قد توقفنا على الحديث السابع من أحاديث صفة الصلاة صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، وحديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما في اعتدال أفعال النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة. نعم شيخ فلاح.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، اللهم اغفر لنا ولشيخنا يا رب العالمين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: الحديث السابع، عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: رمقت الصلاة مع محمد صلى الله عليه وسلم، ووجدت قيامه فركعته فاعتداله بعد ركوعه فسجدته فجلست بين السجدتين فسجدته فجلست ما بين التسليم والانصراف قريبا من السواء، وفي رواية البخاري: ما خلا القيام والقعود قريبا من السواء.
قوله: قريبا من السواء، قد يقتضي إما تطويل ما العادة فيه التخفيف أو تخفيف ما العادة فيه التطويل إذا كان ثم عاده متقدمة. وقد ورد ما يقتضي التطويل في القيام بقراءة ما بين الستين إلى المائة، وكما ورد في التطويل في قراءة الظهر بحيث يذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يتوضأ ثم يأتي ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الركعة الأولى مما يطولها. وقد تكلم الفقهاء في الأركان الطويلة والقصيرة، واختلفوا في الرفع من الركوع هل هو ركن طويل أو قصير؟ ورجح أصحاب الشافعي أنه ركن قصير. وفائدة الخلاف فيه أن تطويله يقطع الموالاة الواجبة في الصلاة، ومن هذا قال بعض أصحاب الشافعي إنه إذا طال بطلت الصلاة، وقال بعضهم: لا تبطل حتى ينقل إليه ركناً كقراءة الفاتحة أو التشهد. وهذا الحديث يدل على أن الرفع من الركوع ركن طويل، لأنه لا يتأتى أن تكون القراءة في الصلاة فرضها ونفلها بمقدار ما إذا فعل في الرفع من الركوع كان قصيراً.
أحسنت. هنا يتحدث المؤلف رحمه الله في هذا الحديث السابع حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما، والبراء ووالده كلاهما صحابيان، صحابيان جليلان صاحبا النبي صلى الله عليه وسلم. يقول: رمقت الصلاة مع محمد صلى الله عليه وسلم، رمقت، هذا يدل على المبالغة في النظر وشده التتبع لأفعاله وأقواله صلى الله عليه وسلم، وفيه الححث على استحباب مراعاة أفعال العالم وأقواله للاقتداء به.
فالبراء أجرى متابعة شديدة لأفعال النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة حتى خرج إلينا بهذه النتيجة، وأن أفعاله صلى الله عليه وسلم في الصلاة قريبة من التساوي، وهذا يدلك على أن عندنا أمرين؛ الأمر الأول: أن طالب العلم والمتعلم ينبغي له أن ينظر ويتتبع أحوال شيخه الذي يدرس عليه العلم ليتعلم من أفعاله كما يتعلم من أقواله، وهذا يخفى على بعض طلاب العلم ويأتون إلى الشيخ يتعلمون من المسائل التي يسمعونها منه، لكن هناك أمور تتعلم من هدي الشيخ وهذا يفوت الطلاب الذين يأخذون العلم من الكتب أو يأخذون العلم من دروس مسجلة أو غير حضورية. لكن الذي يأخذ العلم عن الشيخ في مجلس حضوري ويرى الشيخ ويسمع كلامه ويرى تعظيمه لنصوص الشرع ونحو ذلك، هنا يتاثر الطالب بشيخه في ذلك، ولذلك يذكرون أن الإامام أحمد رحمه الله كان يحضر مجلسه قرابه خمسة آلاف شخص، ليس كلهم يكتبون الحديث عنه، قرابة الخمسمائة فقط يكتبون الحديث عنه، والباقي يتعلمون من هديه وسمته ودله رضي الله تعالى عنه ورحمه.
هذا الأمر الأول، الأمر الثاني: أن الشيخ الذي يعلم العلم ينبغي له وهو يعلم أن يستحضر أنه ليس فقط يعلم بقوله، إنما يعلم بفعله، فإذا علم بفعله فإذا استحضر ذلك فإنه سيمتثل ما يتعلمه من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وما دلت عليه نصوص الوحيين، لماذا؟ لأن الناس لن يأخذوا من قوله فقط بل سيأخذون من فعله، ولذلك تجدون في التراجم الذي يقرأ في تراجم العلماء يجده لا تخلو ترجمة عالم التي تكتب في التراجم الموسعة من ذكر شيء من عبادته، ذكر شيء من حسن أخلاقه، لا يمكن طبعا أن يكون عالم بلغ الكمال في كل شيء، لابد أن يقع في نقص، لكن لا تجد المترجمين للعالم يغفلون هذه الأمور، ونجد في المعاصرين عندنا مثلا الشيخان ابن باز وابن عثيمين رحمهم الله تعالى في كلام من ترجم لهما يجدون أنهم يأخذون العلم من أفعالهم كما يأخذون من أقوالهم.
فتجدهم يقولون مثلا إن هذا الأمر سنة ويدل على أنه سنة أن الشيخ فلان كان يفعله، فأخذوا سنة من فعل العالم، فالعالم الذي يقتدى به ينبغي له أن يستحضر ذلك وأن يعمل بالسنة ويظهرها، لأن الناس ياخذون من أفعاله وأقواله، ولذلك يؤسف أن يكون طالب العلم لا يظهر أثر العلم عليه في قول ولا فعل، هذا من الأمر المؤسف، فتجده مثلا سليط اللسان، تجده في صلاته يتاخر في الحضور إلى المسجد، تجده في تعاملاته مع الناس شديداً، فهنا كيف سيتأثر الناس بكلامه؟ لابد أن يتبع هدي النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك. ولذلك أنا أضرب مثلاً بالشيخ ابن باز وابن عثيمين رحمهما الله تعالى، لأن من يترجم لهما يقولون: لا نعلم سنة إلا وفعلوها، تجدهم قد يكون فعلوها مراراً أو فعلوها ولو أحياناً، فهم حريصون على تطبيق السنن كما نحرص نحن على تطبيق الواجبات، لذلك بعض العلماء يقول: إن السنة في حق العالم قد تكون قريبة من الواجبة، لأنها لو ترك هذه السنة وترك هذه السنة وترك هذه السنة هجرت السنة، فيكون في حق العالم قد تكون قريبة من الواجبة، يعني مؤكدة جداً.
نرجع إلى كلام البراء، يقول: رمقت الصلاة مع محمد صلى الله عليه وسلم فوجدت قيامه، قيامه لفظة قيامه هنا هذه جاءت في مسلم ولم ترد في البخاري، وهذا القيام المراد به القيام الأول الذي قبل الركوع، فركعت فاعتدال بعد ركوعه، فسجدت، فجلست بين السجدتين، فسجدت، فجلست ما بين التسليم والانصراف قريبا من السواء، وهذا لفظ مسلم.
وهناك لفظ الشيخين: كان ركوع النبي صلى الله عليه وسلم وسجوده وإذا رفع من الركوع وبين السجدتين قريبا من السواء. وهناك اللفظ الثالث لفظ البخاري اللي فيه ما خلا القيام والقعود: كان ركوع النبي صلى الله عليه وسلم وسجوده وبين السجدتين وإذا رفع رأسه من الركوع قال: ما خلا القيام والقعود، قريبا من السواء. هنا ما خلا القيام والقعود يقصد قيام الذي قبل الركوع والقعود الذي هو قعود التشهد الأخير قريبا من السواء.
سيتكلم المؤلف رحمه الله تعالى عنها بعد قليل، يقول: قريبا من السواء يقتضي إما تطويل ما العادة فيه التخفيف أو تخفيف ما العادة فيه التطويل إذا كان ثم أمر متقدم. يقول البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما: إنما أورد هذا الحديث ليدل، نعم، إنما أورد هذا الحديث ليفيد من روى له هذا الحديث أن صلاتك فيها نوع مخالفة لصلاة النبي صلى الله عليه وسلم، فصلاة النبي صلى الله عليه وسلم كذا، يعني أركانه التي يقوم بها في الصلاة قريبة من السواء، فإما أن يكون هذا الشخص الذي رويت له هذا الحديث أو هؤلاء المجموعة الحديث كانوا يطيلون في بعض الأركان دون بعض أو يسرعون في بعض الأركان ويطيلون في بعض الأركان، فأورد لهم البراء هذا الحديث.
يقول: وقد ورد ما يقتضي التطويل في القيام. عندنا الآن القيام الذي هو قبل الفاتحة، نعم، القيام الذي هو قبل الركوع ورد فيه ما يقتضي التطويل، فهل إذا طولت تطول الأركان الأخرى؟ ننظر الآن. يقول: ورد ما يقتضي التطويل في القيام كقراءة ما بين الستين إلى المائة في حديث أبي برزة في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرا في الركعتين في الصبح وفي إحداهما ما بين الستين إلى المائة. وكما ورد في التطويل في قراءة الظهر بحيث يذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يتوضأ ثم يأتي ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الركعة الأولى مما يطولها، فهذه فيها تطويل.
طيب، هذا القيام. الركوع، يقول: تكلم الفقهاء في الأركان الطويلة والقصيرة، الرفع من الركوع الآن سيتكلم عن الرفع من الركوع، طبعا الرفع من الركوع وكذلك الجلوس بين السجدتين هذا وقع فيه الخلاف بين الفقهاء رحمهم الله تعالى، ولذلك أورد فيه المصنف الحديث الذي يليه حديث أنس، وكان تخفيف هذين الركنين، يعني الرفع من الركوع والجلوس بين السجدتين، كان تخفيفهما تخفيفاً شديداً هذا جاء في الزمان الأول في زمن التابعين، زمان بني أمية الذي فيه مجموعة من الصحابه لا زالوا، ولذلك جاء في حديث انس الآتي، يقول: ثابت كان أنس يصنع شيئاً لا أراكم تصنعونه، كان إذا رفع من الركوع مكث حتى يقول القائل: قد نسي، وإذا رفع من السجده جلس حتى يقول قائل: قد نسي، فلذلك ذكر ابن القيم رحمه الله أن تقصير هذين الركنين كان من خلفاء بني أمية.
طيب، قال: اختلفوا في الرفع من الركوع هل هو ركن طويل أو قصير؟ ورجح أصحاب الشافعي أنه ركن قصير، يعني أنه حتى الجلوس بين السجدتين يرون أن هذا الركن الاعتدال من الركوع والاعتدال من السجود أنه بمثابة الفاصل بين الركنين، فالاعتدال من الركوع يكون أنه بمثابه الفاصل بين الركوع والسجود، والجلسة من السجدتين يقول إنه بمثابة الفاصل من السجدتين فهو ليس ركناً مستقلاً بذاته هكذا يقررون، ولذلك قالوا: هو ركن قصير.
قالوا: وفائدة الخلاف فيه، يعني هل هو ركن قصير أو طويل؟ أن تطويله يقطع الموالاة الواجبة في الصلاة، لأن عندنا لا بد في الصلاة من موالاة أركان الصلاة. طيب هنا إذا أطال الرفع من الركوع أو أطال الجلسة من السجدتين، وكنا قلنا إنه إن هذين الركنين إنما أتي بهما لمجرد الفصل، فإذا أطال فإنه فصل فصلاً طويلاً بين ركنين مقصودين فتبطل صلاته.
قال: ومن هنا قال بعض أصحاب الشافعي: إنه إذا طوله بطلت الصلاة، وقال بعضهم: لا تبطل حتى ينقل إليه ركناً كقراءة الفاتحة أو التشهد، يعني إذا في بعد الرفع من الركوع قرأ الفاتحة فهنا يقولون: تبطل، أما إذا لم يقرا الفاتحة وإنما قرأ الذكر المأثور فإنها لا تبطل، هذا هكذا قال بعضهم، وهذا الخلاف الذي ذكره عند الشافعية، أما الحنابلة رحمه الله تعالى فيرون أن الرفع من الركوع والجلوس بين السجدتين هذا ركن مستقل، هذا ركن مستقل وليس لمجرد الفصل، فمثله مثل غيره يطال أو يقصر، لكنه أو يعتدل به، لكنه ليس مجرد فصل بين الركنين.
قال: وهذا الحديث يدل على أن الرفع من الركوع ركن طويل، لماذا؟ لأنه في هذا الحديث ماذا قال؟ قال: رمقت فوجدت قيامه الذي فيه الفاتحة والسورة بعدها ثم ركعته ثم رفع فاعتدل بعد الركوع قريبا من السواء. يقول: لو كان قصيراً ما كان قريبا من السواء مع قراءة الركن الذي في قراءة الفاتحة، فيقول هذا دليل على أن الرفع من الركوع هو ركن طويل وليس قصيراً.
نعم احسن الله إليك. قال رحمه الله: وهذا الذي ذكر في الحديث من استواء الصلاة ذهب بعضهم إلى أنه الفعل المتاخر بعد ذلك التطويل، وقد ورد في بعض الاحاديث وكانت صلاته بعد تخفيفاً. والذي ذكره المصنف عن رواية البخاري وهو قوله: ما خلا القيام والقعود إلى آخره، وذهب بعضهم إلى تصحيح هذه الرواية دون الرواية التي ذكر فيها القيام ونسب رواية ذكر القيام إلى الوهم وهذا بعيد عندنا، لأنه توهيم الراوي الثقة على خلاف الأصل لاسيما إذا لم يدل دليل قوي لا يمكن الجمع بينه وبين الزياده على كونها وهماً، وليس هذا من باب العموم والخصوص حتى يحمل العام على خاص فيما عدا القيام، فانه قد صرح في حديث البراء في تلك الرواية بذكر القيام، ويمكن الجمع بينهما بأن يكون فعل النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك كان مختلفاً فتارة يستوي الجميع وتارة يستوي ما عدا القيام والقعود، وليس في هذا إلا أحد أمرين: إما الخروج عما تقتضيه لفظة كان إن كانت وردت من المداومة أو الأكثريّة، وأما أن يققال: الحديث واحد اختلفت رواته عن واحد فيقتضي ذلك التعارض.
ولعل هذا هو السبب الذي دعا من ذكرنا عنه أنه نسب تلك الرواية إلى الوهم ممن قاله. وهذا الوجه الثاني: اتحاد الرواية أقوى من الأولى في وقوع التعارض، وإن احتمل غير ذلك على الطريقة الفقهية، ولا يقال: إذا وقع التعارض فالذي أثبت التطويل في القيام لا يعارضه من نفاه، فإن المثبت مقدم على النافي، لأن نقول: الرواية الأخرى تقتضي بنصها عدم التطويل في القيام، وخروج تلك الحالة أعني حالة القيام والقعود عن بقية حالات أركان الصلاة، فيكون النفي والإثبات محصورين في محل واحد، والنفي والإثبات إذا...
إنحصر في محل واحد تعارُضاً، إلا أن يُقال باختلاف هذه الأحوال بالنسبة إلى صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يبقى فيها انحصار في محل واحد بالنسبة إلى الصلاة. ولا يُعتُرَض على هذا إلا بما قدمناه من مقتضى لفظه كان، إن وُجِدَت في حديث، أو كون الحديث واحداً من مخرج واحد اختلف فيه، فلينظر ذلك في الروايات ويُحَقَّق الاتحاد أو الاختلاف في مخرج الحديث. والله أعلم.
أحسنت. هنا لما ذكر أن هذه الأركان قريبة من السواء، ذكر هنا: هل نقول إن هذا هو الذي استقر عليه أمر النبي صلى الله عليه وسلم وكان قبل يطيل في صلاته، أو لا؟ هنا هذه المسألة يقول: ذهب بعضهم إلى أنه يعني إلى أنه يقصد المقاربة بين الأركان هو الفعل المتأخر بعد ذلك التطويل، وقد ورد في بعض الأحاديث وكانت صلاته بعد تخفيفاً. وهذا ذكره القاضي عياض في إكمال المعلم، أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم في المقاربة بين الأركان هو الذي استقر عليه بعد أن كان يطيل في القراءة يعني في آخر حياته بدأ يخفف القراءة ويجعل الأركان الأخرى مقاربة لها.
ثم قال بعد ذلك: والذي ذكره المصنف عن رواية البخاري، وهو قول: ما خلا القيام والقعود. ذهب بعضهم إلى تصحيح هذه الرواية دون الرواية التي ذُكِر فيها القيام، ونسب رواية ذك القيام... وهذا أيضاً ذكره القاضي عياض. يعني عندنا الرواية الأولى التي قلنا لكم إن قوله: فوجدت قيامه (قيامه اللي قبل الفاتح، الذي قبل الركوع، اللي في سورة قراءة الفاتحة وما بعده) هذه وردت في مسلم، ووردت في الصحيحين برواية أخرى بدون ذكر قيامه، وورد في البخاري زيادة: ما خلا القيام والقعود.
فيقول المؤلفون نقلاً عن بعضهم (وذكرت لكم أنه من نقل ممن ذكر ذلك القاضي عياض): إنه يصحح رواية ما خلا القيام والقعود، ويوهم الراوي في زيادة ذكر قيامه فوجدت قيامه. يقول: هذا وهم. طيب لماذا وهم؟ يقول: قيامه النبي صلى الله عليه وسلم يعني يطيل في بعض الصلوات، فيصعب أن يكون يطيل مثلاً في بعض... يعني الذي ذكره هنا في بعض... أحياناً يقرا من المئة إلى المئة في الركعة في سورة الظهر في في صلاة الظهر، يقرا، يكبر للإحرام ويذهب الذاهب إلى البقيع ثم يرجع والنبي صلى الله عليه وسلم في الركعة الأولى مما يطيله. هذا يدل على أنه يطيل في الركعة الأولى، فكونه يطيل هذا يدل على أنه سيعطّل الأركان الأخرى. فيقول لك: لا، هذا زيادة القيام التي فيها القراءة هذه زيادة وهم، فالمقاربة تكون بين الأركان الأربعة: الركوع، والرفع من الركوع، والسجود، والجلسة بين الأركان الأربعة. أما القيام الذي فيه القراءة والقعود الذي فيه التشهد فإنه أطول منهما، أما هذه الأربعة فهي قصيرة ومتقاربة.
يقول ابن دقيق العيد رحمه الله: هذا بعيد عندنا. بعيد لماذا؟ يقول: لأن الأصل عندنا الراوي الثقة العادل، الأصل أنه حافظ، لا نوهم ما دام أنه يمكن الجمع، لا سيما إذا لم يدل دليل قوي لا يمكن الجمع بينه وبين الزيادة على كونها وهماً. يقول: ممكن الجمع الآن. سيذكر وجه الجمع. يقول: وليس هذا من باب العموم والخصوص (يعني قد يقول قائل: طيب نقول إذاً ما القيام والقعود هذا خاص فيقضي على العامة اللي فيها الأركان الأخرى). يقول: لا، ما نقول هذا من باب العموم والخصوص، لماذا؟ لأنه في حديث البراء الرواية التي ذكرها المؤلف منصوص على القيام: قيام الفاتحة. فوجدت قيامه فركعت (قد يقول قائل: طيب هذا قيام الرفع من الركوع؟ يقول: لا، لو كان قيام الرفع من الركوع ما ذكره مرة أخرى ولا ما ذكره قبل الركوع، لأنه قال: فوجدت قيامه فركعت، الفاء للتعقيب). فدل على أن هذا القيام قبل الركوع، قال: فإنه قد صرح في حديث البراء في تلك الرواية بذكر القيام. إذاً فليس باب العموم والخصوص، إذاً إما أن نقول: تقدم رواية ما خلا القيام والقعود وهذه... وتوهم الرواية الأولى. وهذه استبعدها ابن دقيق العيد رحمه الله لبامكان الجمع.
طيب ما الوجه؟ ما الوجه الذي يجمع به؟ يقول: النبي صلى الله عليه وسلم ما صلى صلاة واحدة ولا أربع ولا خمس ولا عشر ولا عشرين، النبي صلى الله عليه وسلم مكث ثلاث وعشرين سنة وهو يصلي صلوات كثيرة عليه الصلاة والسلام، فتحمل على اختلاف الأحوال. ولذلك قال: ويمكن الجمع بينهما بأن يكون فعل النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك مختلفاً، فتارة يستوي الجميع من بداية الصلاة إلى نهايتها حتى قيام الفاتحة وجلوس التشهد، وتاره يستوي ما عدا القيام والقعود. فنقول: إذاً أحياناً يطيل القيام والقعود أكثر من الأركان الأخرى، وأحياناً يجعلها متساوية.
طيب فإذا قلنا ذلك، يقول: هذا الجمع ممكن، وليس فيه إلا أحد أمرارين: أما الخروج عما تقتضيه لفظة (كان)، (كان) هي إما تدل على المداومة، كان يفعل أن يديم أو يكثر. طيب إذا قلنا أحياناً وأحياناً ليست يفعل، يعني ليست يديم ولا يكثر (طبعاً ذكر لك المؤلف سابقاً أن (كان يفعل) أحياناً تأتي للأحي... يعني ليست للكثره، فتحمل عليها، لكنها خلاف الأصل).
طيب الأمر الثاني يقول: واما أن يقال الحديث واحد اختلفت رواته وأنواع ذلك التعارض، فإذا كان الحديث واحد مخرجه واحد، فهنا لا نقول: إذاً إنه يحمل اختلاف الأحوال، بل نقول: لابد من ترجيح أحد الروايات. ولذلك قال: ولعل هذا هو السبب الذي دعا من ذكرنا عن أنه نسب تلك الرواية إلى الوهم إلى من قاله، قال: وهذا الوجه الثاني (اتحاد الرواية) أقوى من الأول في وقوع التعارض وإن احتمل ذلك على غير الطريقة، وإن احتمل غير ذلك على الطريقة الفقهية، أن أن الطريقة الفقهية... يعني أسهل مع عن يقولون إنه يحتمل حصوله أكثر من مرة، أما المحدثون فـ... يعني يبحثون في الراوي حين يكون الراوي واهماً، فكون فلجوء المحدثين إلى توهيم الراوي أكثر، ولجوء الفقهاء إلى الجمع بين النصوص أكثر.
قال: ولا يُقال: إذا وقع التعارض فالذي أثبت التطويل في القيام لا يعارضه من نفاه، فإن المثبت مقدم على النافي (يقول: لا نقول خلاص هذا حديثان تعارض، هذا ينفي التطويل وهذا يثبت التطويل فنقدم المثبت، فالمثبت مقدم على النافي)، لكن يقول: لا نقول ذلك، لأن الرواية الأخرى تنص على عدم التطويل في القيام: فوجدت قيامه فركعت إلى آخره، قريبة من السواء، فتدل على أنه لا يطيلها أكثر من غيرها. فكأنما الروايتان كلتاهما مثبتتان، مثبتتان.
قال: وخروج تلك الحالة (حالة القيام والقعود) عن بقية حالة أركان الصلاة نعم، فيكون النفي والإثبات محصورين في محل واحد، والنفي والإثبات إذا انحصر في محل تعارض، إلا أن يُقال اختلاف الأحوال بالنسبة لصلاة النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يبقى في... يرجع إلى الجمع بينهما الذي ذكره سابقاً. فهذا مقصوده أنه هل نقول يطيل القيام والقعود أكثر من بقية الأركان، أو نقول يسوي بينهما على اختلاف الروايات؟
وابن القيم رحمه الله يعني حملها على محمل جيد، يقول: إن طول كل ركن يناسبه، فمثلاً إذا مثل في صلاة التهجد في قيام من الليل اللي يصلون في آخر الليل، مثلاً يقراون مثلاً عشر دقائق أو خمس عشرة دقيقة قراءة، ثم يركعون، يقول: لا يلزم أن يكون الركوع خمس عشرة دقيقة مثل القيام، لكن يطيله إطالة مناسبة لإطالة القيام، مثلاً كان يقوم مثلاً بثلاث دقائق فصار يقوم بخمس عشرة، ضاعف قيام مثلاً خمس مرات، الركوع بدل ما يركع مثلاً نصف دقيقة يضاعف ركوعه مثلاً خمس مرات، يكون يركع مثلاً دقيقتين نصف أو دقيقتين لأنه قريب من السواء. فيقول: يعني يكون إذا أطال القيام أطال الأركان الأخرى إطالة مناسبة لها. وهذا يعني ملمح جيد وتفسير جيد من ابن القيم رحمه الله تعالى.
نعم، الحديث الثامن. أحسن الله إليك.
قال رحمه الله: الحديث الثامن، عن ثابت البناني عن انس بن مالك رضي الله عنه قال: اني لآلو أن أصلّي بكم كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا. قال ثابت: فكان أنس يصنع شيئاً لا أراكم تصنعونه؛ كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائماً حتى يقول القائل: قد نسي، وإذا رفع رأسه من السجدة مكث حتى يقول القائل: قد نسي.
قوله: لا آلو، أي لا أقصر. وقد لاحت: لا آلو. وقد قيل إن الآلو يكون بمعنى التقصير وبمعنى الاستطاعة معاً، والسياق يرشد إلى المراد. والآلو على مثال العتو، ويقال العلو والآلو على مثال العتو (عفا الله عنك)، ويقال الآلي على مثال العتي، والماضي (آل). وقد يقال في هذا المعنى (ألا) بالتشديد.
وقوله: أن أصلي، أي في أن أصلي. وقد تقديم انس رضي الله عنه لهذا الكلام امام روايته ليدل السامعين على التحفظ لما يأتي به، ويحقّق عندهم المراقبة لاتباع أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا الحديث أسرع في الدلالة على أن الرفع من الركوع ركن طويل، بل هو والله أعلم نص فيه، فلا ينبغي العدول عنه لدليل ضعيف ذكر في أنه ركن قصير، وهو ما قيل إنه لم يُسَنَّ فيه تكرار التسبيحات على الاسترسال كما سُنة القراءة في القيام والتسبيحات في الركوع والسجود مطلقاً.
أحسنت. هنا يقول: الحديث الثامن عن ثابت البناني عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: اني لآلو (أي لا أقصر) أن أصلي بكم صلاة كما رايت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا. قال ثابت: فكان أنس يصنع شيئاً لا أراكم تصنعونه. هنا أنس جاء ليعلم التابعين السنة؛ سنة النبي صلى الله عليه وسلم. أنس راقب بفعله نعم، راقبها بنظره للنبي صلى الله عليه وسلم وحفظها ثم طبقها بفعله. ثابت راقب أنساً رضي الله تعالى عنه ثم نقلها لنا بقوله: قال ثابت: فكان أنس يصنع شيئاً لا أراكم تصنعونه؛ كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائماً (يعني أطال قليلاً) حتى يقول القائل قد نسي (يعني حتى يقول في الاعتدال)، وكذلك في السجود بين السجدتين العادة فيه المشروع، فيحمل القائل فعله... فيحمل القائل لفعل... طبعاً فعل أنس، فعل أنس على النسيان لا على المشروع، (يعني كأنه يقول: قد نسي أنه في صلاة، أو أن هذا القيام هو قيام الرفع من الركوع وأن هذا الجلوس هو جلوس بين سجدتين).
وقوله: حتى يقول القائل، يعني حتى يظن، يقول هنا بمعنى يظن: حتى يظن الظان أنه نسي من طول مكثه. من كلام العرب: أتقول زيداً قائماً؟ أي أتصن زيداً قائماً؟ وإذا رفع رأسه من السجدة مكث حتى يقول القائل قد نسي. قال ابن العطار: فيه دليل على إحياء السنن إذا أُميتت، وهذا من مهمات طالب العلم، أنه إذا رأى السنة قد أُميتت أن يحييها، لكن ينبغي عليه أمران:
الأمر الأول: أن يعلم أن هذه سنة، لأن هناك أمور تناقلها الناس وأنها سنة مهجورة، ويأتون بالحديث الدال على سنيتها ويتبين أن هذا الحديث لا يدل على الإحياء، أنه ورد في خاصية معينة، أو أن هذا الحديث لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، خاصة أنه لم يقل به أحد من أهل العلم، فيأتي شخص يقول: هذه سنة مهجورة ونحو ذلك، فلا بد أن يعلم أنها سنة.
الأمر الثاني: لابد أن يكون حكيماً في عرض السنة، بمعنى لو كان عند أناس لم يعلموا السنة ولا عندهم خبر بها وكانوا من القدم على خلافها، فإنه لابد أن يترفق بهم ويتأنى بهم إلى أن يبلغهم السنة، لا يأتي ويظهر لهم السنة وكأنها يجابه بها فينفّر منها، وهو بمثابة الطبيب؛ الطبيب يعرض الدواء على المريض عرضاً رفيقا لاجل تقبله المريض ولان في مصلحته، فكذا العالم مع الناس والداعيه مع الناس المدعوين كذلك، هو كالطبيب يعرض عليهم الحق عرضاً مقنعاً لاجل ان يقبلوه ويعملوا به.
قالوا يقول العطار: وفيه البيان بالفعل والتنبيه عليه بالقول. أنس بين بفعله، وثابت شرح ما فعله أنس، ركز عليه أنس بقوله. قال ابن الفاكهاني في شرحه: أن قلتم لما خُصَّ ذكر الاعتدال في الركوع والسجود دون سائر الأركان؟ قلت: قيل لأنه كان قد راى الناس في زمانه ذلك قد وقع منهم أو من بعضهم التقصير في الطمانينة بهما دون غيرهما، ولذلك قال: يصنع شيء لم أركم تصنعونه. وهذا وهذا دليل على أن الإخلال بهذين الركنين كان من القدم، وهو ما ذكر ابن القيم أنه من خلفاء بني أميه.
قوله: لا آلو، أي لا أقصر. ويقول: إن الآلو يكون بمعنى التقصير وبمعنى الاستطاعة (يعني يأتي المعنيان متضادان، يأتي بمعنى كلمتين متضادتين). طيب ما الذي يخبرنا، ما الذي يدلنا على المقصود: المعنى هذا والمعنى هذا؟ السياق. لذلك قال: والسياق يرشد إلى المراد. قال: والآلو على مثال العتو (يعني على وزن العتو)، ويقال الآلي على مثال الغني؛ فهو يقال الآلو ويقال الآلي، والماضي (آل)، وقد يقال في هذا المعنى (ألا) بالتشديد.
قوله: أن أصلي، أي في أن أصلي (فحذف حرف الجر، فحذف حرف الجر). قالوا: تقديم أنس لهذا الكلام أمام روايته ليدل السامعين على التحفظ في... فيما يتب... (الان قال لهم أنا أصلي بكم كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ب...). المتوقع ممن يسمع أنساً رضي الله تعالى عنه يقول ذلك، أن يرع... أبصارهم وأسماعهم إلى كيفية الصلاة التي سيؤديها أنس، لأنه شاهد النبي صلى الله عليه وسلم بعينه.
وسمع بأذنه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، ليس سنة ولا سنتين، بل مكث أنس رضي الله عنه خادماً عند النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين، وهو يرى النبي صلى الله عليه وسلم صباحاً مساءً يصلي، فعقل من صلاته كثيراً عقلها وطبقها. فمثله حقيق بأن تؤخذ منه صفة الصلاة، تقديم أنس رضي الله عنه هذا الكلام قال لهم هذا لكي يشوقهم إلى أن ينتبهوا لما سيفعله، قال يدل السامعين على التحفظ فيما يأتي به ويحقق عندهم المراقبة لأفعال الرسول صلى الله عليه وسلم.
قال: وهذا الحديث أسرع في الدلالة على أن رفع الركوع ركن طويل، يعني حديث البراء السابق نقول ظاهر في التطويل ليس نصاً، هذا حديث أنس نص في التطويل أنه يقول: يكاد حتى يقول: قد نسي. وكونه يأتي به قصيراً ما تجي أو ما يصل إلى أن يكون من يراه يقول: قد نسي، قال: بل هو والله أعلم نص فيه، فلا ينبغي العدول عن هذا الحديث لدليل ضعيف ذكر في أنه قصير في أنه ركن قصير.
وهذا من الأمانة العلمية من دقيق العيد رحمه الله تعالى، وعدم تعصبه لمذهبه. من دقيق العيد رحمه الله، طبعا تفقه على مذهب الشافعي وتفقه على مذهب مالك، وهو مذهب الشافعي ومالك، ومع ذلك هذا الدليل قول الشافعية إنه ركن قصير ومع ذلك مرتضى مع أنه كان في زمن من الأزمنة منتسباً إليه، فمرتضى قال: فلا ينبغي العدول عنه لدليل ضعيف ذكر في أنه ركن قصير.
والدليل الضعيف قال وهو ما قيل عن الدليل الضعيف: إنه لم يسن فيه تكرير التسبيحات على الاسترسال كما سن القراءة في القيام، التسبيحات في الركوع والسجود مطلقا، يعني الرفع من الركوع ما سن فيه تكرار الذكر، الجلوس بين السجدتين ما سن فيه تكرار الذكر، فلذلك لما لم يسن فيه قالوا هذا الدليل على أن المقصود منه الفصل، هذا دليل استنباطي، لكن أرجع إلى فعل النبي صلى الله عليه وسلم، النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يطيل، فهذا نص فلا يترك هذا النص لدليل استنباطي.
لذلك قال: وهو ما قيل فلا ينبغي العدول عن دليل ضعيف ذكر في أن الركن قصير، وهو أنه لم يسن في تكرير التسبيحات على الاسترسال كما سن القراءة في القيام وتسبيحات وفي الركوع والسجود مطلقاً.
طيب، نقف على هذا، ونسأل الله للجميع التوفيق والسداد، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان