بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملا صالحا يا كريم. أما بعد، فهذا هو المجلس الحادي من مجالس التعليق على أحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد رحمه الله تعالى. وكنا قد توقفنا على أثناء الحديث الثاني من أحاديث باب صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو حديث عائشة رضي الله تعالى عنها في قولها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير، إلى آخر الحديث. ووقفنا على قول المؤلف رحمه الله تعالى: وقولها: وكان يفتتح الصلاة بالتكبير يدل على أمري.
نعم، احسن الله إليك. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقولها: وكان يفتتح الصلاة بالتكبير يدل على أمرين: أحدهما أن الصلاة تفتتح بالتحريم، أعني ما هو أعم من التكبير، بمعنى أنه لا يكتفى بالنية في الدخول فيها، فإن التكبير تحريم مخصوص، والدال على وجود الأخص دال على وجود الأعم، وأعني بالاعم هو المطلق. ونقل عن بعض المتقدمين خلافه، وربما تأوله بعضهم على مالك، والمعروف خلافه عنه وعن غيره.
أحسنت. قوله رحمه الله: كان يفتتح الصلاة بالتكبير يدل على أمرين؛ الأمر الأول: أن الصلاة تفتتح بالتحريم، يعني أنه لابد لافتتاح الصلاة من لفظ، فلا يكتفى بالنية. وأخذناه من قولها رضي الله عنها: كان يستفتح الصلاة بالتكبير، فالتكبير لفظ. ويقول طبعاً في المسألة الأولى: يقول نحن نستدل به على أنه لا يكتفى بالنية، بدليل قولها: يستفتح الصلاة بالتكبير، والتكبير الذي هو التحريم تكبيرة الإحرام. هذا يقول عبر بقوله: تحريم مخصوص، يعني أنه دخل بهذا اللفظ، فيستدل به على أنه لا يكفي مجرد النية.
ويقول: التكبير تحريم مخصوص، والدال على وجود الأخص دال على وجود الأعم، يعني إذا جاء لفظ أو حديث أو أحاديث تدل على التكبير، فنستدل بها على الأمر الأعم منه، وهو أنه لابد من لفظ. هل لابد من لفظ (الله أكبر) أو لا؟ هذه المسألة الثانية، لكن المسألة الأولى يقول: هذه تدل على أنه لابد من لفظ للدخول في الصلاة، فلا يكفي مجرد النية. وهذا يشير به إلى خلاف متقدم عن بعض التابعين رحمهم الله تعالى، كانوا يرون أنه يكتفى مجرد النية، وأن تكبيرة الإحرام سنة، لكن المشهور عند أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى أنه لابد من لفظ يدخل به إلى الصلاة، على اختلاف بينهم في هذا اللفظ كما سياتينا في المسألة الثانية.
نعم، أحسن الله إليك. الثاني: أن التحريم يكون بالتكبير خصوصا. وأبو حنيفة يخالف فيه، ويكتفي بمجرد التعظيم، كقوله: الله أجل أو أعظم. والاستدلال على الوجوب بهذا الفعل إما على الطريقة السابقة من كونه بيانا للمجمل وفيها ما تقدم، وإما بأن يضم إلى ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «صلوا كما رأيتموني أصلي». وقد فعلوا ذلك في مواضع كثيرة، واستدلوا على الوجوب بالفعل مع هذا القول، أعني قوله صلى الله عليه وسلم: «صلوا كما رأيتموني أصلي». وهذا إذا أخذ مفردا عن ذكر سببه وسياقه أشعر بأنه خطاب للأمة.
أحسن الله إليك. أشعر بأنه خطاب للأمة بأن يصلوا كما صلى صلى الله عليه وسلم. فيقول الاستدلال بهذه الطريقة على كل فعل ثبت أنه فعله في الصلاة.
نعم، ابن الحويرث، أحسن الله إليك. قال: أتونا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن شببة متقاربون، فقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رحيما رفيقا، فظن أنا قد اشتقنا أهلنا، فسأل عمن تركنا من أهلنا فأخبرناه، فقال: «رجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم ثم ليؤمكم أكبركم». زاد البخاري: «وصلوا كما رأيتموني أصلي». فهذا خطاب لمالك وأصحابه بأن يوقعوا الصلاة على ذلك الوجه الذي رأوا النبي صلى الله عليه وسلم يصلي عليه، ويشاركهم في هذا الخطاب كل الأمة في أن يوقعوا الصلاة على ذلك الوجه.
فما ثبت استمرار فعل النبي صلى الله عليه وسلم عليه دائما، دخل تحت الأمر وكان واجبا، وبعض ذلك مقطوع به، أي مقطوع باستمرار فعله له. وما لم يدل دليل على وجوده في تلك الصلوات التي تعلق الأمر بإيقاع الصلاة على صفاتها، لا يجزم بتناول الأمر له، وهذا أيضا يقال فيه من الجدل ما أشرنا إليه.
أحسنت. المسألة الثانية التي تؤخذ من قولها رضي الله عنها: كان يستفتح الصلاة بالتكبير، يقول: إن التحريم يكون بالتكبير خصوصا. إذا قلنا إنه لابد من لفظ، طيب هذا اللفظ الذي يدخل فيه إلى الصلاة هل لابد أن يكون بالتكبير (الله أكبر) أو أن ذكرها التكبير هذا ذكر من باب المثال؟ اختلف أهل العلم، لكن أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى يرون أنه لابد من لفظ التكبير (الله أكبر)، وهذا هو المنقول من فعله صلى الله عليه وسلم. قال: وأبو حنيفة يخالف فيه، ويكتفي بمجرد التعظيم، يعني أبو حنيفة يقول: إن هذا اللفظ الذي جاء إنما هو لأجل التعظيم، فلا نقتصر على لفظة الله أكبر، بل لو قال: الله أجل أو الله أعظم، كفى ذلك.
قال: والاستدلال على وجوب هذا الفعل، يعني الجمهور يستدلون بهذا الدليل وأمثاله من وجهين؛ أما على الطريقة السابقة التي بينها في المسألة الأولى التي تكلمنا عنها في الدرس الماضي، وهو أن هذا الفعل منهم صلى الله عليه وسلم بيان للمجمل الذي جاء في الآية: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، وقد تقدم الكلام على طريقة الاستدلال وما يناقش وما يرد عليها. الطريقة الثانية: أن يضم هذا الفعل إلى قوله صلى الله عليه وسلم: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي ويففتح صلاته بالتكبير، فناخذ منها وجوب التكبير.
يقول: وقد فعلوا ذلك الفقهاء رحمهم الله تعالى، فعلوا يعني هذه الطريقة والاستدلال على وجوب بعض الأفعال في الصلاة من فعله صلى الله عليه وسلم لما مع قوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، قال: واستدلوا بهذا في مواضع كثيرة.
ثم يعني ذكر إيرادا على هذا الفعل، نعم على هذا الاستدلال، وهو أن قوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي» هذا جاء في ضمن حديث ضمن حديث مالك بن الحويرث الذي نقله بنصه، قال: جاء في «صلوا كما رأيتموني أصلي»، هذا الامر خطاب لمالك ومن معه. طيب خطابه له أليس خطاب لجميع الأمة؟ قال: بلى، بل هو خطاب لجميع الأمة في إيقاع الصلاة على الوجه الذي وقع من النبي صلى الله عليه وسلم. طيب، هل نقول كل فعل فعله النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة يكون واجبا؟ يقول لك لا، الفعل الذي استمر فعل النبي صلى الله عليه وسلم عليه في الصلاة فناخذ من استمراره عليه مع قوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي» ناخذ منه الوجوب، لكن ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا أو دلت القرائن على أنه ليس بالوجوب، فهنا لا ناخذ بالوجوب.
ولذلك قال: فما ثبت استمرار فعل النبي صلى الله عليه وسلم عليه دائما، دخل تحت الأمر وكان واجبا، وبعض ذلك مقطوع به، أي مقطوع باستمرار فعله له، وما لم يدل دليل على وجوده في تلك الصلوات التي تعلق الأمر بإيقاع الصلاة على صفاتها، لا يجزم بتناول الأمر له. يعني هناك افعال لم ينقلها جملة من الصحب، مثل جلسة الاستراحه، لم ينقلها إلا نفر يسير من الصحابة، فهنا لا نقول إن جلسة الاستراحة للوجوب، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، لكن لما لم يستمر فعل النبي صلى الله عليه وسلم لها، استدللنا بذلك على أنه ليس للوجوب.
طبعا قال: وهذا أيضا يقال فيه من الجدل ما أشرنا إليه، الذي أشار له في المسألة السابقة.
نعم، وقولها: والقراءة بالحمد لله رب العالمين، تمسك به مالك وأصحابه في ترك الذكر بين التكبير والقراءه، فانه لو تخلل ذكر بينهما لم يكن الاستفتاح بالقراءة بالحمد لله رب العالمين، وهذا على أن تكون القراءة مجرورة لا منصوبة. واستدل به، هذه المسألة الأولى: والقراءة بالحمد لله رب العالمين، يقول: تمسك به مالك في ترك الذكر بين التكبير والقراءة. طبعا هو تمسك به على أن والقراءة مجرورة، فيكون لفظ الحديث: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين، يعني يستفتح الصلاة بالتكبير ثم بعده القراءة بالحمد لله رب العالمين، فلا يتخللهما ذكر، فلا يتخلل ما ذكر.
وهو كما قلنا أنه على أن تكون القراءة مجرورة، لكن على الضبط الآخر وهو أن تكون القراءة منصوبة، وهي التي ذكر الفاكهاني أن الرواية وردت بها: كان يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين، يعني كان يستفتح القراءة بالحمد لله رب العالمين، فلا يقدم قراءة سورة عليها، بل يقدمها على غيرها من السور. فاذا قلنا ذلك، فانه لا يدل على انه لم يذكر دعاء الاستفتاح، لم يذكر دعاء الاستفتاح، فمالك يقول: يكبر ثم يقرا الفاتحة مباشرة بدليل هذا الحديث.
لكن نقول: هذا الحديث يستدل به على ما قال مالك إذا كانت الرواية بالجر: والقراءة بالحمد لله رب العالمين، لأن تقديرها: كان يستفتح الصلاة بالتكبير، ويستفتح الصلاة أيضاً بالقراءة بالحمد لله رب العالمين، بالتكبير ثم القراءة. لكن إذا قلنا: والقراءة، كانت القراءة معطوفه على الصلاة: كان يستفتح الصلاة بالتكبير، ويستفتح القراءة بالحمد لله رب العالمين، على هذا الوجه.
وتوله غيرهم على أن المراد يفتتح سوره الفاتحة قبل غيرها من السور، وليس بقوي؛ لأنه إن أجري مجرى الحكَاية فذلك يقتضي البداءة بهذا اللفظ بعينه، فلا يكون قبله غيره، لأن ذلك الغير يكون هو المفتتح به. وإن جعل اسماً فسورة الفاتحة لا تسمى بهذا المجموع، أعني الحمد لله رب العالمين، بل تسمى بسورة الحمد، فلو كان لفظ الرواية: كان يفتتح بالحمد، لقوى هذا المعنى. لقوي، أحسن الله إليك، لقوي هذا المعنى، فانه يدل حينئذ على الافتتاح بالسورة التي البسمله بعضها، بعضها عند هذا المتول لهذا الحديث.
أحسنت. هنا هذه المسالة الثانية التي استدل بها أصحاب مالك رحمهم الله تعالى على أن البسملة ليست من الفاتحة؛ قالوا لأنه قال: قرأ الحمد لله رب العالمين، فدل على أن البسملة ليست من الفاتحة، فلو كانت من الفاتحة لقال: القراءة بسم الله رب العالمين، الحمد... بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. طيب، هذا إذا اخذوه من هذا اللفظ.
قال: وتوله غيرهم. وهذا نقله نقل هذا التأويل الإمام النووي رحمه الله بشرح مسلم، نقلا عن الشافعي وغيره: أن المراد يفتتح بسورة الفاتحة قبل غيرها من السور، يعني أن هذا لا علاقة له بكون البسملة من الفاتحة أو لا، إنما قوله: كان يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين، يعني أول سورة يقراها في الصلاة سورة الفاتحة، ولا يقرا سورة قبلها، ولا تعرض له لكون الفاتحة من كون البسملة من الفاتحة أو لا.
لكن المؤلف رحمه الله تعالى انتقد هذا التأويل، قال: وليس بقوي. لماذا؟ قال لأن هذا يحتمل أمرين؛ الأمر الأول: إن أجري مجرى الحكاية، فقيل: يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله (بالحمد، يعني ما الباء الآن حرف جر، فالأصل أن ما بعدها اسم مجرور، فالأصل أن تكون بالحمد، الحمد مجرورة بالحمد تكون، لكن يجوز أن تكون على الحكاية بأن يقال وبأن تبقى هذه اللفظة على إعرابها الوارد في القرآن: الحمد، وتكون الجمله حرف الجر داخلة على الجملة كلها، فتكون الحمد لله رب العالمين هذه الجمله كلها في محل جر اسم مجرور). هذا مقصوده باجري مجرى الحكاية.
يقول: هذا الاحتمال الأول أن نكون أجريناها مجرى الحكاية، فإذا أجريناها مجرى الحكاية فهذا يقول يقتضي البداءة بها بهذا اللفظ بعينه، فلا يكون قبله غيره، يعني إذا قلنا إن المراد الحكاية بالحمد لله رب العالمين حكاية هذا اللفظ، فهذا يدل على أنه لا يذكر البسملة، لا يذكر البسملة، لماذا؟ لأنه لو كان يذكر البسملة ما كان افتتاح القراءة بالحمد لله رب العالمين.
طيب، هذا الاحتمال الأول؛ الاحتمال الثاني: أن تكون الحمد اسما، فتكون ويفتتح والقراءة بالحمد لله رب العالمين. قال: وإن جعل اسماً، فسورة الفاتحة لا تسمى بهذا المجموع، يعني لا نقول إن سورة الفاتحة من أسمائها سورة الحمد لله رب العالمين، بل يطلق عليها أحيانا سورة الحمد، لكن إذا قال: الحمد لله رب العالمين، فانه لا يقصد السورة بل يقصد الآية: آية الحمد لله رب العالمين، فهذا يدل على أنه على أنه قصد اللفظ: الحمد لله رب العالمين، ولم يقصد السورة كاملة.
يقول: فلو كان لفظ الرواية: كان يفتتح بالحمد، لقوي هذا المعنى الذي تأوله الشافعي وغيره، ولكن ليس من أسمائها ذلك.
هنا الفاكهاني وبعده ابن الملقن رحمهم الله تعالى انتقدوا تقرير ابن دقيق العيد رحمه الله هنا، لما قال: كسورة الفاتحة لا تسمى بهذا المجموع، ذكروا أنه فيه نظر، بل تسمى بهذا المجموع، وذكروا دليلين؛ في سنن أبي داود من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الحمد لله رب العالمين أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني».
ذكرها كاملةً ما قال الحمد.
وأيضاً في حديث أبي سعيد بن المعلى قال: «الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيتَهُ». قال ابن الفكان: وهذا ظاهر أو نص في أن الفاتحة تسمى بهذا المجموع؛ يعني بالجملة كاملة: «الحمد لله رب العالمين»؛ يعني لا تسمى سورة الحمد فقط، إنما تسمى سورة: «الحمد لله رب العالمين»، وبهذا يندفع ما قرره ابن دقيق العيد رحمه الله هنا في قوله: وإن جُعل اسمٌ في سورة الفاتحة لا تسمى بهذا المجموع، بل نقول: إنها قد تسمى بهذا المجموع.
جاءت أحاديث في أن النبي صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة، نعم، كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ الفاتحة ولا يجهر بالبسمله، ولا يجهر بالبسمله، وجاء في بعض الروايات في صحيح مسلم: «لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول القراءة ولا في آخرها»، وهذا واضح في أنه لا يذكرها؛ يعني الروايات الكثيرة لا يجهر بها، يعني يسر بها، وفي بعض الروايات: «لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول القراءة ولا في آخره».
لكن هذا الحمل أو هذه الرواية فيها علة في المتن، فيها علة في المتن؛ فالراوي رواها بالمعنى؛ فالراوي رواها بالمعنى فصلها: لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم، فظن الراوي -يعني عهد الرواة الذين نقلوا هذا الحديث- ظن أن معنى قوله: لا يجهرون؛ يعني فظن أن معنى قوله: لا يجهرون؛ يعني لا يقولونها، فرواها بالمعنى، لكن لما رواها بالمعنى أخل هذا المعنى بالمقصود، فلذلك ذكره بعض أهل العلم فيما جاء في الحديث الذي جاءت فيه علة في المتن، العلة قد تكون في الإسناد وقد تكون في المتن؛ قال العراقي في ألفيته: وعلة المتن كنفي البسمله إذ ظن راوي النفي فنقله أو نحو ذلك.
نعم، احسن الله إليك، وقولها: وكان إذا ركع لم يشخص رأسه؛ أي لم يرفعه، ومادة اللفظ تدل على الارتفاع، ومنه: أشخص بصره إذا رفعه نحو جهة العلو، ومنه: الشخص لارتفاعه للأبصار، ومنه: شخص المسافر إذا خرج من منزله إلى غيره، ومنه ما جاء في بعض الآثار: فشخص بي؛ أي أتاني ما يقلقني، كأنه رفع من الأرض لقلقة.
أحسنت، بيت العراقي يقول: وعلة المتن كنفي البسمله إذ ظن راوٍ نفيها فنقله طيب، قوله: وكان إذا ركع لم يشخص رأسه؛ يقول: الأشخاص يعني الرفع، ومادة اللفظ اللي مادة الشين والخاء والصاد تدل على الارتفاع. ومن اللغويين الذين يهتمون بإرجاع الكلمة إلى أصلها ابن فارس رحمه الله تعالى في كتابه مقاييس اللغة، المطبوع باسم معجم مقاييس اللغة، والا فالاسم الصحيح للكتاب: مقاييس اللغة، فيهتم بإرجاع كل لفظ إلى مادته، ويقول: إن هذه المادة تدل على معنى أو معنيين أو ثلاث، على حسب المعاني التي ينقلها عن العرب. فيقول هنا: الأشخاص هذا يدل على الارتفاع، وأذكر لك عدة نظائر لها.
نعم، احسن الله إليك، وقولها: ولم يصوبه؛ أي لم ينكس، ومنه: الصيب المطر، صاب يصوب إذا نزل، قال الشاعر: فلست لنسي ولكن لملاك كذا الله عليك، لملاك تنزل من جو السماء يصوب. ومن أطلق الصيب على الغيم فهو من باب المجاز؛ لأنه سبب الصيب الذي هو المطر.
أحسنت، ولم يصوبه؛ يعني لم ينكس؛ أي لم يخفضه خفضاً بليغاً، بل يعدل فيه بين الأشخاص والتصويب، كما ذكره النووي رحمه الله في شرح مسلم قال: ومنه الصيب؛ يعني المطر، صاب يصوب إذا نزل، قال: ومن أطلق الصيب على الغيم فهو من باب المجاز؛ لأن الغيم سبب للمطر بإذن الله تعالى، ومجاز السببية.
نعم، احسن الله إليك، وقولها: ولكن بين ذلك؛ إشارة إلى المسنون في الركوع، وهو الاعتدال واستواء الظهر والعنق.
نعم، ولكن بين ذلك؛ يعني المسنون في الركوع أن يكون ظهره معتدلاً مستوياً، لا يشخص رأسه فيكون مرتفعاً، ولا يصوبه ينزله، بل يكون رأسه حيال ظهره، وظهره مستوياً، وراسه في حياله.
نعم، احسن الله إليك، وقولها: وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائماً؛ دليل على الرفع من الركوع والاعتدال فيه. والفقهاء اختلفوا في وجوب ذلك على ثلاثة أقوال، الثالث: يجب، ما هو إلى الاعتدال أقرب؟ وهذا عندنا من الأفعال التي ثبت استمرار النبي صلى الله عليه وسلم عليها؛ أعني الرفع من الركوع.
أحسنت، هنا يقول: كان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائماً؛ يقول: دليل على الرفع من الركوع والاعتدال فيه، لأنه قال: حتى يستوي قائماً، هذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم، لكن هل يجب أو لا يجب؟ قال في ثلاثة أقوال، الثالث.. طيب، أين الأول والثاني؟ هذا من سبيل الاختصار؛ اختصار الخلاف عند بعض أهل العلم الذين يميلون للاختصار، فإذا قال لك: على قولين، الثالث كذا؛ الثالث غالباً التفصيل، فيكون القولان الأولان متقابلين. فهنا لما قال: اختلفوا في وجوب ذلك على ثلاثة أقوال، إذاً القول الأول هو الوجوب، والقول الثاني عدم الوجوب فيكون مستحباً، القول الثالث التفصيل: أنه الواجب ليس القيام التام، لكن أن يكون قريبا من الاعتدال، قريبا من الاعتدال هذا هو القول الثالث. يقول: وهذا عندنا من الأفعال التي ثبت استمرار النبي صلى الله عليه وسلم عليها؛ يعني الرفع من الركوع. والآن يقول لك: الرفع من الركوع، لكن الاستواء التام ما تكلم لك عن حكم، إنما ترجحه من حكمه، لكن يقول: الرفع من الركوع هذا هو الواجب، الرفع من الركوع هو الواجب؛ لأنه ثبت استمرار النبي صلى الله عليه وسلم عليه. وفي مذهب الحنابلة رحمهم الله تعالى أن الرفع من الركوع والاعتدال منه واجبان، فبعضهم يعدها واجباً، بعضهم يجعلها واجباً واحداً؛ لأن هذا لازم من هذا.
نعم، احسن الله عليك، وأما قولها: وكان إذا رفع رأسه من السجود لم يسجد حتى يستوي قاعداً؛ يدل على الرفع من السجود وعلى الاستواء في الجلوس بين السجدتين. فأما الرفع فلا بد منه؛ لأنه لا يتصور تعدد السجود إلا به، بخلاف الرفع من الركوع؛ فإن الركوع غير متعدد. وسها بعض الفضلاء من المتأخرين فذكر ما ظاهره الخلاف في الرفع من الركوع والاعتدال فيه، فلما ذكر السجود قال: الرفع من السجود والاعتدال فيه والطمانينة كالركوع، فاقتضى ظاهر كلامه أن الخلاف في الرفع من الركوع جار في الرفع من السجود، وهذا سهو عظيم؛ لأنه لا يتصور خلاف في الرفع من السجود، إذ السجود متعدد شرعاً، ولا يتصور تعدده إلا بالرفع الفاصل بين السجدتين.
أحسنت، قال: وأما قولها: كان إذا رفع رأسه من السجود لم يسجد حتى يستوي قاعداً؛ يدل على الرفع من السجود وعلى الاستواء في الجلوس بين السجدتين؛ إذاً الرفع من السجود لا بد أن يفصل بين السجدتين، هذا الرفع، وأيضاً يدل على أمر آخر وهو أنه يستوي؛ يعني يجلس مستوياً، لا يكفي مجرد الرفع اليسير، الرفع اليسير لوجهه من الأرض لا بد أن يستوي جالساً، قال: الرفع لا بد منه؛ يعني وظاهر كلامه أنه لا خلاف فيه، لماذا؟ يقول: السجود متعدد؛ لأن واجب عليه سجدتين، الواجب عليه سجدتان، ولا يمكن أن تجد سجدتين إلا بأن يفصل بينهما بشيء. أما الاستواء في الجلوس فهو الذي وقع فيه الخلاف، يقول: سها بعض الفضلاء من المتأخرين، وذكر ابن الملقن رحمه الله أنه يقول: كان الذي نسب إليه الشيخ هذا السهو هو ابن الحاجب، فللعلع هو الذي قصده بذلك، يقول: فذكر ما ظاهره الخلاف في الرفع من الركوع والاعتدال فيه، فلما ذكر السجود قال: الرفع من السجود والاعتدال فيه والطمانينة كالركوع؛ لأن الرفع من الركوع كما قلنا لكم فيه خلاف؛ لأن من الفقهاء من قال: إن الرفع من الركوع ليس ركناً، بل هو يعني وسيلة للفصل بين الركنين، الفصل بين الركنين فليس ركناً، فلذلك تجدون بعضهم إذا أراد أن يصلي على مذاهب أخرى غير المذهب المشهور عند المذهب الحنبلي، وهو مذهب الحنفية وأيضاً الشافعية، أنهم لا يطيلون في الرفع من الركوع ولا الجلوس منه بل يجعلونه من حين أن يصل إلى الركن ينتقل إلى الركن الآخر، يجعله مجرد وسيلة للفصل بين الركنين. فيقول إن ابن الحاجب ظاهر كلامه أن الرفع من السجود أيضاً فيه خلاف في وجوبه، لكن يقول: هذا سهو، هذا سهو، وأن الرفع من السجود لا بد أن يرفع منه لأجل أن يفصل بين السجدتين، لكن الذي فيه خلاف الاستواء، الاستواء يعني في الاستواء في الجلوس بين السجدتين.
نعم، احسن الله إليك، وقولها: وكان يقول في كل ركعتين التحية؛ أطلقت لفظ التحية على التشهد كله من باب اطلاق اسم الجزء على الكل. وهذا الموضع مما فارق فيه الاسم المسمى؛ فإن التحية الملك أو البقاء أو غيرهما على ما سياتي، وذلك لا يتصور قوله، وإنما يقال اسمه الدال عليه. وهذا بخلاف قولنا: اكلت الخبز وشربت الماء؛ فإن الاسم هناك اريد به المسمى. واما لفظه الاسم فقد قيل فيها: إن الاسم هو المسمى، وفيه نظر دقيق.
أحسنت، هنا يقول: كان يقول في كل ركعتين التحية، والتحية يقول أطلقت، ليس مراد لفظ التحية أن يقول تحية فقط، لا، مراد التشهد كله من التحيات إلى أشهد أن لا إله إلا الله عبده ورسوله. طيب، فتحية جزء من لفظ التشهد، فأطلق على التشهد اسم التحية من باب إطلاق الجزء على الكل، قالوا: هذا الموضع مما فارق فيه الاسم المسمى، فإن التحية بمعنى الملك أو البقاء، وذلك لا يتصور قوله؛ لا يتصور قوله يعني ما يقول التحية فقط، لا، كان يقول في كل ركعتين التحية، لا، كان يقول في كل ركعتين التشهد كاملاً. قال: وإنما يقال اسمه الدال عليه، اللي هو اسم الاسم الذي هو التشهد كاملاً، هذا الذي يظهر من مقصوده في ذلك. وسياتي كلام المؤلف رحمه الله تعالى عن شرح اللفظ التحيات في موضع آخر، وسياتي الكلام عن معنى قوله: التحيات لله هناك.
يقول الاسم هل هو المسمى أو غير المسمى؟ هذه مسألة طويلة جداً، وهي مسألة نشات بعد القرون الفاضلة، ولذلك كان بعضهم ينهى عن الكلام فيها لئلا يجرئ المبتدعة على نشر بدعهم، وهم اتوها باسماء الله عز وجل، وهل الاسم هو المسمى أو ليس هو المسمى؟ والكلام فيها طويل، لكن أسماء الله عز وجل الذي نعتقد وندين الله به أن أسماء الله عز وجل أسماء لله، فالله عز وجل له هذه الأسماء، فالعزيز هو الله، والحكيم هو الله، والرحيم هو الله، وكل اسم من أسماء الله تطلق على الله تعالى، فهذا الاسم ينطبق على الله عز وجل لفظاً ومعنى، ينطبق على الله عز وجل لفظاً ومعنى. وابن القيم رحمه الله أطال فيها في كتابه بدائع الفوائد لما تكلم عن مثل قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1]، ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1]، وتكلم عنها هل الاسم هو المسمى أو ليس هو المسمى؟ وأطال فيها هناك.
وفي هذا حجة للإمام أحمد رحمه الله تعالى ومن وافقه من فقهاء أصحاب الحديث بأن التشهد الأول والواجبان؛ لأنه صلى الله عليه وسلم داوم عليهما.
نعم، احسن الله إليك، قال المؤلف رحمه الله: وقولها: وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى؛ يستدل به أصحاب أبي حنيفة على اختيار هذه الهيئة للجلوس للرجل، ومالك اختار التورك وهو أن يفضي بوركه إلى الأرض وينصب رجله اليمنى وينصب رجله اليمنى والشافعي فرق بين التشهد الأول والتشهد الأخير، ففي الأول اختار الافتراش على التورك وفي الثاني اختار التورك. وقد ورد أيضاً هيئة التورك، فجمع الشافعي بين الحديثين، فحمل الافتراش على الأول وحمل التورك على الثاني، وقد ورد ذلك مفصلاً في بعض الأحاديث، ورجح من جهة المعنى بأمرين.
ورجح، أحسن الله إليك، ورجح من جهة المعنى بأمرين ليسا بالقويين؛ أحدهما: أن المخالفة في الهيئة قد تكون سبباً للتذكر عند الشك في كونه في التشهد الأول أو في التشهد الأخير. والثاني: أن الافتراش هيئة استفزاز، فناسب أن تكون في التشهد الأول؛ لأن المصلي مستوفز للقيام، والتورك هيئة اطمئنان، فناسب الأخير. والاعتماد على النقل أولى.
أحسنت، هنا قال: وكان يفرش -طبعاً بضم الراء وكسرها يفرش أو يفرش- قال النووي رحمه الله: والضم أشهر، يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى، هذه اللي هي جلسة الافتراش. واختلف أهل العلم رحمهم الله تعالى في الصفة المشروعة للجلوس مع اتفاقهم على أن الخلاف في الأفضل، فلو أن أحداً تورك في جميع الجلسات ما قال أحد ببطلان صلاته، ولو أن أحداً افترش في جميع الجلسات ما قال أحد ببطلان صلاته، الخلاف في الأفضل. فأبو حنيفة رحمه الله رأى أن المشروع هو الافتراش في جميع الجلسات ومما يستدل له به حديث عائشة هذا، والامام مالك رحمه الله اختار التورك في جميع الجلسات، وجاء الحديث في التورك، الشيخ الشافعي رحمه الله اختار التورك في كل تشهد يعقبه سلام، والافتراش فيما عداه، فلو مثلاً اتينا إلى صلاة الظهر، صلاة الظهر في التشهد الأول؛ أبو حنيفة والشافعي يريان الافتراش ومالك يرى التورك، إذا جئنا للتشهد الاخير في صلاة الظهر فالامام مالك والشافعي يريان التورك -الامام مالك لأن هذه قاعدته في الجلوس، والشافعي لأن هذه الجلسة يعقبها سلام- والامام أبو حنيفة يرى الافتراش.
الإمام أحمد رحمه الله قريب من الشافعي، لكنه لا يربطه بالتشهد الذي يعقبه سلام، بل يربطه بالتشهد الثاني فيقول: إذا كان في الصلاة تشهدان فتورَّك فيه، أما إن لم يكن فيه إلا تشهد واحد فلا تورُّك فيه عند الإمام أحمد.
ويتضح الفرق بين مذهب الإمام الشافعي ومذهب الإمام أحمد رحمهما الله تعالى في مثل الصلاة الثنائية كصلاة الفجر مثلاً؛ ففي جلسة التشهد الأخير -أو في جلسة التشهد الذي قبل السلام- عند الشافعي يتورَّك لأن هذا تشهد يعقبه سلام، وعند الإمام أحمد يفترش لأن هذا تشهد أول، يعني لأن الصلاة ليس فيها إلا تشهد واحد.
وقول المؤلف رحمه الله: وقد ورد ذلك مفصلاً في بعض الأحاديث كحديث أبي حميد الساعدي في صحيح البخاري، وفيه: «وإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى، وإذا جلس في الركعة الأخيرة قدم رجله اليسرى ونصب الأخرى وقعد على مقعدته». ففي هذا تفريق بين جلستي التشهد.
قال: ورجح من جهة المعنى -يعني التفريق بين الجلسات- في أمرين ليس بالقويين، يعني أنه يستانس بها يقصد، لكن يقول في النهاية: الاعتماد على النقل أولى، يعني كوننا نعتمد على حديث أبي حميد مثلاً أو لا.
قال المؤلف رحمه الله: وكان ينهى عن عقبة الشيطان، ويروى عن عقب الشيطان، وفسر بأن يفرش قدميه ويجلس بايتيه على عقبيه، وقد سمي ذلك أيضاً الاقعاء. قوله: كان ينهى عن عقبة الشيطان -ويروى عن عقب الشيطان- فسر يقول: بأن يفرش قدميه، يفرشهما على الأرض، ويجلس بايتيه على عقبيه، وقد سمي ذلك الاقعاء، هذا على أحد تفسيرات الاقعاء.
وفُسر الاقعاء بأن يلصق أليتيه بالأرض وينصب ساقيه ويضع يديه على الأرض كما يفترش الكلب وغيره من السِّباع، وهذه هي الصفة التي اتفق على كراهتها، أما الصفة التي ذكرها هنا فإنه مختلف فيها.
قال المؤلف رحمه الله: وقولها: وينهى أن يفترش -إلى قولها السبع- وهو أن يضع ذراعيه على الأرض في السجود، والسنة أن يرفعهما، ويكون الموضوع على الأرض الكفان فقط. نعم، هذه الصفة منهي عنها في السجود؛ أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السَّبُع، يعني يضع ذراعيه على الأرض، والمشروع أن يرفع ذراعيه فيكون الذي على الأرض فقط هو الكفان، أن يكون الذي على الأرض الكفين فقط.
وإنما نهي عن ذلك لأن هذه صفة للكسل المتهاون بحاله، ولما فيها من التشبه بالسباع والكلاب، كما نهي عن التشبه بهم في الأفعال. وجاء النهي عن التشبه بكل ناقص، وهذا أشار إليه شيخ الإسلام ابن القيم رحم الله تعالى.
وذكر ابن العطار أيضاً مما يستفاد من هذا اللفظ أن فيه استحباب مجافاة المرفقين عن الجنبين في السجود؛ قال: لأنه إذا نهي عن افتراش ذراعه لزم منه رفعهما -رفع الذراعين- فلزم منه مجافاتهما.
قال المؤلف رحمه الله: وكان يختم الصلاة بالتسليم. أكثر الفقهاء على تعيين التسليم للخروج من الصلاة اتباعاً للفعل المواظب عليه، ولا يدل الحديث على أكثر من مسمى السلام، وقد يؤخذ من هذا أن التسليم من الصلاة لقولها: وكان يختم الصلاة بالتسليم، وليس بالشديد الظهور في ذلك، وأبو حنيفة يخالف فيه.
هنا قولها: وكان يختم الصلاة بالتسليم؛ يقول أكثر الفقهاء على تعيين التسليم خروجاً من الصلاة. هنا يشير إلى خلاف بين الجمهور وبين أبي حنيفة رحمه الله تعالى، فالجمهور يرون أنه لابد أن يختم الصلاة بالتسليم، فإذا انتهى من الصلاة يسلم -الخلاف بينهما هل يسلم مرتين أو يسلم مرة واحدة، الخلاف في هذا لكن لابد أن يسلم-.
أبو حنيفة رحمه الله يرى أنه لا يتعين التسليم، بل يقول إن التسليم مثال من الأمثلة التي يختم بها الصلاة، فلو ختم الصلاة بغير التسليم مما ينافي الصلاة فإنه يجزئ ذلك ويخرج به من الصلاة، فلو مثلاً بعد ما انتهى من التحيات والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أكل شيئاً -الأكل ينافي الصلاة- فعلى مذهب أبي حنيفة خلاص يكون بذلك خرج من الصلاة، لو تكلم بكلام أجنبي على من بجانبه يكون خرج من الصلاة، فلا يشترط التسليم، يقول: التسليم هذا أيضاً كلام خارج الصلاة.
الجمهور يقولون: لا، هو كلام في الصلاة، ومما يدل على أنه من الصلاة قولها: كان يختم الصلاة بالتسليم، فدل على أن التسليم من الصلاة وليس أجنبياً عنها. على أن هذا الاستدلال أنَّه جزء من الصلاة وليس أجنبياً عنها يقول المؤلف: ليس بالشديد الظهور في ذلك؛ يعني أنه استانس به لكن ليس وضوحه وظهوره شديداً، يعني أنه يناقش فيه.
وبعض الفقهاء شنع على مذهب أبي حنيفة رحمهم الله تعالى في ذلك، وقالوا: إنه قد يؤدي إلى فساد في مثل لو أحدث في نهاية الصلاة، فقالوا: هل نقول إن الحدث مثل السلام عليكم؟ فيه إشكال، ولذلك شنع على مذهب أبي حنيفة بذلك. وإن كان فقهاء المذهب -مذهب أبي حنيفة رحمهم الله تعالى- لا يتقصدون من ذلك التهاون بالصلاة أو الإخلال بها، لكن هذا الذي أداه إليهم اجتهادهم.
اللوازم التي تلزم على القول لوازم شنيعة لا نقول فإنهم يلتزمون بها، فإن هذا يدل على مثلاً أنهم لا يقيمون للصلاة وزناً ونحو ذلك، لا بلهم يقيمون للصلاة وزناً ويحترمون الشعائر الدينية ونحو ذلك، بس هذا الذي أداه إليهم اجتهادهم في هذه المسألة، فيعني قالوا إن التسليم أجنبي من الصلاة، «كان يختمون صلاة التسليم» يعني أن هذا من الأشياء التي يخرج بها من الصلاة، فأخذوا منها أن كل ما ينافي الصلاة فيجوز الخروج به من الصلاة.
نظير ما يذكره الفقهاء رحمهم الله تعالى في الخلاف في الحج في مسألة الحلق والتقصير؛ هل هما نسك أو إطلاق من محظور؟ فمن قال إنهما نسك أوجب الحلق والتقصير، يعني لو شخص اخذ عمرة، ذهب إلى مكة لأخذ العمرة فطاف وسعى، الآن بقي عليه الحلق والتقصير؛ من الفقهاء من قال إن الحلق والتقصير نسك -يعني أمر مطلوب شرعاً لا يقوم غيره مقامه- فلا بد أن يأخذ من شعره حلقاً أو تقصيراً، وهذا هو الصحيح والله تعالى أعلم، وهو عليه كثير من أهل العلم.
ومن أهل العلم من قال لا، أنهما إطلاق من محظور، فلو أنه طاف وسعى ثم تطيب أو لبس ثوبه -لبس المخيط- فيقولون انتهى من عمرته، فيقولون إن الحلق والتقصير إطلاق من محظور -يعني أنه مثال للخروج من النسك- فلا يتعين، فلو أتَى بأي شيء من الأشياء التي منع منها المحرم بعدما طاف وسعى فإنه يكفي ذلك، وهذا نظير الخلاف الذي في السلام، نظير الخلاف الذي في الحلق والتقصير.
نقف على هذا، ونسأل الله للجميع التوفيق والسداد، صلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان