دخولتسجيل الدخول

التعليق على إحكام الأحكام – كتاب الصلاة (10) باب فضل صلاة الجماعة ووجوبها شرح الحديث الأول

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا وعملاً، وصام يا كريم.

أما بعد، فهذا هو المجلس الخامس والأربعون من مجالس التعليق على أحكام الأحكام، تحرير الأحكام لدقيق العيد رحمه الله تعالى. وكنا قد انتهينا من الكلام على أبواب المواقيت في كتاب الصلاة، وندخل الآن إلى الباب الثاني في كتاب الصلاة، وهو باب فضل صلاة الجماعة ووجوبها.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم اغفر لنا ولشيخنا ولحاضرين ولجميع المؤمنين. قال رحمه الله: باب فضل الجماعة ووجوبها. الحديث الأول عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ قال: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة».

الكلام عليه من وجوه، أحدها: استدل به على صحة صلاة الفذ، وأن الجماعة ليست بشرط. ووجه الدليل منه أن لفظ «أفضل» تقتضي وجود الاشتراك في الأصل مع التفاضل في أحد الجانبين، وذلك يقتضي وجود فضيلة في صلاة الفذ، وما لا يصح فلا فضيلة فيه.

ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب عدة أحاديث، الحديث الأول: حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن رسول الله ﷺ قال: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ» أي الفرد، بسبع وعشرين درجة. هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن في هذا الحديث مسائل؛ المسألة الأولى: أن هذا الحديث يستدل به على صحة صلاة الفذ، وأن الجماعة ليست بشرط، لأنه وقع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى في حكم صلاة الجماعة على أقوال، سيذكر المؤلف رحمه الله تعالى في الحديث الثالث نشير له إجمالًا.

هناك من قال: إن صلاة الجماعة سنة، وهناك من قال: إن صلاة الجماعة فرض كفاية، وهناك من قال: إن صلاة الجماعة فرض عين. وأشد الأقوال قول من قال: إن صلاة الجماعة شرط. والفرق بين القول بأنها شرط والقول بأنها فرض عين، أن على القول بأنها شرط، فإذا لم يصلِّ في الجماعة، وإنما صلى فردًا بدون عذر، فإن صلاته لا تصح، لابد أن يصليها في الجماعة. وأما من قال إنها فرض عين، فيقول إنه إذا لم يصلها في الجماعة وإنما صلى فردًا فتصح صلاته.

هنا دقيق العيد رحمه الله تعالى يقول: إن هذا الحديث يدل على أن صلاة الجماعة ليست بشرط، وأن صلاة الفذ صحيحة. هذا الحديث يدل على ضعف القول الرابع الذي هو القول بأن صلاة الجماعة شرط، لكنه يدل على أحد الأقوال الثلاثة؛ استدل كل فريق بهذا الحديث على قوله. لكن الكلام الآن في أن هذا الحديث يدل على أن صلاة الجماعة ليست بشرط.

ما الدليل وما وجه الدليل منه؟ يقول في الحديث: «صلاة الجماعة أفضل»، فعبر بصيغة «أفعل» التي هي أفعل التفضيل. في الأصل، إذا فضل شيء على شيء في أمر ما، فإنه يقتضي وجود هذا الأمر في الشيئين؛ في المفضل والمفضل عليه، لكن وجوده في المفضل أكثر.

صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة؛ الدرجات التي فضل فيها صلاة الجماعة على صلاة الفذ تقتضي أن صلاة الفذ فيها درجات، وأن صلاة الجماعة أفضل منها بسبع وعشرين درجة. ولما كان فيها درجات، دل ذلك على أن صلاته صحيحة، وإلا لو كانت صلاته باطلة لما كان فيها درجات أصلاً. ولذلك يقول: لفظة «أفضل» تقتضي وجود الاشتراك في الأصل مع التفاضل في أحد الجانبين؛ أي اشتركا في الأصل وهو الدرجات، لكن أحدهما أكثر من الآخر.

وكون صلاة الفذ فيها درجات يقتضي وجود فضيلة في صلاة الفذ، وما لا يصح فلا فضيلة فيه. لو أن صلاة الفذ لا تصح بدون عذر، لما كان فيها درجات أصلاً، فلما كان فيها درجات دل ذلك على وجود الصحة.

سيذكر إيرادًا على هذا الدليل، وعلى وجه الاستدلال، والجواب عليه. قال رحمه الله: ولا يقال إنه قد تأتي صيغة «أفعل» من غير اشتراك في الأصل؛ لأن هذا إنما يكون عند الإطلاق، أما التفاضل بزيادة عدد فيقتضي ولا بد أن يكون ثمة جزء معدود تزيد عليه أجزاء أخرى، كما إذا قلنا: هذا العدد يزيد على ذاك بكذا وكذا من الآحاد، فلا بد من وجود أصل عدد وجزء معلوم في الآخر. ومثل هذا ولعله أظهر مما جاء في الرواية الأخرى: «تزيد على صلاته وحده أو تضاعف»، فإن ذلك يقتضي ثبوت شيء يزاد عليه وعدد يضاعف.

هنا قال: لك، قد يقول قائل إن لفظة «أفضل» تأتي أحيانًا على غير بابها، فلا يكون هناك اشتراك بين المفضل والمفضل عليه في الشيء المفضل فيه. صحيح أنها تأتي، لكن هذا عند الإطلاق؛ بمعنى أنه لا يقال: هذا أفضل من هذا بكذا، ويمثل عليه بقوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: 14]. فالخالق هو الله وحده سبحانه، ليس هناك خالق غيره، فقول «أحسن الخالقين» لا يقتضي أن هناك خالقًا آخر، لكن خلقه غير، ثم لا الله عز وجل هو الخالق وحده. وهنا لفظة «أحسن» جاءت مطلقة، ما قال: «أحسن خلقًا من كذا»، قال: ﴿أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾، فلما جاءت مطلقة لم يقتض ذلك أن يوجد هذا الشيء الذي هو صفة الخلق في المفضل عليه.

وأيضًا هذا ذكره ابن دقيق، قد تأتي وليس على الإطلاق، لكنه قليل كما يقولون: «العسل أحلى من الخل»، والخل ليس فيه ذرة حلاوة، لكن هذا قليل في اللغة، والأكثر في اللغة أن يكون المفضل والمفضل عليه مشتركين في المفضل فيه، والأصل حمل الحديث أو النص الشرعي على ما كان أكثر في اللغة لا ما كان على القليل؛ لذلك قال: ولا يقال إنه قد تريد من غير اشتراك في الأصل؛ لأن هذا إنما...

يكون عند الإطلاق، كما قلنا تبارك وتعالى، حالتان، وكذلك يستعمل أحياناً ليس عند الإطلاق، عند التقييد، لكنه على قلته، كما يمثل: العسل أحلى من الخلف.

قال: أما التفاضل بزيادة عدد، مثل هنا: أفضل بكذا بسبع وعشرين درجة، فيقتضي -ولا بد أن يكون ثمة جزء معدود يزيد عليه أجزاء أخرى- كما إذا قلنا هذا العدد يزيد بكذا وكذا حداً؛ فلا بد من وجود أصل العدد. فإذا قلنا مثلاً: مال محمد أكثر من مال زيد بمئة ريال، فالأصل أن يكون مع زيد مال، لكن محمداً أكثر منه بمئة ريال، وهكذا. هنا صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة، فتكون في صلاة الفذ درجات، لكن صلاة الجماعة أكثر منها بسبع وعشرين.

يقول: مثل هذا يؤيد هذا الدليل الآخر على وجود فضل في صلاة الجماعة وفضل في صلاة الفذ، ما جاء في الرواية الأخرى: «تزيد على صلاته وحده» أو «تضاعف»؛ فإن ذلك يقتضي ثبوت شيء يزاد عليه. «تزيد على صلاته وحده» يعني صلاته وحده فيها أجر وهذه أزيد منها، أو «تضاعف» يعني أن صلاته وحده فيها أجر وصلاة الجماعة أجرها مضاعف، فإن ذلك يقتضي ثبوت شيء يزاد عليه. في الرواية الأخرى زيد وعدد يضاعف، وفي الرواية الثالثة يضاعف.

الآن ذكر لك رداً لداوود الذي يرى شرطية صلاة الجماعة، رداً له أو توجيهاً له لهذا الحديث. أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: يمكن من قال بأن صلاة الفذ من غير عذر لا تصح -وهو داوود الظاهري على ما نقل عنه- أن يقول إن التفاضل يقع بين صلاة المعدود فذاً والصلاة في جماعة، وليس يلزم إذا وجدنا محملاً صحيحاً للحديث أكثر من ذلك.

ويجاب عن هذا بأن الفذ معرف بالألف واللام، فإذا قلنا بالعموم دل ذلك على فضيلة صلاة الجماعة على صلاة كل فذ، فيدخل تحته الفذ المصلي من غير عذر. أحسنت، يعني ممن ذهب إلى شرطية صلاة الجماعة، والظاهري رحمه الله تعالى، فيقول يمكن أن يجيب عن هذا الحديث بأن يقول: نعم، هذا الحديث يدل على صحة صلاة الفذ، لكن هذا الحديث نراه أنه مطلق فيصدق على بعض الصور، الصورة التي يصدق عليها هي ما إذا كان الفذ معذوراً، فنحمل عليه.

«وليس يلزم إذا وجدنا محملاً صحيحاً للحديث أكثر من ذلك»، يعني لا يلزم أن نحمل الحديث على كل محامله ما دمنا نجد محملاً واحداً صحيحاً فنحمله عليه. لكن أجاب ابن دقيق العيد رحمه الله عن هذا يقول: نقول هذا الحديث ليس من باب المطلق إنما من باب العام؛ الإطلاق يحمل على بعض صوره، والعام يشمل جميع الصور.

لماذا هو عام؟ لأن الفذ معرف بالألف واللام، فيكون دالاً على العموم، فيدل هذا الحديث على أن صلاة الجماعة مفضلة على كل صلاة فذ بسبع وعشرين درجة، ومن الصور التي تدخل عليها ما إذا كان الفذ غير معدوم، فإذا دخلت هذه الصورة في هذا الحديث دل على صحة صلاة الفذ بغير عذر، ويترتب عليه أيضاً ضعف القول بأن صلاة الجماعة شرط.

طبعاً هذا الحمل صحيح أنه يحمل على العموم، لكن المعذور نقول جاء تخصيصه؛ الأصل في الحديث الحمل على العموم، جاء تخصيصه في حديث أبي موسى عند البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا مرض العبد سابق، كتب الله له ما كان يعمل معافىً صحيحاً مقيماً». فيخصص المعذور إذا كان من عادته صلاة الجماعة، فنقول: شخص مرض وكان من عادته أن يصلي في الجماعة فصلى فذاً بمرضه، فهنا يكتب له أجر الجماعة، ولا تكون صلاة الجماعة فاضلة عليه؛ لأن للحديث عذراً، أما من ليس من عادته صلاة الجماعة على صحته ثم لما مرض صلى فذاً، فنقول: لا يكتب له أجر الجماعة؛ لأنه في صحته لم يكن يصلي في جماعة، فلم يكن هذا العذر هو الذي منعه من صلاة الجماعة.

أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: الثاني، قد ورد في هذا الحديث التفضيل بسبع وعشرين درجة، وفي غيره التفضيل بخمس وعشرين جزءاً، فقيل في طريق الجمع إن الدرجة أقل من الجزء، فتكون الخمس وعشرون جزءاً تساوي سبعاً وعشرين درجة. وقيل: بل هي تختلف باختلاف الجماعات وأوصاف الصلاة، فما كثرت فضيلته كان أكثر مضاعفة ممن قلت فضيلته. وقيل: يحتمل أنه يختلف باختلاف الصلوات، فما عظم فضله منها عظم أجره وما نقص عن غيره نقص أجره. ثم قيل بعد ذلك: الزيادة للصبح والعصر، وقيل للصبح والعشاء، وقيل: يحتمل أن يختلف باختلاف الأماكن كالمسجد مع غيره.

هنا ذكر لك أنه جاء في هذا الحديث بسبع وعشرين درجة، وجاء في رواية أخرى في الصحيح بخمس وعشرين جزءاً، فما الجمع بينهما؟ ذكر المؤلف رحمه الله تعالى هنا ثلاثة أوجه للجمع.

الوجه الأول: الجمع بينهما بأن الدرجة أقل من الجزء، فخمس وعشرون جزءاً تساوي سبعاً وعشرين درجة، هذا كرهه بعض أهل العلم، لكن النووي رحمه الله رده وقال: هذا غفلة من قائله؛ ففي الصحيحين بعض الروايات سبع وعشرون درجة، وفيهما خمس وعشرون درجة، فعبر بالسبع وبالخمس، وكلاهما للدرجة، قال: فاختلفت القدر مع اتحاد لفظ الدرجة، وهذا يدل على أنهما بمعنى واحد.

الحل الثاني: أن يقال اختلف باختلاف الجماعات وأوصاف الصلاة، فما كثرت فضيلته كان أكثر مضاعفة مما قلت فضيلته، وهذا القول قواه المازري رحمه الله تعالى. ومعناه مثلاً أن الخاشع يزيد أجره على غير الخاشع، والأكثر جماعة يزيد على الأقل جماعة، وهكذا.

القول الثالث: اختلاف الصلوات، فما عظم الفضل عظم أجره وما نقص عن غيره نقص أجره، يعني ينظر إلى الصلاة نفسها. ما الصلاة المفضلة هنا؟ اختلف أهل هذا القول بالصلاة المفضلة؛ منهم من قال الزيادة للصبح والعصر لأنه جاء في الحديث أنه يتعاقب فيكم ملائكة بالليل والنهار، وسُمِع في صلاة العصر، وقيل الصبح والعشاء، وهذا لا تفرقة عن بعضهم، والقول الآخر عن بعضهم، وهذا لأن صلاة الشفع العشاء أكثر، قال: سبع وعشرون للصلوات الجهرية، وخمس وعشرون للصلوات السرية، وهذا ما إليه ذهب ابن حجر رحمه الله في الفتح. لكن الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى في تعليقه على الفتح انتقد هذا القول، وهو ذكر أن الأظهر أنه شامل في الصلوات الجهرية.

والسرية قال وقيل يحتم يختلف باختلاف الأماكن كالمسجد مع غيره، فإذا صليت الجماعة في المسجد تكون مثلاً بـ 27 صلاة، الجماعة في البيت مثلاً أو في السوق فتكون 25، وهكذا. منهم من قال إن الـ 25 هي الأولى؛ يعني أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم أولاً ثم أخبر لاحقاً بالـ 27، فتكون 27 بمثابة الناسخة للـ 25، لكن هذا القول فيه إشكال؛ لأنه يحتاج إلى بيان التاريخ، وأن حديث الـ 25 متقدم على حديث الـ 27، وذكرت أقوال أخرى في الجمع بينهما، ابن ملقن رحمه الله ذكر في شرحه 13 وجهاً للجمع يرجع إليه من أراد ذلك.

قال رحمه الله: الثالث، وقع بحث في أن هذه الدرجات هل هي بمعنى الصلوات؟ فتكون صلاة الجماعة بمثابة 25 صلاة أو 27، أو يقال إن لفظ الدرجة والجزء لا يلزم منهما أن يكون بمقدار الصلاة؟ والأول هو الأظهر؛ لأنه ورد مبيناً في بعض الروايات، وكذا لفظة تضاعف مشعرة بذلك.

هنا أيضاً جاء خلاف بين أهل العلم رحمه الله تعالى في معنى 25 درجة أو 27 درجة، ما المراد بها؟ هل المراد بها أنها تضاعف عليها مثلاً بـ 25 صلاة أو 25 درجة لا نعلم مقدارها؟ يقول لك وقع خلاف رحمه الله تعالى في هذا، فمنهم من قال إن الدرجة أو الجزء بمثابة الصلاة، فإذا قلنا صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد بـ 27 درجة يعني بـ 27 صلاة، ومنهم من قال لا، المراد درجة أو جزء ليست محددة بالصلوات. ابن دقيق العيد رحمه الله يقول الظاهر هو الأول، لماذا؟ لأنه جاء في بعض الروايات ما يبين ذلك، حيث جاء في بعض طرق الحديث عند مسلم: «صلاة الجماعة تعدل 25 من صلاة الفرد»، وفي بعض الروايات: «صلاة مع الإمام أفضل من 25 صلاة يصليها وحده»، وجاء في المسند من حديث ابن مسعود: «صلاة الجماعة تفضل على صلاة الرجل وحده 25 ضعفاً، كلها مثل صلاته». إذاً هذه الروايات تبين أن الدرجة والجزء بمثابة الصلاة، أيضاً قال لفظة تضاعف مشعرة بذلك، أنه قال تضاعف على كذا، في بعض الروايات تضاعف، وهذا دليل على أن المضاعفة واقعة للصلاة ذاتها.

قال رحمه الله: الرابع، استدل به بعضهم على تساوي الجماعات في الفضل، وهو ظاهر مذهب مالك رحمه الله. قيل وجه الاستدلال أنه لا مدخل للقياس في الفضائل، وتقريره أن الحديث إذا دل على الفضل بمقدار معين مع امتناع القياس اقتضى ذلك الاستواء في العدد المخصوص، ولو قرر هذا بأن يقال دل الحديث على فضيلة صلاة الجماعة بالعدد المعين فتدخل تحته كل جماعة، ومن جملتها الجماعة الكبرى والجماعة الصغرى والتقدير فيهما واحد بمقتضى العموم كان له وجه. ومذهب الشافعي رحمه الله زيادة الفضيلة بزيادة الجماعة، وفيه حديث مصرح بذلك ذكره أبو داود: «صلاة الرجل مع الرجل أفضل من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أفضل من صلاته مع الرجل»، والحديث فإن صح من غير علة فهو معتمد.

يقول استدل بالحديث بعض العلماء على تساوي الجماعات في الفضل، فسواء كانت جماعة عددهم اثنان أو جماعة عددهم 100 فأجرهم واحد، قال وهذا ظاهر مذهب مالك رحمه الله. طيب ما وجه الاستدلال من هذا الحديث؟ يقول وجه الاستدلال أنه لا مدخل للقياس في الفضائل، فالحديث دل على الفضل بمقدار معين فامتنع القياس فيقتضي ذلك الاستواء في العدد المخصوص؛ يعني الحديث جاء صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد بـ 27 درجة فأطلق صلاة الجماعة، ولم يقل الجماعة الكثيرة أو الجماعة القليلة، أطلق، والفضائل لا مدخل للقياس فيها، لذلك تجدون في بعض الأذكار اليسيرة أجرها عظيم جداً أعظم من بعض الأذكار، مثلاً قول: «سبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته»، قولها ثلاث مرات في النهار أو في الليل يعدل أجراً عظيماً، كما جاء ذلك في حديث جويرية أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من عندها بعد ما صلى الصبح ثم عاد إليها وقد انتصف النهار وهي جالسة في مصلاها، فقال: «ما زلت على الحالة التي فارقتك عليها؟» قالت: نعم، قال: «لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات، لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته». يعني هذا الذكر الذي نقوله في ثوانٍ معدودة أفضل من ذكر آخر نقوله في ساعات أو نقوله في ساعة، فلا تقل هذا قليل، لا، الفضائل لا مدخل للقياس فيها.

لذلك هنا يقول لك ظاهر مذهب مالك أن الجماعة لا يختلف أجرهم بقلة الجماعة من كثرتهم، ويقول ولو قرر يقال هذا الحديث دل على فضيلة صلاة الجماعة بالعدد المعين، فيدخل تحته كل جماعة، ومن جملتها الجماعة الكبرى والجماعة الصغرى، والتقدير فيهما واحد بمقتضى العموم، كان له وجه؛ لأن الحديث عام، صلاة الجماعة مفرد مضاف فيعم كل صلاة جماعة، سواء كانت جماعة صغيرة أو جماعة كثيرة، سواء كانوا اثنين أو كانوا مئة أو ألفاً فأجرهم واحد، يضاعف على صلاة الفرد بـ 27 أو 25 درجة. هذا مذهب مالك، ومذهب الشافعي أو مذهب الإمام أحمد رحمه الله أن هناك تفاضلاً فأن الجماعة الكثيرة أفضل من الجماعة القليلة، قالوا فيه حديث مصرح بذلك عند أبي داود، حديث أبيّ رضي الله تعالى عنه: «صلاة الرجل مع الرجل أفضل من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أفضل من صلاته مع الرجل»، لكن هذا الحديث مختلف فيه هل هو صحيح أو ضعيف؟ لذلك القاضي عياض رحمه الله قال: قد جاءت آثار بتضعيف الأجر بقدر العدد في الجماعة وليست بالثابتة، هكذا قال القاضي عياض، والحديث صححه جمع أو حسنه جمع بعضهم صححه وبعضهم حسنه من أهل العلم رحمهم الله تعالى، ولذلك يقول ابن الملقن رحمه الله هنا: «فإن صح من غير علة فهو معتمد»، يعني العبرة بصحة هذا الحديث، فإن صح فنقول به، وإن لم يصح فالقياس مع مالك رحمه الله تعالى.

قال ابن العطار من فوائد الحديث إطلاق الفضيلة في الجماعة سواء تبدد قلب المصلي في الجماعة أو لم يتبدد لطلب الشرع لها والحث عليه، وهذه قد يقع لبس عند بعض العباد يقول: أنا إن صليت وحدي في البيت خشعت واجتمع قلبي ونحو ذلك، وإن صليت في الجماعة تشوش قلبي، فهل أصلي في البيت أو أصلي في الجماعة؟ أقول بل تصلي الجماعة، الله عز وجل والنبي صلى الله عليه وسلم هنا حث على الجماعة ولم يستثن شيئاً، ولذلك قال: إطلاق الفضيلة في الجماعة سواء تبدد قلب المصلي أي تفرق قلبه في الجماعة أو لم يتبدد لطلب الشرع لها والحث عليه، فلا نقول هنا إنك تنظر ما الأصلح لقلبك في الأمور المستحبة، الأمور المستحبة، كصلاة التراويح، شخص يقول أنا لو صليت التراويح في الجماعة لا أخشع ولا أتدبر القرآن، وإذا صليت وحدي أرتاح وأتدبر، فالأفضل في الجماعة على خلاف بينه رحمه الله تعالى، لكن صلاة الجماعة الواجبة لا نقول انظر ما الأصلح لقلبك، هي واجبة ولا ينظر إلى ما هو أصلح لقلبه لكونها واجبة، يلزم الإتيان بها. طيب نقف على هذا، ونسأل الله للجميع التوفيق والسداد، صلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.