دخولتسجيل الدخول

المجلس الرابع والستون-التعليق على إحكام الأحكام-شرح الحديث الخامس والسادس أحاديث باب صفة صلاة النبي

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملا صالحا يا كريم.

أما بعد، فهذا هو المجلس السادس من مجالس التعليق على كتاب إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد رحمه الله تعالى. وكنا قد توقفنا عند الحديث الخامس من أحاديث باب صفة الصلاة، وهو حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع، ثم يقول وهو قائم ربنا ولك الحمد، ثم يكبر حين يهوي، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في صلاته كلها حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: الكلام عليه من وجوه؛ أحدها: أنه يدل على إتمام التكبير في بأن يوقع في كل خفض ورفع مع التسميع في الرفع من الركوع. وقد اتفق الفقهاء على هذا بعد أن كان وقع فيه خلاف لبعض المتقدمين، وفيه حديث رواه النسائي أنه كان لا يتم التكبير.

هنا يتكلم المؤلف رحمه الله تعالى على المسألة الأولى من المسائل المستفادة من الحديث، وأنها تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم يتم التكبير، ومعنى ذلك أنه يكبر في كل خفض ورفع ما عدا الرفع من الركوع فإنه يسمع، يقول: سمع الله لمن حمده. وهذا هو فعل النبي صلى الله عليه وسلم المستمر الذي نقله الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

يقول المؤلف رحمه الله تعالى: وقد اتفق الفقهاء على هذا بعد أن كان وقع فيه خلاف لبعض المتقدمين؛ كان في زمن بني أمية كان هناك من لا يتم التكبير يعني يكبر في بعض الانتقالات دون بعض، لكن استقر الإجماع بعد ذلك على أنه يشرع التكبير في كل خفض ورفع مع اختلافهم في حكم التكبير كما سياتي: هل هو على الوجوب أو على الاستحباب؟ وقوله في حديث رواه النسائي أنه كان لا يتم التكبير، هنا الصنعاني رحمه الله تعالى ذكر أنه ليس عند النسائي، وإنما عند أبي داود حديث عبد الرحمن بن أبزى رضي الله تعالى عنه.

وهذا الحديث ذكر الصنعاني رحمه الله أن البخاري نقل في التاريخ عن أبي داود الطيالسي رحمه الله أنه حديث باطل، وهو مخالف لما جاء في الأحاديث الأخرى من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر في كل خفض ورفع.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: الثاني: قوله يكبر حين يقوم. قال: يقتضي إيقاع التكبير في حال القيام، ولا شك أن القيام واجب في الفرائض للتكبير وقراءة الفاتحة عند من يوجبها مع القدرة، فكل انحناء يمنع اسم القيام عند التكبير يبطل التحريم ويقتضي عدم انعقاد الصلاة فرضا.

هنا يقول إن قول أبي هريرة رضي الله تعالى عنه يكبر حين يقوم، يقول: هذا يقتضي إيقاع التكبير حال القيام. وتكبيرة الإحرام هذه طبعا متفق على أنها ركن من أركان الصلاة، لم يقل أحد من العلماء أنها مستحبة، إنما الخلاف في تكبيرات الانتقال، لكن تكبيرة الإحرام هنا قال يكبر حين يقوم، يقول: يقتضي إيقاع التكبير حال القيام، ولا شك أن القيام واجب في الفرائض للتكبير وقراءة الفاتحة عند من يوجبها مع القدرة.

يقول إن القيام لقراءة الفاتحة ولتكبيرة الإحرام قبله هذا واجب في الفريضة مع القدرة، يقصد بقوله واجب أنه يأثم بتركه، وإن كان يعبر عنه الفقهاء رحمه الله تعالى بأنه ركن.

قال: فكل انحناء يمنع اسم القيام عند التكبير يبطل التحريم ويقتضي عدم انعقاد الصلاة فرضا. يعني أنه إذا كبر الشخص تكبيرة الإحرام في حال انحنائه الذي بموجبه لا يسمى قائما، فإن صلاته لا تنعقد فرضا ولكنها تنعقد نفلا.

وهذا يقع من بعض المصلين إذا جاء والامام راكع، فانه يلزمه تكبيرت تكبيرة الإحرام وتكبيرة الركوع، وقال العلماء رحمه الله تعالى إنه لو أجزاه ذلك لابد أن ياتي بتكبيرة الاحرام في حال القيام، فبعضهم يكبر حال الانحناء. فنقول: إذا كبر حال الانحناء بأن كان إلى الركوع أقرب منه إلى القيام، فإن صلاته لا تنعقد فرضا، إنما تنعقد نافلة، فيكون لو أدى الصلاة مع الامام فنقول: لا تقبل صلاتك لابد أن تعيدها، لماذا؟ لأنك تركت ركنا من أركان الصلاة المختصة بالفرض وهو ركن القيام عند القدرة، فأنت كبرت للإحرام في حال انحنائك الذي لا تسمى به قائما، لكن لو كان انحناء يسيرا بأن يكون إلى القيام التام أقرب منه إلى الركوع التام، فإنه يجزئه ذلك إن شاء الله تعالى.

قال الثالث: نعم، قال: وقوله ثم يقول سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركعة يدل على جمع الإمام بين التسميع والتحميد لما ذكرنا أن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم الموصوفه محموله على حال الإمامة للغلبة.

هذا يستفاد من عدة فوائد؛ الفائدة الأولى قوله: ثم يقول سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه، ثم يقول وهو قائم ربنا ولك الحمد؛ يدل على أن الإمام يجمع بين التسميع والتحميد. يقول سمع الله لمن حمده وهو حال ارتفاعه من الركوع إلى القيام، ويقول وهو قائم يعني إذا انتصب قائما: ربنا ولك الحمد.

ولا يؤخذ من هذا أن المأموم كذلك، لأن الذين يصفون صلاة النبي صلى الله عليه وسلم إنما يصفون صلاته وهو إمام، فالمأموم يؤخذ حكمه من حديث آخر بمثل قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما جعل الإمام ليؤتم به»، وقال في أنائه: «وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد»، ولم يقل فقولوا سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد.

طيب، قال: ويدل على أن التسميع يكون حين الرفع والتحميد بعد الاعتدال. وقد ذكرنا أن الفعل قد يطلق على ابتدائه وعلى انتهائه وعلى جملته وحاله مباشرتها، ولا باس بأن يحمل قوله حين يرفع صلبه على جملة حالة مباشرته ليكون الفعل مستصحبا في جميعه للذكر.

يقول التسميع حين الرفع لأنه قال: ثم يقول سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركعة، فيكون موافقا لوقت الارتفاع من الركوع، لكن التحميد بعد الاعتدال لأنه يقول: ثم يقول وهو قائم يعني إذا اعتدل قائما: ربنا ولك الحمد.

قال: وقد ذكرنا أن الفعل قد يطلق على ابتدائه وعلى انتهائه، يعني سبق أن ذكر أن الفعل يطلق إذا قال مثلا وإذا قرات القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم، المراد إذا أردت أو المراد إذا قرأت وأنت في أثناء القراءة أو المراد إذا انتهيت، هذا كله تحتمله الآية، لأن اللفظ في اللغة إذا قيل إذا فعل كذا فيحتمل أنه إذا أراد ابتدائه ويحتمل أنه إذا انتهى منه ويحتمل أنه يعني قال على جملته وحاله مباشرته، قال: ولا باس بأن يحمل قوله حين يرفع صلبه على جملة حالة مباشرته، يعني يكون سمع الله من حمده موافقا أوله لأول الارتفاع وآخره لنهاية الارتفاع، يعني يقول سمع الله من حمده من حين يرفع صلبه من الركوع إلى أن يستقر، فيكون الذكر موافقا للارتفاع.

قال: يكون الفعل مستصحبا في جميعه للذكر فلا يكون هناك سكوت في أثناء الارتفاع. قال الثالث: طبعا وهذا على سبيل الاستحباب لا على سبيل الإيجاب، بمعنى أنه لو قال سمع الله من حمده وكلمة حمده أتَى بها وهو مستقر قائما، فلا نقول إنه فعل أمرا مؤثرا على صلاته، وإن كان بعض أهل العلم يشدد في هذا.

قال الثالث: قوله يكبر حين يقوم إلى آخره. اختلفوا في وقت هذا التكبير، فاختار بعضهم -وهو القول الأول- أن يكون عند الشروع في النهوض، وهو مذهب الشافعي، واختار بعضهم أن يكون بعد الاستواء قائما، وهذا مذهب مالك.

يعني التكبير هل يكون في أثناء الانتقال أو إذا انتهى من الانتقال قولان؟ فمذهب الشافعي وهو مذهب الحنابله رحمه الله تعالى أن يكون عند الشروع في النهوض، ومذهب مالك أن يكون بعد الاستواء قائما. الآن سيذكر ما استدل به الشافعي، طبعا استدلال مالك مثلا حين يقوم، حمل القيام على انتهائه، فإذا انتهى القيام كبر.

فإن حمل قوله حين يرفع على ابتداء الرفع وجه، وجعل ظاهرا فيه. يعني هنا حين يرفع أو حين يقوم أو حين يسجد هذه كلها محتمله لأن يكون في الابتداء أو يكون عند الانتهاء. فإذا قلنا فهي محتمله، لكن ما الأظهر فيها؟

يقول: إذا قلنا إن الأظهر فيها الأصل أن الشيء إذا كان محتملا لامرين فيحمل على الأظهر منه، فيقول إن حمل قوله حين يرفع على ابتداء الرفع وجعل ذلك ظاهرا فيه، دل ذلك على مذهب الشافعي. فيعني يستدل للحديث من هذه الكلمه من وجهين؛ الوجه الأول حين يرفع أنه يدل على ابتداء الرفع، والثاني: لماذا حملنا على ابتداء الرفع؟ لأن هذا هو الظاهر في الأفعال التي تاتي بمثله، مثل حين يرفع كذا، حين يفعل كذا، حين يقوم، فالاصل فيها أن تكون تحمل على الابتداء لا تحمل على الانتهاء إلا إذا دلت القرينة عليها.

قال: ويرجح ذلك -يعني من جهة المعنى- بشغل زمن الفعل بالذكر، فيقول إننا إذا قلنا بقول مالك وأنه يكبر بعد الوصول إلى الركن، فإنه في زمن الانتقال سيكون ساكتا لا يتكلم، والأصل أن الصلاة ليس فيها سكوت وأنها تشغل بالذكر أو قراءة وبدعاء، فيقول: يرجح قول الشافعي من جهة المعنى بشغل زمن الفعل بالذكر، فيكون هذا أيضا مرجحا ثانيا لمذهب الشافعي وهو القول الأول.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى الحديث السادس: حديث مطرف بن عبد الله بن الشخير يقول: صليت أنا وعمران بن حصين خلف علي بن أبي طالب رضي الله عنه، كان إذا سجد كبر، وإذا رفع رأسه كبر، وإذا نهض من الركعتين كبر.

الان ذكر التكبير للسجود، والتكبير للرفع من السجود، والتكبير للقيام من التشهد الأول إلى الركعة الثالثة. قال: فلما قضى الصلاة أخذ بيدي عمران بن حصين فقال: قد ذكرني هذا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم، أو قال: صلى بنا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم.

وهذا وإنما قال ذلك كما قلنا إنه في زمن بني أمية نشا القول بخفض الصوت أو عدم الاتيان ببعض تكبيرات الانتقال، فلما صلى عمران بن حسين خلف علي وكان ياتي بتكبيرات الانتقال كامله ويجهر بها قال عمران: لقد ذكرني هذا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم.

قال مطرف بن عبد الله بن الشخير: مكسور الشين المعجمه مشدد الخاء المكسوره آخره راء، أبو عبد الله العامري، يقال إنه من بني الحريش بفتح الهاء المهمله وكسر الراء المهمله وآخره شين معجمه، وآل الحريش من بني عامر بن صعصعه. توفي سنة 95، متفق على إخراج حديثه في الصحيحين.

قال: والحديث يدل على التكبير في الحالات المذكورة فيه، طبعا هذه جاء فيها ثلاث انتقالات: التكبير للسجود، والتكبير للرفع من السجود، والتكبير للقيام من التشهد الأول، واتمام التكبير في حالات الانتقالات كما جاء في الحديث السابق، وهو الذي استقر عليه عمل الناس وأئمة فقهاء الأمصار.

وقد كان فيه من بعض السلف خلاف على ما قدمنا، فمنهم من اقتصر على تكبيرة الإحرام، ومنهم من زاد عليها من غير إتمام، يعني ياتي ببعض تكبيرات الانتقال، والذي اتفق الناس عليه بعد ذلك ما ذكرناه من الإتيان بتكبيرات الانتقال كامله.

وجاء عن بعض السلف رحمهم الله تعالى أنه ترك بعض تكبيرات الانتقال، فقيل لعمران بن حسين: من ترك التكبير عند بعض تكبيرات الانتقال؟ قال: عثمان حين كبر وضعف صوته.

وهذا يحمل والله أعلم على أنه لم يجهر بها، لم يجهر بها ولعله الله أعلم لضعف صوته فلم يستطع الجهر بها، فنشا هذا القول نشا هذا القول وتبعه في العمل وهم لا يعلمون سبب عمله بذلك، وهذا إشكال عند بعض الناس أنه قد يقتدي بشخص وهو لا يعلم لماذا فعل الشخص هذا الشيء.

وشفاء العي السؤال، لو فرض مثلا أن عالما مقتدى به ذهب للحج أو للعمرة وفي الاحرام لبس الاحرام، غطى رأسه بلباس الإحرام وكان تغطية رأسه لعذر، أما مثلا تؤلمه أو تضره الشمس فغطى رأسه بنظارة شمس لا يتحمل، فقد يجد بعض الناس مغطى الرأس فيقول: إذن تغطية الرأس للمحرم لا باس بها، راينا العالم الفلاني غطى رأسه، والعالم الفلاني يرى جواز تغطية رأس المحرم.

لا، هنا راوا فعله لكن لم يسألوه عن سبب ذلك، وهذا سبب نشوء بعض الأقوال الفاسدة، مثل عثمان رضي الله تعالى عنه نقل عنه أنه هو أول من لم يتم التكبير، لكن قال عمران: لما كبر ضعف صوته، فقد يكون حينما يكبر للانتقال لا.

يستطيع الجهر، ولم يستطع الجهر فيراه بعض المأمومين فظن أنه لا يرى أن هناك تكبيرات في الانتقال، أو أن السنة الإسرار بها، فلذلك نشأ هذا القول والله أعلم.

قال: وأما حكم تكبيرات الانتقال هل هي واجبة أو لا؟ فذلك مبني على أن الفعل للوجوب أولاً؛ عندنا في الحديث السابق النبي صلى الله عليه وسلم يكبر في الانتقالات، طيب، هل تكبيرات الانتقال واجبة أو لا؟ يقول: مبني على أن الفعل، مجرد فعل النبي صلى الله عليه وسلم، هل يدل على وجوبه أو لا؟

وقال: وإذا قلنا إنه ليس للوجوب، إذا قلنا إن الفعل المجرد ليس للوجوب، قال: راجع ما تقدم البحث فيه من أنه بيان للمجمل أم لا؟ يعني إذا نرجع إلى مسألتين أصوليتين: الأولى هل فعل النبي صلى الله عليه وسلم المجرد يدل على وجوب أو لا؟ مسألة خلافية والمشهور أنه لا يدل على الوجوب.

طيب، إذا ما دل على الوجوب، يقول: هل نقول خلاص هي مستحبة؟ لا، يقول: هناك مسألة أصولية ثانية، وهي هل هذا الحديث بيان لمجمل أو لا؟ فإذا كان بيان لمجمل فإنه يأخذ حكم البيان، يأخذ حكم هذا المجمل.

قال: فمن ها هنا مأخذ من يرى الوجوب، وهو قول الحنابلة رحمهم الله تعالى، وأكثر أهل العلم على الاستحباب، فالحنابلة رحمهم الله تعالى يرون أن تكبيرات الانتقال أنها واجبة، لماذا؟ وهي ما جاءت إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل الفعل، قالوا: إن هذا بيان لقوله صلى الله عليه وسلم: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، وبيان لقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، وهذه كلها تدل على الوجوب، فيكون المبين، هذا كان يكبر حين يقوم، يكبر حين يسجد، هذا المبين يأخذ حكم المجمل في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، أو في قوله صلى الله عليه وسلم: «صلوا كما رأيتموني أصلي».

طيب، قال: وإذا قلنا بالاستحباب، وهو على كل حال الجمهور، فهل يسجد للسهو؟ طبعا الجمهور يرون الاستحباب لأن هذا فعل مجرد، ولم يأت ما يدل على وجوبه.

قال: وإذا قلنا بالاستحباب فهل يسجد للسهو إذا ترك منها شيء ولو واحدة، أو لا يسجد لو ترك الجميع، أو لا يسجد حتى يترك متعدداً منها؟ اختلفوا، يعني يقول: إذا قلنا بالاستحباب فنسي بعض تكبيرات الانتقال، فهل نقول بمجرد نسيان واحدة يسجد للسهو؟ أو نقول لا، لا يسجد للسهو إلا إذا نسي الجميع؟ أو نقول لا يسجد للسهو إلا إذا ترك عدداً، أما الواحدة فلا يسجد فيها لسهو؟ اختلفوا فيه، وليس له بهذا الحديث تعلق.

يعني يقول: هذه المسألة لا تتعلق بهذا الحديث، لكن يقول: قد نجعل مقدمة، فيستدل به على أنه سنة، ويضم إليه مقدمة أخرى، أن ترك السنة يقتضي السجود إن ثبت على ذلك دليل، فيكون المجموع دليلاً على السجود، وأما التفرقة بين أن يكون متروك مرة أو أكثر، فراجع الاستحسان وتخفيف أمر المرة الواحدة، ومذهب الشافعي أن تركها لا يوجب السجود.

يعني يقول: عندنا هذه المسألة تترك هذا الحديث، لكن قد نستنتج حكمه من هذا الحديث، فنقول: هذا الحديث يدل على أن تكبيرات الانتقال سنة، ثم ننتقل إلى مسألة أخرى، وهي هل إذا ترك سنة فيشرع له السجود أو لا؟ فإذا جاء الدليل على أن ترك السنة يشرع له السجود، وأن هذه تكبيرات الانتقال سنة، فيقول بمجموع الدليلين: نقول إذاً يسجد للسهو إذا ترك ولو واحدة.

فيقول: فأما التفرقة بين أن يكون المتروك مرة أو أكثر، فراجح الاستحسان تخفيف من المرة الواحدة، والذين يقولون: لا يسجد للسهو إلا إذا ترك عدة تكبيرات الانتقال، فيقول: هذا حقيقة ما في دليل، إلا أنهم قد يلجؤون إلى الاستحسان، ويقولون: أمر ترك السنة الواحدة خفيف لا يوجب السجود، أو لا يشرع له السجود، وإنما إذا ترك أكثر من السنة فيشرع له السجود، يقول: هذا من باب الاستحسان، وإلا فالدليل يدل على أنه إما يسجد للسهو للسنة أو لا يسجد للسنة، أما التفريق بين يسجد لواحدة ويسجد لعدد ولا يسجد للواحدة، يقول: هذا تفريق لا دليل عليه.

مذهب الشافعي رحمه الله أن تركها لا يوجب السجود، فهو يقول إنها سنة، ومع ذلك تركها لا يوجب السجود، ولعله، نعم، ولعله لا يرى أن سجود السهو إنما يشرع لترك السنن، أو يرى أنها، نعم، إن سجود السهو لها مشروعية غير واجبة والله أعلم، يراجع كلامه كلام الشافعي كذا.

أما الحنابلة رحمهم الله تعالى فأصلاً يرون أن تكبيرات الانتقال واجبة، فلذلك من تركها سهواً ولو واحدة فيجب السجود، لا نقول يستحب، يجب عليه السجود لأنه ترك واجباً سهواً.

ونختم بهذا، ونسأل الله للجميع التوفيق والسداد، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.