دخولتسجيل الدخول

التعليق على إحكام الأحكام – كتاب الصلاة (9) باب المواقيت شرح الحديث الحادي عشر

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا وعملاً صالحًا يا كريم.

أما بعد، فهذا هو المجلس الرابع والأربعون من مجالس التعليق على أحكام الأحكام، شرح عمدة الأحكام للحافظ ابن قدامة رحمه الله تعالى. كنا قد توقفنا على الحديث الحادي عشر من أحاديث باب المواقيت من كتاب الصلاة.

جاء عمر رضي الله عنه يوم الخندق بعدما غربت الشمس، فجعل يسب كفار قريش، فقال: «يا رسول الله، ما كنت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والله ما صليتها»، قال: فقمنا إلى بطحان فتوضأنا للصلاة، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم العصر بعد ما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب.

فيه دليل على جواز سب المشركين لتقرير رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرًا على ذلك، ولم يعين في الحديث لفظ السب؛ فينبغي مع إطلاقه أن يحمل على ما ليس بفحش.

الحديث فيه مسائل؛ المسألة الأولى: أن فيه دليلًا على جواز سب المشركين لقوله: «فجعل يسب كفار قريش»، والدليل لتقرير رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرًا، يعني أننا لم نأخذ بفعل عمر وحده، بل لما أقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك ولم ينهاه دل على جوازه، فإذاً جوازه كان بالسنة التقريرية من النبي صلى الله عليه وسلم.

قال: ولم يعين في الحديث لفظ السب، هل سبهم بلفظ فاحش أو لفظ خفيف؟ فهل نقول إن هذا لما لم يعين، يعتبر دليلاً على العموم فنقول: يجوز سب الكفار بكل لفظ سواء كان فاحشًا أو كان أمرًا خفيفًا؟ نقول: لا، لا يدل على العموم. لماذا؟ لأن الفعل هذه جاءت بصيغة «فجعل يسب»، فالفعل لا يدل على العموم، الفعل يدل على الإطلاق، والإطلاق يعني أنه يدل على الوجود، لكن لا يدل على وجوده بكل الصور، لا يدل على وجوده بجميع الصور.

ما الصورة التي تليق هنا؟ الصورة التي تليق هنا أنه سبهم بلفظ ليس فيه فحش؛ لذلك قال: «فينبغي مع إطلاقه أن يحمل على ما ليس بفحش». إطلاقه كما قلنا لكم أن الفعل يدل على الإطلاق لا على العموم، الإطلاق يعني يدل على وقوع الفعل ولا يدل على العموم، يعني لا يدل على الجواز بكل صورة. لا نأخذ من قوله «فجعل يسب» وتقرير النبي صلى الله عليه وسلم له أن هذا يدل على جواز سبهم بكل أنواع السب؛ لأن الفعل لا يدل على العموم إنما يدل على الإطلاق.

إذا دل على الإطلاق فنقول: يجوز في بعض الصور، ما الصورة الجائزة؟ يقول: «ينبغي أن يحمل على ما ليس بفحش»، ما ليس بفحش؛ لأن هذا هو اللائق بمنصب عمر رضي الله تعالى عنه، وأيضًا هو اللائق بتقرير النبي صلى الله عليه وسلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث لم يكن فاحشًا ولا متفحشًا، وإذا كان ليس فاحشًا فإنه لا يقر الفحش، أي لا يقر الكلام البذيء.

قال رحمه الله: وقوله «يا رسول الله ما كدت أصلي العصر» يقتضي أنه صلاها قبل الغروب؛ لأن النفي إذا دخل على «كاد» اقتضى وقوع الفعل في الأكثر، كما في قوله تعالى: ﴿مَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: 199]. وكذا في الحديث قول الرسول صلى الله عليه وسلم؛ قوله: «يا رسول الله والله ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب» يقتضي أنه صلاها قبل الغروب. لماذا؟ وهو الآن ينفي، «كاد» هذه لها شأن بين الأفعال؛ فهي كما قال بعضهم: إذا أثبتت نفت، وإذا نفت أثبتت.

فإذا طبقنا هذه على الحديث: «ما كدت أصلي العصر» يعني صلى العصر حتى كادت الشمس تغرب، يعني لم تغرب، فالجملة الأولى «ما كدت أصلي العصر» هذه منفية، فإذا نفي «كاد» فإنه يقتضي وقوعه؛ يعني صلى العصر ولم تغرب الشمس، يقول: لأن النفي إذا دخل على «كاد» يقتضي وقوع الفعل في الأكثر، هذا في أكثر استعمالاتها، على أن من اللغويين من يرى أن «كاد» مثل غيرها، فإذا دخل عليه النفي فإنها تقتضي نفي الفعل، وإذا لم يدخل عليه فإنها تقتضي وقوعه، لكن الأكثر على هذا.

قد يقول قائل: الله عز وجل قال في سورة طه: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه: 15]، فإذا طبقنا على القاعدة إذا قلنا: «كاد إذا أثبتت نفت»، فإن هذا يقتضي أن الله عز وجل لم يخفِ الساعة، والله عز وجل قد أخفاها. الكلام كثير عند المفسرين في هذا، لكن من الأجوبة عن ذلك أن بعضهم قال: إن فيها مقدرًا «أكاد أخفيها حتى عن نفسي»، يعني من شدة إخفاء الله لها أنه كاد يخفيها حتى عن نفسه جل وعلا، وهناك أجوبة أخرى في هذه الآية تراجع في كتب التفسير، ومن تكلم عليها الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى في كتابه «دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب».

قال رحمه الله: وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «والله ما صليتها»، قيل في هذا القسم إشفاق منه صلى الله عليه وسلم من تركها، وتحقيق هذا أن القسم تأكيد للمقسم عليه، وفي هذا القسم إشعار ببعد وقوع هذا المقسم عليه حتى كأنه لا يعتقد وقوعه فأقسم على وقوعه، وذلك يقتضي تعظيم هذا الترك، وهو مقتضٍ للإشفاق منه أو ما يقارب هذا المعنى. وفي الحديث دليل، حيث يقول قوله صلى الله عليه وسلم: «والله ما صليتها»، قيل في هذا القسم إشفاق منه صلى الله عليه وسلم على من تركها.

عليه السلام، الآن جابلك فائدة بعيدة نوعًا ما، أقصد بعيدة عن استنباطه عن الظاهر. هذا الحديث فيه الإشفاق على من ترك الصلاة، يعني تعظيم ترك الصلاة. كيف؟ تحقيق هذا أن القسم تأكيد للمقسم عليه؛ يعني النبي ﷺ ما اكتفى بقوله: «ما صليتها»، إنما قال: «والله ما صليتها»، فأكد هذا المقسم عليه، وإنما أكده إشعارًا ببعده؛ يعني لولا أن النبي ﷺ حلف عليه لظنه بعيدًا عن النبي ﷺ ترك الصلاة أو تأخيرها عن وقتها.

لكنه أقسم على ذلك، فيقول: كونه يقسم على أمر يؤكده، هذا يدل على أنه بعيد منه ﷺ. فإذا كان هذا الترك، وهو فقط تأخير، يعتبر بعيدًا من فعله ﷺ لمحافظته ﷺ على الصلاة على أوقاتها، فما بال من حاله من يؤخر الصلوات عن وقتها بدون عذر؟ وكيف ومن يؤخر يترك الصلاة مطلقًا؟ فإنه شأنه عظيم وأمره كبير.

وقال النووي رحمه الله، يعني هناك معنى آخر لحلف النبي ﷺ: يقول إنما حلف النبي ﷺ تطييبًا لنفس عمر، ولا يشق عليه ما جرى، وتطيب نفسه؛ أكد ذلك الخبر باليمين، يعني ما قال النبي ﷺ: «وأنا ما صليت»، وقال: «والله ما صليتها» ليطيب قلب عمر.

أحسن الله لكم، قال رحمه الله: وفي الحديث دليل على عدم كراهية قول القائل: «ما صلينا»، خلاف ما يتوهمه قوم من الناس. أحسنت، هذه المسألة الرابعة دليل على عدم كراهة قول القائل «ما صلينا». بعض العلماء من المتقدمين قالوا يُكره أن يقول الرجل: «ما صلينا»، فقال في هذا الحديث دليل على عدم الكراهة. قالوا «ما صلينا»؛ لأن خاصة من حمل بعضهم ذلك على من ينتظر الصلاة، يقولون: إذا قلت «ما صلينا» وأنت جالس تنتظر الصلاة، فأنت حقيقة في صلاة؛ لأن منتظر الصلاة في صلاة، فإذا قلت «ما صلينا» هذا خلاف الحقيقة. لكن يقول النبي ﷺ وهو النبي قد قال ذلك: «ما صليتها»، فهذا الدليل على أنه يجوز قول ذلك. وقد ترجم الإمام البخاري رحمه الله في بعض الأحاديث بـ«باب قول الرجل ما صلينا»، وأورد بعض الأحاديث التي تدل على ذلك.

الله عليك. قال رحمه الله: وإنما ترك النبي ﷺ هذه الصلاة لشغله بالقتال كما ورد مصرحًا به في حديث آخر، وهو قوله ﷺ: «شُغِلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى»، فتمسك به بعض المتقدمين في تأخير الصلاة في حالة الخوف إلى حالة الأمن، والفقهاء على إقامة الصلاة في حالة الخوف. وهذا الحديث ورد في غزوة الخندق، وصلاة الخوف فيما قيل شرعت في غزوة ذات الرقاع، وهي بعد ذلك.

ومن الناس من سلك طريقًا آخر وهو أن الشغل أوجب النسيان، فالترك للنسيان؛ ربما ادعي الظهور في الدلالة على النسيان وليس كذلك. ربما ادعي الظهور في الدلالة على النسيان وليس كذلك، بل الظاهر تعليق الحكم بالمذكور لفظًا وهو الشغل. أحسنت، هذه المسألة الخامسة، وهي سبب تأخير النبي ﷺ الصلاة، التي هي صلاة العصر عن وقتها. قال: إنما ترك النبي ﷺ هذه الصلاة بشغله بالقتال كما ورد مصرحًا به في حديث آخر في قوله ﷺ: «شُغِلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى».

طيب، تأتينا مسألة أخرى، وهي: إذا شرعت صلاة الخوف، فنقول: يصلي صلاة الخوف، فما الجمع بينها وبين أحاديث صلاة الخوف؟ يقول بعض المتقدمين -وهذا نسبه القاضي عياض إلى مكحول وجماعة من الشاميين- قال بعض المتقدمين: قالوا إن هذا دليل على أن الصلاة في حال الخوف تؤخر إلى حال الأمن، ويقولون إن هذا دلل على جواز التأخير، وهذا خلاف قول جماهير أهل العلم رحمهم الله تعالى، بل إن الحافظ ابن عبد البر رحمه الله وصف هذا القول بالشذوذ. فجماهير أهل العلم رحمهم الله تعالى على أن صلاة الخوف مشروعة فيصلي، فإذا كان الإنسان مثل ذلك فيصلي صلاة الخوف، ولا يؤخر الصلاة عن وقتها، خاصة ما لا يُجمع إلى غيره كالعصر لا تُجمع إلى المغرب.

طيب، ما جواب الجمهور عن هذا الحديث؟ هناك ذكر جوابين؛ الجواب الأول: أن هذا الحديث ورد قبل شرعية صلاة الخوف، فالحديث ورد في غزوة الأحزاب وصلاة الخوف شرعت لاحقًا في غزوة ذات الرقاع، فيقولون إنه في غزوة الأحزاب لم تكن مشروعة صلاة الخوف، فلذلك أخر النبي ﷺ العصر إلى ما بعد غروب الشمس. وهذا الجواب الأول.

الجواب الثاني: بعض الناس سلك طريقًا آخر، أي أجابوا عن هذا الحديث جوابًا آخر، لم يقولوا بالنسخ، هؤلاء قالوا بالنسخ؛ نسخ هذا الفعل بشرعية صلاة الخوف، قالوا لا، هنا النبي ﷺ نسي صلاة العصر في وقتها، فالشغل، اشتغاله بحرب الكفار، أنساه صلاة العصر، فلا تعارض بينها وبين صلاة الخوف، يقولون قد تكون صلاة الخوف مشروعة فلا تعارض بينهما، فيقولون إنما أخرها نسيانًا.

لكن هنا الحافظ ابن عبد البر يقول: ربما أيضًا ادعي الظهور في الدلالة على النسيان، يعني أن هذا الحديث يدل على أنه نسيها، لكن يقول: ليس كذلك؛ يعني كونه أخرها للشغل لا للنسيان، هذا هو الظاهر. يعني الآن عندنا تأخيره لها النبي ﷺ قال: «والله ما صليت»، وقال في الحديث الآخر: «شُغِلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى»، هل يدل هذا على نسيان محتمل؟ نسيان محتمل، يعني في احتمال، لكن الاحتمال الأقوى من خلال هذه النصوص احتمال الاشتغال، اشتغال بالقتال من غير نسيان؛ فيقول: إذاً الاحتمال الظاهر هو الاشتغال وليس النسيان، لذلك قال: ليس كذلك، يعني ليس احتمال النسيان هو الظاهر، بل احتمال الاشتغال هو الظاهر، قال: «بل الظاهر تعليق الحكم بالمذكور لفظًا وهو الشغل».

وذكر القاضي عياض وجهًا ثالثًا، وهو أنهم لم يكونوا على وضوء، فلم يمكنهم ترك ما هم فيه للوضوء أو التيمم، ولا الصلاة دون طهارة، ولذلك أخروا الصلاة من العصر إلى المغرب، وهذا فيه بعد، والله أعلم.

نعم، أحسن الله عليكم. قال رحمه الله: فقمنا إلى بطحان، بطحان اسم موضع يقوله المحدثون بضم الباء وسكون الطاء، وذكر غيرهم فيه.

الفتحة في الباء والكسرة في الطاء دون الضم. أحسنت، هنا يذكر الضبط، كلمة بطحان؛ وادٍ في المدينة. قال: اسم موضع، هنا اختلف المحدثون واللغويون في ضبطه، فالمحدثون يضبطونه بضم الباء وسكون الطاء، بطحان، قال النووي: هكذا هو عند جميع المحدثين في رواياتهم وفي ضبطهم وتقييدهم. قالوا: ذكر غيرهم فيه، وهم أهل اللغة، فيه الفتحة في الباء والكسرة في الطاء، بطحان دون ضم الباء. والثاني هو قول أهل اللغة، ونقل عما قاله البكري في معجم ما استعجم، وصاحب البارع اللي هو أبو علي القالي، وأيضاً قاله أبو حاتم السجستاني رحمهم الله تعالى، لكن كما ذكرنا أن المحدثين يضبطونه هكذا بطحان بضم الباء وسكون الطاء.

نعم، السلام عليكم. قال رحمه الله: وقوله فتوضأ للصلاة، وتوضأ قد يشعر بصلاتهم معه صلى الله عليه وسلم جماعة، فيستدل به على صلاة الفوائت جماعة. أحسنت، هنا قوله فتوضأ أي النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة وتوضأ لها، هل صلوا معه؟ هنا قال وتوضأ لها فصلى العصر، هل صلوا معه جماعة أو لا؟ هذا الحديث ليس فيه تصريح لذلك، قال: قد يشعر بصلاتهم معه صلى الله عليه وسلم جماعة، فيستدل به على صلاة الفوائت جماعة. وذكر القاضي عياض أنه لا خلاف بين العلماء في التجميع في الفوائت، أن الصلاة الفائتة تجمع، يعني تصلى جماعة، قال: إلا ما روي عن الليث. مع ذلك قال النووي رحمه الله: وهذا إن صح عن الليث مردود بهذا الحديث، ولا الأحاديث الصحيحة الصريحة، يعني التي دلت على أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه الصلاة الفائتة جماعة، يعني هذا الحديث ليس فيه ظهور، لكن في أحاديث أخرى مصرحة بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه الصلاة الفائتة جماعة، مثل لما ناموا عن صلاة الفجر في السفر، فلم يستيقظوا إلا بعد طلوع الشمس، توضأ النبي صلى الله عليه وسلم وتوضؤوا وصلوا جماعة. صلى الله على نبينا محمد ورضي الله عن أصحابه، فهذا حديث صريح في ذلك، الحديث هذا يعني ليس فيه صراحة في هذه المسألة.

نعم أحسنت، قال رحمه الله: وقوله فصلى العصر فيه دليل على تقديم الفائتة على الحاضرة في القضاء، وهو واجب في القليل من الفوائت عند مالك وهي ما دون الخمس، وفي الخمس خلاف، ومستحب عند الشافعي رحمه الله مطلقاً. فإذا ضم إلى هذا الحديث الدليل على اتساع وقت المغرب إلى مغيب الشفق لم يكن في هذا الحديث دليل على وجوب الترتيب في قضاء الفوائت، لأن الفعل بمجرده لا يدل على الوجوب على المختار عند الأصوليين. وإن ضم إلى هذا الحديث الدليل على تضييق وقت المغرب كان فيه دليل على وجوب تقديم الفائتة على الحاضرة عند ضيق الوقت، لأنه لو لم يجب لم تخرج الحاضرة عن وقتها لفعل ما ليس بواجب.

فالدلالة على حكم الترتيب بين الفوائت أو بين الفائتة والحاضرة؛ الآن النبي صلى الله عليه وسلم غربت الشمس، إذاً دخل وقت المغرب، لكن لم يصلِّ العصر، توضأ صلى العصر الفائتة ثم صلى بعدها المغرب. هنا يقول: فيه دليل على تقديم الفائتة على الحاضرة في القضاء، طيب هذا واضح، لكن هل هو واجب؟ هل التقديم هذا واجب أو مستحب؟ ذكر لك الخلاف، طبعاً ذكر قول مالك والشافعي، مالك يوجبه في القليل دون الكثير. مالك يوجب الترتيب في القليل دون الكثير، القليل عنده ما دون الخمس، يعني أربع صلوات أو ثلاث أو صلاتين أو صلاة واحدة، فائتة. ما فوق الخمس فإنه لو مثلاً له يومان، فات فيهما الصلاة، ثم مثلاً له يومان يمسح على خفيه، يمسح خفيه ثلاث أيام بلياليها وهو مقيم، فاليوم الأول صلاته صحيحة، اليوم الثاني والثالث صلاته غير صحيحة لأنه مسح على الخفين بعد انتهاء المدة، طيب في مسحه هذين اليومين على خفيه نقول صلاته غير صحيحة، فيلزمه القضاء. طيب يوم جت الصلاة التي تليها تذكر، فالآن عنده عشر صلوات وعنده هذه الصلاة الحاضرة، فعند مالك رحمه الله لا يجب الترتيب هنا لأن الفوائت أكثر من خمس، وفي الخمس خلاف، هل تلحق بالقليل أو بالكثير، الخمس فيها خلاف عند المالكية هل تلحق بالقليل أو بالكثير. الإمام الشافعي رحمه الله يستحب الترتيب عنده مطلقاً. طيب الإمام أحمد رحمه الله كما مر معكم، يجب الترتيب عنده مطلقاً، يسقط في أحوال معينة، لكن الأصل عنده وجوب الترتيب.

هنا يذكرك هل الحديث فيه دلالة على وجوب الترتيب أو لا؟ يقول لك هذه تنبني على مسألتين، وهي ذكرها في نهاية المبحث، قال: عندنا مسألتان، إذا ضم إلى هذا الحديث الدليل على اتساع وقت المغرب إلى مغيب الشفق لم يكن في هذا الحديث دليل على وجوب الترتيب في قضاء الفوائت، وأن الفعل المجرد لا يدل على الوجوب على المختار عند الأصوليين. يعني عندنا مسألتين: المسألة الأولى هل المغرب وقته ممتد من غروب الشمس إلى غروب الشفق أو لا؟ أو نقول وقته بقدر فعل صلاة المغرب وإقامة ووضوء خفيفين، هذان قولان. فإذا قلنا إن قدر وقت المغرب من غروب الشمس إلى غياب الشفق الوقت طويل، نقول ليس في هذا الحديث دلالة على وجوب الترتيب، لماذا؟ الحديث ماذا فيه؟ في فعل من النبي صلى الله عليه وسلم فقط، صلى العصر ثم صلى المغرب وهذا فعل مجرد، يعني ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم، ما قال إذا وقع لكم مثل هذا فصلوا الفائتة ثم الحاضرة أو نحو ذلك، فعل فقط، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب عند جمهور الأصوليين. إذاً هذا الاحتمال الأول، نقول إذا بنيناه على مسألة امتداد وقت المغرب، إذا قلنا وقت المغرب ممتد من غروب الشمس إلى غياب الشفق، فإنه ليس في هذا الحديث دلالة على وجوب الترتيب، يعني أن هذا الحديث يقوي مذهب الشافعي، طبعاً إذا أخذنا هذا الحديث وحده من دون أحاديث أخرى فهو يقوي مذهب الشافعي أن الترتيب على الاستحباب، لماذا؟ لأن الوقت طويل، والنبي صلى الله عليه وسلم ما اقترن فعله بأمر إنما فعل هكذا، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب.

طيب هذا الاحتمال الأول، الاحتمال الثاني، وهو القول الثاني في امتداد وقت المغرب، أن المغرب فقط وقته بمقدار إقامة ووضوء خفيفين، هذا وقت المغرب. فإذا قلنا هذا القول يتقوى عندنا القول بالوجوب، لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جاء وقت المغرب ومع ذلك أخره، وأخرج المغرب عن وقتها وقدم عليها العصر، وتأخير الصلاة عن وقتها محرم، إيقاع الصلاة في وقتها واجب، فلو لم يجب الترتيب لم يقدم النبي صلى الله عليه وسلم العصر على المغرب، لقال: إذاً سنصلي المغرب، لو كان الترتيب مستحباً، لو كان الترتيب مستحباً لما أخر النبي صلى الله عليه وسلم المغرب عن وقتها وقدم عليها العصر وهو على الاستحباب، فلا يترك الواجب لأمر مستحب، لذلك قال: وإن ضم إلى هذا الحديث الدليل على تضييق وقت المغرب كان فيه دليل على وجوب تقديم الفائتة على الحاضرة عند ضيق الوقت، ليش؟ لأنه لو لم يجب الترتيب لم تخرج الحاضرة عن وقتها لفعل ما ليس بواجب.

ثم ختم لك المبحث قال: الدلالة من هذا الحديث على حكم الترتيب تنبني على المسألتين، على اللي هو امتداد وقت المغرب أو عدم امتداده، وعلى أن الفعل المجرد هل يدل على الوجوب أو لا يدل على الوجوب. يعني من الأصوليين من قال إن الفعل المجرد يدل على الوجوب، فإذا قلنا هذا خلاص، إذاً لا ننظر إلى امتداد وقت المغرب من عدم امتداده. النووي رحمه الله قال: حتى على الاحتمال الثاني فإنه ليس فيه دلالة، لماذا؟ قال: لأن هذا ما كان بعد غروب الشمس مباشرة، قال كان بعد غروب الشمس بزمن بحيث خرج وقت المغرب عند من يقول إنه ضيق، فلا يكون في هذا الحديث دلالة لهذا، وإن كان المختار أن وقت الغروب يمتد إلى غروب الشفق. يقول النووي رحمه الله إنه حتى على الاحتمال الثاني وأن وقت المغرب ضيق، ترى ما في دلالة على وجوب الترتيب، لماذا؟ لأنه مجيء عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم كان بعد غروب الشمس، ما جاء وقت الغروب لا بعد غروب الشمس بوقت، فتكون قد خرج وقت المغرب عند من يقول إن وقت المغرب ضيق، فما نقول إن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الأمر الواجب وهو إيقاع المغرب في وقتها، عند من يقول طبعاً إن وقت المغرب ضيق، لا يكون كلتا الصلاتين خرجت عن وقتها.

كون هذا هنا يتكلم عن مسألة هل في هذا الحديث دلالة على وجوب الترتيب أو ليس فيه دلالة؟ والأقرب أنه ليس فيه دلالة بمجرده على وجوب الترتيب، لكن إذا انضم إلى أدلة أخرى قد يقال إنه يتقوى بها إرادة الترتيب، لكن بمجرده ليس فيه دلالة، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.