه هو الذي يكثر منه المذي، ومع ذلك أمر بالوضوء، وهذا استدلال ضعيف؛ لأن كثرته قد تكون على وجه الصحة في غلبة الشهوة بحيث يمكن دفعها، وقد تكون على وجه المرض والاسترسال بحيث لا يمكن دفعه، وليس بالحديث بيانه.

وقد يستدل به على أن صاحب الاستسقاء يجب عليه الوضوء، يعني من يخرج منه المذي باستمرار، فهذا قد يستدل به على أنه يجب عليه الوضوء، لكن المؤلف رحمه الله ذكر أن الحديث حقيقة ما فيه بيان صفة الخارج.

ومن أهل العلم من يقول: إن الاستفسار في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال.

بمعنى الأمر بجسم الله، على بعض، الأصل أنه لا يجوز، لكن بعضهم يقول يجوز على الضرورة.

إلا في الضرورة في قول الشاعر: تفدي نفسك كل نفس؛ فالأصل تفدي نفسه، لكنه حدث لها لأن الأصل تفدي نفسه، وقد جُزم الفعل المعتل لعلة بسبب الضرورة، وباقي عملها.

فهل نقول هذه يقاس عليها، أو نقول الذي ذكره قبل قليل في الرواية؟

صلى الله عليه وسلم، وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.