بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وزدنا علماً وعملاً صالحاً كريماً.
أما بعد، اللقاء العشرون من لقاءاتنا التالية على كتاب الأحكام، لفضيلة الشيخ رحمه الله تعالى. وكنا قد توقفنا على حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في مرور النبي صلى الله عليه وسلم على قبرين يعذبان.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم بقبرين يعذبان، فقال: «إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير؛ أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة».
رحمه الله تعالى في التعريف بابن عباس رضي الله تعالى عنه، فهو ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وهو من مكابر الصحابة رضي الله عنهم في العلم. مات النبي صلى الله عليه وسلم ولم يناهز الاحتلام، لكنه كان عالي الهمة. طلب منه أحد أصحاب النبي من الأنصار أن يمشي معه ليسألوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وقال له صاحبه: «أتمنى أن يحتاج الناس إليك».
وفيه مكابر الصحابة كأبي بكر وعمر ونحوه. قال ابن عباس: فتركته وأقبلت على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أسألهم حتى بلغ مبلغاً عظيماً في العلم، ولم يجاوز العشرين من عمره. لذلك كان عمر رضي الله عنه يدخله مع كبار الصحابة. وكان بعضهم في نفسه، وقالوا: تدخل معنا ابن عباس وهو من الصغار؟ فما رضي عمر رضي الله عنه إلا واختبرهم يوماً وسألهم عن سورة النصر: ما معناها؟ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: 1]. فكلهم قالوا كلاماً متقارباً، أن الله عز وجل أمر نبيه صلى الله عليه وسلم إذا فتح عليه. وقال عمر لابن عباس: ما تقول فيها؟ قال: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم. أعلمه إياه.
فكان من الصحابة الذين يرجع إليهم في التفسير وفي أمور الدين، أحسن الله إليكم.
قال رحمه الله تعالى: ثم الكلام عليه من وجوه: أحدها تصريحه بعذاب القبر، وفي إضافة عذاب القبر إلى البول خصوصية تخصص، مع أن العذاب قد يكون بسبب غير ذلك أيضاً إن أراد الله عز وجل ذلك في حق بعض عباده. وعلى هذا الحديث ذكروا أنه كان منه تقصير في الطهور.
الوجه الأول من الفائدة في قوله: «إنهما يعذبان»، وهذا مذهب أهل السنة واشتهرت به الأخبار، وتناقلته الأمة. أما في إضافة عذاب القبر للبول فالخصوصية تخصص. يقول البعض: إن يكون هذا الأمر من البول دليلاً على أن للبول -وعدم التنزيه- أن يعذب الإنسان في قبره فقط إن أراد الله عز وجل ذلك في حق بعض عباده.
الثاني: قوله «وما يعذبان في كبير»، ذكر فيها احتمالين. الاحتمال الأول أن المراد أنهما كبيران عند الله تعالى، وقوله «وما يعذبان في كبير» أي ليس من الكبائر، وهذا الاحتمال الثاني يقولون إنه ضعيف؛ لأنه جاء في رواية البخاري: «إنه لكبير»، فيدل على أن المراد هو المعنى الأول، ولذلك قال: فيحمل قوله «وإنه لكبير» على كبر الذنب. والقول الآخر أنه ليس بأكثر الكبائر إن كان كبيراً، أي ليس من أكل الكبائر وإن كان كبيراً عند الله تعالى. والمعنى الخامس أنه ليس كبيراً في زعمهما، أي أن صاحب هذين القبرين في أمر لا يظنه كبيراً عند الله، وإن كان كبيراً عند الله تعالى.
قال رحمه الله تعالى: الثالث، قوله: «أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله». هذه اللفظة قد اختلفت فيها الرواية على وجوه. أحدها: الحمل على حقيقتها من الاستتار عن الأعين، ومفسدة تتعلق بانتقاض الطهارة، وعبر بالتوقي بالاستتار. وإنما رجحنا المجاز وإن كان الأصل الحقيقة؛ لأنه لو كان المراد أن العذاب على مجرد كشف العورة لحصل العذاب ورتبوا عليه وإن لم يكن ثمة بول، فيبقى تأثير البول بخصوصه مقترحاً عن الاعتبار. والحديث يدل على أن البول بالنسبة إلى عذاب القبر، لما أضيفت إلى البول، يعني أن ابتداء سبب عذابه من البول، وإذا حملناه على كشف العورة زال هذا المعنى.
الوجه الثاني: أن بعض الروايات في هذه اللفظة يشعر بأن المراد التنزه، وهي رواية «لا يستنزه»، وفي رواية «بعضهم لا يستنزه»، وتحمل هذه اللفظة على تلك لتتفق الروايتان.
أما قولهم: «فكان لا يستتر من بوله»، فقد اختلف فيها الرواة على وجوه. أما أن نحملها على الحقيقة أنه لا يستر عورته عن الناس، فسيكون العذاب في القبر على كشف العورة، وهذا مع الأول. طيب، نقول: عُبّر بالتستر، لماذا؟ لا بد أن تكون هناك علاقة بينهما، لابد أن تكون بينهما علاقة مجازية.
يرجح المعنى المجازي الأصل؛ أن اللفظ إذا دار بين الحقيقة والمجاز، فلا يحمل على المجاز إلا إذا دلت القرينة على ذلك. لذلك الآن ذكر المؤلف رحمه الله تقوية الحمل على المعنى المجازي، قال: وإنما رجعنا للمجاز من وجهين.
الوجه الأول: حاصله أن حمله على المعنى الحقيقي يجعل تعليق العذاب على البول غير حقيقي. وهذا المعنى من وجهين؛ الذي هو أن حمل الاستتار على المعنى الحقيقي يجعل تعليق العذاب على البول غير حقيقي، وذلك عندنا لو قلنا إن العذاب على مجرد كشف العورة، فكشف العورة سبب فقط، فما الفائدة من قوله "من بوله"؟ إذاً "من بوله" ذكر البول سبباً للعذاب، فصار سبباً.
الوجه الآخر هو ابتداء الغاية حقيقة أو مجاز؛ فإذا قلنا ما كان لها معنى، سيكون العذاب ابتداؤه غايته من كشف العورة لا من البول، وهذا مخالف لظاهر الحديث. إذاً هذا الوجه الأول الذي دل على تقوية المعنى المجازي، وهو أن حمل "يستتر" على المعنى الحقيقي يجعلنا نجعل تعليق العذاب في الحديث على البول غير حقيقي.
الوجه الثاني من أوجه تقوية الحمل على المجاز هو تفسير الرواية الأخرى؛ فكان لا يستنزه، رواية أبي نعيم، فإذا حملنا "يستتر" على معنى التنزيه المجازي جمعنا بين الروايات، وهذا ما يقوي الحمل على المعنى المجازي.
أحسن الله إليكم، المحرمة هي ترك الإنسان لقولٍ وجب ذكره له. يقول في الحديث نتيجة النميمة -رحمه الله- جعلها مطلق نقل الكلام الغير للغير، لكن هناك تفسير آخر للنميمة، وهو نقل الكلام على سبيل الإفساد. إذا كنت بينهم وخلص الكلام وتكون مباحة، يترتب عليها أنها غير محرمة، على قول الإنسان. قلنا لكم إن هذا تفسير مشهور.
الخامس: بحال الرطوبة. أحسنت، يقول: غرس النبي صلى الله عليه وسلم جريدة، ووضع على كل قبر جزءاً منها، يقول: النبات يسبح مادام رطباً؛ فلذلك هذا دليل على أن النبات الأخضر هو الذي يسبح، أما اليابس فلا يسبح، ولذلك حصلت له بركاته. إلى أنه يشرع التسبيح عند قبر الميت، أو الذكر عموماً عند قبر الميت الذي تحصل له البركة، وأخذ هذا من فعل النبي صلى الله عليه وسلم حيث شق الجريدة.
وهذا الاستدلال حقيقة فيه إشكال من ناحيتين: من ناحية هل القبر أو الجريدة أو النبات لا يسبح إلا إذا كان رطباً؟ كان هذا مختلفاً فيه بين أهل العلم، كلهم يستندون إلى قول الله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الرعد: 13]، حتى اليابسة قالوا إنها تدخل في قوله، والذين قالوا إن التسبيح للمرطب هو الحي فهو الذي يسبح وأما اليابسة فلا.
الإشكال الآخر: هل غرس الجريدة لأجل التسبيح، يعني تخفيفاً عن صاحب القبر لكي تسبح النباتات للأموات؟ الحقيقة هذا أمر غريب، لذلك لا نقول يستحب في هذا الحديث غرس الشجر الرطب عند قبر صاحبه ليستمتع به. إن هذا الاستدلال في هذا الحديث على هذه المسألة لا يصح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ولم يفعله مع عامة الناس أو أغلب الأكابر، ولم يفعله غالب الأكابر، وأيضاً عامة الصحابة رضي الله تعالى عنهم لم يفعلوا هذا، بعضهم نقل عن بعض الصحابة أنه أوصى أن يجعل على قبره جريدة، لكن عامة الصحابة رضي الله عنهم لم يفعلوا ولم يوصوا به، وهذا يدل على عدم الشرعية.
إضافة إلى أن هذا فيه سوء ظن، وأنه يعذب في قبره، ونحن سنقول ينبغي أن نحسن الظن بالله عز وجل، وأن هذا بإذن الله ينعم في قبره؛ لذلك نقول لا يشرع غرس الجريدة على القبر لهذا المعنى.
قال رحمه الله تعالى: السادس، أخذ بعض العلماء من هذا الحديث أن الميت ينتفع بقراءة القرآن، الذي ذكرناه من التخفيف عن صاحب القبر وتسبيح النبات، ومن الإنسان أولى بذلك والله أعلم. هذا المعنى الذي أخذه هو الذي يتكلم فيه، والفائدة السابقة مبنية على أن التخفيف لأجل التسبيح، ولم يظهر هذا. وعبادة الله عند صاحب القبر في غير المشروع؛ المشروع هو الدعاء له، لكن أن تأتي وتدعو الله تعالى بامر أو تتقصد أن تدعو الله أن تعبد الله عند صاحب القبر، ما في إشكال، لكن الإشكال أن يتقصد أن يذهب إلى صاحب القبر ويقرأ عنده القرآن. والله أعلم بالصواب.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: باب السواك. أنا أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم بالسواك عند كل صلاة. الكلام على هذا الحديث لوجود غيره كله على انتفاء الأمر من وجود المشقة؛ فالمنتفع لاجل المشقة إنما هو الوجود الثابت عند كل صلاة، فيقتضي ذلك أن الأمر للوجوب.
أحسنت، المؤلف رحمه الله تعالى انتقل إلى الباب الثاني من أبواب الطهارة بعد أن انتهى من الكلام على الاستقامة، انتقل إلى السواك، والسواك يذكره الحنابلة رحمه الله تعالى في سنن الوضوء؛ فدخلوا في هذا الباب لما جعلوه من سنن الوضوء، وإلا فهو سنة في الصلاة.
لكن لما كان أول موضع يده فيه هو الوضوء، ذكر المؤلف رحمه الله تعالى حديث أبي هريرة رضي الله تعالى أن النبي صلى الله عليه وسلم بالسواك عند كل صلاته، وهذا الحديث عند البخاري معلق. ذكر المؤلف رحمه الله تعالى الفائدة الأولى من هذا الحديث، أن الأمر للوجوب؛ كيف أخذوا من هذا الحديث أن الأمر للوجوب؟ كلمة "لولا" في اللغة يقولون هي حرف امتناع لوجود، مثل قولهم: لولا السواك عند كل صلاة لوجود المشقة، فلو كان هناك مشقة لكان الأمر واجباً. لذلك دل الحديث على أن الأمر للوجوب.
نعم، أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: الثاني، السواك مستحب في حالات متعددة، منها هذا الحديث وهو القيام إلى الصلاة؛ لكي نكون في حالة كمال ونظافة لإظهار أشرف العبادة، وقد قيل إن ذلك لأمر يتعلق...
وهو أنه يضع في فمه على القارئ بالرائحة الكريهة. السنة السواك، أحسنت. هنا يقول: السواك مستحب في حالات متعددة، بعضها منها الوضوء، والصلاة، وقراءة القرآن، وعند دخول المنزل، وعند الاستيقاظ من النوم.
الوجه الأول: أن الإنسان مأمور عندما يقوم إلى الصلاة أن يكون في أكمل حالاته من النظافة؛ لماذا؟ لأنه يقابل الله تعالى، وينبغي أن يشرف هذا الموقع، تستحب له السواك لأنه سيقابل ربه في الصلاة.
الوجه الثاني: أن هذا الأمر يتعلق بالملك، لأن الملك يضعف الرائحة. في الشرع يقول: وهل مثل قراءة القرآن مطلق الذكر؟ يعني هل يشرع السواك عند كل ذكر؟ في القرآن؟ نعم.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: الثالث، قد يتعلق الحديث بمذهب من يرى أن النبي ﷺ له أن يجتهد، ولا يتوقف حكمه على النص، لأن سبب انتفاء أمره ﷺ عدم ورود النص. هنا نأتي بأسئلة أصولية أخرى، وإن بعض الأصوليين استدل بهذا الحديث على أن النبي ﷺ له أن يجتهد فيما لم ينزل عليه في مصر، وكان النبي ﷺ -وهو قول أكثر أصحاب الأصول- ليس له أن يجتهد، ومنهم من غير ذلك في حالات، لكن الأكثر على أنه يجتهد.
طيب، من أين أخذوا هذا؟ من الحديث. لو كان الحكم موقوفاً على النص، النبي ﷺ لما وجد منه المشاركة لاجتهد ولم يأمرهم به. الاستدلال قال عنه البندق في الفتح لما نقل الكلام رحمه الله، قال: لماذا يقول وجهه إنه يجوز أن يكون إخباراً منه ﷺ بأن سبب المشقة... أحسن الله إليكم.
قال رحمه الله تعالى: الرابع، الحديث بعمومه يدل على استحباب السواك عند كل صلاة، فيدخل فيه استحباب ذلك في الصلاتين الواقعتين بعد الزوال للصائم، ويستدل به من يرى ذلك، ومن يخالف في ذلك يحتاج إلى دليل خاص بهذا الوقت يخص به ذلك العموم، وهو حديث الخلوف وفيه بحث.
يقول: الرابع، من مسألة الحديث: أبي هريرة رضي الله عنه أن الحديث في العموم يدل على استحباب السواك عند كل صلاة؛ لأنه قال: «أمرتم بالسواك عند كل صلاة»، وكل من ألفاظ العموم تدخل فيه. في العموم استحباب ذلك في الصلاتين، ركعتين بعد الزوال، يعني صلاة الظهر وصلاة العصر للصائم، فيدخل في الاستحباب، فمن يرى استحباب السواك للصائم كل وقت عند كل صلاة، ومن الصلوات صلاة الظهر، لماذا؟ طيب، الحديث يقول: عند كل صلاة، فيقول: لابد لهم من دليل خاص يخص بهذا الوقت، وهم تمسكوا بحديث الخلوف؛ لخلوف شم رائحة تنبعث من المعدة لا من الأسنان، فهم المعدة، فالسواك لا يزيلها، السواك لا يجيها، لذلك يقوى القول الأول للتمسك بالعموم.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل يشوط»، فاهمه بالسواك. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «يشوط» معناه يغسل، يقال شاصه يشوصه وماصه يمصه إذا غسله. حذيفة بن اليمان اسمه حسين بن جابر، وقيل حذيفة بن الحسين بن اليمان أبو عبد الله العبسي، معدود في أهل الكوفة وأحد كبار الصحابة ومشاهدهم. قال البخاري: مات بعد عثمان بن عفان بأربعين يوماً، وقال أبو نصر: وذلك أول سنة 36، وقال الواقدي: حذيفة بن اليمان حسين بن جابر العبسي، حديث بني عبد الأشهب وابني أخته وابن أختهم. قال حذيفة عن حذيفة الإمام رضي الله عنه: «كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل يشوط». وبين المؤلف عبد الغني رحمه الله قال لمعناه: يغسل، وقال: ينقي. أبو عبد العزيز في أهل الكوفة رضي الله تعالى عنه.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: فيه دليل على استحباب السواك في هذه الحالة الأخرى وهي القيام من النوم، وعلته التغير. استحباب السواك في هذه الحالة الأخرى وهي القيام من النوم أنه قال: «إذا قام من الليل»، لماذا؟ قالوا علته أن النوم مقتضٍ لتغير الفم، والسواك أداة تنظيف للمكتب، فليكن الفم نظيفاً. فلما كان النوم يقتضي تغير الفم والسواك منظف للفم كما جاء في الحديث، قال ابن العطار: وإذا كان كذلك فلا فرق بين نوم الليل والنهار، في الحديث قال: «إذا قام من الليل»، قال: تخصصه بالليل للغلبة، يعني أكثر النوم في الليل، أو لكون يتغير الفم فيه أكثر، والله أعلم.
أحسن الله إليكم، وقوله رحمه الله تعالى: وقوله «يشوط» يختلفوا في تفسيره: دلكه، وقيل يغسل، وقيل ينقي، والأول أقرب. الغسل هو الذي ذكره الحافظ على الأسنان. ترجع إلى أصل جامع ذكره ابن فارس رحمه الله، فسر الشط: زعزعة الشيء ودلكه، فكل من هذه المعاني جزء من المعنى، ولا تنافي بينها، فكلها معاني صحيحة، وهذا مما يدخل تحت اختلاف التنوع بالتفسير.
فاختلاف التنوع يعني أن تذكر عبارات كلها تدل على معنى واحد، أو تكون كل العبارات تدل على معنى لكن هذه المعاني هي جزء من المعنى الأصلي، وهذا كثير في كلام السلف في التفسير كما أوضحها الشيخ الإسلام رحمه الله في مقدمة التفسير، ومن الأمثلة على ذلك المفسرين في معنى: «الظالم لنفسه» و«المقتصد» و«السابق بالخيرات»، فكل واحد ذكر معنى، لكن هذه المعاني غير متعارضة وغير متضاربة، لكن كل منهم ذكر جزءاً من المعنى.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: وقوله «إذا قام من الليل» ظاهره يقتضي تعليق الحكم بمجرد القيام، ويحتمل أن يراد «إذا قام من الليل للصلاة»، يعود إلى معنى الحديث الأول. أحسنت، يقول: «إذا قام من الليل» ظاهره يقتضي تعليق الحكم، يعني تعليق استحباب السواك بمجرد القيام، سواء قام ليصلي أو لغير ذلك، هذا الاحتمال الأول. الاحتمال الثاني أن المراد «إذا قام من الليل للصلاة»، فيعود إلى معنى الحديث الأول فلا يفيد هذا معنىً جديداً. الفاكهاني يرجع هذا الاحتمال أن في مسلم لغة أخرى: «إذا قام يتهجد».
رحمه الله تعالى، والسفاريني ذكر أن الاحتمال الأول في ترتيب الأحاديث، قال لكونه ذكر أولاً حديث أبي هريرة الدال على الإتيان بالسواك في ابتداء العبادة من الصلاة منطوقاً، ومثل هذا الوضوء والقراءة والذكر، وحديث حذيفة الدال على السواك عند التغير لرائحة الفم بسبب طلب التسوك عند التغيرات، ثم ذكر حديث عائشة يدل على طلب السواك عند ختام الحياة لأنه يساهم خروج الروح. فحمله قيامه من الليل لكونه للصلاة يفوت غرض الحافظ، معنى واحد يقول إذا...
حملنا الحديث الثاني على كونه يدل على الاستياء عند تغير رائحة الفم من النوم؛ هذا يدل على معنى زائد، وهذا لعله -وهو الذي يرشد إليه- الحافظ عبد الغني المقدسي في ترتيب هذا. والله أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان