دخولتسجيل الدخول

المجلس التاسع والستون من مجالس التعليق على إحكام الأحكام - باب وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

قال رحمه الله: باب وجوب الطمانينة في الركوع والسجود.

وذكر المؤلف رحمه الله في هذا الباب حديثا واحدا وهو الحديث المشهور بحديث المسيء في صلاته. قال عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد، فدخل رجل فصلى ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «ارجع فصل فإنك لم تصل». فرجع فصلى كما صلى، ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «ارجع فصل فإنك لم تصل» ثلاثا. فقال: والذي بعثك بالحق نبيا ما أحسن غيره فعلمني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، وافعل ذلك في صلاتك كلها». وهذا الحديث كما قلنا يسمى حديث المسيء في صلاته.

وهنا معظم الروايات لم يأتِ فيها تبيين هذا الرجل الذي دخل، وهذا لأنه قد لو بين قد يفهم منه تنقصه، والمقصود من الحديث فهم ما فيه من الأوامر والنواهي، لذلك لما كانت معرفة عينه غير مفيدة حكما زائدا لم يهتم الصحابة رضي الله تعالى عنهم بتبيينه، وإن كان جاء في بعض الروايات ما يدل على أنه رفاعة بن رافع، لكن بعضهم يقول لا، رفاعة هو راوي الحديث وليس هو الذي حاصل له ذلك. على كل لا نهتم بتعيينه لأن العبرة إنما هي بفعله وما تعامل النبي صلى الله عليه وسلم معه.

وهذا يفيدك أيضا في المبهمات في القرآن، قد تأتي مبهمات في القرآن فتجد بعض المفسرين يتكلمون على تعيينها، مثل مثلا الشجرة التي نهى الله آدم عليه السلام أن يأكل منها، خاب بعض المفسرين في بيان أي نوع من الشجر، الحقيقة أنه لا فائدة من ذلك، لو كان فيها فائدة لنا لبينها الله عز وجل، لكن الله عز وجل بهمها لأنه ليس المراد التعيين، المراد أن تعلم أن الله عز وجل نهى آدم عليه السلام عن شجرة، وأن إبليس وسوس له وأكل منها، وأن إبليس عدو لنا ويجب أن نبتعد عن ونحذر من وساوسه، هذا هو الذي يفيدك في هذه القصة، أما كون الشجرة هي كذا وكذلك تعيين البقعة من الأرض التي أنزل إليها آدم أي بقعة من الأرض هذا كله لا يفيد، ولذلك دأب بعض المفسرين على الإعراض عن ذلك، على الإعراض عن الكلام فيها لأنها ليست مما يزداد الإنسان به علما.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: الكلام عليه من وجوه؛ الأول: فيه الرفق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم عامله بالرفق فيما أمر به، كما قال معاوية بن الحكم السلمي: فما كهرني، ووصف رفق النبي صلى الله عليه وسلم به، وكذلك قال في الأعراب: لا تزرموه. وفيه رفق النبي صلى الله عليه وسلم بمن يحدثه، وبمن ينصحه، وبمن يأمره بمعروف وينهى عن منكر، وهكذا ينبغي لنا عندما نوجه الناس وننصح أن نرفق بهم ولا نغلظ عليهم، لذلك قال الله عز وجل: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159].

وهنا النبي صلى الله عليه وسلم ما نهر هذا المسيء في صلاته وزجره، وإنما عامله بالحسنى، ارجع فصل فإنك لم تصل، جاء الثانية: ارجع فصل فإنك لم تصل، جاء الثالثة: ارجع فصل فإنك لم تصل، قال: ما أحسن غير هذا علمني! فعلمه النبي صلى الله عليه وسلم بلطف. بل أيضا المؤلف رحمه الله ذكر مثالين آخرين من رفق النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل؛ معاوية بن الحكم السلمي صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم مرة، يقول: فعطس أحد القوم فحمد الله، يقول معاوية: فشمته -يعني قلت: يرحمك الله- فضرب الصحابة رضي الله عنهم بأيديهم على أفخاذهم -يعني يصمتون- فصمت، يقول: فلما انتهى من الصلاة يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم دعاني، فوالله ما رأيت قبله ولا بعده معلما أحسن تعليما منه، فوالله ما كهرني ولا نهرني ولا ضربني، لكن قال: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التكبير والتسبيح وقراءة القرآن» أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

أيضا المثال الثاني الذي ذكره: الأعرابي الذي بال في المسجد، فقام الصحابة ليزجروه، الأعرابي ما علم أن المسجد له حرمة، فجاء على طبيعته إذا جاءه البول يبتعد قليلا ويبول، فبال في المسجد، فالصحابة رضي الله عنهم قاموا يزجرونه، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزرموه، دعوه». فتركوه حتى بال، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم استدعاه وأخبره أن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن، فهنا النبي صلى الله عليه وسلم عامله بالحسنى، ولذلك جاء في بعض الروايات أنه قال: اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد حجرت واسعا». فهنا النبي صلى الله عليه وسلم عامله بالحسنى، لو أن النبي صلى الله عليه وسلم زجره ربما لو كان مسلما ارتد، ولو كان كافرا ربما لم يسلم، أيضا لو زجر وقام ربما لو أنه يعني بلل قطعة واحدة أو بقعة واحدة وإذا قام فإن البول سيتاثر به عدة بقع، فهذا من حكمة النبي صلى الله عليه وسلم في رفقه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ومع ذلك نقول: إن هذا هو الأصل أن يكون برفق، لكن إذا اقتضى الأمر أن يشتد في الأمر والنهي فانه يستعمل الشدّة في موضعها، ولا يكون دائما لينا، ولذلك مثلا في تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع من لبس خاتم ذهب؛ يعني النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الذهب حلال على الإناث وحرام على الذكور، جاء أحد الصحابة وكان لابسا خاتم ذهب ربما لم يعلم ربما لسبب أو لآخر لا نعلم ما السبب في لبسه، فالنبي صلى الله عليه وسلم يعني وأمام الناس جاء وخلع خاتمه وطرحه في الأرض وقال: «يعمد أحدكم إلى جمره من نار فيضعها في يده». فهنا النبي صلى الله عليه وسلم ما استعمل الرفق، إنما استعمل الشدة، فهو يستعمل الشدة في موضعها والرفق في موضعه، وإن كان أكثر تعامله صلى الله عليه وسلم بالرفق، لكن إذا اقتضى الأمر أن يشتد فانه يشتد.

قال هنا: في حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم وهذا والرفق من حسن الخلق، وأيضا فيه رد السلام مرارا إذا كرره المسلم على ما جاء في بعض الروايات، طبعا الرواية التي ذكرها المؤلف هنا ما فيها رد السلام، يقول: جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ارجع ف... لكن جاء في بعض الروايات في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم رد عليه السلام، يرد عليه ثم يقول له: ارجع فصلي فانك لم تصل، ولعل الروايات التي لم يذكر فيها الرد يعني أغفله الراوي للعلم به، لأنهم يعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم لن يترك الرد فلم يذكره الراوي.

قال الثاني: تكرر من الفقهاء رحمهم الله تعالى الاستدلال على وجوب ما ذكر في هذا الحديث وعدم وجوب ما لم يذكر فيه، يعني أن الفقهاء رحمهم الله تعالى جعلوا هذا الحديث أصلا، فما ذكر فيه من الأمور فإنهم يجعلونه من الواجبات، وما لم يذكر فيه فإنهم يستدلون بهذا الحديث على عدم وجوبه.

قال رحمه الله في الاستدلال على المسألتين: على وجوب ما ذكر وعلى عدم وجوب ما لم يذكر. قال: فأما وجوب ما ذكر فيه فلتعلم به؛ يعني يقول: إنما وجب ما ذكر فيه فلانه مامور به، جاء الأمر به، ومقتضى الأمر الوجوب: ﴿إذا قمت إلى الصلاة فكبر﴾ فكبر تكبيرة الإحرام، ومقتضى الأمر الوجوب، فتكون تكبيرة الإحرام واجبة، يقصد بها أنها ليست مندوبة.

وأما عدم وجوب غيره فليس ذلك لمجرد كون الأصل عدم الوجوب، بل لامر زائد عن ذلك، وهو أن الموضع موضع تعليم وبيان للجاهل وتعريف لواجبات الصلاة، وذلك يقتضي انحصار الواجبات بما ذكر. يعني يقول: كوننا نستدل بهذا الحديث على أن ما لم يذكر فيه ليس بواجب ليس من باب أن الأصل براءة الذمه وهو وإن كان دليلا، لكن يقول: عندنا دليل أقوى، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المقام يعلم إنسانا جاهلا، فالأصل أن ما لم يذكره فانه لا يجب، لأنه لو كان يجب للزم من ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر البيان عن وقت الحاجة، وذلك لا يجوز، لا يجوز تأخر البيان عن وقت الحاجة، ولذلك قال: ويقوي مرتبة الحصر أنه عليه الصلاة والسلام ذكر ما تعلقت به الإساءة من هذا المصلي، وما لم تتعلق به إساءته من واجبات الصلاة، وهذا يدل على أنه لم يقتصر المقصود على ما وقعت فيه الإساءة فقط. يعني يقول: النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث ما ذكر فقط ما أخل به المصلي، إنما ذكر حتى ما لم يخل به، ذكر تكبيرة الإحرام، يقول: تكبيرة الإحرام الأصل أنه جاء بها، الذي يبدو والله أعلم أنه أخل به الطمانينة ولذلك كررها في كل ركن، ومع ذلك قال: فكبر، ثم قال: ما تسر...

ثم اركع، هل كان لا يركع؟ هل كان لا يسجد؟ بل كان يركع ويسجد، لكن كان لا يطمئن، لذلك يقول: هذا مما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم هنا ذكر أمورا أخل بها وأمورا لم يخل بها، يقول: هذا مما يدلك على أن النبي صلى الله عليه وسلم قصد حصر الواجبات فيما ذكر، لأن بعض الفقهاء رحمه الله تعالى قالوا: لا، النبي صلى الله عليه وسلم هنا فقط ذكر ما أخل به، هناك أشياء لم يخل بها لذلك النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكرها، فهنا رد عليهم بأنه النبي صلى الله عليه وسلم ذكر ما أخل به وما لم يخل به.

قال: إذا تقرر هذا -الآن سيذكر لك- إذا تقرر ما ذكر سابقا من أن ما ذكر فيه فهو واجب، وما لم يذكر فيه فغير واجب، قال: إذا تقرر هذا؛ كل موضع اختلف الفقهاء في وجوبه وكان مذكورا في هذا الحديث فلنا أن نتمسك به في وجوبه، عملا بهذه القاعدة. إذا وجدت العلماء اختلفوا في مسألة من المسائل، مثلا لو اختلفوا في تكبيرة الإحرام وإن كان تكبيرة الإحرام ليس فيها خلاف، لكن لو فرض أنهم اختلفوا في تكبيرة الإحرام فقال بعضهم هي واجبة وقال بعضهم ليست بواجبة وهي مذكورة في هذا الحديث فنتمسك بهذا الحديث على وجوبها.

المسألة الثانية قال: وكل موضع اختلف ولم يكن مذكورا في هذا الحديث فلنا أن نتمسك به في عدم وجوبه، أن نتمسك بالحديث في عدم وجوبه لكونه غير مذكور في هذا الحديث على ما تقدم من كونه موضع تعليم وقد ذكرنا قبله مع ذلك على قصد ذكر الواجبات. يعني يقول: إذا اختلف العلماء في مسألة هل هو واجب أو ليس بواجب وليس مذكورا في هذا الحديث، مثلا لو قلنا التشهد الأول، اختلف العلماء هل هو واجب أو ليس بواجب وليس مذكورا في هذا الحديث، فهنا الذين يقولون ليس بواجب لهم التمسك بهذا الحديث على أنه غير واجب، لأنه لو كان واجبا لذكر، إضافة إلى أن هذا الباب باب تعليم وهذا المصلي كان جاهلا. أيضا المساله الثالثة، طبعا هذا مجرد مثال وإن كان التشهد واجبا لكن دلت عليه أدلة أخرى.

الثالث هو: كل موضع اختلف في تحريمه فلك أن تستدل بهذا الحديث على عدم تحريمه، لأنه لو وجب التلبس بضده فإن النهي عن الشيء أمر باحد أضداده، ولو كان التلبس بالضد واجبا لذكر على ما قررناه، فصار من لوازم النهي الأمر بالضد، ومن لوازم الأمر بالضد ذكره في الحديث على ما قررناه، فاذا انتفى ذكره -أعني الأمر بالتلبس بالضد- انتفى ملزومه هو الأمر بالضد، وإذا انتفى الأمر بالضد انتفى ملزومه هو النهي عن ذلك الشيء. يعني يقول: كل موضع اختلف في تحريمه، مثلا لو قلنا رفع البصر إلى السماء اختلف، يقول لك: أن تستدل بهذا الحديث على عدم التحريم، لماذا؟ لأنه لو حرم لوجب التلبس بضده، فإن الناهي عن الشيء أمر بأحد أضداده، ولو كان التلبس بالضد واجبا لذكر على ما قررناه؛ يعني لو جاء الحديث مثلا الأمر بتوجيه النظر إلى الأرض أو توجيه النظر إلى الإمام، قلنا: نعم، نمنع رفع النظر إلى السماء رفع البصر إلى السماء لأنه قد أمر في هذا الحديث بضده أو بأحد أضداده، فإذا لم يأتِ أمر بأحد أضداده دل على أن هذا لم يكن للتحريم، لانه لو كان للتحريم -لو كان الأمر المختلف فيه محرما- لأمر بأحد أضداده.

فهذه الثلاث طرق يمكن الاستدلال بها على شيء كثير من المسائل المتعلقة بالصلاة، لكن نبهنا إلى ثلاث تنبيهات. قال: إلا أن على التحقيق في هذا ثلاث وظائف. ما هي؟ قال: إحداها أن يجمع طرق هذا الحديث ويحصي الأمور المذكورة فيه ويأخذ بالزائد؛ فإن الأخذ بالزائد لا يجمع لا يأخذ رواية واحدة ويقول مثلا قراءة الفاتحة إذا غير مذكورة في هذا الحديث إذا لا يجب قراءة الفاتحة. لا، نقول قراءة الفاتحة عندنا فيما قرئ معك من القرآن والفاتحه واجبة، بل الحديث الآخر أو نقول هناك رواية أخرى النص فيها على الفاتحة، فلا تأخذ فقط الرواية هذه تقول إذا غيرها لم يذكر. ولذلك ابن حجر رحمه الله لما ذكر ذلك جمع الروايات في الفتح، جمع الروايات الأخرى، جمع الروايات الأخرى يعني الأوامر التي جاءت في الروايات الأخرى أنه جاءت عدة روايات، مثلا قرات الفاتحة جاء في رواية ثم اقرا بأم القرآن واقرأ بما شئت. جاء مثلا في جاء في مثلا استقبال القبلة: أسبغ الوضوء إذا قمْتَ إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبّر. فهذه كلها جاءت، ولا نقول إنها ما دام مثلا استقبل القبلة لم يذكر إذا لا القبلة؟ لا، أقول لابد أن تجمع طرق الحديث وتحصي الأمور المذكورة الزائدة على ما في هذه الرواية التي عندك.

ثم إذا جمعت الطرق كلها بامكانك أن تقول: ما ذكر فيها فهو واجب، ما لم يذكر فيها فهو غير واجب. الأمر الثاني، يقول وثانيتها: إذا قام دليل على أحد الأمرين، إما على الوجوب أو على عدم الوجوب، فالواجب العمل به ما لم يعارضه ما هو أقوى منه، وهذا في باب النفي يجب التحرز فيه أكثر، فلينظر عند التعارض بأقوى الدليلين فيعمل به. وعنّأ أنه إذا استدل على عدم وجوب شيء بعدم ذكره في الحديث وجاءت صيغة الأمر به في حديث آخر، فالمقدم صيغة الأمر، وإن كان يمكن أن يقال الحديث جاء لعدم الوجوب وتحمل صيغة الأمر على الندب، لكن عندنا أن ذلك أقوى لأن عدم الوجوب متوقف على مقدمة أخرى سنتكلم عنها قليلًا.

يعني يقول الآن مثلا قام دليل، مثلا هنا معك: إذا قمْتَ إلى الصلاة فكبّر ثم اقرأ ما تيسر من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعًا. هنا مثلا حتى تطمئن راكعًا، جاء الدليل على وجوب الطمأنينة. لو جاءنا دليل آخر على عدم وجوب الطمأنينة، لو جاءنا، نحن نفترض لو جاء دليل آخر على عدم الوجوب، فهنا تتعارض الأدلة. إذا ما جاك دليل آخر على عدم وجوب الطمأنينة خلاص تتمسك، إذا جاك الدليل الآخر فهنا تنظر ما هو الأقوى. قد يكون مثلا عندك الدليل الذي فيه وجوب الطمأنينة متقدم، والدليل الذي فيه عدم وجوب الطمأنينة متأخر، فتقول إذا الأقوى متأخر، وقد يكون العكس فتكون إذا الأقوى هو الدليل الذي يوجب لأنه يعتبر ناسخا للآخر. فهنا تنظر أي الدليلين أقوى، إذا تتمسك بهذا الحديث، تتمسك بما ورد من هذا الحديث من أمور واجبة وتتمسك بعدم وجوب ما لم يرد إلا إذا جاك دليل ثاني. إذا جاك دليل ثاني فهنا تنظر ما هو الأقوى.

قال: في باب النهي يتحرز أكثر، يعني عندنا في باب النفي، يعني عندنا مثلا تقول لا يجب كذا، لا يجب السلام، ما ذكر في حديث السلام، لكن جاءت أدلة أخرى فيها السلام، فيها وجوب السلام. فههل نقول ما دام ما ورد في حديث المسيء في الصلات إذا غير واجب؟ نقول جاءت أحاديث أخرى، قد يكون التسليم غير واجب في الصلاة ثم وجب لاحقًا، قد يكون النبي صلى الله عليه وسلم ما رآه أخل به، ما رآه أخل بالسَّلام فلم يذكره، وإنما ذكر الأمور الواجبة التي لم تخل به ليبني عليه غيره. يعني مثلا الركوع ذكره ليبني عليه الطمأنينة فيه، الاعتدال من الركوع ذكره ليبني عليه الاعتدال في القيام من الركوع، وهكذا. لكن التسليم ما ذكره لأنه لن يبني عليه شيئًا، فلذلك لابد أن تنتبه ولذلك قال: وعندنا أنه إذا استدل على عدم وجوب شيء بعدم ذكره في الحديث وجاءت صيغة الأمر في حديث، لو قدم صيغة الأمر. يعني عندنا يقول مثلا لو لم تأت رواية بوجوب قراءة الفاتحة، يعني رواية المسيء بوجوب قراءة الفاتحة، ثم جاء حديث عبادة بن الصامت: «لا صلاة لمن لم يقرا بفاتحة الكتاب». فهنا ماذا نقدم؟ نقدم النفي أنه عدم الوجوب، أو نقدم الأمر هنا؟ يعني الأمر بوجوب قراءة الفاتحة، مقدم الوجوب لأن الموجب معه زيادة علم.

قال: وإن كان يمكن أن يقال الحديث دليل على عدم الوجوب وتحمل صيغة الأمر، يعني يقول ممكن أن نجمع بين الأمرين فنقول الأمر في مثلا لو جاء حديث اقرؤوا فاتحة الكتاب وهنا ليس فيه، فنقول إذا اقرؤوا فاتحة الكتاب هذا يحمل على الندب بدليل عدم ذكرها، يقول هذا ممكن، لكن الاقوى الأول. لماذا؟ يقول لك عندنا مقدمة، يقول لأن عدم الوجوب متوقف على مقدمة أخرى، وهو أن عدم الذكر في الرواية يدل على عدم الذكر في نفس الأمر. يعني عندنا هو قال عدم الذكر في الرواية يعني يقول اللي قلناه في البداية إن ما لم يذكر في الحديث يدل على عدم وجوبه، لكن هل عدم ذكره في الرواية يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكره؟ قد يكون النبي صلى الله عليه وسلم ذكره لكن الراوي نسي ذكره، نسي روايته، فهنا عدم ذكره من الراوي لا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكره. قد تقول هذا فيه إشكال، لأنه هنا يكون نسي بعض التشريع، فيكون فيه الطعن بالصحابه أنهم نسوا بعض التشريع.

يقول لك لا، لماذا؟ لأن هذا التشريع ثبت بنصوص أخرى. يعني مثلا لو كان النبي صلى الله عليه وسلم قال له اقرأ بأم القرآن ولا جاءت رواية فيها اقرأ بأم القرآن، لو افترضنا أنه لم تأت رواية بحديث المسيء في صلاته باقرأ بأم القرآن، كل الروايات ليس فيها ذلك، فهلو كان الرواة لم يذكروا اقرأ بأم القرآن هل نقول إن هذا فيه إخلال في نقل الأحكام التي ثبتها النبي صلى الله عليه وسلم؟ لا، لأن الأمر بقراءة الفاتحة جاء في أحاديث أخرى، جاء في أحاديث أخرى. لكن لو لم يأتِ أحاديث أخرى كنا نقول نعم صحيح هنا صار الإخلال من الصحابي في نقل التشريع، لكن لما جاء في أحاديث أخرى لم يكن ذلك، ويعلم أن الله عز وجل حافظ دينه وحافظ كتابه وحافظ شرعه، لا يمكن أن ينسى الصحابة رضي الله عنهم تبليغ شيء من الدين علموه من النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يمكن أن يكون الصحابة بلغوه ولم ينقله لنا التابعون لهم بإحسان، وهذا من تمام حفظ الله لشرعه.

ولذلك يقول عدم الوجوب متوقف على مقدمة أخرى، وهو أن عدم الذكر في الرواية يدل على عدم الذكر في نفس الأمر، وهذه غير المقدمة التي قررناها وهو أن عدم الذكر يدل على عدم الوجوب؛ لأن المراد ثم هنا أن عدم الذكر في نفس الأمر من النبي صلى الله عليه وسلم يدل على عدم الوجوب. يعني يقول الأقوى أن نقول: إذا لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم هذا هو الذي يدل على عدم الوجوب، لكن قد يكون النبي صلى الله عليه وسلم ذكره لكن لم ينقله الصحابي، فانه موضع بيان، وعدم الذكر في نفس الأمر غير عدم الذكر في الرواية. وعدم الذكر في الرواية إنما يدل على عدم الذكر في نفس الأمر بطريق يقال لو كان لذكر، أو بأن الأصل عدمه. هذه المقدمة أضعف من دلالة الأمر على الوجوب.

يعني يقول إن عندنا هذا أنه في باب النفي ما لم يذكر لم يجب، عندنا قاعدة: الأصل في الأمر الوجوب، مثل الآن نمثل على قراءة الفاتحة أو التسليم في الصلاة. التسليم في الصلاة جاء الأمر بالتسليم في الصلاة، وجاء الخبر بأنه تحليلها التسليم، ولم تأت رواية فيها يعني في حديث المسيء في صلاته أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالتسليم. طيب، أي الدليلين أقوى؟ يقول لك الدليل الذي فيه الأمر بالتسليم أقوى، أن الأمر يدل على الوجوب. لماذا؟ يقول عندنا النفي هنا، نفي الذكر في الرواية، هل يدل على نفي الذكر في نفس الأمر أو لا؟ يقول لا، قد يكون جاء من النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكره الراوي. لكن يقول لو فرضنا أن نقول عدم الذكر في الرواية مساوي لعدم الذكر في نفس الأمر، لأنه لو وجب لذكر أو لأن براءه الذمة، يقول هذا مبني على مقدمة والمقدمة مبنية على مقدمة، لكن عندنا يعني فضعفت دلالتها. الشيء الذي تدل عليه بعدة مقدمات دلالته تكون أضعف من الشيء الذي تسدده مقدمة واحدة.

عندنا هذا تحليلها التسليم هذا خبر بمعنى الأمر، هذا خلاص، يقول الخبر مع الأمر والأمر الأصل فيه الوجوب. لكن هذا تقول لم يذكر، والأصل أن ما لم يذكر لم يجب، وهو لم يذكر في الروايه، والأصل أن ما لم يذكر في الرواية ليس مذكورا في نفس الأمر، وأيضا لو كان واجبا لذكر، ولان الأصل براءة الذمة، هذه كلها مقدمات تريد أن تصل فيها إلى ما تقرره. فيقول لك عندنا هذا ذكر فيه التحليل والتسليم، وهذا الخبر مع الأمر والأمر للوجوب خلاص انتهى، يقولك هذا الدليل أقوى من هذا الدليل فنأخذ به.

إذا، هذا التنبيه الثاني الذي ذكره. إذا التنبيه الأول هو أنه لا نقول ما ذكر فيه فهو الواجب وما لم يذكر فيه فغير واجب، إلا إذا جمعنا طرق الحديث كله. والامر الثاني: إذا جاءنا أمر وقلنا واجب، أو جاءنا شيء غير مامور به وقلنا غير واجب، فننظر، هذا الأصل نتمسك به إلا إذا جاء دليل أقوى، دليل أقوى فهنا ننظر للدليل الأقوى. يعني إذا جاء دليل آخر فننظر للدليل الأقوى، أما أقوى هذا أو.

عندنا يقول وأيضا فالحديث الذي فيه الأمر اثبات لزيادة فيعمل به، هذا أمر آخر وهو أن الحديث الذي فيه الأمر مثل التحليل والتسليم هذا فيه اثبات لزيادة، والأصل أن الزيادة من الثقة مقبول. قال وهذا البحث كله بناء على إعمال صيغة الأمر في الوجوب الذي هو ظاهر فيه، المخالف يخرج عن حقيقته بدليل عدم الذكر، فيحتاج الناظر المحقق في الموازنة بين الظن المستفاد من عدم الذكر في الرواية وبين الظن المستفاد من كون الصيغة للوجوب، والثاني عندنا أرجح. يعني يقول عندنا الآن موازنة بين أمرين، الأمر الأول: أن عدم ذكر هذه المساله في هذا الحديث يدل على عدم وجوبها. الظن الثاني: أن ذكر هذه المساله في الحديث الآخر بصيغة الأمر يدل على وجوبه. فأي الظنين أقوى؟ يقول الظن المستفاد من الحديث الآخر الذي فيه الوجوب أقوى.

الثالث، الثالث من التنبيهات يقول: وثالثتها أن يستمر على طريقة واحدة ولا يستعمل في مكان ما يتركه في آخر، فيتعلق نظره ويستعمل القوانين المعتبرة في ذلك استعمالا واحدا، فانه قد يقع هذا اختلاف النظر في كلام كثير من المتناظرين. يعني يقول ينبغي للفقيه الذي يستدل بمثل هذا الحديث على وجوب ما ذكر فيه وعدم وجوب ما لم يذكر فيه بعد جمع الروايات ونحو ذلك أن يستمر على طريقة واحدة، ما يجي في مسألة يقول هذا هذه المسألة واجبة بدليل ذكرها في الحديث، طيب ياتي إلى مسألة أخرى وهي مذكورة في الحديث يقول لا غير واجب، لماذا ما يكون له دليل يعني رد واضح على المسألة؟

لو كان له رد واضح مثل التنبيه الثاني أن في دليل أقوى وجاء ظن أقوى من آخر ما في إشكال، لكن كونه ياتي في مسألتين ويقرر أن إحداهما واجبة بدليل ذكرها في الحديث أو أنها غير واجبة بدليل عدم ذكرها في الحديث، ثم تاتي مسألة أخرى نفس المعطيات التي في المسألة الأولى موجودة في المسألة الأخرى ويختلف حكمها ولا يكون له جواب واضح وقوي عن الاستدلال بالحديث، فهنا يكون متناقضا. وعبر ابن دقيق العيد رحمه الله هنا بتفعل نظره لأن الثعلب من طبيعته الروغان، فيقول هذا لا ينبغي للفقيه.

وهذا ترا يعني يقع من بعض المتناظرين ومن بعض الفقهاء الذين يعني يذكرون الأدلة والردود على المخالفين في كتبهم، قد يقع منهم بعض من ذلك الذي يسامي الشارح رحمه الله هنا التفعل. ولذلك تجد، وهذا أكثر ما يمكن فعله ابن حزم (أقصد من ناقشه ابن حزم) فيما يسمى بالإلزام، إلزام المخالف. قد يقول (أقصد يعني يناقش هذه المسألة) قد يقول المخالف: أنت تقول كذا وأنت تناقض نفسك في المسألة الثانية قلت كذا. وابن دقيق العيد رحمه الله في هذا الكتاب أيضا في مسائل يقول يلزمهم كذا فهم استدلوا بكذا ويلزم على قولهم أنه كذا. والشيخ فؤاد.

الهاشمي وفقه الله له رسالة جيدة في الرد على ابن حزم للمخالفين.

طيب، نقف على هذا، ونسأل الله للجميع التوفيق والسداد. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.