بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملا صالحا يا كريم. أما بعد، فهذا هو المجلس السادس من مجالس التعليق على كتاب أحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد رحمه الله تعالى، وكنا قد توقفنا عند باب سجود السهو.
نعم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين ولجميع المؤمنين. قال رحمه الله تعالى: باب سجود السهو. الحديث الأول: عن محمد بن سيرين عن أبيه، أبي هريرة رضي الله عنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي. قال ابن سيرين: وسماها أبو هريرة ولكن نسيت أنا. قال: فصلى بنا ركعتين ثم سلم، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى وشبك بين أصابعه، وخرجت السرعان من أبواب المسجد فقالوا: أقصرت الصلاة؟ وفي القوم أبو بكر وعمر فهاب أن يكلماه، وفي القوم رجل في يديه طول يقال له ذو اليدين، فقال: يا رسول الله، أنسيت أم قصرت الصلاة؟ قال: لم أنس ولم تقصر. فقال: أكماتقول يا ذو اليدين؟ فقالوا: نعم. فتقدم صلى ما ترك، ثم سلم، ثم كبر، فسجد مثل سجده أو أطول، ثم رفع رأسه فكبر، ثم كبر وسجد مثل سجده الأول أو أطول، أو قال: أطول، ثم رفع رأسه وكبر، وربما سألوه ثم سلم. فنبئت أن عمران بن حصين قال: ثم سلم.
أحسنت. هنا تكلم المؤلف رحمه الله تعالى في باب سجود السهو، وذكر فيه حديثين. وسجود السهو هذا من الأشياء الملحقة بالصلاة، وشرع جبرا للخلل الذي يأتي في الصلاة، وسببه يعني السبب ومشروعيته: إما زيادة أو نقصان أو شك؛ زيادة في الركعات أو في الأركان، أو نقصان ركعة أو نقصان ركن أو نقصان واجب، أو شك؛ سواء كان هذا الشك مستوي الطرفين أو ترجح لديه أحد الطرفين. ومسائل سجود السهو مبسوطه في كتب الفقه.
ذكر المؤلف رحمه الله تعالى هنا حديث أبي هريرة في سهو النبي صلى الله عليه وسلم في إحدى صلاتي العشي، أما الظهر وإما العصر، حيث سلم من ركعتين. وهذا أحد المواضع التي حفظ فيها سهو النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر ابن القيم رحمه الله تعالى في زاد المعاد أنه حفظ سهوه في نحو خمسة مواضع، هذا أحدها. وحديث ذي اليدين هذا حديث جليل غزير الفوائد، وقد أفرده بالتاليف واستنباط الفوائد منه الحافظ صلاح الدين العلائي الشافعي رحمه الله تعالى، وكتابه مطبوع قبل سنوات واسمه: نظم الفوائد لما تضمنه حديث ذي اليدين من الفرائد.
نعم. أحسن الله إليكم. قال رحمه الله تعالى: الكلام على هذا الحديث يتعلق بمباحث؛ بحث يتعلق بأصول الدين، وبحث يتعلق بأصول الفقه، وبحث يتعلق بالفقه. أما البحث الأول ففي موضعين؛ أحدهما أنه يدل على جواز السهو في الأفعال على الانبياء صلوات الله عليهم أجمعين، وهو مذهب عامة العلماء والنظار، وهذا الحديث مما يدل عليه، وقد صرح صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود بأنه ينسى كما تنسون.
نعم. أقول: الكلام على هذا الحديث يتعلق بمباحث؛ بحث يتعلق بأصول الدين يعني بالاعتقاد، بحث يتعلق بأصول الفقه، وبحث يتعلق بالفقه. فأما البحث الأول المتعلق بالاعتقاد في موضعين؛ أحدهما يقول: إنه يدل على جواز السهو في الأفعال، في أفعال النبي صلى الله عليه وسلم. حيث ووجه ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم سهى في الصلاة، فدل هذا على جوازه. قال: هذا الحديث مما يدل عليه، وجاء في الحديث الآخر أن النبي صلى الله عليه وسلم صرح بذلك: «إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون».
نعم. أحسن الله إليكم. قال رحمه الله: وشدت طائفة من المتوغلين فقط، لا يجوز السهو عليه، وإنما ينسى عمدا، ويقصد صورة النسيان ليسن. وهذا باطل؛ لإخباره صلى الله عليه وسلم بأنه ينسى، ولأن الأفعال العمدية تبطل الصلاة، ولأن صورة الفعل النسيان كسورة الفعل العمدي وإنما يتمايزان للغير بالإخبار.
طيب أحسنت. هنا ذكر قول طائفة من قال من المتوغلين، يعني من المتشددين في هذا، فقالوا: لا يجوز السهو على النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما ينسى عمدا، يعني يتعمد أن يأتي بذلك ويفهم أنه سهو إلا فهو عامد، قال: يتعمد صورة النسيان ليسن، يعني يشرع للناس ما يفعلونه إذا نسوا. وهذا قال: وهذا باطل، وذكر ثلاثة أسباب لبطلانه: إخباره صلى الله عليه وسلم أنه ينسى، كما في الحديث السابق: «إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون»، وأيضا الأمر الثاني: أن الأفعال العمدية تبطل الصلاة، يعني لو أن النبي صلى الله عليه وسلم تعمد أن يصلي ويسلم من ركعتين عمدا ليخبر الناس عما يفعل ليخبر الناس عما يفعلونه إذا سلموا سهوا ونسيانا، فإن هذا الفعل يبطل صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، فالأفعال العمدية تبطل الصلاة. لأن هذا إنما يؤتى به نقصد سجود السهو يؤتى به إذا فعل ذلك ناسيا، فإذا فعل ذلك متعمدا بأن زاد ركعة أو نقص ركعة أو زاد ركنا أو نقص واجبا، يعني متعمدا في ذلك كله، بطلت الصلاة. السبب الثالث: قال: لأن صورة الفعل النسيان كسورة الفعل العمدي، يعني كون أن النبي صلى الله عليه وسلم مثلا سلم من ركعتين، أنتم تقولون عمدا ونحن نقول نسيانا، الصورة واحدة، لكن كيف علمنا أنها نسيان؟ علمنا أنها نسيان بإخبار النبي صلى الله عليه وسلم، لذلك قال: «وإنما يتمايزان للغير بالإخبار»، أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه بشر مثلنا ينسى كما ننسى.
نعم. أحسن الله إليكم. قال رحمه الله: والذين جازوا السهو قالوا: لا يقر عليه فيما طريقه البلاغ الفعلي. واختلفوا: هل من شرطه التنبيه، هل من شرط التنبيه الاتصال بالحادثة أو ليس من شرطه ذلك، بل يجوز التراخي إلى أن تنقطع مدة التبليغ وهو العمر. وهذه الواقعة قد وقع البيان فيها على الاتصال.
أحسنت. الذين جازوا السهو، الذين هم جمهور العلماء، قالوا: مع أنه يجوز عليه السهو، إلا أنه لا يقر عليه فيما طريقه البلاغ الفعلي، لابد أن يأتي ما يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل نسيانا وأن الواجب هو فعل كذا. واختلفوا: هل لابد أن يأتي البلاغ مباشرة، أو يجوز فيه التراخي ولا يخرج النبي صلى الله عليه وسلم من آخر العمر؟ هذه أقوال فيها. لكن في هذه الواقعة جاء التنبيه مباشرة، قال: وهذه الواقعة قد وقع البيان فيها على الاتصال، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بعد الصلاة مباشرة أنه حصل منه سهو ونسيان.
نعم. قال رحمه الله: وقد قسم القاضي عياض الأفعال إلى ما هو على طريقه البلاغ وإلى ما ليس طريقه البلاغ ولا بيان للاحكام من أفعاله البشرية وما يختص به من عادات وأذكار قلبه. وأبى ذلك بعض من تاخر عن زمنه وقال: إن أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وأفعاله واقراره كله بلاغ واستنتج بذلك العصمه في الكل، بناء على أن المعجزة تدل على العصمه فيما طريقه البلاغ وهذه كلها بلاغ كلها تتعلق بها العصمة عن القول والفعل، ولم يصلح في ذلك بالفرق بين عمد أو سهو، وأخذ البلاغ في الافعال من حيث التأسيس به صلى الله عليه وسلم فإن كان يقول بأن السهو والعمد سواء في الافعال هذا الحديث يرد عليه.
هنا يقول: قسم القاضي عياض رحمه الله الأفعال إلى ما هو على طريقه البلاغ، وإلى ما ليس طريق البلاغ ولا بيان الأحكام الأفعال البشرية، وما يختص به من عادات وأذكار قلبه، يعني عندنا ثلاثة أقسام: ما هو على طريقه البلاغ مثل الصلوات، الصلوات الحج ونحوها. الثاني: ما ليس طريقه البلاغ ولا بيان الأحكام من أفعاله البشرية، يعني الأفعال الجبلية فليس طريقه البلاغ يعني مثل طريقه شربه طريقه نومه ونحو ذلك. قال: وما يختص به من عاداته وأذكار قلبه، يعني مثل عادته في اللبس، عادته في المشي ونحو ذلك، وأذكار قلبه الذكر في القلب يعني الاعتبار والاتعاظ ونحو ذلك. قسم إلى ثلاثة أقسام. والأفعال التي طريقها البلاغ هي التي يرد نعم، هي التي جاء فيها الحديث هنا أنه جاء فيها السهو، لكن لابد من أن النبي صلى الله عليه وسلم يأتي له ما يبين هذا السهو. قال: وأبى ذلك بعض من تأخر عن زمنه يعني يقصد أبى هذا التقسيم، وقالوا: إن كل أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته كلها معصومة، لا يرد فيها سهو. والحق أنه الأقوال سياتينا بعد قليل، واما الأفعال والأقرار وإن كانت طريقها البلاغ يعني يتأسى بها فيها صلى الله عليه وسلم لكن قد يخطئ لكن لا يقر عليه، بمعنى مثل هنا النبي صلى الله عليه وسلم سهى لكن لم يقر على هذا السهو بمعنى أنه جاء له ما يبينه.
نعم. أحسن الله إليكم. قال رحمه الله تعالى: الموضع الثاني الاقوال، وهي تنقسم إلى ما طريقه البلاغ، والسهو فيه ممتنع ونقل فيه الاجماع، كما يمتنع التعمد قطعا واجماعا. واما طرق السهو في الاقوال الدنيويه، وفيما ليس سبيله البلاغ من الاخبار التي لا مستند للاحكام اليها ولا اخبر المعاد ولا ما يضاف الى وحي؛ فقد حكى القاضي عياض عن قوم انهم جوزوا السهو والغفله في هذا الباب عليه، اذ ليس من باب التبليغ الذي يتطرق به إلى القدح في الشريعه. قال: والحق الذي لا مريه فيه ترجيح قول من لم يجوز ذلك على الانبياء في خبر من الاخبار، كما لم يجيزوا عليهم فيها العمد، وانه لا يجوز عليهم خلف في خبر لا عن قصد ولا عن سهو ولا في صحه ولا مرض ولا رضا ولا غضب.
أحسنت. الموضع الثاني يقصد الموضع الثاني يعني المسألة الثانية من مسائل الاعتقادات التي تتعلق بهذا الحديث: الاقوال؛ هل يمكن أن يسهو النبي صلى الله عليه وسلم في الاقوال؟ قسم الاقوال الى أمرين: أقوال طريقها البلاغ وهذه السهو فيها ممتنع، يعني مثل القرآن، يمكن أن النبي صلى الله عليه وسلم يبلغنا بالقران ويخطئ في آية في سبيل البلاغ في سبيل التبليغ، كونه يخطئ في آية وهو يقرأ في الصلاة هذا وقع وهذا يعني لا يمتنع لأن النبي صلى الله عليه وسلم بشر، لكن الصحابة يعرفون الصواب فالنبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم أنهم يعني يردون عليه إذا أخطأ، لكن في سبيل جاء يبلغ الناس أن سورة أنزلت عليه أو آية أنزلت عليه ما يمكن أن يقع من النبي صلى الله عليه وسلم خطأ فيها، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان أول الأمر كان إذا أنزل عليه جبريل بالآيات كان يحرك لسانه لأجل أن يتحفظ الآيات التي ينزل عليه جبريل عليه السلام، فانزل الله قوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: 16-19]. يعني النبي صلى الله عليه وسلم وعد بأنه سيعني يرسخ القرآن في قلبه، وانه سيجمع القرآن في قلبه، وألا ينسى عليه الصلاة والسلام.
أما الأمر الثاني: طرؤ السهو في الأقوال الدنيوية، وفيما ليس سبيله البلاغ من الأخبار التي لا تستند الأحكام إليه ولا أخبار المعاد ولا يضاف إلى وحي؛ فأيضا حكى القاضي عياض عن قوم يقول: إنهم جوزوا السهو والغفلة في هذا الباب عليه، إذ ليس من باب التبليغ الذي يتطرق به إلى القدح في الشريعة لأنه ليس تبليغا عن أمور دينية، فقد يكون النبي صلى الله عليه وسلم كلاما لكن هو يظنه حقا ويتبين أن الحق في غيره أو الأصوب في غيره، مثل ما قال صلى الله عليه وسلم لأهل النخيل يعني: «لو تركتم التلقيح تلقيح النخل»، فتركوه في سنة من السنوات فلم ينتج النخل إنتاجا جيدا في تلك السنة، فرجع النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أنتم أعلم بأمر دنياكم». فهذا في أمر دنيوي، فذكر النبي صلى الله عليه وسلم كلاما يظنه حقا هو ليس من باب التبليغ، لكن يعني اقتراحا اقتراحا في أمر دنيوي، ثم قال: «أنتم أعلم بأمر دنياكم» عليه الصلاة والسلام، فدل هذا على أنه يعني ليس بمعصوم في الأمور الدنيوية، يعني ليس المقصود أنه يخبر بخلاف الحق ونحو ذلك، لكن المقصود أنه قد مثل هذه يقترح أمرا يقترح أمرا دنيويا فيكون الصواب في غيره، وهذا لأن النبي صلى الله عليه وسلم بشر يخطئ ويصيب عليه الصلاة والسلام.
لكن في أمور التبليغ النبي صلى الله عليه وسلم يصيب ولا يخطئ عليه الصلاة والسلام. قال والحق، يعني قال قاضي عياض رحمه الله: والحق الذي لا مرية فيه ترجيح قول من لم يجوز ذلك الأنبياء في خبر من الأخبار، كما لم يجوزوا عليهم فيها العمد، وانه لا يجوز عليهم خلف في خبر لا عن قصد ولا سهو ولا في صحة ولا مرض ولا رضا ولا غضب. وهذا يعني يقصد الخبر؛ الخبر لا يعني يكذبون فيه، لا يكذب فيه الأنبياء.
عليهم الصلاة والسلام، لكن عندنا الخبر، أو مثل المقترحات التي يقترحها، فهذا قد يكون النبي صلى الله عليه وسلم، قد يكون النبي صلى الله عليه وسلم يقترح عملاً ويكون الصواب في خلافه عليه الصلاة والسلام، كما ذكرنا في تلقيح النخل.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: والذي يتعلق بهذا بهذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: «لم أمس ولم تقصر»، وفي رواية أخرى: «كل ذلك لم يكن»، واعتذر عن قول: والذي يتعلق بهذا من الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: «لم أمس ولم تقصر»، هنا النبي صلى الله عليه وسلم تكلم بهذا، لم أمس فانا صليت صلاة تامة ولم تقصر الصلاة غير مقصوره، هنا وقع عليه السهو، هذا سهو في قول، سهو في قول، طيب، ما الجواب عن هنا؟ يقول نقل عن القاضي عياض أنه يقول: الحق الذي لا مرية فيه أنه لا يجوز على النبي صلى الله عليه وسلم قول لا لا، وفي ذلك الآن سيذكر الجواب عنه.
واعتذر عن ذلك بوجوه: أحدها أن المراد لم يكن القصر والنسيان معا، وكان الأمر كذلك، نعم الأمر الجواب الأول أن المراد نفي الأمرءين معاً، لم أمس ولم تقصر، لا نفي كل واحد منهما فانا ما نسيت ولا قصرت، نفي الأمرءين معاً، قال: وكان الأمر كذلك فالأمران ليس منفيين كليهما، فالأمران ليس منفيين كليهما؛ لأن القصر القصر القصر صحيح، النبي صلى الله عليه الصلاة لم تقصر، لكن النسيان هو الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يظن صلاته تامة فتبينت صلاته ناقصة بقي له ركعتان.
أحسن الله إليك، قال رحمه الله: وثانيها أن المراد الإخبار عن اعتقاد قلبه وظنه، وكأنه مقدر النطق، مقدر ظني النطق به وإن كان محذوفاً؛ لأنه لو صرح به وقال لم يكن في ظني ثم تبين أنه كان خلافه في نفس الأمر لم يقتض ذلك أن يكون خلافه في ظنه، فإذا كان لو صرح به كما ذكرناه فكذلك إذا كان مقدراً مراداً، وهذان وهذان الوجهان يختص أولهما برواية من روى: «كل ذلك لم يكن»، وأما من روى: «لم أمس ولم تقصر» فلا يصح فيه هذا التأويل، وأما الوجه الثاني فهو مستمر على مذهب من يرى أن مدلول اللفظ الخبري هو الأمور الذهنية؛ فإنه وإن لم يكن ذلك فهو الثابت في نفس الأمر عند هؤلاء فيصير كالملفوظ به.
نعم، يقول: ثانيه أن المراد اختبار الإخبار عن انتقاد قلب وظن، يعني هو إنما نفذ هذا النبي صلى الله عليه وسلم، إنما نفى ذلك بناء على اعتقادي، يقول: لمس ولم تقصر يعني أنا في اعتقادي أني صليت صلاة تامة، فالصلاة لم فالصلاة لم أنس فيها شيئاً، وأيضاً لم تقصر، قال: فهو يعني كأنه يقول: لم أنس لم تقصر في غالب ظني أو في ظني، قال: وهذان الوجهان يختص أولهما -اللي الوجه الأول أن مراد لم يكن قصيمان- يختص أولهما بالرواية الأخرى له: «كل ذلك لم يكن»؛ يعني لم يكن كل ذلك لم يكن أي أنه لم يكون معاً، لم أمس ولم تقصر، فهذه لا يصح في هذا التأويل التأويل الأول؛ لأنه كأنه نفى كل واحد لوحده، لكن يقول الوجه الثاني يصح فيها على حتى على رواية لمس تقصر؛ لأنه يتكلم بناء على غالب ظنه.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: وثالثها قوله عليه السلام قوله عليه السلام لم أنس يحمل على السلام؛ أي أنه كان مقصوداً لكنه بناء على ظن التمام، ولم يقع سهوا في نفسه، وإنما وقع السهو في عدد الركعات وهذا بعيد.
نعم الثالث يقول إننا نحمل قوله صلى الله عليه وسلم: لم أنس لم تقصر، على أنني قصدت السلام، يوم أسلم أنا قاصد السلام؛ بناء على أنه يغلب على ظني أن الصلاة تامة، فهو لم يتكلم عن هذه الركعات لم يتكلم عن السلام أنه مقصود، قال: وهذا بعيد، وهذا بعيد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سأل لما قال له ذو اليدين: بلى قد نسيت، سأل الصحابة رضي الله تعالى عنهم فدل على أنه يقصد الركعات.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: ورابعها الفرق بين السهو والنسيان، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسهو ولا ينسى، ولذلك نفع عن نفسه النسيان؛ لأنه غفلة ولا يغفل عنها، وكأنه يشغله عن حركات الصلاة ما في الصلاة ما في الصلاة شغلا بها لا غفلة عنها، ذكره القاضي عياض رحمه الله، وكان إيش؟ ما شاء الله عليك، وكأنه يشغله عن حركات الصلاة وما في الصلاة شغلا بها لا غفلة عنها، ذكر في نسخة يا شيخ: وكان، يعني الظن أصود، وكان شغله عن حركات الصلاة وما في الصلاة شغلا بها، شغلا هذه خبر كامل، لا غفلة عنها، وكان شغله عن حركات الصلاة وما في الصلاة شغلا بها لا غفلة عنها ذكره القاضي عياض رحمه الله، وليس في هذا تخليص للعبارة عن حقيقة السهو والنسيان مع بعد الفرق بينهما في استعمال اللغة، وكأنه يلوح من اللفظ على أن النسيان عدم الذكر لأمر لا يتعلق بالصلاة والسهو والسهو عدم الذكر لأمر يتعلق بها، ويكون النسيان الإعراض عن تفقد أمورها حتى يحصل عدم الذكر، والسهو عدو الذكر عدم الذكر لأجل الإعراض، وليس في هذا بعد ما ذكرناه تفريق كلي بين السهو والنسيان.
أحسنت، يقول الرابع: أنه يفرق بين السهو والنسيان، النبي صلى الله عليه وسلم نفع عن نفسه النسيان ولم ينفع عن نفسه السهو، لماذا؟ قال: النسيان غفلة، والغفلة أمر مذموم، يقول: اشتغال النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة وحركات الصلاة هذا اشتغال بها لا غفلة عنها فلا يكون نسياناً، إنما يكون سهواً، لكن هنا يقول: ليس في هذا، عندنا تلخيص، وذكر أن في نسخة تخليص ولعل تخليص كانها أقرب، قال: ليس في هذا التخليص للفرق؛ يعني العبارة عن حقيقة السهو والنسيان، لكن يقول: قد يعني يكون كأنه يعني ما حرر الفرق بين الصهو والسلام، لكن يقول: قد يحرر الفرق بينهما بأن السهو أو النسيان يقول: عدم الذكر لأمر لا يتعلق بالصلاة، يعني مثلاً، يعني مثلاً في الصلاة في الصلاة ينسى ينسى شيئاً، لكن كان يفكر بأمر خارج عن الصلاة، وفي السهو عدم الذكر لأمر يتعلق بها، ويكون النسيان فيه إعراض النسيان يكون فيه إعراض عن تذكر الصلاة، والسهو ليس فيه إعراض، فيقول: قد يكون في هذا هو الفرق بين السهو والنسيان، يقول بعد ذلك: ليس في هذا بعد ما ذكرنا تفريق كلي بين سوى والنسيان، يقول: يعني بينهما تداخل، بينهما تداخل.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: وخامسها ما ذكره القاضي عياض أنه ظهر له ما هو أقرب وجها وأحسن تأويلاً، وهو أنه إنما أنكر عليه السلام نسيت المضافة إليه، وهو الذي نهى عنه بقوله: «بئس ما لأحدكم أن يقول نسيت كذا ولكنه نسي»، وقد روي: «إني لا أنسى على النفي ولكن أنسى»، وقد شك الراوي على رأي بعضهم في الرواية الأخرى هل قال: أنسى أو أنسي؟ أو أن أو هنا للشك، وقيل، وإن أو هنا للشك وقيل بل للتقسيم، وأن هذا يكون منه مرة من قبل شغله وسهوه، ومره يغلب على ذلك ويجبر عليه ليسن، فلما ساله السائل بذلك اللفظ أنكره وقال له: «كل ذلك لم يكن»، وفي رواية أخرى: «لم أمس ولم تقصر»، وأما القصر فبين وكذلك لم أمس حقيقة من قبل نفسي وغفلتي عن الصلاة، ولكن الله نساني سن.
خامسها ما ذكره القاضي عياض رحمه الله وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر كلمة نسيت؛ يعني أنكر اللفظ فقط، وإلا فهو قد نسي، لماذا أنكر اللفظ؟ يقول: لأنه جاء في الحديث الآخر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بئس الحديث من يقول نسيت كذا ولكنه نسي»، طبعا سيذكر المؤلف أن الوارد نسيت ايه كذا، قال: وقد روي: «إني لا أنسى ولكن أنسى، ولكن أنسى»، أي طبعا هنا قوله أنسى أو أنسى، طبعا لأنه جاء في رواية: «ولكن أنسى أو أنسى بالسنه»، وهذه جاءت عند مالك في الموطأ بلاغاً وهو أحد الأحاديث الأربعة التي وردت في الموطأ بلاغاً ولم تجد عن ولم ترد عند غيره موصولاً، كما ذكرها الحافظ ابن عبد البر رحمه الله تعالى، على أن الحافظ ابن الصلاح رحمه الله وجدها موصولاً في طرق أخرى وألف رسالة في وصل بلاغات مالك.
هنا يقول: إن يعني أن المقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم أحياناً أحياناً ينسى بطبيعة نفسه، وأحياناً يجبر على النسيان ليسن، فلما سأله السائل قال: كل ذلك لم يكن، ولم وقال لم أنس؛ يعني أن النسيان هنا لم يكن من قبله، وإنما كنت مجبراً عليه من قبل، لكن الله نساني بأسنه، وليس المراد مجبر يعني طريقة الجبرية ولكن يقصد أنه لم يكن لم يكن ذلك يعني في اعتقاده لم يكن ذلك في اعتقاده.
نعم، الآن سيتكلم على قياسها، سيتكلم الحافظ دقيق العيد رحمه الله على قياسها على آيات، ولكن بئس لاحدكم أن يقول نسيت كذا، هل تقاس يقاس النسيان في الصلاة فلا يقول نسيت وإنما يقول نسيت كما يقوله في الآية أو لا؟
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: واعلم أنه قد ورد في الصحيح من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنه لو حدث في الصلاة شيء أنباتكم أنباتكم به ولكن إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني»، وهذا يعترض يعترض ما ذكره القاضي عياض رحمه الله من أنه صلى الله عليه وسلم انكر نسبة النسيان إليه، فانه صلى الله عليه وسلم قد نسب النسيان إليه في حديث ابن مسعود مرتين، وما ذكره القاضي عياض من أنه صلى الله عليه وسلم نهى أن يقال نسيت كذا الذي أعرفه فيه: «بئس ما لأحدكم أن يقول نسيت آية كذا»، وهذا نهي عن إضافتي نسيت إلى الآية، وليس يلزم من النهي عن إضافة النسيان إلى الآية النهي عن إضافته إلى كل شيء؛ فإن الآية من كلام الله تعالى المعظم، ويقبح بالمرء المسلم أن يضيف إلى نفسه نسيان كلام الله تعالى، وليس هذا المعنى موجوداً في كل ما ينسب إليه النسيان، فلا يلزم مساواة غير الآية لها.
وعلى كل تقدير لو لم تظهر مناسبة لم يلزم من النهي عن الخاص النهي عن العام، وإذا لم يلزم ذلك لم يلزم أن يكون قول القائل: نسيت، الذي اضافه إلى عدد نسيت، الذي اضافه إلى عدد الركعة داخلاً النهي فينكر، والله أعلم.
أحسنت، هنا دقيقة العيد رحمه الله يناقش ما ذكره القاضي عياض في الوجه الخامس، يناقش أولاً أنكر النبي صلى الله عليه وسلم للنسيان إن كانوا للفظ وأنه لم ينس؛ لأنه قد نهى عن قول: نسيت كذا، فيقول: لا، جاء في حديث ابن مسعود إضافة جاء في حديث ابن مسعود إضافة النبي صلى الله عليه وسلم النسيان لنفسه في الحديث في موضعين، قال: «إنما أنا بشلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت» في موضعين، ثم أن ما قاسه عليه قاضي عياض هذا إنما هو في نسيان الآية: «بئس لأحدكم أن يقول نسيت آية كذا» لا في نسيان الركعة، وفي فرق بينهما، ولذلك قال: ليس يلزم من النهي عن إضافة النسائ الآية النهي عن إضافته إلى كل شيء، لماذا؟ الآية خصوصية الآية من كلام الله تعالى، فكون الإنسان يقول نسيت كانه يشعر بنوع إهمال، فلذلك من باب الأدب ألا يقول نسيت وإنما يقول نسيت أو انسيت ونحوها، بخلاف الصلاة، ولذلك يقول: ليس هذا المعنى موجوداً في كل ما ينسب إليه النسيان، فلا يلزم مساواة غير آيات الله، يقول: وعلى كل تقدير لو لم يظهر لنا وجه الفرق بين الآية وغيرها فلا يلزم من النهي الخاص -يعني لاجت في النهي الخاص عن الآية- لا يلزم من النهي عن أن نعمم النهي عن كل نسيان، فنقول للإنسان: لا تقول نسيت وإنما قل انسيت أو نسيت.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: ولما تكلم بعض المتاخرين على هذا الموضع ذكر أن التحقيق في الجواب عن ذلك أن العصمة إنما تثبت في الأخبار عن الله في الأحكام وغيرها؛ لأنه الذي قامت عليه المعجزة، وأما إخباره عن الأمور الوجودية فيجوز عليه النسيان في هذا أو معناه.
نعم، يقول: ولما تكلم بعض المتاخرين هنا في الحاشية يقول هو عبد الكريم بن عبد الله عطاء الله الاسكندري، ويقول وقد صرح به الحافظ العراقي في طرح في طرح التثريب، طرح التثريب الحفظ العراقي في شرح التقريب قال: وقد أبهمه -يعني قال الحفظ العراقي: قد أبهمه الشيخ تقي الدين بقوله بعض المتاخرين- نقصد تقي الدين من دقيق العيد رحمه الله تعالى، قال: ولما تكلم بعض المتاخرين على هذا الموضع ذكر أن التحقيق في الجواب عن ذلك أن العصمة إنما تثبت في الأخبار عن الله في الأحكام وغيرها؛ يعني كون النبي صلى الله عليه وسلم -يعني عصمة النبي صلى الله عليه وسلم في الأقوال- إنما هو في الأخبار عن الله، يعني يخبر أحكام عن الله أن هذا الأمر يجوز أو لا يجوز أو نحو ذلك، لكن كونه يخبر عن أفعاله هو أو مثلاً الدنيا فهو غير معصوم، يعني مثل هنا لم أمس غير معصوم؛ لأن هذا ليس خبراً عن حكم من أحكام الله تعالى، ففرق بينهما من هذا الوجه، وهذا يعتبر وجهاً سادساً.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: واما المبحث المتعلق بأصول الفقه، فإن بعض
من صنف في ذلك، احتج به على جواز الترجيح بكثرة الرواة، من حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم طلب إخبار القوم بعد إخبار ذي اليدين، وفي هذا بحث.
نعم، هنا المسألتان السابقتان هذه تتعلق بمسائل الاعتقاد، عندنا مسألة تتعلق بمسائل أصول الفقه، تعرفون أن من مسائل أصول الفقه مسائل الترجيح. الترجيح؛ هل يرجح قول على قول، أو حديث على حديث بكثرة رواة الحديث الأول على كثرة رواة الحديث الآخر؟ هذا ذكره بعض العلماء، ومما يستدل عليه هذا كيف؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبره ذو اليدين، لم يأخذ بقوله وحده حتى سأل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فأخبروا أنه قد نسي.
وهذا يدل على الترجيح بكثرة الرواة، قالوا في هذا بحث، لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأخذ بقول ذي اليدين وحده، لا لأنه فرد يحتاج إلى ترجيح بالكثرة، لا، لكن هناك أمر؛ هناك أمر اقترن بهذه الواقعة جعل النبي صلى الله عليه وسلم لا يأخذ بقول ذي اليدين، وهو أنه صلى الله عليه وسلم ظن أنه أتم أربعاً، فهو الآن عند نفسه أنه مصلي أربعاً، فجاء ذو اليدين وأخبر أنه صلى ركعتين، فيعني أورث شكاً ضعيفاً عنده. ومما قوي موقفه وعدم قبول قول ذي اليدين، أن الصحابة الباقيين أسكتوا، ما قالوا شيئاً، فقرائن الحال تدل على أن الصرف؛ لأن الذي أخبر بنقصها واحد فقط من بين الصحابة، الصحابة فيهم كبار مثل أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهم، لكنهم ما قالوا شيئاً، فهذا الذي جعل النبي صلى الله عليه وسلم يشك في الموضوع ثم سالهم.
فهو إذاً لا نقول إن الحديث يرجح بكثرة الرواة من هذا، لأنه إنما رجح بكثرة الرواة من باب الاطمئنان، لا سيما وأنه اكتنف بالواقعة، قد يترجح من أن الصلاة تامة هذ الصحابة كلهم سكتوا، فلما سألهم أخبروا بأن الصلاة ناقصة وأنه صحيح ما قال ذو اليدين.
نقف على هذا، ونجعل الأبحاث المتعلقة بالفقه في اللقاء القادم إن شاء الله تعالى، هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان