رحمه الله، عن جابر رضي الله عنه قال: شهدت مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بلا أذان ولا إقامة، ثم قام متوكئاً على بلال فأمر بتقوى الله تعالى على طاعته، ووعظ الناس وذكرهم، ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن وقال: «يا معشر النساء تصدقن فإنكن أكثر حطب جهنم». فقامت امرأة من سِطَة النساء -من سِطَة من نساء سفعاء الخدين- فقالت: لم يا رسول الله؟ فقال: «لأنكن تكثرن الشكاة وتكفرن العشير». قال: فجعلنا يتصدقن من حليهن، يلقين في ثوب بلال من أقراطهن وخواتيمهن.
أما البداءة بالصلاة قبل الخطبة فقد ذكرناه، وأما عدم الأذان والإقامة لصلاة العيد فمتفق عليه، وكأن سببه تخصيص الفرائض بالأذان تمييزاً لها بذلك عن النوافل وإظهاراً لشرفها، وأشار بعضهم إلى معنى آخر، وهو أنه لو دعا النبي صلى الله عليه وسلم إليها لوجبت الإجابة وذلك مناف لعدم وجوبها، وهذا حسن بالنسبة لمن يرى أن صلاة الجماعة فرض على الأعيان.
هنا بدأت بالصلاة، دل عليه حديث وهذا تقدم في الأحاديث السابقة أيضاً، عدم الأذان والإقامة لصلاة العيد هذا متفق عليه، يعني أن الفقهاء أو جرى العمل عليه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاء الراشدين، جاء بعض خلفاء بني أمية فأحدث الأذان لكنه لم يستمر. بعض الفقهاء يستحب قول الصلاة جامعة قياساً على صلاة الكسوف، ورد في بعض المراسيم الزهري رحمه الله تعالى للمناضلات له بصلاة الجمعة، لكن جماعة أهل العلم رحمهم الله تعالى يرون أنها لا يشرع لها ذلك.
ثم ذكر سبب تخصيص الفرائض بالأذان دون صلاة العيد، ذكر أمرين: الأول تمييز الفرائض عن النوافل، والثاني أنه لو دعي إليها لوجبت الإجابة، وهذا المعنى الثاني يقول هو حسن بالنسبة إلى من يرى أن صلاة الجماعة واجبة على الأعيان؛ لأن هناك من أهل العلم رحمهم الله تعالى من يرون أن صلاة الجماعة ليست واجبة على الأعيان، منهم من يرى أنها فرض كفاية، ومنهم من يرى أنها سنة مؤكدة ليست واجبة على الأعيان، فهذا المعنى الثاني هذا متماش مع من يرى أن صلاة الجماعة واجبة، وهو مذهب الحنابلة رحمة الله تعالى.
وهذه المقاصد التي ذكرها الراوي من الأمر بتقوى الله، والحث على طاعته والموعظة والتذكير، هي مقاصد الخطبة، وقد عد بعض الفقهاء من أركان الخطبة الواجبة الأمر بتقوى الله، وبعضهم جعل الواجب ما يسمى خطبة عند العرب، وما يتأدى به الواجب في الخطبة الواجبة تتأدى به السنة في الخطبة المسنونة.
ذاكر بعض أهل العلم رحمهم الله تعالى أن من أركان الخطبة الواجبة الوصية بتقوى الله تعالى، وهو مذهب عند الحنابلة رحمه الله تعالى أنه لابد أن يوصي بتقوى الله تعالى، وأن بعضهم جعل الواجب ما يسمى خطبة عند العرب، يعني أنه لا يشترط تقوى الله تعالى الوصية ونحو ذلك، لكن ما يسمى خطبة عند العرب فهذا هو الواجب، المشهور عند متقدمينا هذا وهو السائد في خطب النبي صلى الله عليه وسلم.
إن ما يتأتى به الواجب في الخطبة الواجبة يتأدى بالسنة في الخطب المسنونة، يعني عندنا خطبة الجمعة واجبة فتتأدى بالأمر بتقوى الله عز وجل، خطبة العيد مستحبة السنة بالوصية بتقوى الله عز وجل.
وقوله عليه السلام: «تصدقن فإنكن أكثر حطب جهنم»، فيه إشارة إلى أن الصدقة من دوافع العذاب، وفيه تعليل الأمر لأنهن أكثر حطب جهنم، فما بعد الفاء علة لما قبلها، فهو يقول: تصدقن لأنكن أكثر حطب جهنم، يعني أنكن إذا تصدقتن فإنكن بإذن الله تنجون من العذاب.
وفيه أيضاً إشارة إلى الأغلاظ في النصح بما لعله يبعث على إزالة العيب أو الذنب للذين يتصفون بهما، صدقن فإنكن أكثر حطب جهنم، فيه إغلاظ، لكن كان الإغلاظ للمصلحة.
وفيه أيضاً العناية بذكر ما تشتد الحاجة إليه من المخاطبين، وفيه بذل النصيحة لمن يحتاج إليها.
وقوله فقامت امرأة من سِطَة النساء، فيه لجوء وجهان: أحدهما ما ذهب اليه بعض الفضلاء الأدباء من الأندلسيين أنه تغيير أي تصحيف من الراوي كأن الأصل من سَفَرَة النساء، فاختلطت الفاء باللام فصارت طاء، ويؤيد هذا أنه ورد في كتاب ابن أبي شيبة والنسائي من سفرة النساء، وفي رواية أخرى فقامت امرأة من غير عُليّة النساء.
الوجه الثاني تقرير اللفظ على الصحة، وهو أن تكون اللفظة أصلها من الوسط الذي هو الخيار، وبهذا فسره بعضهم من عُليّة النساء وخيارهن، وعن بعض الرواة من واسطة النساء، وهنا من سِطَة النساء ذكر أن فيها احتمال، إما أن تكون مصحفة وهذا نقله عياض رحمه الله تعالى عن بعض حداث شيوخه كما في إكمال المعلم، وذكر أن مما يؤيد التصحيح ورود بعض الروايات بهذا المعنى من سفرة النساء وبعضها من غير علية النساء.
المعنى الثاني أن اللفظ الصحيح من صفة النساء والمراد أنها أي من خيارهم، وكذلك وعن بعض الرواة من واسطة النساء وهذا جاء في بعض نسخ مسلم من واسطة النساء، النووي رحمه الله يقول إن المعنى من وسط النساء، من وسط النساء هذه يعني الوسط في المكان، فهي ثلاث احتمالات، أما أن تكون مصحفة أو أن تكون من واسطة النساء من عدولهن وخيارهن أو من وسط النساء في المكان.
وقوله سفعاء الخدين، الأسفع والسفعاء من أصاب خده لون يخالف لونه الأصلي من سواد أو خضرة أو غيرهما. وتعييله صلى الله عليه وسلم بالشكاة وكفران العشير دليل على تحريم كفران النعمة؛ لأنه جعله سبباً لدخول النار. وهذا السبب في الشكاية يجوز أن يكون راجعاً إلى ما يتعلق بالزوج وجحد حقه، ويجوز أن يكون راجعاً إلى ما يتعلق بحق الله تعالى من عدم شكره والاستكانة لقضائه، ولكن الاقرب والله أعلم أنه راجع إلى حق الزوج، لأن كفران حق الله تعالى هذا ليس خاصاً بالنساء.
وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد ذكر ذلك في حق من هذا ذنبه فكيف بمن له ذنوب أكثر من ذلك كترك الصلاة والقذف؟ إذا كان هذا الوعيد على من فعل هذين الذنبين، فكيف بمن له ذنوب أكثر من هذا؟ عقوبته ستكون أشد.
وأخذ الصوفية من هذا الحديث الطلب للفقراء عند الحاجة من الأغناء، وهذا حسن بهذا الشرط الذي ذكرناه شرط الحاجة، طلب الفقراء عند الحاجة من الأغنياء، كان النبي صلى الله عليه وسلم قال للصصحابة أو للنساء: تصدقن، وهو يطلب للفقراء، وكان ذلك لحاجة للفقراء.
وفي مبادرة النساء لذلك والبذل لما لعلهن يحتجن إليه مع ضيق الحال في ذلك الزمان، ما يدل على رفيع مقامهن في الدين وامتثال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد يؤخذ أنهن لم يعتبرن بقلة اليد أو أنهن لا يجدن شيئاً أو أنهن سيفكرن بالأمر ونحو ذلك، بل بادرن إلى الامتثال وهذا دليل على عظم فضلهن رضي الله تعالى عنهن.
وقد يؤخذ منه جواز وتصدق المرأة من مالها في الجملة، ومن أجاز التصدق مطلقا من غير تقييد بمقدار معين فلابد له من أمر زائد على هذا يقدر به العموم في جواز الصدقة، وكذا من خصص بمقدار معين. يعني أنه قد يؤخذ من الحديث أن المرأة يجوز أن تتصدق بمالها في الجملة، يعني أنها لا تحتاج إلى إذن زوجها.
هنا هذا جواز الصدقة يعني مطلق الصدقة يستدل به في الحديث، لكن كونها لا يعني الآن الفقهاء رحمهم الله تعالى اختلفوا، هل كونها تتصدق بغرض الزوج هذا مفتوح لها في أي مال لها أو مقيد بمال معين؟ من الفقهاء رحمهم الله من قالوا لا تتصدق بما زاد على الثلث إلا بإذن زوجها، ومنهم قال إن هذا مفتوح لها. المؤلف رحمه الله يقول: ترى الحديث يدل على الإطلاق، يعني أنها لها أن تتصدق، لكن لا يدل على أحد القولين، لا أنها تتصدق ولو بكل مالها ولا أنها لا تتصدق بأكثر من الثلث إلا بإذن زوجها، فهذا الحديث لا يدل على هذا ولا على هذا.
لماذا؟ لأن في هذا الحديث أخذنا الجواز من فعلهن فتصدقن أو فجعلت المرأة تلقي، رجعنا إليهن يلقين في ثوب بلال من أقراطهن وخواتيمهن، فأخذنا الجواز من فعلهن رضي الله تعالى عنهن، والفعل لا عموم له فلا نقول إنه ما دام أنه فعلن فإن هذا دليل على جوازه في القليل والكثير، لا نقول يدل على الجواز، لكن يجوز في القليل والكثير هذا نأخذه من أحاديث ثانية أو نأخذه من وجه السلامة من الحديث من غير الفعل هذا.
لأن من الفقهاء ومن الشراح من قال: نأخذ الجواز من يعني صدقة لنا بالقليل والكثير؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفسر هل هذا كل مالك؟ أو عندكن مال في البيت غيره؟ لم يستفسر من ذلك، وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال.
يقال لمن ذبح ذبيحته إنه بذلك قد ذبح بنية الأضحية، عدم الاستدلال بأخذ الأضحية بالنية الكافية؛ لأن الاستدلال زائد على مواد النص، لو ذبح ذاك الأضحية نعم هذا نسيت أن أقوله. المؤلف رحمه الله تعالى ذكر احتمال هذا، أنها لابد الحديث يدل على إيجاب الأضحية ابتداء أو إيجاب الأضحية في حق من اشترى بنية الأضحية، لكن هناك احتمال ثالث أن من ذبح خلاص تكفي، من ذبح بنية الأضحية هذه كافية، نيته كافية والحديث يدل عليها، الحديث في من ذبح، فنقول التعيين هي بتعيينها بالقول هذا لله ونحو ذلك أو بالفعل من الإشعار ونحوه أو كذلك بذبحها، فإذا ذبحها فإنها تعينت بذلك، أما مجرد الشراء مع النية، مجرد يشتري مع النية فهذا يعني محل خلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى والمشهور عند الحنابلة أنها لا تتعين بذلك، وفي قول آخر في المذهب أنها تتعين وهو الذي اختاره شيخ الاسلام رحمه الله تعالى، نسأل الله للجميع التوفيق والسداد، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان