بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملاً يا كريم.
أما بعد: فهذا هو المجلس الثالث من مجالس التعليق على أحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لمن دقيق العيد رحمه الله تعالى. وكنا قد توقفنا عند الحديث الرابع من أحاديث صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة -وأشار بيده إلى أنفه- واليدين والركبتين وأطراف القدمين».
وقول النبي صلى الله عليه وسلم هنا: «أمرت»، الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم هو الله تعالى بواسطة جبريل عليه السلام، أو بالإلهام، أو بغير ذلك من الطرق كالرؤيا. يقول المؤلف رحمه الله تعالى: الكلام عليه من وجوه؛ الأول: أنه صلى الله عليه وسلم سمى كل واحد من هذه الأعضاء عظماً باعتبار الجملة، وإن اشتمل كل واحد منها على عظام، ويحتمل أن يكون ذلك من باب تسمية الجملة باسم بعضها.
يعني أن قوله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم»، سماها النبي صلى الله عليه وسلم أعظماً مع أن فيها عظاماً وغيرها من اللحم والعصب ونحوه؛ فسماها من باب تسمية الجملة باسم بعضها، فجملة الذي هو العضو اشتمل على عظم وغيره فسمى الجملة باسم البعض، وهذا سائغ في اللغة.
يقول الثاني: ظاهر الحديث يدل على وجوب السجود على هذه الأعضاء، لأن الأمر للوجوب. هذا هو المشهور عند الأصوليين، أن الأمر المجرد يدل على وجوب السجود على هذه الأعضاء، وهنا صيغة الأمر في قوله: أمرت، حيث حكى النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بـأو الإجابة بأمر الله سبحانه وتعالى له بصيغة الخبر: أمرت؛ فأخبر أن الله أمره بذلك، والاصل في الأمر الوجوب.
وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أمر لأمته؛ فما دام النبي صلى الله عليه وسلم مأموراً، فالاصل في الأوامر التي تأتي النبي صلى الله عليه وسلم أنها تكون له ولأمته، ولا تحمل على الخصوصية. يعني إذا جاءنا أمر، فالأصل حتى وإن كان موجهاً للنبي صلى الله عليه وسلم، فالأصل أنه يشمل أُمته من بعده، ولا يدل على اختصاص النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، إلا إذا دل دليل على التخصيص.
ويدل لذلك أن الله عز وجل قال في الواهب نفسها: ﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مُون دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: 50]؛ فأخبر أن تزوج النبي صلى الله عليه وسلم النساء بدون مهر هذا خاص به، فدل ونَصَّ على الاختصاص، فدل على أن الأصل أن ما جاء من الأوامر موجه للنبي صلى الله عليه وسلم، فإن أمته يدخلون في هذا الأمر من بعده، مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1]، فالامر وإن كان موجه للنبي إلا أنه يشمل أمته من بعده.
هذا أصل الأمر للوجوب، يقول: الواجب عند الشافعي منها الجبهة -لم يتردد قوله فيه- وهو عند الحنابله أيضاً أن الجبهة يجب السجود عليها، واختلف قوله في اليدين والركبتين والقدمين، وهذا الحديث يدل للوجوب. يعني يقول: إن السجود على هذه الأعضاء السبعة عندنا الجبهة مع الأنف -سياتينا لاحقا هل الأنف يجب السجود عليه أو لا- واليدين والركبتين وأطراف القدمين.
يقول الجبهة: الشافعي رحمه الله تعالى لم يختلف قوله في إيجاب السجود على الجبهة، وإنما اختلف قوله في غيره، فنقل عنه في الأعضاء الستة الباقية قولان؛ الوجوب وعدمه. يقول: وقد رجح بعض أصحابه عدم الوجوب، ولم أرهم عارضوا هذا بدليل قوي أقوى من دلالته، ومن أصحاب الشافعي الذين رجحوا الوجوب الرافعي رحمه الله تعالى.
ومما استدل له بذلك ما سيذكره من أدلة، الآن سيذكر أدلة عدم الوجوب على السجود على الأعضاء الزائده على الجبهة وسيجيب عن كل دليل منها. يقول: فانه استدل لعدم الوجوب بهذا الدليل الأول بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث رفاعة: «ثم يسجد فيمكن جبينه»، حديث رفاعة وهو حديث المسيء في صلاته في أحد ألفاظه: «ثم يسجد فيمكن جبينه». فهو لما ذكر أنه يمكن جبينه، دليل على أن السجود على غيرها غير واجب.
أجاب عنه المؤلف رحمه الله تعالى يقول: وهذا غايته أن تكون دلالته دلالة بمفهوم لقب أو غاية، والمنطوق الدال على وجوب السجود على هذه الأعضاء مقدم عليه. يعني يقول: هذا أخذ عدم وجوب السجود على الأعضاء الزائدة على الجبهة من هذا الحديث، هذا من باب مفهوم المخالفة، ومفهوم المخالفة له أنواع، منها مفهوم اللقب، بأن ينص على لقب، ويدل التنصيص عليه على أن ما سواه مختلف عنه في الحكم، أو مفهوم غاية.
يعني هنا مفهوم اللقب لما قال: «فيمكن جبينه»، ونص على الجبهة، إذاً ما سواها من الأعضاء ليس واجباً، نأخذه من باب مفهوم اللقب لأنه نص على الجبهة، أو مفهوم غاية، نقول: كأنه قال ثم يسجد، وغاية السجود تمكين الجبهة، فدل على أن غيرها غير واجب. فيقول عندنا: لو قلنا بهذا، نقول عندنا تعارض مفهوم المخالفة هنا في مفهوم اللقب ومفهوم الغاية مع منطوق هذا الحديث: «أمرت»، وإذا تعارض المنطوق والمفهوم، يقدم دلالة المنطوق فهي أقوى.
ويقول: قد يقول قائل: طيب هذا من باب تخصيص العموم بالمفهوم؟ يقول: لا، ليس هذا من باب تخصيص العموم بالمفهوم، كما مر لنا في قوله صلى الله عليه وسلم: «جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً» مع قوله: «جعلت لي الأرض مسجداً وتربتتها لنا طهوراً». يعني بعض الفقهاء ذكروا في حديث التيمم هذا أنه من باب تخصيص العموم بالمفهوم؛ عندنا جعلت لي الأرض، جميع ما تصاعد على وجه الأرض يجوز أن يتطهر به، جاء الحديث الآخر: «وجعلت لنا الأرض مسجداً وتربتها لنا طهوراً»، فخصص العموم المأخوذ من لفظ الأرض بالمفهوم المأخوذ من التنصيص على قيد التربة، وأن ما سواها لا يتيمم به.
يقول: لا نعمل هذا التخصيص بالعموم بمفهوم لا نعمله ها هنا، فلا نقول مثلاً: «أمرت على سبعة أعظم» هذا عام، ونمر بالجمع عليها فنقدم عليه المفهوم الذي جاء في حديث رفاعة؟ يقول: لا، يقول لماذا؟ يقول: هناك فرق، قال: فانه ثمة -يعني في حديث التيمم- يعمل بذلك العموم من وجه إذا قدمنا دلالة المفهوم، يعني يقول: في التيمم لو تيمم بالتراب عمل بالدليل معاً.
لكن هنا يقول: وها هنا إذا قدمنا دلالة المفهوم وقلنا يسجد على الجبهة دون ما سواها، أسقطنا الدليل الدال على وجوب السجود على هذه الأعضاء عن اليدين والركبتين والقدمين مع تناول اللفظ لها بخصوصها. فيقول هنا: إذا قدمنا دليل المفهوم على العموم هنا، أبطلنا دلالة العموم على بعض أفراده، أما هناك فلا نبطل بعض أفراده، غاية ما هنالك أنه إذا تيمم بالتراب فإنه عمل بالدليل معاً. وهنا إذا أخذ بالمفهوم -بدليل المفهوم- وسجد على الجبهة دون ما سواها، فانه يكون قد أبطل دلالة حديث الامر بالسجود على هذه الأعضاء السبعة.
هذا دليل، دليل آخر لمن يقول إن السجود على الأعضاء الزائدة على الجبهة غير واجب، يقول: أضعف من هذا ما استدل به على عدم الوجوب من قوله صلى الله عليه وسلم: «سجد وجهي للذي خلقه». قالوا: فاضافة السجود للوجه يقتضي اختصاصه به. أجاب عنه المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: صحيح السجود يكون بالوجه، لكن هذا الحديث لا يدل على قصر الأعضاء التي يسجد عليها على الوجه، لكنه ذكر -يعني هذا من باب ما ما يطلق على بعض الأصول، ذكر بعض افراد العموم بحكم لا يخالف العام، فانه لا يقتضي التخصيص- فهنا قول: «سجد وجهي»، فذكره هنا وذكره والتنصيص عليه لا يقتضي التخصيص.
دليل ثالث يقول: وأضعف من هذا الاستدلال على عدم الوجوب بأن مسمى السجود يحصل بوضع الجبهة، يعني استدلوا على عدم وجوب السجود على الأعضاء السبعة بأن معنى السجود اللغوي يتحقق بوضع الجبهة. أجاب عليه بقوله: فان هذا الحديث يدل على اثبات زيادة على المسمى فلا تترك، نقول: هذا الحديث دل على أنه يسجد على الجبهة وعلى غيرها وعلى غيرها. فيقول: هذا الحديث يدل على اثبات زيادة على المسمى، وهذا يتكلم عليه الأصوليون في التعريف الشرعي، وأنه قد يكون أوسع من اللغوي، وقد يكون اللغوي أوسع منه.
فاحياناً يكون التعريف الشرعي أوسع من اللغوي بأن يكون أعم، أو قد يكون أضيق من اللغوي، مثلاً بأن يضاف إلى اللغوي قيود، فيكون التعريف الشرعي يختص بهذا الامر باضافة هذه القيود، وهذا مثله السجود في اللغة يكون على الجبهة، لكن في الشرع يكون على الجبهة يضاف إليه أيضاً الأعضاء الأخرى.
الأضعف من هذا دليل آخر، يقول: وأضعف من هذا وهو أضعف الأدلة المعارضة بقياس شبهي ليس بقوي، مثل أن يقال: أعضاء لا يجب كشفها، فلا يجب وضعها كغيرها من الأعضاء سوى الجبهة. يعني يقول: ممن قالوا لا يجب السجود على الأعضاء الزائدة على الجبهة قالوا من باب القياس الشبه؛ القياس أحياناً قياس علة بأن يتفق الأصل والفرع في العلة، وأحياناً لا، ليس قياس علة، إنما قياس شبه لأنه يشبهه في بعض الأحكام. فيقول بعضهم قاس الأعضاء الأخرى من باب قياس الشبه، فيقول هذه الأعضاء الأخرى لا يجب كشفها، فلا يجب وضعها كغيرها من الأعضاء، يعني مثلاً البطن الصدر هل يجب كشفه؟ لا، لا يجب كشفه، إذا لم يجب وضعه يقون هذا مثله اليدان الركبتان القدمان هل يجب كشفهما؟ لا، لا يجب كشفهما إذاً لا يجب وضعهما. أما الجبهة فعلى تحرير هذا القوم فإنه يجب كشفها فإذا وجب وضعه وجب كشفه على أحد الأقوال.
وقد رجح المحاملي من أصحاب الشافعي القول بالوجوب، وهو أحسن عندنا من قول من رجح عدم الوجوب، وهذا ترجيح المؤلف رحمه الله تعالى، وترجيح المؤلف موافق أيضاً لمذهب الحنابلة رحمه الله تعالى. قال: وذهب أبو حنيفة رحمه الله إلى أنه إن سجد على الأنف وحده كفاه، وهو قول في مذهب مالك.
الآن سيتكلم عن الأنف والجبهة، هل لابد أن يسجد على الأنف والجبهة معاً أو يكفي أحدهما؟ يقول أبو حنيفة: يقول لو سجد على الأنف وحده كفى، لا يلزم أن يسجد عليه مع الجبهة، وهو قول في مذهب مالك قال به ابن القاسم منهم. وذهب بعض العلماء إلى أن الواجب السجود على الجبهة والأنف معاً، وهذا هو المذهب عند الحنابلة، وهو قول ابن حبيب من المالكية، قال وهو قول في مذهب مالك أيضاً.
ويحتج لهذا المذهب بحديث ابن عباس هذا، فان في بعض طرقه الجبهة والأنف، وفي بعض الروايات مثل الرواية التي عندنا في الباب: الجبهة -وأشار بيده إلى أنفه-. قالوا: في هذه الطريقة التي ذكر المصنف الجبهة وأشار بيده إلى الأنف، فقيل معنى ذلك أنهما جعلا كالعضو الواحد، ويكون الأنف كالتابع، يجب السجود على الأنف وعلى الجبهة لكنهما كالعضو الواحد.
قال: واستدل على هذا -يعني على أنهما في حكم العضو الواحد- بوجهين؛ أحدهما أنه لو كان كعضو منفرد -الأنف لو كان كعضو منفرد عن الجبهة حكماً- لكانت الأعضاء المامور بالسجود عليها ثمانية لا سبعة، فلا يطابق العدد المذكور في أول الحديث، يعني لو كان الأنف عضواً منفرداً لوصلت الأعضاء إلى ثمانية، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم»، فلذلك نقول هي سبعة، ويكون الأنف تابعاً للجبهة.
الثاني: أنه قد اختلفت العبارة مع الإشارة إلى الأنف، فإذا جعل كعضو واحد أمكن أن تكون الاشارة لأحدهما إشارة للآخر فتتطابق العبارة. وربما استنتج من هذا أنه إن سجد على الأنف وحده أجزأه، لأنهما إذا جعلا كعضو واحد كان السجود على الأنف كالسجود على بعض الجبهة فيجزئه. والحق أن مثل هذا لا يعارض التصريح بذكر الجبهة والأنف الداخلين تحت الأمر، وإنما كان أن يعتقد أنهما كعضو واحد من حيث العدد المذكور، فذلك في التسمية والعبارة لا في الحكم الذي دل عليه الامر.
يعني يقول في الحديث لما قال: «الجبهة وأشار بيده إلى أنفه»، اختلفت العبارة مع الاشارة؛ هذا جبهة وهذا أنف، فإذا جعل كعضو واحد ليس كعضوين، فتكون الاشارة إلى أحدهما إشارة إلى الآخر فتطابق الاشارة والعبارة. لكن هل نستنتج من هذا أنه إن سجد على الأنف وحده أجزأه؟ قال: استنتج بعضهم هذا، قال: والحق أن مثل هذا -هذا الاستنتاج- لا يعارض التصريح بذكر الجبهة والأنف الداخلين تحت الأمر، وأنه ممكن أن يعتقد أنهما كعضو واحد، فنقول الجبهة وأشار بيده على أنفه، لكن مع ذلك يجب السجود عليهما لأن النبي صلى الله عليه وسلم صرح بهما وأشار إليهما. قال: وأيضاً فإن الإشارة قد لا تعين.
المشار إليه؛ فإنها إنما تتعلق بالجبهة، فإذا تقarap ما في الجبهة أمكن لا يتعين المشار إليه يقيناً، أما اللفظ فإنه معين لم وضع له، فتقديم، عندنا الجبهة والأنف يقول: الجبهة وأشار بيده الأنف. الإشارة قد تعين المراد وقد لا تعين، قد تعين المشار إليه وقد لا تعين المشار إليه، أما اللفظ فإنه يعين المشار إليه.
فيقول قول النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأحاديث: «الجبهة والأنف» هذا يدل على أنهما كلا العضوين مقصود في السجود عليهما. الثالث يقول: المراد باليدين هما الكفان، فيسجد على فيضع كفيه على الأرض بالسجود، وقد اعتقد قوم أن مطلق لفظ اليدين يحمل عليهما كما في قوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38]. يعني بعض الفقهاء والاصوليين قالوا: إنه إذا جاء لفظ اليدين فالاصل أنه للكفين فقط وليس للذراع كامله يقول اعتقد قوم أن مطلق لفظ اليدين يحمل عليهما كما في قوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ في السرقة، اقطعوا أيديهما أي من مفصل الكف، واستنتجوا من ذلك أن التيمم إلى الكوعين.
فهنا اليدين المراد بهما في السجود المراد بهما الكفان، اليدان في السرقة المراد بهما الكفان، هل اليدان في التيمم المراد بهما الكفان يعني الكوعين؟ الكوعان مراد بهما الكوع والكرسوع، والكوع هو العظم الذي يلي إبهام اليد، والكرسوع عظم يلي خنصر اليد. يقول الناظم في التفريق بينهما: عظم يلي الإبهام كوع، وما يلي لخنصره الكرسوع، والرزغ ما وسط وعظم يلي إبهام رجل ملقب. وعلى كل تقدير فسواء صح هذا أم لا، سواء صح أن اليدين المطلقين يراد بهما الكفان أو أن هذه المعلومة غير صحيحة، فيقول على كل حال: فاليدان المراد بهما في الحديث هذا الكفان، لماذا؟ يقول: لأن لو حملناه على بقية الذراع وقلنا يجب السجود على اليدين يعني الذراع لكلايهما لدخلنا في النهي، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اعدلوا في السجود ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب». فلو قلنا إن اليدين في الحديث مراد بهما الذراعان لوقعنا في معارضة الحديث الآخر.
ثم تصرف الفقهاء بعد ذلك في مسمى اليدين، فقال بعض مصنفي الشافعية إن المراد الراحة أو الأصابع ولا يشترط الجمع بينهما بل يكفي أحداهما، وهذا هو المذهب عند الحنابله أيضاً، ولو سجد على ظهر الكف لم يكفه لأن المعروف أنه يسد على بطن الكف، قال: هذا معنى ما قال.
الرابع قال: قد يستدل بهذا على أنه لا يجب كشف شيء من الأعضاء من هذه الأعضاء، وأن مسمى السجود يحصل بالوضع. يعني هل يجب الكشف على الأعضاء السبعة؟ أو نقول: يجوز أن يسجد عليها ولو على الحائل؟ يقول: قد يستدل بهذا الحديث على أنه لا يجب كشف شيء من هذه الأعضاء، فإن مسمى السجود يحصل بالوضع، إعادة إلى معناه اللغوي، فمن وضعه فقد أتى بما أمر به، فواجب أن يخرج عن العهدة، والخروج عن عهدة الأوامر بفعل ما أمر الله به.
قال: وهذا يلتفت إلى بحث أصولي وهو أن الإجزاء في مثله هل هو راجع إلى اللفظ أو أن الأصل عدم وجوب الزائد على الملفوظ به مضموما إلى فعل المأمور به؟ وحاصل أن فعل المأمور به هل هو علة الإجزاء أو جزء علة الإجزاء؟ يعني يقول: هذه المسألة الفروع تنبني على مسألة أصولية وهو أن الإجزاء في مثل هذا، مثلاً النبي صلى الله عليه وسلم أمر، فمن أراد أن يمتثل هذا الحديث فهل يمتثل بلفظه فقط ولا يكون هناك شيء زائد؟ أم نقول تطبيقه هنا يعتبر جزء من العلة وإلا فعله أتم؟ فنقول: إنه إذا وضع هذه الأعضاء على الأرض فانه حقق السجود، لكن يبقى عندنا حقق مسمى السجود، لكن عندنا يبقى عندنا شيء واجب زيادة على ذلك وهو أن يكشف عن هذه الأعضاء. هذا معنى قوله: فعل مأمور به هل هو علة الإجزاء أو جزء علة الإجزاء؟ هل هو فقط الإجزاء جاء بوضع هذه الأعضاء أو هناك أمر زائد؟
قال: ولم يختلف في أن كشف الركبتين غير واجب، كذلك القدم، يعني عندنا الركبتان والقدمان هذه متفق العلماء متفقون على أن كشفهما غير واجب. بقينا في الجبهة والأنف واليدين، يقول: أما الأول، يعني يكون كشف الركبتين الواجب فلما يحظر فيهم كشف العورة؟ لأنه لو كشف عن الركبتين فربما وهو يركع أو يسجد ينحسر البنطال شيء يسيراً فينكشف شيء من عورته من أطراف فخذه، فلذلك لم يوجب الشارع كشف الركبتين.
وأما الثاني، يعني كشف القدمين وهو عدم كشف القدمين فعليه دليل لطيف جداً، يعني الآن سياتي دليل ليس نصاً في هذه المسألة لكن يستفاد من حكم المسألة وهو كما يسمي الأصوليون من باب دلالة الإشارة. يقول: لأن الشارع وقت المسح الخفين بمدة تقع فيها الصلاة مع الخف، فلو وجب كشف القدمين لوجب نزع الخفين وانقضت الطهارة، بطلت الصلاة. يقول: الشارع الحكيم أجاز لنا أن نمسح الخفين، وإذا مسحنا على الخفين فبعد ذلك أننا سنصلي بهما، وإذا صلينا بهما اقتضى ذلك أننا لا نكشف عن القدمين بل نصلي فيهما فهما مستورتان. هذا تقريب الدليل، يقول: لو قلنا إنه يجب كشف القدمين لقُلنا إنه إذا كشف القدمين فإنه يترتب عليه أن ينزع خفيه، فإذا نزع خفيه بطلت طهارته فيلزمه الوضوء من جديد، وإذا صلى بذلك الوضوء الذي نزع فيه الخفين فإنه تبطل الصلاة، قال: وهذا باطل، هذا اللازم باطل. على أن هناك من ينازع في انتقاض الطهارة برد الخف بنزع الخف، قال: وهذا باطل، ومن نازع في انتقاض الطهارة بنزع خف فيرد عليه بحديث صفوان الذي فيه: «أمرنا ألا ننزع خفافنا» إلى آخره، فنقول: لو وجب كشف القدمين لناقض إباحة عدم النزع في هذه المدة التي دل عليها الأمر، محمول على الإباحة. يقول: لو وجب أن نكشف القدمين لصار هذا مناقضاً لأذن النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه بأن لا ينزعوا الخفاف، الخف لثلاث أيام ولياليهن إلا من جنابة لكن من غائط وبول ونوم.
وأما اليدين، الآن انتهينا من اليدين نعم انتهينا من الركبتين وطرف القدمين وأنهما لا تكشفان. قالوا: أما اليدين فلشوب الغموض، قلنا يلحقان بالركبتين والقدمين فلا يجب، وذكر ابن العطار أن أصح الوجهين عند الشافعية عدم الوجوب، عدم الوجوب حال تلك مع اتفاقهم على تأكد استحبابه.
طيب نقف عند هذا ونسأل الله للجميع التوفيق والسداد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان