بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علم إبراهيم، ومعلم آدم علم آدم، وفهم سليمان فهم سليمان، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وعملاً صنعاً كريماً.
أما بعد، فهذا هو اللقاء الثاني عشر من لقاءات التعليق على كتاب «أحكام الأحكام» من دقيق العيد رحمه الله تعالى. كنا قد توقفنا على الحديث السادس. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمستمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى في الحديث السادس: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً، ولأولاهن بالتراب». وله في حديث عبد الله بن مغفل أن رسول الله ﷺ قال: «إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبعاً، وعفروه الثامنة بالتراب».
فيه مسائل هنا؛ أتى الحبيب المؤلف رحمه الله تعالى الحديث من رواية أبي هريرة، وعبد الله بن المغفل. أما رواية أبي هريرة؛ أولها: «إذا شرب الكلب في إناء أحدكم مناسك سبعة»، وهذا في الصحيحين: البخاري وعند مسلم. والرواية التي ساقها لمسلم: «أولاهن بالتراب»، هذه لم يروها البخاري، وإنما جاء في رواية مسلم. كذلك حديث عبد الله بن مغفل، هذا أيضاً في صحيح مسلم ولم يروه البخاري: «إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبعاً عند مسلم سبع مرات، والثامنة بالتراب»، الذي عند مسلم في التراب بدل «بـ» التراب.
وهذا الحديث من أفراد مسلم، وذكر الزركشي رحمه الله أن قول الحافظ في مسلم هذا صريح في انفراد مسلم بهذه الرواية. وابن الجوزي رحمه الله في كتاب التحقيق قال: تفرد بها البخاري، وهو سبق قلم؛ لذلك تعقبه ابن عبد الهادي رحمه الله وقال: إنه لم يتفرد به البخاري، بل تفرد به مسلم.
أحسن الله إليكم. قال رحمه الله تعالى: فيه مسائل؛ الأولى: الأمر بالغسل ظاهر في تنجيس الإناء، وأقوى من هذا الحديث في الدلالة على ذلك الرواية الصحيحة؛ قوله ﷺ: «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبعاً»، فإن لفظة «طهور» تستعمل إما عن الحدث أو عن الخبث، ولا حدث على الإناء بالضرورة، فتعين الخبث.
أحسنت، المسألة الأولى عنوانها: نجاسة الإناء الذي ولغ فيه، وذكر الخلاف فيها. ذكر القول الأول وأدلته ثم سيذكر القول الثاني. فيقول: «الأمر بالغسل ظاهر في تنجيس الإناء»، يعني عندنا الإناء نجس، هذا هو القول الأول وهو قول الجمهور؛ أن الإناء الذي ولغ فيه الكلب يعتبر نجساً.
ما الدليل؟ ذكر دليلين؛ الأول هنا قوله ﷺ: «فليغسله سبعاً»، وفي الرواية الثانية: «فاغسلوه سبعاً». يقول: الأمر بالغسل ظاهر في تنجيسه، يعني هذا الحديث الدلالة فيه دلالة ظهور وليست دلالة نصية، بمعنى أنها محتملة للنجاسة واحتمالها أقوى. لماذا ليست نصية؟ لأن الغسل قد يكون للنجاسة وقد يكون للاستقذار، لكن يقول الأقوى حمله على كونه للنجاسة.
الدليل الثاني الذي قال أصلح منه وأقوى منه في الدلالة، هو الرواية الأخرى التي ساقها الحافظ، آخرها الذي قال هو لمسلم: «أولاهن بالتراب»، وأولها قوله ﷺ: «طهور إناء أحدكم»، بضم الطاء، أن المراد بها مصدر، يعني تطهير؛ «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبعاً». فهذه «طهور» تدل على أن المراد به غسل النجاسة لا الاستقذار؛ لأن لفظ «الطهور» يستعمل إما عن الحدث أو عن الخبث، فيطهر الشيء عن الحدث أو عن الخبث، ولا حدث على الإناء بالضرورة، فتعين كونه عن الخبث، والخبثية هي النجاسة. هذا الدليل ذكره الإمام النووي رحمه الله في شرح مسلم.
وذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله جوابين عن هذا الدليل. الأول: أننا نمنع الحصر، فقد يكون تطهيراً لكنه لا يرفع الحدث؛ فلا نقول إن لفظ الطهر إما أن يرفع الحدث أو يزيل الخبث، بل قد يكون طهوراً لكنه لا ينفع في الحدث مثل التيمم في المقرر. نحن الشافعية رحمهم الله، وكذا المالكية، يقولون: التيمم لا يرفع الحدث، لكنه يبيح ما يمنعه الحدث، ومع ذلك وصفه النبي ﷺ في بعض الأحاديث أنه «طهور المسجد»، هنا طهور لكنه لا يرفع الحدث ولا يزيل الخبث.
والجواب الثاني: أن الطهارة تطلق على غير ذلك، تطلق على شيء لا رفع حدث ولا إزالة خبث، مثل قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة: 103]، فتطهير الصدقة لنفس المزكي ليست من باب رفع الحدث ولا إزالة الخبث. وكما في قوله ﷺ: «السواك مطهرة للفم». هذان الجوابان ذكرهما الحافظ بالفتح، ومن أراد استزادة يرجع إليه، حيث ذكر أيضاً جواباً آخر.
نعم، الآن سيذكر ممن ذكر من الصحابة أن غسل الإناء من ولوغ الكلب للتنجيس ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، كما ذكره الحافظ بالفتح، وذكر أنه صرح بأن الغسل من ولوغ الكلب، وعزاه إلى محمد بن نصر المروزي بسند عن صحابي.
الآن سيذكر القول الثاني، أحسن الله إليكم. قال رحمه الله تعالى: «وحمل مالك هذا الأمر على التعبد في اعتقاده طهارة الباء والإناء، وربما رجحه أصحابه بذكر هذا العدد المخصوص وهو السبع؛ لأنه لو كان للنجاسة لاكتفى بما دون السبع، فإنه لا يكون أغلظ من نجاسة العذرة وقد اكتفي فيها بما دون السبع».
والحمل على التنجيس أولى؛ لأنه متى دار الحكم بين كونه تعبداً أو معقول المعنى كان حمله على كونه معقول المعنى أولى، لندرة التعبد بالنسبة إلى الأحكام معقولة المعنى. وأما كونه لا يكون أغلظ من نجاسة العذرة فممنوع عند القائل بنجاسته؛ نعم ليس بأقذر من العذرة ولكن لا يتوقف التغليظ على زيادة الاستقذار. وأيضاً إذا كان أصل المعنى معقولاً قلنا به، وإذا وقع في التفاصيل ما لا يعقل معناه اتبعناه في التفصيل ولم نوقفه لأجله على التأصيل، ولذلك نظائر في الشريعة؛ فلو لم تظهر زيادة التغليظ في النجاسة لكنا نقتصر في التعبد على العدد، ونمشي في أصل المعنى على معقولية المعنى.
هنا ذكر القول الثاني لأهل العلم في مسألة نجاسة الإناء، وأن الغسل ليس للنجاسة، ولذلك قال: «وحمل مالك هذا الأمر على التعبد»، يعني أن الإناء الذي ولغ فيه الكلب يعتبر طاهراً، والإناء والماء أيضاً.
والماء الذي ولغ فيه الكلب يعتبر طاهرا، وهذا رده على القول الأول بأنه أمر بالغسل؛ أي أن الأمر بالغسل تعبدا لا للنجاسة.
لماذا؟ لأن الإمام مالكا رحمه الله -كما قدمنا من قبل- لا يرى أن الماء ينجس إلا بالتغير، وأن الأصل الطهارة. ويقول: وربما رجحه أصحابه بذكر هذا العدد المخصوص، ويقولون: مما يدل على أن الأمر للتعبد لا للنجاسة، أنه لو كان للنجاسة لاكتفي بإزالة الخبث ولم يشترط عددا مخصوصا، واشتراط العدد يدل على أنه ليس للنجاسة.
وقال: كون الأمر بالسبع هذا ورد في مواضع من الشريعة لا للنجاسة، فمثلا في قوله صلى الله عليه وسلم: «من تصبح بسبع تمرات عجوة لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر»، ذكر السبع لأجل أمر طبي، قالوا: هذا مثله لأجل الضرر في ما يحتويه لعاب الكلب، واشترط هذا العدد وإلا فلا علاقة له بالنجاسة.
ومما يدل على ذلك أن العذرة -عذرة الآدمي أو عابرة الحيوان- أقدر وأقذر من لعاب الكلب، ومع ذلك يكتفى فيها بما دون السبع على قول الجمهور، أما الحنابلة رحمهم الله تعالى فيرون أن السبعة واجبة في النجاسة الواردة عن غير الآدمي، سواء كانت كلبا أو خنزيرا أو غيرهما، فإذا كانت كلبا أو خنزيرا مع التراب، وأما غيرهما فسبعا بدون تراب.
فالاستدلال بالامرين: الأمر الأول أنه اشترط فيها بالعدد، والعدد خاصة السبع هذا ورد في الشريعة في أمور لغير النجاسة، والأمر الثاني أنه لو كان للنجاسة لاكتفي فيه بما دون السبع، وليس بأغلظ من العذرة.
بمدرسة ابن دقيق العيد رحمه الله، رجح القول الأول؛ لذلك قال: «والحمد على التنجيس أولى». لماذا رجح القول الأول؟ يقول: عندنا الآن القول الأول حمله على النجاسة فهو معلل، والقول الثاني حملوه على التعبد، إذا فهو غير معلل، وكلنا ندري علته، لكن لا ندري علته إذا كان تعبدا. وإذا دار الأمر بين كونه معللا أو تعبديا، يقول: يحمل على الأغلب في الشريعة، والأغلب في الشريعة أن الأحكام معللة.
السعداني رحمه الله يناقش في هذا، يناقش في كون الأغلب في الشريعة التعبد، لكن هذا توجيه من دقيق العيد رحمه الله تعالى في هذه المسألة، ثم رجع إلى مناقشتهم عن الجزئيتين؛ جزئية أنه أغلظ من العذرة ومع ذلك لم يؤمر فيها بالسبع، وأيضا يناقش بالسبع.
يقول: أما بالنسبة للموازنة بينه وبين العذرة، فالعذرة لم يؤمر فيها بالسبع وهو أمر فيه بالسبع، نحن طبعا هذا على القول بكونه نجسا، أما كونه ليس أغلظ من نجاسة العذرة فممنوع عند القائلين بنجاسته وهم الجمهور، لا يسلمون لكم؛ لأنه ليس أغلظ منها، يقولون بل هو أغلظ.
إذن أنتم تناقشون في شيء لا نسلمه، ليس بأقذر من العذرة، عندنا إذا كان أقذر وأخنق؛ لا نسلم لكم أنه أن العذرة أغلظ منه، لكن ما يتوقف التغليف زيادة الاستقذار، نحن معكم أن العذرة أقذر، لكن الشارع أمرنا غسل هذا السبع مع التراب، ولم يأمرنا هل تغسل سبعا بدون تراب أو تغسل ثلاثا أو تغسل حتى تزول، هذه مسألة خلاف، لكن المقصود أنه لم يؤمر فيها بما أمر فيه بإزالة لعاب الكلب.
الأمر الثاني في الرد يقول: سيرد على السبع، يكون عندنا إذا كان أصل المعنى معقولا، الآن يقول حنا أصلا نقول إنه أمر بسبع للنجاسة فنحن نقول أصل المعنى معقول، لكن كونه مقيدا بالسبع لماذا لم يؤمر بثمان أو بست أو بخمس؟ هذا غير معقول، نحن لا نعقل معناه، لماذا أمر الله عز وجل والنبي صلى الله عليه وسلم بالسبع بدون تراب؟ لماذا هذه الكيفية؟
يقول لك: حنا عندنا الأصل أنه للنجاسة هذا معقول المعنى، لكن التفصيل الذي هو سبع بالتراب هذه لا نعقل معناها، وإذا وقعت في التفاصيل ماذا يعقل معناه؟ اتبعناه في التفصيل ولم ينقض لأجله التأصيل، يعني ما نقول ما دام أنه أمر بسبع ونحن لا نعقل معناه إذا أصل المعنى غير معقول المعنى، بل نقول أصل المعنى معقول المعنى، لكن التفاصيل التي هي العدد هذا غير معقول، فسنأخذ بالتأصيل ومعقولية المعنى، والصين بالتفصيل نقتصر على التعبد، ولا نقول ما دام أننا لا نعقل التفصيل الذي هو السبع لا نعقل معناه إذا نعود إلى أصل المعنى الذي هو غسله، نقول إذا هو للتعبد لأنه لا ندري لماذا أمر به.
فهذا دليل القول الأول ودليل القول الثاني وإجابة المؤلف رحمه الله تعالى على أدلتهم وترجيعه للقول الأول.
أحسن الله إليكم. قال رحمه الله تعالى: المسألة الثانية، إذا ظهر أن الأمر بالغسل للنجاسة، فقد استدل بذلك على نجاسة عين الكلب، ولهم في ذلك طريقان. هنا الآن يتكرر عندنا مذهب أن الأمر بالغسل للنجاسة، وهذا كما قلنا لكم مذهب الأئمة الثلاثة ما عدا الإمام مالك رحمه الله تعالى؛ فالأئمة الثلاثة يرون أن عين الكلب كلها نجسة، الحديث يدل على النجاسة في الوضوء أو ما لحق الإناء.
يقولون: نحن لا نقتصر على أثر الماء، كل أجزاء الكلب نجسة، هذا كما قلنا لكم للأئمة الثلاثة، والمالكية من الأصل لا يرون هذا، ويكون لهم فريقان. الآن سيذكر مآخذ العلماء في الاستدلال على نجاسة عين الكلب.
قال رحمه الله تعالى: أحدهما أنه إذا ثبتت نجاسة فمه من نجاسة لعابه فإنه جزء من فمه، وفمه أشرف ما فيه فبقية بدنه أولى. الثاني: إذا كان لعابه نجسا وهو عرق فمه، ففمه نجس، والعرق جزء متحلب من البدن، فجميع عرقه نجس، فجميع بدنه نجس بما ذكرناه من أن العرق جزء من البدن؛ فتبين بهذا أن الحديث إنما دل على النجاسة فيما يتعلق بالفم، وأن نجاسة بقية البدن بطريق الاستنباط.
أحسنت، الآن ذكر الطريقين أو المأخذين في الاستدلال على نجاسة عين الكلب؛ الطريقة الأولى أنه الآن ثبت لدينا أن فمه نجس من هذا الحديث، نجاسة فمه من نجاسة لعابه.
يقول: إن لعابه جزء من فمه، وفمه أشرف شيء فيه، فما دام أشرف شيء فيه نجساً، فبقيه بدنه من باب أولى أن يكون نجساً. وفي بعض النسخ: «وفمه أشرف ما فيه نجس وكله نجس».
بمعنى أن لعابه الآن نجس، وهو عرق فمه، واللعاب نشأ من الفم، فما دام اللعاب نجساً فالإذن الفم نجس. ويقول: والعرق جزء متحلب من البدن، إذاً جميع بدنه نجس. وفي بعض النسخ تختلف اللفظة بأن لعابه نجس، واللعاب عرق الفم، فعرق فمه نجس، فعرق كله نجس، والعرق جزء متحلب من البدن.
وقوله بما ذكرناه من أن العرق جزء من البدن ليست موجودة في بعض النسخ، لكن المعنى أن اللعاب جزء من عرق الفم، وعرق بدنه، فما دام عرقه نجساً فعرق بدنه كذلك. ويقول: الحديث دال نصاً على النجاسة فيما يتعلق بالفم، وأما نجاسة بقية البدن فذلك بطريق الاستنباط.
الآن سيذكر ما يمكن أن يناقش به هذا الدليل، أحسن الله إليكم. قال رحمه الله تعالى وفيه بحث، هو أن يقال: إن الحديث إنما دل على نجاسة الإناء بسبب الولوغ، وذلك قدر مشترك بين نجاسة عين اللعاب وعين الفم، أو تنجسهما باستعمال النجاسة غالباً. والدال على المشترك لا يدل على أحد الخاصين، فلا يدل الحديث على نجاسة عين الفم أو عين اللعاب، فلا تستقيم الدلالة على نجاسة عين الكلب كله.
أحسنت، هو يقول هنا هذا يمكن مناقشته؛ ما الدليل؟ هل يقول الحديث إنما دل على نجاسة الإناء بسبب الولوغ؟ إذا دل على نجاسة الإناء بسبب الولوغ، لماذا تقولون إن هذا دليل على أن اللعاب نجس أو الفم نجس؟ يقول: هذا محتمل لأمرين:
الأمر الأول: أن يكون نفس اللعاب أو الفم نفسه نجساً، النجاسة عينية. وهذا هو قوله: «وذلك قدر مشترك بين نجاسة عين اللعاب وعين الفم»، يعني أنهما نجاسة عينية.
والاحتمال الثاني: ألا تكونا نجستين عينية، وإنما نجاسة حكمية، يعني أن هذا الكلب تناول نجاسات أخرى قبل أن يلدغ في الإناء، فكانت النجاسة الأخرى سبباً في مخاطرة النجاسة لفمه ولعابه، فصار فمه ولعابه نجساً بسبب مخالطة النجاسة.
يقول: الآن الحديث فقط دل على نجاسة الإناء، فما السبب؟ هل السبب كون الفم واللعاب نجسين نجاسة عينية، أو السبب أن الفم أو اللعاب تنجس بسبب مخالطة نجاسة أخرى؟ فلما ولغ في الإناء انتقلت النجاسة هنا إلى الإناء. يقول: هذا القدر المشترك أن الحديث دل على نجاسة الإناء، لكن السبب محتمل بين هذين الأمرين.
يقول لك: والدال على المشترك يعني أن الحديث دل على أمر مشترك، أما هذا وإما هذا، لا يدل على أحد الخاصين، يعني ليس فيه دلالة قطعية على أن النجاسة لأجل النجاسة العينية للفم أو اللعاب. يقول: فيما يدل الحديث على نجاسة عين الفم أو عين اللعاب، يعني نجاسة عينية، فإذا لم يدل على أن عين الفم وعين اللعاب نجسين نجاسة عينية، فلا يدل على أن عين الكلب كلها نجسة نجاسة عين.
هذه المناقشة، والآن سيذكر الاعتراض على هذه المناقشة، نعم، أحسن الله إليك. قال رحمه الله: وقد يعترض على هذا في أن يقال: لو كانت العلة تنجيس الفم أو اللعاب كما أشرتم إليه، لزم أحد أمرين: وهو إما وقوع التخصيص في العموم، أو ثبوت الحكم بدون علته.
لأن إذا فرضنا تطهير فم الكلب من النجاسة بماء كثير أو بأي وجه كان، ثم ولغ في الإناء، فإما أن يثبت وجوب غسله أو لا؛ فإن لم يثبت وجب تخصيص العموم، وإن ثبت لزم ثبوت الحكم بدون علته، وكلاهما على خلاف الأصل.
والذي يمكن أن يجاب به عن هذا السؤال أن يقال: الحكم منوط بالغالب، وما ذكرتموه من الصورة نادر لا يلتفت إليه. وهذا البحث إذا انتهى إلى هنا، قوي قول من يرى أن الغسل لأجل قذارة الكلب.
يقول: أنتم قلتم إن الحديث يحتمل هذا ويحتمل هذا، ولو كانت العلة تنجيس الفم أو اللعاب، وذكر قول الجمهور الذين يرون أن النجاسة عينية، يكون لو كانت العلة كونهما نجسين نجاسة عينية، أو نجاسة حكمية، فإنه يذهب إلى أحد أمرين: إما وقوع التخصيص في العموم، أو ثبوت الحكم بدون علته.
كيف ذلك؟ يقول: لو فرضنا أن الكلب قبل أن يلدغ في الإناء غسلنا فمه ولعابه غسلاً تاماً، وصار فمه ولعابه نظيفاً، ثم ولغ في الإناء، فلا يخلو الأمر من أحد الاحتمالين: إما أن نقول يجب غسل هذا الإناء، فإما أن يثبت وجوب غسله أو لا؛ فإن قلنا لا يجب غسله، فكأننا قلنا: العموم الذي في حديث «إذا ولغ الكلب» خصصناه إلا إذا طهر فمه قبل الغسل، فإنا هنا خصصنا العموم والحديث على عمومه. وإن قلتم يجب غسله للعموم، نقول: يجب غسله ليس للنجاسة، فالغسل ليس للنجاسة.
وإن لم يثبت وجوب الغسل، لزم ثبوت الحكم الذي هو الغسل بدون علته، أي بدون علة النجاسة. وكلا الأمرين؛ تخصيص العموم أو ثبوت الحكم بدون علته، خلاف الأصل. الأصل أن يبقى الحديث على عمومه، وأن يكون الحكم معللاً وثابتاً مع علته، وكلاهما خلاف الأصل، وما كان موافقاً للأصل يرجع على المخالف للأصل.
ثم ذكر جواباً على هذا الاعتقاد، ليكون الذي يمكن أن يجاب به عن هذا السؤال: أن يقال الحكم منوط بالغالب، أن الكلب إذا أراد أن ينظر إلينا لا يطهر أو لا ينظف فمه، وهذه الصورة التي ذكرتموها في أنه يطهر فمه هي صورة نادرة.
في الغالب إن الكلب إذا أراد أن يرى في إناء فإنه لا يطهر فمه، إذاً لا يلزمنا هذا الإيراد لكل مؤلف رحمه الله. وهذا البحث إذا انتهى إلى هنا يتقوى قول من يرى أن غسل ما ولغ فيه الكلب من أجل الاستقذار، لا من أجل النجاسة.
وهنا المؤلف رحمه الله في المسألة الأولى رجح أن الغسل لتنجس، وفي المسألة الثانية قال إذا انتهى المنقاش إلى هنا، ترى هذا يقوي قول من يرى الغسل للاستقذار لا لحمل النجاسة.
على كل حال، العراقي رحمه الله في طرح التسرُّب لما ذكر قوله ابن دقيق العيد هنا، أجيب عنه بأن قوله صلى الله عليه وسلم: «أحدكم» محمول على الحقيقة الشرعية. فإذا قلنا استقذار، ونقول «أحدكم» يعني التطهير اللغوي الذي هو التنظيف لأجل الاستقذار، والمعنى الشرعي، أقصد أن اللفظ الشرعي إذا دار الاحتمال بين أن يحمل على الحقيقة الشرعية والحقيقة اللغوية، فالأصل حمله على الحقيقة الشرعية.
هذا موضوع كلامه، فمن أراد الاستهزاء فليرجع. نقف إلى هنا، نسأل الله للجميع التوفيق والسداد. صلى اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان