دخولتسجيل الدخول

التعليق على إحكام الأحكام لابن دقيق -11 - (الحديث الخامس من المسألة الثانية إلى نهاية الحديث)

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملا صالحا يا كريم.

أما بعد، فهذا هو اللقاء الحادي عشر من لقاءات التعليق على كتاب أحكام الأحكام دقيقة العيد رحمه الله تعالى، وكنا قد توقفنا عند الحديث السادس من أحكام الكتاب، وهو حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه».

وفي رواية مسلم: «لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب». وتكلمنا على المسألة الأولى.

وققبل أن نبدأ، فقط تنبيه يسير على ما جاء في نهاية الدرس الماضي في آخر ما قرئ من المسألة الأولى، في مناقشة المؤلف ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى بتوجيه الإام مالك رحمه الله تعالى، وتوجيه مذهب المالكية رحمهم الله تعالى في هذا النهي على الكراهة.

قال في نهايته: وقد يقال على هذا إن حالة التغير مأخوذة من غير هذا اللفظ، فيلزم استعمال اللفظ الواحد في معنيين مختلفين، وهذا متجه، إلا أنه يلزم منه استعمال التخصيص في هذا الحديث، والمخصص للإجماع على نجاسة المتغير.

طبعا كل هذه الجملة التي قرأتها، ما عدا انتهيت يعني من قوله: وقد يقال، إلى قوله: إلا أنه يلزمنا التخصيص في هذا الحديث، هذه وردت في بعض النسخ الخطية دون بعض.

وورد في بعضها التنبيه على أن هذه الجملة لم تكتب، أو لم تثبت في المقروء على المؤلف رحمه الله تعالى. أما آخر جملة، وهي: والمخصص للإجماع على نجاسة المتغير، الحقيقة بحثت فيما وقفت عليه من النسخ الخطية، فلم أجد هذه النسخة، لم أجد هذه الجملة مثبتة.

عندنا كنت في نهاية الدرس الماضي أن هذه العبارة: إلا أنه يلزمنا التخصيص في هذا الحديث، أن هذه العبارة فيها إشكال. ثم يقول بعدها: العبارة التي لم أجدها هي المخصص للإجماع، التخصيص التخصيص كان من خارج، ليس من هذا الحديث.

لكن تبين والله أعلم أن مراده أنه يلزم أن هذا الحديث قد دخله التخصيص، لأنه في بداية الكلام قال إن الإمام مالك حمله على الكراهة، لماذا؟ ليستمر حكم الحديث في القليل والكثير، يعني لأجل أن يكون عاما، لأجل أن يكون هذا الحكم عاما في القليل والكثير. يقول: الإمام مالك لما حمله على ذلك، حقيقة ما استمر على الحكم في القليل والكثير.

لماذا؟ لأنه يضطر إلى تخصيص المتغير، المتغير بالنجاسة. وهنا يقول: يعني ما استقام له السبب الحامل له على الكراهة.

لعل هذا هو المراد من كلام ابن دقيق رحمه الله تعالى، إلا أن من لزم التخصيص بهذا الحديث يعني أن هذا الحديث دخله التخصيص، فلم يستقم للمالكية رحمهم الله تعالى السبب الحامل لهم على حمل النهي على الكراهة دون التحريم، هذا والله تعالى أعلم.

نبدأ، أحسن الله إليكم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: الوجه الثاني: اعلم أن النهي عن الاغتسال لا يخص الغسل، بل التوضؤ في معناه، وقد ورد مصرحا به في بعض الروايات: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه.

ولو لم يرد لكان معلوما قطعا لاستواء الوضوء والغسل في هذا الحكم لفهم المعنى الذي ذكرناه، وأن المقصود التنزه عن التقرب إلى الله سبحانه بالمستقذرات.

هنا يبين المؤلف رحمه الله تعالى أن الوضوء في معنى الغسل، فيقول لك: إن النهي هنا عن الغسل: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه، أن هذا الحكم ليس خاصا بالغسل، بل يشمل الوضوء، وأخذه من أمرين.

الأمر الأول: وجود بعض الروايات فيها التصريح بالوضوء: ثم يتوضأ منه، وهذه خارج الصحيح.

الثاني: يقول: العلة متفقة، العلة التي نهي فيها عن الغسل في الماء الدائم موجودة في الوضوء.

يقول: لو لم يرد أو لم ترد هذه الرواية: ثم يتوضأ منه، لكان معلوما قطعا استواء الوضوء والغسل في هذا الحكم. لماذا؟ لفهم المعنى الذي ذكرناه. المعنى الذي ذكرناه هو أن المقصود التنزه عن التقرب إلى الله عز وجل بالمستقذرات، فلما كان مستقذرا فلا يتوضأ منه.

طبعا هذا إذا قلنا إنه لا ينجس، فإن قلنا إنه ينجس فنقول أيضا إنه لا ينجس فلا يتوضأ منه؛ لأن من شروط الماء المتوضأ به أن يكون طاهرا.

أحسن الله إليكم. قال رحمه الله تعالى: الثالث: ورد في بعض الروايات: ثم يغتسل منه، وفي بعضها: ثم يغتسل فيه، ومعناهما مختلف، تفيد كل واحدة منهما حكما بطريق النص، وأخر بطريق الاستنباط، ولو لم يرد فيه لفظة: فيه، لاستويا لما ذكرنا.

قال: ورد في بعض الروايات: يغتسل منه، وهذه في أكثر نسخ العمدة، وهي الموافقة لرواية مسلم. وفي بعضها: فيه، وفي بعضها: يغتسل فيه، وهذه رواية البخاري، وهي في بعض نسخ العمدة.

لكن معناهما مختلف: يغتسل منه، ثم يغتسل فيه. يقول: يفيد كل واحد منهما حكما بطريق النص، وأخر بطريق الاستنباط. معنى: ثم يغتسل فيه، يعني المعنى الذي دلت عليه بالنص هو الانغماس فيه، وهو لما انغمس.

ويستنبط منه أيضا أنه إذا نهي عن الانغماس، فيستنبط منه أيضا أنه ينهى عن تناوله تناولا، يعني أنه لا ينغمس، وانما يستعمله، يدخل يده ويغتسل منه، دل عليه النص بطريق الاستنباط.

وأما: ثم يغتسل منه، فعكسه؛ دلت على المعنى النصي الذي دلت عليه من النهي عن التناول منه، وإذا يعني التناول منه، فهو نهي عن الانغماس فيه بطريق أولى. فكل منهما إذا دلت على حكم في طريق النص، وأخر بطريق الاستنباط.

الحكمان متحدان، لكن هذا الوصف في معنى، والاستنباط في معنى، وهذه بعكسها. وهذه بعكسها، يعني لو كانت الرواية الثانية ثم يغتسل فيه، يقول لك أنا الحكم النصي في الحكم، يعني كل منهما يدل على المعنى النصي المتحدة.

وهذا التوجيه ذكره الحجر رحمه الله في الفتح، وقال: وهذا كله مبني على أن الماء ينجس بملاقاة النجاسة، حيث إذا قلنا لا ينجس -وهنا لا نقول، يعني إذا قلنا لا ينجس مثلا الماء بملاقاة النجاسة- فنقول إذا: خاصة روايته: فيه، تدل على منع الانغماس، لكن لا تدل على منع التناول؛ لأنه إذا قلنا ينجس، فسواء أنغمس أو تناول، كلاهما منهي عنه؛ لأن الماء نجس في الأصل.

أما إذا قلنا لا ينجس بمجرد البول، وإنما نهي عنه لأجل الاستقذار، فنقول إذا: المنهي إذا قلنا برواية: فيه، فإنه منهي عن اللمس، لكن لم يدل على التناول، لا سيما وأن التناول أخف حكما من الانغماس، نعم.

أحسن الله إليكم. قال رحمه الله تعالى: الرابع: مما يعلم بطلانه قطعا ما ذهبت إليه الظاهرية الجامدة من أن الحكم مخصوص بالبول في الماء، حتى لو بال في كوز وصبه في الماء لم يضر عندهم، أو لو بال خارج الماء فجرى البول إلى الماء لم يضر عندهم أيضا، والعلم القطعي حاصل ببطلان قولهم باستواء الأمرين في الحصول في الماء، وأن المقصود اجتناب ما وقعت فيه النجاسة من الماء، وليس هذا من مجال الظنون بل هو مقطوع به.

هنا ينبه المؤلف رحمه الله تعالى على خطأ الحدیث في ذكر أن من الأخطاء التي وقع فيها الظاهرية رحمهم الله تعالى أنهم اخذوا هذا الحديث على ظاهره لديهم، فقالوا إن المنهي عنه: لا يبولن أحدكم الماء الدائم، المنهي عنه هو مباشرة البول في الماء.

أما لو بال في غير الماء ثم صب، كما قال: أو بال في إناء ثم صب هذا البول في الماء، أو ما ما شمله النهي، وكذا لو بال قرب الماء ثم تسرب هذا البول فنزل إلى الماء، قالوا لا يشمل المنهي عنه مباشرة البول في الماء.

وابن دقيق العيد رحمه الله تعالى ذكر أن هذا غير سديد، بل إنه باطل، وقال إنه باطل، ليس يعني محتملا أنه يصح لهم. يقول: العلم القطعي حاصل لقوله بماذا؟ أن الأمرين كلاهما مستويان، سواء هو قلنا هو العلة هي التنجيس أو التقذير، فكلاهما حاصلان: مباشرة البول في الماء، أو البول في إناء ثم صبه في الماء، أو البول قرب الماء ثم يتسرب إلى الماء. فكل هذا يحصل به العلة التي نهي عن البول في الماء الدائم فيها.

المقصود اجتناب ما وقعت فيه نجاسة الماء، سواء وقعت في سواء قيل بالنجس أو بالاستقذار. قال: وليس هذا من مجال الظنون، يعني لا نقول محتمل، كل هذا هذا مقطوع ببطلانه.

لذلك الإام النووي رحمه الله تعالى لما ساق هذا القول للظاهرية في شرح مسلم، قال: وهذا الذي يعني نسبه إلى داود، قال: وهذا الذي ذهب إليه خلاف إجماع العلماء، وهو أقبح ما نقل هل في الجمود على الظاهر، رحم الله الجميع.

ويعلم أنه لا ينبغي أن تذكر أقوال العلماء في المجالس للتندر بها للتندر بها. نعم، بعضهم يتخذ بعض الاقوال مجالا للسخرية، لا أقص هذه المسألة، ولا أقص الظاهرية فقط، بل بعضهم مثلا يسخر من مذهب الحنفية في بعض المسائل، يسخر من مذهب الشافعية في بعض المسائل، هذا لا ينبغي، وهو على خطر؛ لأن فيه استخفافا بأهل العلم رحمهم الله تعالى، وهم ما قالوا هذه الاقوال التي ذهبوا إليها إلا التماسا لعلم ظنوه صحيحا، فهم لا يقصدون مخالفة النصوص الصحيحة الصريحة، مخالفة مخالفة يعني لا مسوغ لها، عندهم المسوغ، لكن اجتهدوا ولم يصبوا الحق، فلا فلا ينبغي أن تذكر الأقوال للتندر عليها.

أحسن الله إليكم. قال رحمه الله تعالى: وأما الرواية الثانية، وهي قوله صلى الله عليه وسلم: لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب، فقد استدل به على مسألة المستعمل، وأن الاغتسال في الماء يفسده؛ لأن النهي وارد ها هنا على مجرد الغسل، فدل على وقوع المفسدة بمجرده، وهي خروجه عن كونه أهلا للتطهير به، أما لنجاسته، أو لعدم طهوريته، ومع هذا فلا بد فيه من التخصيص، فإن الماء الكثير -أما القلتان فما زاد على مذهب الشافعي، أو المستبحر على مذهب أبي حنيفة- لا يؤثر فيه الاستعمال، ومالك لما رأى أن الماء المستعمل طهور غير أنه مكروه، يحمل هذا النهي على الكراهة، وقد يرجحه.

الآن يتكلم عن الرواية الثانية، اللي هي رواية مسلم: لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب. الآن هذه الرواية دلت على المنع من الاغتسال فقط، لم يتألم، لم يتطرق فيها إلى النهي عنه، فهي نهي عن الاغتسال في الماء الدائم بمفرده، الاغتسال به بعد البول.

يقول: هذه الرواية استدل بها بعضهم على مسألة الماء المستعمل، الماء المستعمل، وأن الماء المستعمل لا يتطهر به، أن الاغتسال في الماء يفسده، يعني يفسد التطهر به.

لان النهي هنا -كيف يستدل بها على مسألة الماء المستعمل؟- قال: النهي وارد على مجرد الغسل، يعني ليس فيه تطرق للبول. يقول: فدل على وقوع المفسدة بمجرد، دل على وقوع المفسدة في الماء بمجرد الاغتسال به.

طيب، ما هي المفسدة التي تقع؟ الماء إذا اغتسل به، يقول: إنه يخرج عن كونه أهلا للتطهير به، فلا يكون ماء طهورا. ومر عليكم أن الماء على قول أكثر الفقهاء أنه ثلاثة أقسام: طهور، وطاهر، ونجس.

فإذا كان ليس طهورا، فإما أن يكون طاهرا، وإما أن يكون نجسا. لذلك قال: أما لنجاسته، وهذا قول قول أبي حنيفة، وقيل للشافعي رحمهم الله تعالى، أن الماء المستعمل يعتبر نجسا. يعتبر نجسا، كيف استعمل اعتبر نجسا؟ فنهي عنه لئلا، فنهي عن الاغتسال في الماء الدائم لئلا ينجسه.

طبعا استدلوا على كونه نجسا؛ لأنه في الرواية الأولى قالوا: فلما كان البول ينجسه، دل على أن الاغتسال ينجسه، وقد نهي عنهما، والنهي للتحريم، فدل على أن لأجل التنجيس.

هاي هذا التقرير، ورد هذا الاستدلال؛ لأنهم اخذوا التنجيس من دلالة الاقتران وهي ضعيفة. وعلى تقدير تسليمها، فنقول يعني لا يلزم التسوية بين الامرين، سيكون النهي عن البول بأن لا ينجسه، وعن الاغتسال لطهوريته.

أه طيب، أو لعدم، وهو يعني كونه كونه طاهرا غير مطهر، وهذا هو المشهور عند الحنابلة، وهو أيضا الشافعية. والحنفية قالوا مع هذا، ومع هذا فلا بد فيه من التخصيص. يعني أنه لا يزال أحدكم بالماء الدائم وهو جنب، قالوا بأن لا يفسده، لكن خصصوا، خصصوا بماذا؟ بالقليل، أما الكثير فلا ينهى عن الاغتسال فيه، والكثير على الخلاف بينهم في تحديده: الشافعي وأحمد على تحديد الكثير بالقلتين، القلتين فما زال، وأبو حنيفة رحمه الله على تحديد الكثير المستبحر، وبعضهم حده أنه إذا حرك أحد طرفيه الآخر.

القول الثاني، القول الثاني قول مالك رحمه الله، قال: أنا أخالفكم في حمل النهي على أنا أحمله على الكراهة، الاغتسال في الماء الدائم قال: أحمله على الكراهة، لماذا؟ لأن الماء المستعمل طهور، فلا يكون لا دلالة فيه على النهي عن، أو على أن الماء المستعمل لا يتطهر به. النهي إذن على الكراهة.

طيب، الآن سيذكر ما يرجح مذهب مالك، ثم الساء يذكر مناقشته، يشير إلى أنه فيه إشكال في ترجيحه، نعم.

أحسن الله إليكم. قال رحمه الله تعالى: وقد يرجحه أن وجوه الانتفاع بالماء لا تختص بالتطهير، والحديث عام في النهي.

فإذا حُمِل على التحريم لمفسدة خروج الماء عن الطهورية لم يناسب ذلك؛ لأن بعض مصالح الماء تبقى بعد كونه خارجًا عن الطهورية. وإذا حُمِل على الكراهة كانت المفسدة عامة؛ لأنه يُستقذر بعد الاغتسال فيه، وذلك ضرر بالنسبة لمن يريد استعماله في طهارة أو شرب، فيستمر النهي بالنسبة إلى المفاسد المتوقعة. إلا أن فيه حمل اللفظ على المجاز؛ أعني حمل النهي على الكراهة، فإنه حقيقة في التحريم.

الآن يقول إن مذهب مالك قد يرجح؛ لأن الماء لا يُستعمل للتطهر فقط، بل يُستعمل لأمور أخرى، يُستعمل للطبخ وللشرب. فيقول: لو اغتسل فيه الجنب، فربما نمنعه، ربما نكرهه للتقدير لا للتنجيس؛ لأنه يقدره على من يأتي بعده للشرب أو للطبخ أو لاستعماله فيه من وجوه استعمال المباحات الأخرى.

يقول: من الذي قال لكم إنه منهي عنه عندما يفسده على غيره بالتطهر؟ فلذلك قلتم إن الماء المستعمل غير مطهر؟ نقول: لا، هو نهي عن الاغتسال فيه، لكن قد يكون لأجل تقديري، لا لأجل نجاسة، قد يكون لأجل أنه لا يطهر، قد يكون لأجل أنه يُقدّر غيره ليقدره على غيره. لذلك يقول: الحديث عام في النهي، فلم يذكر أنه لأجل التنجيس.

فإذا حُمِل على التحريم لمفسدة الخروج معها الطهورية لم يناسب ذلك؛ لأننا هنا كأننا خصصنا النهي بالتنجيس ولم نلتفت إلى وجوه الاستعمال الأخرى، ولم يناسب ذلك أن بعض المصالح في الماء تبقى بعد خروجه عن الطهورية. لأننا إذا قلنا للتنجيس، أو نقول إن الماء المستعمل طاهر، هنا حقيقة ما أفسد الاستعمالات الأخرى.

لكن هم يقولون: نحن نحمله على الكراهة لأجل أن يعم الاستعمالات الأخرى. قال: وإذا حُمِل على الكراهة مفسدة عامة؛ لأنه يستقذر بعد الاغتسال فيه، وذلك ضرر بالنسبة لمن يريد استعماله في طهارة أو شرب إلى آخره، فيستمر النهي بالنسبة للمفاسد المتوقعة. يقول: يعني إنه إذا حملناه على التقدير فنحن عممنا النهي، وقلنا إنه يكره لأجل أن يقدره على غيره ممن يريد استعماله في طهارة أو في شرب أو في طبخ أو في استعمالات أخرى. أما إذا قلنا إنه يُنهى عن استعماله لكونه يخرجه عن كونه طهورًا، فنحن فقط عملنا النهي في التطهير فقط، أما في غيره فما عملناه. فهم نظروا إلى الاستعمالات، وهذا مما يرجح قولهم على قول الجمهور من الحنابلة والشافعية والحنفية.

هنا ذكر وجهة الترجيح ثم ناقشها، قال: إلا أن فيه في هذا الوجه من الترجيح حمل اللفظ على المجاز؛ يعني حمل النهي على الكراهة، فإنه خلاف الحقيقة، فالحقيقة أن النهي يُحمل على التحريم. فيتقوى قول الجمهور إذاً بأنهم استعملوا النهي على حقيقته، ويتقوى قول المالكية لكونهم عمموا النهي على الاستعمالات الأخرى.

هنا دقيق العيد رحمه الله تعالى في شرحه، يبين لك مآخذ أهل العلم. تجدون أحياناً في سوق الخلاف، يناقش ويمشي ولا يرجع؛ لأن هذا يدرب طالب العلم على اكتساب الملكة في المناقشة. المناقشة يعني لا يلزم أن تصل إلى القول الراجح في كل مسألة، لكن أهم شيء أنك تعرف ما أخذ أهل العلم، وأن تلتمس لهم العذر في قولهم إذا عرفت مأخذهم.

مثلاً لو أنه قال: المالكية حملوها على الكراهة والجمهور عملوها تحريماً، والراجح قوله بالتحريم لأن الأصل في النهي حمله على التحريم؛ قد يكون هذا صحيحًا، لكن إذا لم تعرف مأخذ المالكية في حمله النهي على الكراهة، فقد تظنهم خرجوا عن التحريم إلى الكراهة بلا دليل، بينما هم خرجوا عن التحريم إلى الكراهة لقرينة رأوها صارفة للنهي عن التحريم إلى الكراهة.

وهذا ستجده واضحًا في شرح ابن زكية العيد رحمه الله تعالى لهذه الأحاديث، وأنه يبين لك مآخذ أهل العلم. وإذا تبينت لك ما أخذ أهل العلم، فإنك تستفيد بأنك تعرف مأخذهم وتعرف وجه النقاش، وتعرف لماذا أخذوا هذا وقدموا هذا وأخروا هذا، فتلتمس لهم العذر فيما تراه مخالفًا للصواب عندك. ونكتفي بهذا القدر، ونسأل الله للجميع التوفيق والسداد. وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.