دخولتسجيل الدخول

التعليق على إحكام الأحكام - كتاب الصلاة 29- باب صفة صلاة النبي [شرح الحديث الثالث]

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملا صالحا يا كريم.

أما بعد، فهذا هو المجلس الثاني من مجالس التعليق على أحكام الأحكام عمدة الأحكام لابن الدقيق العيد رحمه الله تعالى. وكنا قد توقفنا عند الحديث الثالث من أحاديث باب صفات صلاة النبي صلى الله عليه وسلم.

نعم، شيخ فلاح، أحسن الله إليك.

قال المصنف رحمه الله تعالى: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك، وقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، وكان لا يفعل ذلك في السجود.

اختلف الفقهاء في رفع اليدين في الصلاة على مذاهب متعددة؛ فالشافعي قال بالرفع في هذه الأماكن الثلاثة، أعني في افتتاح الصلاة، والركوع، والرفع من الركوع. حجته هذا الحديث، وهو من أقوى الأحاديث سنداً. وأبو حنيفة لا يرى الرفع في غير الافتتاح، وهو المشهور عند أصحاب مالك والمعمول به عند المتأخرين منهم. واقتصر الشافعي.

أحسنت. هنا يتكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وهو في المواضع التي ترفع فيها اليدان عند التكبير. ففي حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة يعني تكبيرة الإحرام، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع. هذه ثلاثة مواضع، قال: وكان لا يفعل ذلك في السجود، أي في ابتداء السجود أو في الرفع منه.

قال: اختلف الفقهاء في رفع اليدين في الصلاة على مذاهب متعددة؛ فالشافعي قال بالرفع في الأماكن الثلاثة. وهذا هو المشهور عند الحنابلة رحمهم الله تعالى، أنه ترفع اليدان في المواضع الثلاثة عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع من الركوع، ودليلهم هذا الحديث الذي فيه التفصيل.

القول الثاني قول أبي حنيفة، وهو المشهور عند المالكية، أنه لا ترفع اليدان إلا عند تكبيرة الإحرام فقط، ولهم عدة أدلة، أشهر الحديث عندهم حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه عند افتتاح الصلاة ثم لا يعود، أي لا يعود إلى رفع اليدين. ولكن حديث ابن عمر هذا في الصحيحين وهو أقوى.

نعم، أحسن الله إليك. قال رحمه الله: واقتصر الشافعي على الرفع في هذه الأماكن الثلاثة لهذا الحديث. وقد ثبت الرفع عند القيام من ركعتين، وقياس نظره أن يسن الرفع في ذلك المكان أيضاً؛ لأنه لما قال باثبات الرفع في الركوع والرفع منه لكونه زائداً على من روى الرفع عند التكبير فقط، وجب أيضاً أن يثبت الرفع عند القيام من الركعتين؛ فانه زائد على من أثبت الرفع في هذه الأماكن الثلاثة فقط، والحجة واحدة في الموضعين. وأول راض سيره من يسيرها.

أحسن الله إليك، وأول راض سيره من يسيرها. والصواب والله أعلم استحباب الرفع عند القيام من ركعتين لثبوت الحديث فيه. وأما كونه مذهباً للشافعي، لأنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي، أو ما هذا معناه، وفي ذلك نظر.

ولما ظهر هنا. أحسنت. هنا يتكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن رفع اليدين في موضع رابع، وهو إذا قام من التشهد الأول للركعة الثالثة، فيقول إن الإمام الشافعي رحمه الله أثبت الرفع في هذه الأماكن الثلاثة فقط لهذا الحديث، ولم يثبته في القيام للركعة الثالثة. قال: وقد ثبت الرفع عند القيام من الركعتين، وذلك في حديث ابن عمر في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع إذا قام من الركعتين، وكذلك في حديث أبي حميد عند أبي داود والنسائي وغيرهما.

فيقول إن هذا الحديث حديث ابن عمر في البخاري وأبي حميد في السنن فيه زيادة على حديث ابن عمر في الصحيحين في الرفع في هذه الأماكن الثلاثة، فيقول إن الشافعي وأحمد أيضاً أخذوا بحديث ابن عمر وقدموه على الأحاديث التي فيها إثبات الرفع عند تكبيرة الإحرام فقط فأخذوا بالزيادة. فيقول: إذاً فليأخذ بالزيادة الواردة في حديث ابن عمر الآخر أو في رواية ابن عمر الأخرى التي فيها القيام رفع اليدين عند القيام من الركعتين.

فلذلك يقول: قياس نظر الشافعي يسن في ذلك المكان أيضاً؛ لأنه لما قال باثبات الرفع للركوع والرفع منه لكونه زائداً على من روى الرفع يعني اخذ بالزيادة؛ فهي زيادة من ثقة. فيقول: فخذ بالزيادة التي في الرواية الأخرى القيام رفع اليدين عند القيام من التشهد الأول.

قال: الحجة واحدة في الموضعين. يعني أنت أخذت هذا لأنه زيادة من ثقة، فأخذ بهذا لأنه زيادة من ثقة. وأول راض سيره من يسيرها؛ هذا شطر بيت شطر بيت. الصوت أحسن الله إليك قطع.

أقول القطع من وين؟ القطع من شطر البيت من قولك أحسن الله إليك من شطر البيت. نعم.

أقول هذا شطر بيت، استدل به المؤلف رحمه الله على أن من سار على شيء ينبغي أن يلتزم هذا القول: أول راض سيره من يسيرها. فيعني يقول إن الشافعي رحمه الله ما دام أنه اخذ بالحديث الذي فيه الزيادة على رفع اليدين في تكبيرة الإحرام فقط، فليأخذ بالزيادة التي فيها رفع اليدين عند القيام من التشهد الأول، فحجته في الموضعين واحدة. والمؤلف رحمه الله تعالى رجح القول بأنه يرفع اليدين عند القيام من التشهد الأول.

والعلماء رحمهم الله تعالى يعني بعضهم يقدم حديث ابن عمر هذا الذي فيه رفع اليدين في المواضع الثلاثة ويقدمه على حديث ابن عمر الآخر الذي فيه رفع اليدين عند القيام من التشهد الأول. وابن رجب رحمه الله تعالى في فتح الباري ذكر أسباباً لعدم أخذ الإمام أحمد في المشهور عنه بحديث ابن عمر هذا. أقصد بحديث ابن عمر الذي فيه رفع اليدين عند القيام من الركعتين قال: وهذا تنبيه جيد.

يقول: واما كونه مذهباً للشافعي لأنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي، أو ما هذا؛ ففي ذلك نظر. يعني الإمام الشافعي رحمه الله نقل عنه أنه يعني في عدة مواضع أنه كان يقول: إذا صح الحديث فهو مذهبي. فهل نقول: إذاً نحن نرى صحة حديث ابن عمر لأنه في صحيح البخاري الذي فيه رفع اليدين عند القيام من التشهد الأول، إذاً يكون هو مذهباً للشافعي؟

يقول المؤلف رحمه الله: لا، لا نقول ذلك. لماذا؟ يقول: فيه نظر. لماذا؟ لأن قد يكون الشافعي رحمه الله اطلع على هذا الحديث لكن وجد له علة منعته من القول به، وجد له علة منعته من القول به؛ فلا يستقيم أن نقول إن هذا مذهب للشافعي. لكن لو كان الإمام الشافعي رحمه الله يعني علق القول بالحكم بهذا الحديث على صحته -وفيه أحكام، عدة أحكام- كان الإمام الشافعي يقول: يعني لو صح هذا الحديث لقلنا به، لكنه لم يصح؛ فلو توصل إلى أن الحديث ثبت من طريق صحيح فيمكن أن يقال إن هذا مذهب للشافعي.

نعم، أحسن الله إليك. قال رحمه الله: ولما ظهر لبعض الفضلاء المتاخرين من المالكية قوة الرفع في الأماكن الثلاثة على حديث ابن عمر، اعتذر عن تركه في بلاده فقال: وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رفع يديه فيهما، أي في الركوع والرفع منه، ثبوتاً لا مرد له صحةً، فلا وجه للعدول عنه. إلا أن في بلادنا هذه يستحب للعالم تركه؛ لأنه إن فعل نسب إلى البدعة وتأذي، وربما تعددت الأذية إلى بدنه، ووقاية العرض والبدن بترك سنة واجب في الدين.

هنا التنبيه من هذا الفقيه -تنبيه من هذا الفقيه المالكي رحمه الله تعالى- إلى مراعاة المصالح والمفاسد في العمل بالسنن المندثرة أو غير المشتهرة في بلاد معينة. فيقول في هذه المساله يقول: طبعا المشهور عند المالكية كما ذكره المؤلف رحمه الله هنا أنه لا يرفع يديه إلا عند تكبيرة الإحرام، لا يرفع عند الركوع ولا عند الرفع منه.

هذا الفقيه المالكي اطلع على الأحاديث فوجد أن الأحاديث صحت في رفع اليدين عند الركوع والرفع منه، لكنه يقول: ومع ذلك فنقول: يستحب للعالم أن يترك الرفع رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع من الركوع. لماذا؟ يقول: لأنه لأن فعله هذا سيتسبب إلى مفسدة. ما المفسدة؟ المفسدة أن الناس العوام في بلدهم سيعدونه من أهل البدعة، وإذا عدوه من أهل البدعة فإنهم لن يسمعوا توجيهه ونصحَه وتعليمَه لأنهم يرونه مبتدعا. فيقول هنا ستضيع فائدة علمية، لكن لو ترك هذه السنة فإنهم سيسمعون منه، وسيقي بدنه أو عرضه.

يقول يعني كونه يترك سنة لأجل هذه المصلحة العظيمة هذا أولى من أن يأتي بها وتقع هذه المفسدة. وهذا ينبه عليه العلماء رحمهم الله تعالى في مواضع، يعني مثلاً شخص وهذا ينص عليه الفقهاء رحمهم الله تعالى، لو أن شخصاً سافر إلى بلد يجهرون فيها بالبسمله قبل الفاتحة، هنا الأصل أن الجهر بالبسمله قبل الفاتحة ليس من السنة، سنة الإسرار، لكن لو أن شخصاً ذهب إلى بلد مذهبهم على أنه يجهر بالبسملة، فلو صلى بهم ولم يجهر ربما العوام يرتبكون في صلاتهم ويظنون أن صلاتهم فيها نقص وقد تحصل بلبله؛ فهنا كونه يجهر وياتي بالشيء المفضول أولى من كونه يسر وياتي بالسنة؛ لأن جهره هنا أن إسراره هنا قد يترتب عليه مفسدة. وقس على ذلك من المسائل ما شئت.

فالمهم أنه إذا كانت إذا كان الأمر سنة ليس واجباً ولا محرماً، وكان ترك السنة يؤدي إلى مصلحة وفعلها يؤدي إلى مفسدة، فهنا نقول: يترك السنة لتحقيق هذه المصلحة. لكن مع ذلك يعني لا يترك السنة تركاً مطلقاً، إنما يحاول أن يبينها باسلوب أو باخر إذا كان هناك مجال لتوضيحها وتبيينها.

نعم، أحسن الله إليك. قال رحمه الله: وقوله حذو منكبيه هو اختيار الشافعي في منتهى الرفع. وأبو حنيفة اختار الرفع إلى حذو الأذنين، وفيه حديث آخر يدل عليه. ورجح مذهب الشافعي بقوة السند لحديث ابن عمر وكثرة الرواة لهذا المعنى، فروي عن الشافعي أنه قال: وروى هذا الخبر بضعة عشر نفساً من الصحابة.

وربما سلك طريق الجمع، فحمل خبر ابن عمر على أنه رفع يديه حتى حاذا كفاه منكبيه، والخبر الآخر على أنه رفع يديه حتى حادت أطراف أصابعه أذنيه. وقيل إنه رويت رواية من حديث عبد الجبار بن وائل عن أبيه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ويحاذي بإبهاميه أذنيه.

أحسنت. هنا قال قوله حذو منكبيه، يعني إلى أين يرفع يديه؟ هذا في بيان منتهى الرفع. هنا في هذا الحديث جاء حذو منكبيه، في حديث آخر جاء حيال أذنين. فاختلف الفقهاء، فالشافعي يرى أن الرفع إلى حذو المنكبين، يعني مقابل المنكبين أطراف الكتفين. وأبو حنيفة اختار إلى أنه يرفع إلى حذو الأذنين.

هنا يقول: رجح مذهب الشافعي بقوة السند، بقوة سند الحديث، يعني أقوى سند من الآخر. لكن يقول: هناك رواية جمعت بينهما، أو هناك من الفقهاء من جمع بينهما لوجود رواية جمعت بينهما. فحمل حديث ابن عمر حذو منكبيه أن أطراف الكفين حاذت المنكبين، والحديث الآخر حيال أذنيه أن أطراف الأصابع حاذت الأذنين، فيكون هذا محاذياً لأطراف أصابعه وهذا محاذياً لأطراف كفه، لمنتهى كفه.

وكوننا نجمع بين الحديثين أولى من الترجيح، فلا يصار إلى الترجيح إلا عند تعذر الجمع؛ لأن الجمع فيه إعمال للدليلين والترجيح فيه إعمال لدليل وإبطال لدلالة النص الآخر، وإعمال الحديثين أولى من إبطال دلالة أحدهما.

نعم، أحسن الله إليك. قال رحمه الله: واختلف أصحاب الشافعي متى يبتدئ التكبير؟ فمنهم من قال: يبتدئ التكبير مع ابتداء رفع اليدين، ويتم التكبير مع انتهاء إرسال اليدين. ويقرب هذا إلى رواية وائل بن حجر، وقد نقل في رواية وائل بن حجر: استقبل النبي صلى الله عليه وسلم وكبر، فرفع يديه حتى حاذا بهما أذنيه. وهذه الرواية لا تدل على ما نسب إلى رواية وائل بن حجر؛ في رواية لأبي داود فيها بعض مجهولين لفظها أنه راى رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه مع التكبير، وهذا أقرب في الدلالة.

وفي رواية أخرى لأبي داود فيها انقطاع: أنه أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قام إلى الصلاة رفع يديه حتى كانت بحيال منكبيه، وحاذى بإبهاميه أذنيه، ثم كبر. وفي رواية أخرى أجود من هاتين: وكان إذا كبر رفع يديه. وهذه محتمله لأن إذا قلنا: فلان فعل، احتمل أن يراد شرع في الفعل، ويحتمل أن يراد فرغ منه، ويحتمل أن يراد جملة الفعل.

ومن أصحاب الشافعي من قال: يرفع اليدين غير مكبر، ثم يبتدئ التكبير مع

ابتداء الإرسال ثم يتم التكبير مع تمام الإرسال، وينسب هذا إلى رواية أبي حميد الساعدي. ومنهم من قال: يرفع اليد غير مكبر، ثم يكبر، ثم يرسل اليدين بعد ذلك، وينسب هذا إلى رواية ابن عمر.

أحسنت هنا ذكر الخلاف في متى يبتدئ التكبير: القول الأول يقول: قال بعض أصحاب الشافعي: يبتدئ التكبير مع ابتداء رفع اليدين، ويتم مع انتهاء إرسال اليدين. يعني من حين يبدأ يرفع يديه يقول: الله أكبر. متى ينطق حرف الراء؟ إذا انتهى من إرسال يديه، يعني رفع يديه ثم أنزلهما، فالتكبير يبدأ مع بدء الرفع وينتهي مع انتهائه، يعني مع إرسال اليدين، وقال: وينسب هذا رواية ابن حجر.

ثم ذكر عدة روايات، يقول بعضها فيه بعد وبعضها محتمل. مثلا الرواية الأولى: استقبل النبي صلى الله عليه وسلم وكبر، فرفع يديه حتى حاذى بهما أذنيه. يقول: هذه لا تدل على أن التكبير يعني من حين الرفع إلى حين إرسال اليدين. لكن يقول في رواية أخرى: إنه يرفع يديه مع التكبير. يقول: هذه محتملة أقرب في الدلالة. وفي رواية أخرى: حين قام النبي صلى الله عليه وسلم -حين قام إلى الصلاة- رفع يديه حتى كانتا بحذاء منكبيه وحاذا بهما أذنيه ثم كبر. وفي رواية أخرى: كان إذا كبر رفع يديه. قال: وهذه محتملة. محتملة لماذا؟ لأنه يقول: إذا فعل، هذه تأتي لها ثلاث معاني: احتمال إذا فعل يعني شرع في الفعل.

فاذا قرأت القرآن، نعم، إذا قرات القرآن فاستعد، قرات أردت أن تشرع في القراءة فاستعد. إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ، إذا أردت أن تقوم إلى الصلاة فتوضأ، إذا أكلت فاحمد الله، إذا انتهيت. هنا هذا الاحتمال الثاني قال: يحتمل يراد شرع في الفعل، ويحتمل أن يراد فرغ منه، ويحتمل أن يراد جملة الفعل.

يعني مثلا: إذا صليت فاستقبل القبلة، استقبل القبلة في جميع الصلاة. فيقول: هذه إذا كبر رفع يديه، يحتمل أن يكون رفع يديه قبل أن يشرع، أو مع الشروع، أو بعد أن يكبر. إذاً، هذه الروايات يعني محتملة، وبعضها أقرب من بعض.

يقول من هذا القول الأول: القول الثاني من أصحاب الشافعي من قال: يرفع اليدين غير مكبر ثم يبتدئ، يرفع اليدين حذاء أذنيه وهو لم يتكلم بشيء، فإذا أراد أن ينزل يديه يبتدئ التكبير، يبتدئ من إنزال يديه إلى تمام الإرسال، مع ابتداء الإرسال يبتدئ التكبير مع ابتداء الإرسال وينتهي مع تمام الإرسال، وينسب هذا لرواية أبي حميد.

ومنهم من قال: يرفع اليدين غير مكبر، أن يرفع اليدين الآن وصل إلى حدين ثم يقول: الله أكبر ويديه مرفوعة، ويداه مرفوعتان، إذا قال: الله أكبر وهي مرفوعتان، ثم ينزل يديه، ثم ينزل يديه. قال: وينسب هذا رواية ابن عمر، اللي هي هذه الرواية.

نعم، أحسن الله إليك، قال رحمه الله: وهذه الرواية التي ذكرها المصنف ظاهرها عندي مخالف لما نسب إلى رواية ابن عمر؛ فانه جعل افتتاح الصلاة ظرفا لرفع اليدين، فإما أن يحمل الافتتاح على أول جزء من التكبير، فينبغي أن يكون رفع اليدين معه، وصاحب هذا القول يقول: يرفع اليدين غير مكبر، وأما أن يحمل الافتتاح على التكبير كله، فايضا لا يقتضي أن يرفع اليدين غير مكبر.

هنا يناقش المؤلف رحمه الله تعالى استدلال أصحاب القول الثالث برواية ابن عمر، يقول: هذه مخالفة لما استدلوا به. لماذا؟ لأنه يقول في الحديث: يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة. يقول: إذا افتتح محتملة أن تكون عند أول التكبير، وهذا يخالف قولهم لأنهم يقولون: يرفع يديه غير مكبر، ثم إذا رفع يديه كبر. وهو يقول هنا: إذا افتتح الصلاة أول التكبير.

وايضا يحتمل الاحتمال الثاني: أن يكون افتتح الصلاة يعني على التكبير كله، فيكون موافقا لأهل القول الأول. ويقول: هذا أصحاب القول الثالث يخالفون؛ لانهم يقولون: يرفع يديه غير مكبر، ففي جزء من التكبير يكون، ففي جزء من الرفع يكون غير مكبر، فلا يستقيم استدلال أصحاب القول الثالث بحديث ابن عمر.

نعم، أحسن الله إليك، قال رحمه الله: وقوله: وكان لا يفعل ذلك في السجود، يعني الرفع، وكانه يريد بذلك عند ابتداء السجود أو عند الرفع منه، وحمله على الابتداء أقرب. وأكثر الفقهاء على القول بهذا الحديث وأنه لا يسن رفع اليدين عند السجود، وخالف بعضهم في ذلك وقال: يرفع لحديث ورد فيه، وهذا مقتضى ما ذكرناه في القاعدة، وهو القول باثبات الزيادة وتقديمها على من نفاها أو سكت عنها.

والذين تركوا الرفع في السجود سلكوا مسلك الترجيح لرواية ابن عمر في ترك الرفع في السجود، والترجيح إنما يكون عند التعارض ولا تعارض بين رواية من اثبت الزيادة وبين من نفاها أو سكت عنها، إلا أن يكون النفي والإثبات منحصرا في جهة واحدة، فإن ادعي ذلك فان ادعي ذلك في حديث ابن عمر والحديث الآخر وثبت اتحاد الوقتين فذاك.

هنا يقول: كان لا يفعل ذلك في السجود، يعني الرفع، يعني لا يرفع يديه في السجود، هل المراد النزول للسجود ولا الرفع منه؟ يقول: محتمل، كانه قال: وكان يريد ذلك عند ابتداء السجود أو عند الرفع منه، وحمله على الابتداء أقرب. جاء في بعض الروايات: وكان لا يفعل ذلك في السجود ولا عند الرفع منه. فدل على أن السجود المراد به نزل للسجود.

لكن كلا الفعلين، اللي هو السجود والرفع منه، كلاهما لا يشرع فيهما على هذا القول، لا يشرع فيهما رفع اليدين. يقول: وخالف بعضهم في ذلك وقال: يرفع، هذا قول بعض أهل العلم أنه يرفع عند السجود وعند الرفع منه لحديث ورد فيه، جاء في بعض الأحاديث: كان يرفع يديه في كل خفض ورفع.

وابن القيم رحمه الله ذكر أن هذا الحديث رواه الراوي بالمعنى، وأن الصواب كما جاء في بعض الروايات: كان يكبر في كل خفض ورفع. المؤلف رحمه الله يقول: وهذا مقتضى ما ذكرناه في القاعدة، القاعدة التي ذكرها قبل قليل أن من زاد وهو حافظ فتقبل زيادته، فيقول: نقدمها هنا، نقول بها هنا.

فنقول: ابن عمر يقول: لا يرفع في السجود، وفي بعض الأحاديث أنه يرفع في السجود. طبعا هذا حتى غير حديث: كان يكبر في كل خفض رفع. في حديث مالك بن حويرث أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يرفع يديه في صلاته إذا ركع، وإذا رفع راسه من الركوع، وإذا سجد، وإذا رفع راسه من السجود.

يقول المؤلف رحمه الله: وهذا مقتضى ما ذكرناه في القاعدة، وهو القول باثبات الزيادة وتقديمها على من نفى وسكت عنها، فالمثبت مقدم على النافي. لكن أجاب ذكر جواب القائلين بأنه لا يرفع، يقول: والذين تركوا الرفع في السجود سلكوا مسلك الترجيح لرواية ابن عمر في ترك الرفع من السجود.

قال: حديث ابن عمر في الصحيحين وهو واضح، يقول: كان لا يفعل ذلك في السجود، وفي بعض الروايات: ولا في الرفع منه، وهذا أصح من الأحاديث التي فيها اثبات الرفع في السجود وفي الرفع.

أجاب المؤلف رحمه الله عن ذلك، يقول: الترجيح بين الروايات إنما يكون عند التعارض، ولا تعارض هنا. كيف ما في تعارض؟ يقول: النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلوات كثيرة جدا، كل يوم خمس مرات، يصلي الفريضة والنافلة أكثر بكثير. فكان كما ذكر ابن القيم رحمه الله، كان ورد النبي صلى الله عليه وسلم الدائم أربعين ركعة، هذا الدائم: سبع عشرة ركعة في الفريضة، واثنتا عشرة ركعة الرواتب أو عشر، وقيام الليل أحد عشر أو ثلاثة عشر، فالمجموع أربعين ركعة، هذا الراتب غير الصلوات التي يزيدها صلى الله عليه وسلم.

فالصحابة رأوا النبي صلى الله عليه وسلم في صلوات كثيرة، فقد يكون أحيانا يرفع وأحيانا لا يرفع. فإذاً يقول: ما دام أن فيه امكانية للجمع فنجمع، ولا نقول بالترجيح، فنجمع ونقول بالترجيح، إلا أن يكون النافي والإثبات منحصرا في جهة واحدة، فإن ادعي ذلك في حديث ابن عمر والحديث الآخر وثبت اتحاد الوقتين فذاك.

يعني لو كان حديث ابن عمر والحديث الآخر متجهين على صلاة واحدة، قلنا: إذاً ننظر إلى الترجيح، لكن إذا كان متجها على عدة صلوات، فننظر إلى الجمع. وهذا صحيح أن الأصل النظر إلى الجمع، لكن إذا كانت الأحاديث الصحيحة تدل على عدم الرفع، والأحاديث التي تدل على الرفع فيها ضعف أو شذوذ لمخالفته الأحاديث الصحيحة -حكم بشذوذه المتقدمون من أئمة هذا الحديث- فنقول: إذاً نأخذ بالصحيح وندع الضعيف، وندع الضعيف خاصة إذا لم يكن هناك ما يؤيد القول به.

نقف على هذا، ونسال الله للجميع التوفيق والسداد، وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.