دخولتسجيل الدخول

التعليق على إحكام الأحكام – كتاب الصلاة (19) باب استقبال القبلة شرح الحديث الثاني

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

هذا هو المجلس الرابع من مجالس التعليق على كتاب أحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد رحمه الله تعالى، وكنا قد تووقفنا عند الحديث الثاني من أحاديث باب استقبال القبلة، وهو حديث تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين ولجميع المؤمنين.

قال رحمه الله تعالى: الحديث الثاني: عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة.

يتعلق بهذا الحديث مسائل أصولية ومسائل فروع، نذكر منها ما يحضرنا الآن.

أما المسائل الأصولية فالمسألة المقصود بذلك التنبيه على مثال من أمثلة قبولهم لخبر الواحد ليضم إليه أمثال لا تحصى فيثبت بالمجموع القطع بقبول خبر الواحد.

أحسنت، هنا تكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل القبلة الكعبة فاستقبلوه -أو فاستقبلوها، ضبطت بفتح الباء وكسرها كما سيذكر المؤلف رحمه الله تعالى- وكانت وجوههم إلى الشام أنهم يستقبلون بيت المقدس فاستداروا إلى الكعبة.

ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أنه يستفاد من هذا الحديث مسائل أصول -يعني تتعلق بأصول الفقه- ومسائل فروع تتعلق بالأحكام.

وذكر من المسائل الأصولية قبول خبر الواحد، وذلك لأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم هنا قبلوا خبر هذا الذي أتاهم -قيل إنه عباد بن بشر وقيل غيره- قبلوا خبره وهذا دليل على أن خبر الواحد يقبل.

قال: وليس المقصود في هذا أننا نثبت قبول خبر الواحد بهذا الخبر الذي هو خبر واحد، نحن لا نثبته، لكن نقول إن هذا مثال من أمثلة الصحابة لقبول خبر الواحد والأمثلة كثيرة جداً وهذا منها، وتكاثر الأمثلة يدل على أن هذا مستقر عندهم أنهم يقبلون خبر الواحد.

أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: المسألة الثانية ردوا هذه المسالة إلى أن نسخ الكتاب بالسنة، أن نسخ الكتاب والسنة المتواترة، ردوا هذه المسألة إلى أن نسخ الكتاب والسنة المتواترة هل يجوز بخبر واحد أم لا؟ والأكثر على المنع لأن المقطوع لا يزال بالمظنون، ونقل عن الظاهرية جواز ذلك، واستدلوا للجواز بهذا الحديث، ووجه الدليل أنهم عملوا بخبر الواحد ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم عليهم.

وفي هذا هنا يتكلم عن نسخ المتواتر بالآحاد، هل يجوز أن يكون الدليل المنسوخ متواتراً ثابتاً بطرق قوية فيأتي خبر آحاد ينسخه أو لا؟ ذكر أن هذه المساله فيها خلاف، فمنعها الأكثرون، لماذا؟ لأن المتواتر مقطوع به والآحاد مظنون، والمقطوع لا يزال بالمظنون لماذا؟ لأن المقطوع يقين، واليقين لا يزال بالشك.

والقول الثاني قال: نقل الظاهرية جوازه، قالوا: مما يدل على الجواز هذا الحديث، أنه مقطوع عندهم أن القبلة يتجه فيها إلى بيت المقدس، فجاء هذا الخبر -الكلام في خبر هذا الشخص الذي أخبرهم ليس في الآية من القرآن، القرآن هذه آية متواترة لكن خبر هذا الشخص الذي أخبرهم هو خبر واحد- فأزال هذا المتواتر عندهم.

قال: وجه الدليل أنهم عملوا بخبر الواحد ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم عليهم هنا.

ثم سيذكر مناقشة الاستدلال. والمحقق ناقش بوجوه كثيرة، هناك وجوه لم يذكرها المؤلف رحمه الله هنا أو لم يصرح بها صريحاً، منها ما ذكره المازري في المعلم أن نسخ خبر الواحد كان جائزاً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما منع بعد عهد النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم الأصل صدق الصحابة رضي الله تعالى عنهم فيما يخبرون، وبعد النبي صلى الله عليه وسلم بدأ إما الكذب أو الوهم ونحو ذلك.

الأمر الثاني: الوجه الثاني أن النسخ هنا لم يكن بخبر الواحد، إنما كان النسخ بالدليل المتواتر، فالصحابي لم يقل لهم ذلك إن القبلة حولت، وإنما تلى عليهم الآيات التي فيها ذكر النسخ فتحولوا عند سماع القرآن، فلم يقع النسخ بخبر الواحد، وإنما وقع النسخ عندهم بما سمعوه من القرآن.

إذاً أجب المازري بالوجهين: أن النسخ بخبر الواحد كان جائزاً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم -هذا على التسليم بأنه نسخ بخبر الواحد- الوجه الثاني: على عدم التسليم كون النسخ بخبر واحد، وإنما نسخ بخبر المتواتر الذي هو القرآن.

النووي رحمه الله أجاب من وجه آخر يقول: أن خبر الواحد إذا احتفت به قرائن ومقدمات فإنه يفيد العلم ويخرج من كونه خبراً وخبر واحد مجرد، فخبر الواحد المجرد هو الذي يفيد الظن، لكن إذا احتفت به قرائن فإنه يفيد العلم ويقوى على نسخ المتواتر.

الآن سنستمع إلى ما يقول المؤلف رحمه الله تعالى في مناقشة الظاهرية في استدلالهم بهذا الحديث على أن خبر الواحد ينسخ الخبر المتواتر، سواء كان كتاباً أو سنة متواترة.

أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: وفي هذا الاستدلال عندي مناقشة ونظر، فإن المسألة مفروضة في نسخ الكتاب والسنة المتواتره بخبر واحد، ويمتنع في العادة أن يكون أهل قباء مع قربهم من الرسول صلى الله عليه وسلم واتيانه له وتيسر مراجعتهم له، أن يكون مستندهم في الصلاة إلى بيت المقدس خبراً عنه صلى الله عليه وسلم مع طول المدة وهي ستة عشر شهراً من غير مشاهدة لفعله أو مشافحة من قوله.

ولو سلمت أن ذلك غير ممتنع في العادة فلا شك أنه يمكن أن يكون المستند مشاهدة فعل أو مشافهة قول، والمحتمل لأمرين لا يتعين حمله على أحدهما، فلا يتعين حمل استقبالهم لبيت المقدس على خبر عنه صلى الله عليه وسلم، بل يجوز أن يكون عن مشاهدة.

وإذا جاز انتفاء أصل الخبر جاز انتفاء خبر التواتر، لأن انتفاء المطلق يلزم منه انتفاء قيوده، وإذا جاز انتفاء خبر التواتر لم يلزم أن يكون الدليل منسوباً في المسألة المفروضة.

أحسنت، هنا أجاب عن هذا الاستدلال من وجهة، يقول: المسألة المفروضة في نسخ الكتاب والسنة المتواترة بخبر الواحد، خبر الواحد.. هل هذه سنة متواترة؟ يقول: السنة المتواترة يعني أنهم أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم وسمعوه، سمعه وسمعوه كلهم أو أكثرهم، يقول: نحن لا نقول إنها سنة متواترة، لماذا؟ يقول: يبعد أن يكون كلهم أو أكثرهم سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يقول إن القبلة إلى بيت المقدس، فقد يكون شاهدوا فعله، وهذا لا يعد خبراً متواتراً، هذا فعل.

كلامنا في نسخ السنة المتواترة الخبر الواحد، فقد يكون عن مشاهدة الفعل فيكون خبراً متواتراً.

طيب لو قلت هذا الوجه الأول.

الوجه الثاني: إذا الوجه الأول أنه يمتنع أن يكون كل أهل قباء أو معظمهم سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن القبلة إلى بيت المقدس، فقد يكون مستندهم المشاهدة.

الوجه الثاني يقول: نسلم أن بعضهم سمع من النبي صلى الله عليه وسلم هذا الخبر فيكون هو من قبيل نسخ المتواتر -الذي هو سنة متواترة- بخبر الآحاد، فيقول: إذا قلت ممتنع.. إذا قلت إنه يجوز أن يكون المستند مشاهدتهم أو مشاهدة بعضهم له، فنقول: المشاهدون سيكونون بعضاً، والبعض يكونون رأوا، طيب هذا محتمل، محتمل فيقول محتمل لأمرين لا يتعين حمله على أحدهما، فقد يكون كلهم لم يسمعوا وإنما شاهدوا فعله صلى الله عليه وسلم فلا يكون هذا يقول: فإذا جاز انتفاء أصل الخبر جاز انتفاء خبر التواتر فلا يكون هذا من قبيل نسخ الخبر المتواتر وخبر الآحاد.

الآن سيذكر الاعتراض على هذا الرد من وجهين.

فإن قلت: الاعتراض على ما ذكرته من وجهين أحدهما: أن ما ادعيت من امتناع أن يكون مستند أهل قباء مجرد الخبر من غير مشاهدة إن صح إنما يصح في جميعهم، أما في بعضهم فلا يمتنع في العادة أن يكون مستنده الخبر المتواتر.

الاعتراض الأول: قال ما ذكرت من امتناع أن يكون مستندهم كلهم هو الخبر هذا يصح في جميعهم، لكن بعضهم لا يمتنع ذلك، لا يمتنع ذلك أن يكون مستند الخبر المتواتر، طيب ونحن كلامنا في الباب.

الثاني: أن ما أبديته من جواز استنادهم إلى المشاهدة يقتضي أنهم أزالوا القاطع بالمظنون، لأن المشاهدة طريق قطعي، وإذا جاز إزالة المقطوع به بالمشاهدة جاز زوال المقطوع به بخبر التواتر بخبر الواحد، فانهما مشتركان في زوال المقطوع بالمظنون.

أحسنت، الثاني مؤلفه يقول: سلمنا أنهم لم يسمعوا خبراً من النبي صلى الله عليه وسلم وإنما شهدوا فعله، طيب مشاهدة الفعل هذا بمثابة الخبر المتواتر لماذا؟ لأن كلاهما طريق مقطوع به، وقد زال هذا الطريق المقطوع به بخبر الواحد المظنون، فإذا جاز زوال المشاهدة -التي هي بمثابة خبر التواتر- بالمظنون الذي هو بخبر الواحد، فيقاس عليه أيضاً جواز نسخ خبر الواحد.. نسخ خبر المتواتر بخبر الواحد لأن كلاهما.. لأن كلايهما نسخ مقطوع به بمظنون.

الآن سيجيب عن الاعتراضين.

أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: قلت، أما الجواب عن الأول فإنه إذا سلم امتناع ذلك على جميعهم فقد انقسموا إذاً إلى من يجوز أن يكون مستنده التواتر ومن يكون مستنده المشاهدة، فهؤلاء المستديرون لا يتعين أن يكونوا ممن استند إلى التواتر، فلا يتعين حمل الخبر عليهم.

يقول: أما الجواب عن الأول فيقول: إن هؤلاء الذين استداروا -هؤلاء الذين استداروا- نحن نسلم لكم أنهم ليسوا كلهم ممن ثبت لهم التواتر بالخبر، فإذاً بعضهم بعضاً كان قد استدار فثبت في حقه أنه نسخ عنده الخبر المتواتر عنده عن النبي صلى الله عليه وسلم بخبر الواحد، وبعضهم لا نسخت المشاهدة بخبر الواحد، فيقول: هؤلاء المستديرون لا يتعين أن يكونوا ممن يسند إلى التواتر، فلا يتعين حمل الخبر عليه -يعني يقول مثلاً لو افترضنا أن كل أهل قباء أو أن بعض أهل قباء مستندهم التواتر، بعض أهل قباء مستندهم المشاهدة- طيب نحن كلامنا في من يسندهم التواتر، طيب الذين استداروا هم ليسوا كل أهل قباء، فيقول الذين استداروا قد يكون ممن كان مستنده المشاهدة لا التواتر، فلا يستقيم لكم هذا الاستدلال.

أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: فإن قال قائل: قول اهل قباء يقتضي الجمع فيقتضي أن يكون بعض من استدار مستنده التواتر فيصح الاحتجاج.

يعني أهل قباء يعني جميع أهل قباء فيكون بعض من استدار مستنده التواتر فيصح الاحتجاج.

الجواب: قلت لا شك في إمكان أن يكون الكل مستندهم المشاهدة، ومع هذا التجويز ومع هذا التجويز لا يتعين حمل الحديث على ما دعوا.. على ما ادعوه إلا أن يتبين أن مستند الكل أو البعض خبر التواتر، ولا سبيل إلى ذلك.

يقول: يعني قد يكون مستندهم كلهم المشاهدة، مستندهم كلهم المشاهدة الذين هم أهل قباء يعني هذا تجويز عقلي، فإذا كان كذلك فلا يتعين حمل الحديث على ما ادعوه لأن بعضهم مستنده التواتر، بعضهم مستنده المشاهدة ولا سبيل إلى ذلك، فلا يستقيم الاستدلال به.

وأما الثاني.. الجواب عن الإرادة الثاني، الذي هو الذي هو أن المشاهدة بمثابة الخبر المتواتر.

وأما الثاني فالجواب عنه من وجهين أحدهما: أن المقصود التنبيه والمناقشه في الاستدلال بالحديث المذكور على المسألة المعينة وقد تم الغرض من ذلك، واما إثباتها بطريق القياس على المنصوص فليس بمقصود.

يقول: نحن لا نتكلم عن كون هذه مقيساً عليها أو لا، نحن نتكلم: هل هذا الدليل يدل عليها أو لا؟ فيقول: هذا لا يدل عليها، فالمشاهدة ليست خبراً متواتراً، لا يدل عليها الدليل، كونها.. كون خبر المتواتر يقاس بالمشاهدة يقول هذا أمر خارج، هذا أمر خارج، نحن نتكلم عن أصل الدليل هل يدل أو لا؟

أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: الثاني: أن يكون إثبات جواز نسخ خبر الواحد للخبر المتواتر مقيساً على جواز نسخ خبر الواحد المقطوع به مشاهدة بجامع اشتراكهما في زوال المقطوع بالمظنون، لكنهم نصبوا الخلاف مع الظاهرية، وفي كلام بعضهم ما يدل على أن من عداهم لم يقل به، والظاهرية لا يقولون بالقياس، فلا يصح استدلالهم بهذا الخبر على المدعى، وهذا الوجه مختص بالظاهرية، والله أعلم.

أحسنت، يعني يقول الخلاف في إثبات نسخ خبر المتواتر بخبر الواحد هذا خلاف الجمهور مع الظاهرية، وأنتم قلتم إن المشاهدة مثال خبر واحد يعني مقيساً على خبر الواحد والظاهرية لا يستقيم لهم الاستدلال بقياس أنهم ينكرونه فلا يكون الدليل حجة لهم، فلا يكون هذا الدليل حجة لهم لأنهم أصلاً لا يقولون بالقياس.

أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: المسألة الثالثة: رجعوا إلى الحديث أيضاً في أن نسخ السنة بالكتاب جائز، ووجه التعلق بالحديث في ذلك أن المخبر لهم ذكر أنه أنزل الليلة قرآن فحال النسخ.

على الكتاب، ولو لم يذكر ذلك لعلمنا أن ذلك من الكتاب، وليس التوجه إلى بيت المقدس بالكتاب؛ إذ لا نص في القرآن على ذلك، فهو بالسنة، ويلزم من مجموع ذلك نسخ السنة بالكتاب.

والمنقول عن الشافعي رحمه الله خلافه.

أحسنَت، هذه مسألة ثالثة أصولية، وهي: هل السنة تنسخ بالكتاب؟ هل يأتي من السنة ثم يأتي دليل من الكتاب فينسخ دليل السنة أو لا؟ يقول: إن هذا، إن بعض العلماء استدلوا من هذا الحديث على أن الكتاب ينسخ السنة، كتاب ينسخ السنة.

كيف؟ يقول: المخبر لهم الذي جاء قال: «إذا أتاهم آتٍ ذكر لهم أنه أنزل الليلة قرآن». فدل على أن الناسخ الآن قرآن، القرآن هذا، دل على أن القبلة صارت إلى الكعبة.

طيب، نسخت ماذا؟ نسخت التوجه إلى بيت المقدس. التوجه إلى بيت المقدس هل هو في القرآن؟ يقول: لا.

إذاً تبين أنه من السنة، فإذا لم يكن في القرآن فهو من السنة، فهذا يدل على أن القرآن ينسخ السنة، فهو دليل مركب. قال: المنقول عن الشافعي خلافه؛ يعني أنه لا ينسخ الكتاب السنة؛ لأن السنة مبينة للقرآن فلا ينسخها.

الآن سيذكر الاعتراض على هذا الاستدلال.

نعم، أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: ويعترض على هذا بوجوه بعيدة؛ أحدها أن يقال: المنسوخ كان ثابتاً بكتاب نسخ لفظه، الثاني أن يقال: النسخ بالسنة ونزل الكتاب على وفقها، الثالث أن يجعل بيان المجمل كالملفوظ. الصلاة مجمل، فسر بامور منها التوجه إلى بيت المقدس، فيكون كالمأمور به لفظاً في الكتاب.

أحسنت، هنا ذكر ثلاثة اعتراضات على الاستدلال بهذا الحديث على أن الكتاب ينسخ السنة:

الأول أنه ليس من نسخ الكتاب بالسنة، بل هو من نسخ السنة بالكتاب، بل هو من نسخ الكتاب بالكتاب. كيف؟ يقول: المنسوخ كان ثابتاً كتاب نسخ لفظه؛ يعني يقول التوجه إلى بيت المقدس كان موجوداً في القرآن لكن نسخ لفظه ومعناه، يعني وحكمه؛ نسخ لفظه وحكمه؛ لأن المنسوخ إما أن ينسخ لفظه وحكمه، وإما أن ينسخ لفظه ويبقى حكمه، وإما أن ينسخ حكمه ويبقى لفظه.

ينسخ لفظه وحكمه، كما جاء في حديث عائشة: كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات. فكان في القرآن آية تدل على أن المحرم من الرضاع عشر، لابد أن يرتضع الطفل من المرأة عشر رضعات لتكون الرضاعة محرماً، فنسخ هذا اللفظ ونسخ حكمه.

طيب، أحياناً ينسخ اللفظ ويبقى الحكم، مثل التحريم بخمس رضعات. تتمة الحديث قال: ثم نسخن بخمس معلومات، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي فيما يقرأ من القرآن؛ يعني أنه نسخ لفظها، جاءت آية أن المحرم خمس رضعات ثم نسخ لفظها لكن حكمها ما زال باقياً.

وأحياناً ينسخ الحكم ويبقى اللفظ؛ مثل قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: 15]. هذه من العلماء من قال أنها منسوخة ومن العلماء من قال أنها مغياة.

وكذلك آية المصابرة: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: 65]. يعني كان في أول الأمر يطلب المسلم أن يصابر عشراً من الكفار، فإذا كان عدد الكفار يفوق عدد المسلمين بعشرة أضعاف فلا يجوز للمسلمين أن يفروا، إذا زادوا عن عشرة أضعاف كاز يفر، هذا في أول الأمر ثم هذه نسخ لفظها، نسخ حكمه وبقي لفظها.

طيب، هنا يقول: إن هذا مما نسخ لفظه وحكمه، فكان فيما أنزل، يعني هذا على الاحتمال الأول الرد الأول: أنه كان هناك آية تدل على أن المنسوخ، نعم، على أن القبلة إلى بيت المقدس ثم نسخ لفظها وحكمها، هذا احتمال.

واحتمال آخر ذكره القاضي عياض: أن المنسوخ هو قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: 115]، نسخت بهذه الآية، بهذه الآية اللي هي: ﴿وَحَيْثُ مََّا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144].

طيب هذا الوجه الأول.

الوجه الثاني: النسخ كان بالسنة؛ يعني أنه ليس من نسخ السنة بالكتاب، لكنه من نسخ السنة بالسنة؛ فكانت الاتجاه إلى بيت المقدس ثم جاءت سنة أخرى تدل على أن الاتجاه إلى القبلة هي الكعبه، ثم جاءت الآية على وفق السنة الأخرى، فكان النسخ، فكان الناسخ هو حديثاً وليس آية، ثم جاءت الآية بعدها على وفق الحديث.

الثالث يقول: إن هذا من نسخ الكتاب بالكتاب، لكنه لا يقول: إنه نسخ لفظه كالاول، لا يقول: إن هذا الكتاب المنسوخ غير ملفوظ، وإنما مفهوم من الآية. فالآية: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: 43] مجمل، جاء في السنة تبيينه بأمور ومنها الاستقبال، استقبال بيت المقدس، فكانه صرح به في القرآن لما بين في السنة، كأنه صرح به في القرآن، فيكون كالمأمور به لفظاً في الكتاب، فيكون من باب نسخ الكتاب بالكتاب.

الآن سيرد على هذه الاعتراضات.

نعم، أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: واجيب عن الأول والثاني بأن مساق هذا التجويز يؤدي إلى أن لا يعلم ناسخ من منسوخ بعينه أصلاً؛ فإن هذين الاحتمالين مطردان في كل ناسخ ومنسوخ. والحق أن هذا التجويز ينفي القطع اليقيني بالنظر إليه، إلا أن تحتف القرائن بنفي هذا التجويز، كما في كون الحكم بالتحويل إلى القبلة مستنداً إلى الكتاب العزيز.

يعني يقول: هذا الاحتمال الأول والثاني الذي ذكرتم، هذان احتمالان ذكرتموهما يعني من باب التجويز العقلي، وهذا التجويز إذا أخذناه وهو لم يدل عليه دليل (الأول تقولون قد يكون من الكتاب الذي نسخ لفظه ذكرتموه باب جواز العقلي، الثاني تقولون إنه السنة السنة نسخت)، فهذا كل تجويز عقلي فلا يقبل؛ لأنه إذا قلنا بهذا أفضى إلى أننا لا نعلم ناسخاً من منسوخ، فلذلك لا يقبل هذا التجويز إلا إذا احتفت القرائن، احتفت القرائن في هذا الذي ذكرتموه فيصح، وأما مجرد تجويز فهذا لا يصح أن يجعل جواباً.

وأجيب عن الثالث، وأجيب عن الثالث بأنا لا نسلم بأن المبين كالملفوظ به في كل أحكامه.

أحسنت، يعني يقول: إنتم قلتم إن الثالث أن يجعل البيان المجمل كالملفوظ به يكون من نسخ الكتاب بالكتاب، يقول: لا لا نسلم أن المبين كالملفوظ به، فلا نقول إنه يأخذ ما دام أنه جاء نسخه في الكتاب، جاء تبينه في السنة فيكون كالملفوظ به في الكتاب، لا لا نقول هذا صحيح، نقول: يأخذ به في بعض أحكامه، فكما ذكروا أن المبين المجمل يأخذ الحكم المبين في حكمه الأصلي، إذا كان حكم المبين على الوجوب فيكون المجمل على الوجوب وهكذا، أما أنه يأخذ به في كل أحكامه فلا.

نعم، أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: المساله الرابعة: اختلفوا في أن حكم الناسخ هل يثبت في حق المكلف قبل بلوغ الخطاب له؟ وتعلقوا بهذا الحديث في ذلك، ووجه التعلق أنه لو ثبت الحكم في أهل قباء قبل بلوغ الخبر إليهم لبطل ما فعلوه من التوجه إلى بيت المقدس؛ ففقد شرط العباده في بعضها فتبطل.

أحسنت، هنا هذه مسألة وهي: هل حكم الناسخ يثبت في حق المكلف قبل بلوغ الخطاب له أولاً؟ هذه مسألة خلافية بين الأصوليين.

والذين قالوا: إنه لا يثبت في حق المكلف إلا ببلوغ الخطاب إليه، تمسكوا بهذا الحديث، كيف يقولون؟ لو الآن القبلة جاء تعديلها بعد صلاة الظهر ولم يبلغ أهل قباء إلا في صلاة الفجر، الظهر العصر المغرب العشاء كلها صلوا إلى بيت المقدس، والفجر أولها صلوا إلى بيت المقدس، فلو ثبت الحكم في القبلة قبل بلوغ الخبر يعني من حين من حين نزل الناسخ لبطل ما فعلوا من التوجه إلى بيت المقدس، لماذا؟ لأنهم توجهوا إلى بيت المقدس بعد نزول الآية الناسخة ففقد شرط العبادة في بعضها، في أولها لم يتوجهوا إلى القبلة، فقال: فيبطل، تبطل ما فعلوه ويلزمهم الإعادة.

نعم، أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: المسألة الخامسة: فيه دليل على جواز مطلق النسخ؛ لأن كل ما دل على جواز الأخص دل على جواز الأعم.

نعم، هذه المسألة الخامسة يقول: نستدل بها على جواز النسخ، لماذا؟ الحديث في نسخ، لكن هل هو من نسخ الكتاب بالسنة أو الكتاب بالكتاب، أو هل هو من نسخ المتواتر بالآحاد أو لا؟ هذه مسألة خلافية، لكن متفق، نحن متفقون على أنه نسخ، فيقول: ما دل على جواز الأخص إذا قلنا هو من نسخ المتواتر بالآحاد، خلاص إذا قلنا هذا يعني أننا نسلم بأنه نسخ، ما دل على جواز الأخص دل على جواز الأعم.

نعم، أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: المسألة السادسة: قد يؤخذ منه جواز الاجتهاد في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم أو بالقرب منه، لانه كان يمكن أن يقطعوا الصلاه وأن يبنوا، ولأنه كان يمكن أن يقطعوا الصلاة وأن يبنوا، فرجح البناء، وهو محل اجتهاد، والله أعلم.

طيب أحسنت، هنا قال: قد يؤخذ منه جواز الاجتهاد في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وبالقرب منه، فهم اجتهدوا حيث إنه لما بلغهم التحويل هم بين أمري؛ إما أن يقطعوا الصلاة ويعيدوها من أولها، أو أن يكملوها، يتعدل ويكملون. فهم اجتهدوا وأخذوا بالاحتمال الثاني، فدل على جواز الاجتهاد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا هو الأمر الذي يستدل به وهذا هو وجه الاستدلال من هذا الحديث على هذه المساله.

الآن تمت المسائل الأصولية، سيبدا بالمسائل الفرعية التي هي الفقهية.

نعم، أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: وأما المسائل الفروعية، فالأولى منها أن الوكيل إذا عُزل فتصرف قبل بلوغ الخبر، هل يصح تصرفه بناءً على مسألة النسخ، وهل يثبت حكمه قبل بلوغ الخبر؟ وقد نُوزع في هذا البناء على ذلك الأصل.

ووجه قول هذا المنازع في هذا البناء على مسألة النسخ: أن النسخ خطاب تكليف، ولا تكليف إلا مع الإمكان، ولا إمكان مع الجهل بورود الناسخ. واما تصرف الوكيل فمعنى ثبوت حكم العزل فيه أنه باطل، ولا استحالة في أن يُعلم بعد البلوغ بطلانه قبل بلوغ الخبر. وعلى تقدير صحة هذا البناء، فالالحكم هناك -أي في مسألة الوكيل- يكون مأخوذاً بالقياس لا بالنص.

نعم، هذه مسألة خلافية مبنية على المسائل الأصولية، وهي: إذا تصرف الوكيل تصرف بعد عزله، فهل يكون، أن تصرف قبل أن يعني بالغ العزل، فهل يكون تصرفه صحيحاً أو لا؟ كما لو أن شخصاً وكل أخاه أن يبيع سيارته ثم هون عن ذلك وقال: فسخت وكالتي لأخي، اتصل على أخيه ليخبره بأنه فسخ وكالته، ولكن أخاه لم يرد، فهو فسخ وكالته بعد فسخها والاخ إلى الآن لم يعلم. جاء الأخ وباع هذه السيارة، باع سيارة أخيه بعد فسخ وكالته، لكنه لم يعلم، فهل يصح هذا التصرف أو لا يصح؟

يقول: هذه مبنية على هذه المسألة، وهي هل التي المساله الرابعة التي الأصولية التي ذكرها، هل النسخ يثبت في حكم المكلف من حين نزول الناسخ أو من حين بلوغه الخبر؟ قال لك: من حين بلوغ الخبر بدليل فعل القبا؛ أنه لو كان من حين نزول الناسخ بطلت صلاتهم، فيقول: هذه مثلها، لكن يقول: نُوزع في هذا البناء على هذا الأصل.

قال القاضي عياض في إكمال المعلم: ضاعف المحققون من الأصوليين رد هذه المسألة إلى هذا الأصل؛ فإن حقيقة الخطاب بالتكليف إنما يتعلق بالبلاغ عند المحققين من أئمتنا، فإن النسخ إذا ورد فمن لم يبلغه باق على الخطاب -العبارة الأولى- وليس في حقه نسخ حتى يبلغه. ومنهم من يثبت النسخ في حقه لكن بشرط أن يبلغه، فهو اختلاف في عبارة، وكلهم مجمعون على بقاء الحكم الأول؛ إذ الجاهل لا يثبت التكليف في حق ما جهل ولم يبلغه، هذا من المستحيل.

يعني يقول يعني المشهور عند أئمة المالكية أن الناسخ لا يثبت حكمه في حكم، لا يثبت حكمه في حق الجاهل إلا ببلوغ الخبر إليه، منه قال: لا يثبت إلا ببلوغ الخبر إليه، ومنهم من قال: لا، بل يثبت الخبر إليه، لكن لا يأثم أو يشترط علمه به، يقول: هذا اختلاف لفظي.

لكن يقول: أما في الوكالة لا يختلف الأمر، لذلك يقول: وإنما ذهب إلى النسخ في حقه طائفة من الفقهاء والمتكلمين الذين لم يقووا في الأصول وما قدمناه يرد قولهم.

يقول: هناك فقهاء لكن لم يتعمقوا في الأصول، فلذلك قرروا أنه يثبت حكم الناسخ في حق الجاهل بمجرد نزول الناسخ. يقول: ومسألة الوكيل تعلق بها حق للغير على الموكل فلهذا توجه الخلاف فيها؛ يعني الخلاف في مسألة الوكيل أقوى، لماذا؟ لتعلق حق الغير به، هذا وجه غير الوجه الذي ذكره ابن دقيق العيد رحمه الله.

ابن دقيق العيد رحمه الله هنا يعني في مسألة في مسألة النسخ نعم يقول: النسخ النسخ خطاب تكليفي، لا تكليف إلا مع الإمكان ولا يمكن أن يعلم مع جهله بالناسخ فيبقى على الحكم الأول بخلاف تصرف الوكيل، تصرف الوكيل إذا قلنا إنه عزله الموكل فيبطل.

توكيله قال ولا استحالة في أن يعلم بالبلوغ، بعد البلوغ بطلانه قبل بلوغ الخبر. والاستحالة يقول: وعلى تقدير صحة هذا البناء؛ فالحكم هناك في مسألة الوكيل يكون مأخوذاً بالقياس لا بالنص، نقول في مسألة الوكيل نقيسها على مسألة النسخ، فنقول: ما دام أن النسخ لا يثبت حكمه في حق الجاهل إلا ببلوغ الخبر، فكذلك العزل لا يثبت حكمه في حق الوكيل إلا ببلوغ الخبر، فتكون مسألة قياسية وليست منصوصاً عليها.

نعم، أحسن الله إليكم. قال رحمه الله: الثانية: إذا صلت الأمة مكشوفة الرأس ثم علمت بالعتق في أثناء الصلاة هل تقطع الصلاة أم لا؟ فمن أثبت الحكم قبل بلوغ العلم إليها قال بفساد ما فعلت فألزمها القطع، ومن لم يثبت لم يلزمها القطع إلا أن يتراخى سترها لرأسها. وهذا أيضاً مثل الأول وأنه بالقياس.

نعم، الأمة تختلف عورتها عن عورة الحرة في الصلاة، فهي في صلاتها غير مأمورة بتغطية رأسها، فإذا اعتقت لكنها لم تعلم بالعتق، في الأصل أنها غير يجب عليه أن تصلي مغطية الرأس، فعلمت بالعتق أثناء الصلاة، فهل نقول الآن ثبت الحكم لها، أو نقول لا، ثبت الحكم لها من حين وجود العتق؟ نقول: يختلف باختلاف الترجيح في مسألة النسخ. قال: فمن أثبت الحكم قبل بلوغ العلم إليها قال بفساد ما فعلت فألزم بالقطع، ومن لم يثبت ذلك يعني قال لا يثبت الحكم إلا ببلوغه فإنه لا يلزم بالقطع إلا أن يترخى رأسها، لو كانت من حين علمت سترت رأسها فيقول تتم صلاتها ولا شيء عليها، لكن إذا تراخت في ستر الرأس فيقول إنها تنقطع تبطل صلاتها بذلك.

يقول: هذا أيضاً مثل الأول اللي هي مسألة الوكيل، وأنه بالقياس يعني ليست مسألة منصوصاً عليها وإنما قيس على المسألة الأصولية. نقف عند هذا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.