دخولتسجيل الدخول

المجلس الخامس والسبعون - إحكام الأحكام - كتاب الصلاة - باب ترك الجهر ببسم الله - حديث أنس

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملاً صالحاً يا كريم. أما بعد:

فهذا هو المجلس الخمسون من مجالس التعليق على كتاب إحكام الأحكام في شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد رحمه الله تعالى. وكنا قد توقفنا في التعليق على باب ترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وهو من أبواب الصلاة. وتقدم قبله الأحاديث المتعلقة بالقراءة في الصلاة، سواء كانت قراءة الفاتحة أو قراءة سورة بعدها. وسيتكلم في هذا الباب على قراءة البسمله قبل الفاتحة، وهل يقرأ بها جهراً أو سرا؟

باب ترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر رضي الله عنهم كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين. وفي رواية: صليت مع أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم فلم أسمع أحداً منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم. ولمسلم: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها.

أما قوله: «كانوا يستفتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين» فقد تقدم الكلام في مثله، وتأويل من تأول ذلك بأنه كان يبتدئ الفاتحة قبل السورة. وأما بقية الحديث فيستدل به من يرى عدم الجهر بالبسمله في الصلاة. والعلماء في ذلك على ثلاثة مذاهب: أحدها: تركها سرا وجهرا، وهو مذهب مالك. الثاني: قراءتها سرا لا جهرا، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد. الثالث: الجهر بها في الجهرية، وهو مذهب الشافعي رحمهم الله أجمعين.

والمتيقن من هذا الحديث عدم الجهر، وأما الترك أصلاً فمحتمل مع ظهور ذلك في بعض الألفاظ، وهو قوله: لا يذكرون. وقد جمع جماعة من الحفاظ باب الجهر، وهو أحد الأبواب التي يجمعها أهل الحديث، وكثير منها أو الأكثر معتل، وبعضها جيد الإسناد إلا أنه غير مصرح فيه بالقراءة في الفرض أو في الصلاة، وبعضها فيه ما يدل على القراءة في الصلاة إلا أنه ليس بصريح الدلالة على خصوص التسمية.

ومن صحيحها حديث نعيم بن عبد الله المجمر قال: كنت وراء أبي هريرة فقرا بسم الله الرحمن الرحيم ثم قرأ بأم القران حتى بلغ ولا الضالين، ثم قال: آمين، آمين، وقال الناس: آمين، ويقول كلما سجد: الله أكبر، وإذا قام من الجلوس قال: الله أكبر، ويقول إذا سلم: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم. وقريب من هذا في الدلالة والصحة صلاة المعتمر بن سليمان، وكان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم قبل فاتحة الكتاب وبعدها، ويقول: ما أنا بأقتدي بصلاة أبي، وقال أبي: ما أنا بأقتدي بصلاة أنس، وقال أنس: ما أنا بأقتدي بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذكر الحاكم أبو عبد الله أن رواة هذا الحديث عن آخرهم ثقات.

جهر للتعليم؛ مثل ما فعل عمر رضي الله تعالى عنه لما جهر بدعاء الاستفتاح؛ دعاء الاستفتاح: «سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وجدك ولا إله غيرك». كان عمر رضي الله عنه في بعض الأوقات يجهر به، كان يجهر به للتعليم، فربما كان أبو هريرة جهاراً للتعليم ولم يفه ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن قصد أبي هريرة: بأني أشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكذلك صلاة المعتمر بن سليمان؛ يجهر بالبسمله ويقول: ما أقتدي بصلاة أبي، وأبوه سليمان التيمي يقول: ما أنا بأقتدي بصلاة أنس، وأنس يقول: ما أقتدي بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا هل معتمر وأبوه وأنس، هل رأوا النبي صلى الله عليه وسلم؟ نعم، هل أنس كان يجهر بالبسمله قبل الفاتحة ونقل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم سليمان نقله عنه، ثم المعتمر نقله عن أبيه؟ محتمل؛ محتمل أن يكون حتى في البسملة، محتمل أن المقصود أنه يقتدي به في مجمل الصلاة؛ يعني في معظم الصلاة.

لأن هناك في وقتهم؛ في وقت صغار الصحابة رضي الله تعالى عنهم الذين أدركهم، هم يوافقون الدولة الأموية. رحم الله الجميع، ورضي الله عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. كان حصل لديهم السرعة في الصلاة وترك الطمأنينة، فكان الصحابة رضي الله تعالى عنهم ينبهون على ذلك كثيراً، فربما معتمر بن سليمان وسليمان والده وأنس كانوا ينبهون على الطمأنينة، أما البسملة فلم تكن مهمة كأهمية الطمأنينة التي تؤثر على صحة الصلاة، فربما كان هذا هو المقصود.

احسن الله إليكم؛ قال رحمه الله تعالى: وإذا ثبت شيء من ذلك، فطريق أصحاب الجهر أنهم يقدمون الإثبات على النفي، ويحملون حديث أنس على عدم السماع، وفي ذلك بعد مع طول مدة صحبته. وأيد المالكية... قول: إذا ثبت شيء من ذلك؛ يعني من الآثار التي ساقها التي تدل على الجهر بالبسملة، فيقول: عندنا أصحاب الجهر بالبسملة يقولون -الذين هم الشافعية-: عندنا أحاديث تدل على الجهر، وأحاديث تدل على الإسرار، والجهر إثبات مزيد علم فيؤخذ به، ويحملون حديث أنس «لا يجهرون» على عدم السماع، وأنه أنهم كانوا يجهرون بها لكنه لم يسمعها؛ يعني يقولون: لا ياخذون بهذا الحديث الظاهري وأنهم يقولونه سرا، لكن يقولون: إننا نجمع بين الأحاديث أن نقول إن النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان كانوا يقولون جهارا، وأنس رضي الله عنه لم يسمعهم، ربما لبعد موضعه في الصف، فلم يسمع جهرهم بالبسملة.

هذا أجابوا عن ذلك، لكن المؤلف رحمه الله انتقد هذا الجواب، وقال: وفي ذلك بعد مع طول مدة صحبته، لأن أنس رضي الله عنه جلس عند النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنوات، ثم مع أبي بكر -أبو بكر توفي بعد النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين-، عمر توفي بعد أبي بكر بعشر سنوات، عثمان بعد عمر بـ12 سنة، فهذه مدة طويلة، وأنس رضي الله عنه عاصرهم كلهم، فيبعد أن يكون في كل هذه الصلوات التي جلست قرابه 35 سنة هذه السنوات الطويلة لم يسمعهم كانوا يجهرون ولم يسمعه، هذا فيه بعد.

أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: وأيد المالكية ترك التسمية بالعمل المتصل من أهل المدينة، والمتيقن من ذلك كما ذكرنا في الحديث ترك، إلا أن يدل دليل صريح على التلقي متلقا. قال: أيد المالكية -الذين قالوا إنه لا يقولها لا سرا ولا جرا- أيدوا ذلك بأن إمامهم الإمام مالكاً رحمه الله كان عاش في المدينة وأدرك جملة من التابعين، والتابعون أدركوا الصحابه، ولم يكونوا يجهرون، فهذا دليل على أنهم لا يقولونها؛ أخذوا من ترك الجهر ترك القول، فهذا العمل المستمر يدلك على رجحان القول بأنه لا يجهر بها.

يبقى التردد بين هل يقولها سرا أو لا يقولها أبدا؛ يقول: المتيقن من ذلك ترك الجهر، أنه يقولها لكن سرا، هذا هو المتيقن جمعا بين الأحاديث، لكن يقول: إلا أن يدل دليل صريح على الترك مطلقا، إن جاء دليل صريح على الترك مطلقا فيؤخذ به، وإلا فالأصل أن يقولها لكن سرا ولا يقولها جهرا.

هذه المسالة يستعمل الانسان فيها مذهب اهل البلد؛ فلو كان في بلد مثلا يعتقد اهله مذهب الشافعيه ويجهرون بالبسمله، فلو ذهب عندهم إماماً ولم يجهر بالبسمله سيستنكرون ذلك، وربما لو كان مثلا داعية وجاء ليدعوهم ويرشدهم بالكلمات والذكر ربما لن يقبلوا منه لأنه صلى بهم صلاة غير معهوده لديهم، فهنا نقول يجهر بالبسمله، لاسيما أنها هي ترك سنة، لكن ترك السنة للمصلحة الراجحة.

لكن إذا كان في بلد ساد عندهم عدم الجهر بالبسمله -مثل بلدنا هنا- فنقول: لا يجهر بها، لا يجهر بها. والأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم في ترك الجهر بالبسمله؛ أن الدارقطني جمع الأحاديث الواردة في المسألة، وسئل هل فيها حديث صحيح في ترك الجهر في الجهر بالبسمله عن؟ فقال: أما عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا؛ يعني كل الأحاديث التي عن النبي صلى الله عليه وسلم في أنها ترب البسمله لم يصح منها شيء. وأما عن أصحابه فنعم؛ يعني فيه من يجهر وفيه من لا يجهر.

المسألة ليست من المسائل التي يتنافر عليها ويتقاتل عليها ويتخصم عليها، هي من المسائل الخلافية التي اختلف فيها العلماء من قبل من عهد الصحابة رضي الله تعالى عنهم إلى يومنا هذا، وهو من الخلاف المحمود، ومن الخلاف المحمود الذي فيه احتمال في الدلالة، وموقف المسلم من الاختلاف المحمود أنه يتبع ما يترجح لديه ولا يثرب على القول الآخر.

نقف هنا، ونسأل الله للجميع التوفيق والسداد، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.