دخولتسجيل الدخول

التعليق على إحكام الأحكام (27) التعليق على الحديث الأول والثاني من أحاديث باب الجنابة

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما وعملنا الصالحين يا كريم.

أما بعد، هذا هو اللقاء السابع والعشرون من لقاءات التعليقات على كتاب الأحكام للعيد رحمه الله تعالى. وكنا قد توقفنا على باب الجنابة.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم. رحمه الله تعالى، باب الجنابة، الحديث الأول عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لقيه في بعض طرق المدينة وهو جنب، قال: «من خرجت منه فذهبت فاغتسلت ثم جئت؟» فقال: أين كنت يا أبا هريرة؟ قال: كنت جنباً، فكرت أنه جالسك وأنا على غير طهارة، فقال: «سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس».

الجنابة دالة على معنى البعد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْجَارُ الْجُنُوبُ﴾ [النساء: 128]. قال الشافعي رحمه الله تعالى: إنه إنما سمي جنباً من المخالطة، ومن كلام العرب: أجنب الرجل إذا خالط امرأته. قال بعضهم: وكان هذا ضد المعنى الأول، كأنه من القرب منها، وهذا لا يلزمه؛ فإن مخالطته مؤدية إلى الجنابة التي معناها البعد عما قدمناه.

قوله: «أبي هريرة رضي الله عنه، النبي صلى الله عليه وسلم... سبحان الله إن المؤمن لا ينجس». رحمه الله تعالى، في اللغة يقول إنها دالة على معنى البعد، أي البعيد ليس قريباً نسباً من جاري. ثم ذكر عن الشافعي رحمه الله تعالى أنه سمي جنباً من المخالطة، أن العرب تقول: أجنب الرجل إذا خالط امرأة، هذا هو معنى ثانٍ في اللغة العربية. أو أنها حتى هذا المعنى يدل على البعد، ذكر يقول قال بعضهم، وهذا هو الذي نقله عن القرطبي رحمه الله تعالى صاحب المسرد الأول، يعني أنها حتى هذا يقول: فإن مخالطته مؤدية إلى الجنابة التي معناها البعد. فإما إطلاق مخالطة الزوج زوجته، وإطلاق على اعتبار الواقع، كلاهما على البعد.

قوله: "خنس" رحمه الله تعالى، فإن خنس منه الانقباض والرجوع وما قارب ذلك من المعنى. يقال: خنس لازم ومتعدٍ؛ فمن اللازم ما جاء في الحديث في الشيطان: «فإذا ذكر الله خنس»، ومن المتعدي ما جاء في الحديث: «وخنس إبهامه» أي قبضها. وقيل إنه يقال: أخنسه في المتعدي، ذكره صاحب مجمع البحرين.

فـ "خنس" تأتي لازمة ومتعدية. لازمة يعني أنه لا يأتي معها مفعول به بنفسه، وذكر مثالاً على كل منهما؛ فالمثال على اللازم ما جاء في الحديث في ذكر الشيطان، أن يكون قلبي ابن آدم، فإذا ذكر الله، يعني ذكر ابن آدم ربه عز وجل، خنس. والمتعدي كما جاء في الحديث: «وخنس إبهامه في الثالثة»، وهكذا يعني أنه جعل أصابعه كاملة.

معنى الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول إن الشهر يكون أحياناً تسعة وعشرين يوماً وأحياناً ثلاثين، فمثل لهم بأصابع يديه، فلما أراد أن يمثل تسعة وعشرين في الثالثة، ثم لتر أنه قد يأتي في المتعدي أن يقال: أخنسه. يعني أنه يفرق بين اللازم والمتعدي بأن يجعل اللازم: خنس، والمتعدي: أخنس، وهذا في اللغة ثلاثية، فإذا جعلتها رباعية وأضفت إليها الهمزة فإنها تكون متعدية، مثل لو قلت: أجلس الرجل. صاحب مجمع البحرين يا جماعة، بينهما في هذا الكتاب مجمع البحرين.

نفسه بجنابته عن مجالسة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو صحابته لاعتقاده نجاسة نفسه، هذا معناه. المؤلف رحمه الله تعالى يذكر الألفاظ الأخرى التي وردت في الخنس، فذكر: «بخست»، ومعناها جاءت في بعض رواية البخاري، ويقول يؤيده قوله في الحديث الآخر، تدل على هذا المعنى أيضاً في لفظة أخرى: «ثم بحثت ثم دخلت من بخت»، وهذا أيضاً وهو النقص، وهذه رواية البخاري، لكن وجهت على معناها بأنها اعتقد نقصانه.

وذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله أن السبب هو ذهاب أبي هريرة عن مقابلة النبي صلى الله عليه وسلم، أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا لقي أحداً من أصحابه مسح وجهه ودعا له. وهذا عند النساء بالجنابة؛ النبي صلى الله عليه وسلم كعادته، النبي صلى الله عليه وسلم على جسمه وهو يعتقد أن جسمه نجس فلا يريد أن يلقى أحداً، وهذا عند الجنابة. وهذه اللفظة تقع على الواحد المذكر والمؤنث والاثنين والجمع بلفظ واحد، قال الله تعالى في الجمع: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [النساء: 43]. قال بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم: «إني كنت جنباً»، وقد يقال جنبان وجنوب.

قوله هنا: ذكر أن هذه اللفظة "جنب" تطلق على الواحد المفرد والواحد المؤنث، وتطلق أيضاً على المثنى، يقال: هذا جنب، وهذه جنب، وهذان جنب، وهؤلاء جنب كلهم، مثالاً على ذلك للجمع في قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، وذكر مثالاً على المفرد المؤنث في قول بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم: «إني كنت جنباً». ثم لتر أنه هذا الاستعمال، وقد يقال في بعض لغات العرب إن الجنب لا تتصرف مع ما وصفت به، فيقال بدون أن يجمع.

قوله: «وأنا على غير طهارة» يقتضي استحباب الطهارة عند الأمور المعظمة، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما رد ذلك؛ لأن الطهارة لم تزل بقوله: «إن المؤمن لا ينجس». لما دل عليه لفظ أبي هريرة من استحباب الطهارة ولبسته صلى الله عليه وسلم، وفي هذا نظر.

قوله هناك: بأنه الآن يريد أن يتطهر، هذا يقتضي استحباب ذلك. قد يكون قيل: كيف أخذنا هذا الاستحباب من قول أبي هريرة والنبي صلى الله عليه وسلم ما أنكر عليه هذا الاعتقاد الذي هو استحباب الطهارة عند ملاقاة الناس؟ لكن هو أنكر عليه اعتقاده النجاسة.

لكن أنكر عليه اعتقاده أن جسمه ينجس. النبي ﷺ كان متوجهاً إلى اعتقاده، ولذلك ابن العطار أن اعتقاد النجاسة أعظم مفسدة من مراعاة المصلحة المستحبة.

إن النبي ﷺ ومصاحبتهم، وأن يكون على أكمل الهيئات وأحسن الصفات؛ يستحب لطالب العلم أن يحسن حاله مع شيخه في المجالسة، بأن يكون متطهراً متنظفاً، في إزالة الشعر المأمور بإزالته، وقص الأظافر، وإزالة الروائح الكريهة، والملابس المكروهة وغير ذلك؛ لأن ذلك من إجلال العلم والعلماء.

قال رحمه الله وفيه نظر: أقول في القول بأنه اختص الرد بكون طهارة المؤمن لم تزل بالاجتناب، ووجه النظر أنه ذكر أبا هريرة أنه كره مجالسة النبي ﷺ وهو على غير طهارة، فرد عليه ﷺ قوله إنه على غير طهارة؛ فهو في قوة «إن أنت على طهارة فجالسني»، فهو كالتقرير لاستحباب الطهارة لملابسته النبي ﷺ، أنه ﷺ أثبت القيد الذي نفاه أبو هريرة، فقرر المقيد، وهذا يتم إذا كانت كراهة الشيء تدل على استحباب خلافه والتعميم والأمور المعظمة، جاء من الإلحاق بالقياس. انتهى كلام الشيخ.

فمعنى قوله رحمه الله -وسبحان الله تعجب من اعتقاد أبي هريرة للتنجس من الجنابة- وقوله إن المؤمن لا ينجس؛ يقال: هل ينجس؟ لا يا شيخ، المشكلة عندنا مشكلة. وقول النبي ﷺ: «إن المؤمن لا ينجس».

فإذا قلت هكذا، رحمه الله تعالى، طهارة الميت من بني آدم -وهي مسألة مختلفة فيها- والحديث دل بمنطوقه على أن المؤمن لا ينجس، فمنهم من خص هذه الفضيلة بالمؤمن، والمشهور التعيين، وبعض الظاهرية يرى أن للمشرك في حال حياته، بظاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجِسٌ﴾ [التوبة: 28].

ويقال للشيء إنه بمعنى أن عينه بمعنى أن عينه، ويقال فيه إنه نجس بمعنى أنه متنجس لإصابته النجاسة، ويجب أن يحمل على المعنى الأول وهو أن عينه لا تصير كذلك، بأنه يمكن أن يتنجس بإصابته النجاسة فلا ينفى ذلك الحديث، وإن هذا الحديث يدل على طهارة الميت من بني آدم؛ لأن النبي ﷺ قال: «إن المؤمن لا ينجس»، وهو نفس المؤمن معه، فيدخل فيه الميت.

هل الكافر ينجس؟ ومنهم المشهور الثاني، لماذا أخذه لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجِسٌ﴾؟ فقالوا إنه هذا يدل على أن المشرك نجس. لكن الجمهور رحمه الله تعالى ذهبوا إلى أن المشركين نجاستهم معنوية وليست حسية، فمن لا يلامس مشركاً أن تغسلها، بدليل ما وقع من حال النبي ﷺ والصحابة رضي الله عنهم؛ أنهم يلامسون المشركين ومع ذلك لم ينقل عنهم أنهم يغسلونه، وأهل الكتاب ومع ذلك عند مجامعتها لا يلزمه أمر زائد على المسلمين.

إذاً، يبدو -والله أعلم- أنه يتكلم في قراءة ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ﴾، فإذا كان هذا المقصود، فإنه يقول: إذاً على قراءتنا «المشركون»، فإنها تحمل على النجاسة المعنوية، نجاسة العينية لا النجاسة الحسية؛ لأن المؤمن إن تصيبه النجاسة...

أحسن الله رحمه الله، وقد اختلف الفقهاء في أن الثوب إذا أصابته نجاسة هل يكون نجساً أم لا؛ منهم من ذهب إلى أن اتصال النجاسة بالطاهر موجب لنجاسة الطاهر، ومنهم من ذهب إلى أن الثوب طاهر في نفسه، وإنما يمتنع استخدامه في الصلاة لمجاورة النجاسة.

فلهذا القائل أن يقول: دل الحديث على أن المؤمن لا ينجس، ومقتضاه أن بدنه لا يتصل بالنجاسة، وهذا يدخل تحته حالة ملامسة النجاسة له فيكون طاهراً، وإذا ثبت ذلك في البدن ثبت في الثوب لأنه لا فرق بينهما. أو يقول: البدن إذا أصابته النجاسة من مواضع النزاع، وقد دل الحديث على أنه غير، وعلى ما قدمناه من أن الواجب حمله على نجاسة العين، يحصل الجواب على هذا الكلام في نجاسة العين، فيبقى طاهراً.

الحديث دال على أن المؤمن لا ينجس، فتخرج عنه حالة التنجس التي هي محل الخلاف. أحسنت. هنا يتكلم عن هل يوصف الثوب إذا أصابته نجاسة بأنه طاهر، لكن لا يصلي فيه المسلم؛ فإنه يتصل بدنه بهذه النجاسة، وإلا فهو الثوب لأنه طاهر.

يقول: دل الحديث على أن المؤمن لا ينجس، ومقتضى ذلك أن بدنه لا يتصل بالنجاسة، هذا يدخل تحته حالة ملامسته للنجاسة فيكون طاهراً. وإذا غُيب هذا، يعني يقول هذا طبعاً على قول آخر، أن حديث «إن المؤمن لا ينجس» يعني أنه لا ينجس لا معنى ولا حس؛ فيقول: أنا بدل المؤمن طاهر حتى وإن أصابته نجاسة، كذلك نقول ثوب المؤمن طاهر وإن أصابته نجاسة، لكن الواجب إزالة النجاسة، لكن لا ينتقل وصفه من الطهارة إلى النجاسة.

أو يقول احتمالاً آخر: البدن إذا أصابته النجاسة من مواضع النزاع، يعني نحن إذا اختلفنا نحن وإياكم هل نقول إنه طاهر؟ نحن نقول إنه... الحديث ماذا يقول؟ «إن المؤمن لا ينجس»، خلاص. إذاً هذا على القول بأن النجاسة... لكن يقول: إذا حملنا النجاسة في الحديث على النجاسة الحسية، إذا أصابتهم هذه البقعة من البدن، هذا لا يعد مخالفة للحديث، لأن الحديث يدل على طهارة عين البدن فقط في نجاسة العين.

يعني يقول إن هذا هو المعنى الحقيقي، كلاهما بمعنى النجاسة. إذاً على أن المؤمن وصفه للنجاسة إذا لبس النجاسة فهذا محل خلاف، ولا يدخل تحت هذا الحديث، الحديث على أن النجاسة يجب غسلها. لكن يحتمل أن يقال -والله أعلم- إن من يقول إنه يعتقد... لو كان هناك ثوبان أحدهما أصابته نجاسة والآخر طاهر، لو أن شخصاً علق ثوبين له في دولابه، أحدهما فيه نجاسة والآخر لا نجاسة، أحدهما الآخر، أنه يقول إنه مادام هذا النجس مسّ الثوب الآخر فيعتبر الثوب الآخر نجساً، فإذا كان هناك من يقول بذلك فيكون هذا الخلاف حقيقياً، والله أعلم.

نعم، أسأل الله رحمه الله. الحديث الثاني: وعائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة يغسل يديه، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلل بيديه شعره حتى إذا ظن أنه قد أروى».

بشرته، أفاض عليه من الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائرًا به، وقالت: «كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد يغترف منه جميعًا».

الكلام على حديث عائشة رضي الله عنها من وجوه؛ أحدها قولها: «كان إذا اغتسل من الجنابة». يحتمل أن يكون من باب التعبير بالفعل عن إرادة الفعل، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾؛ فنحتمل أن يكون قولها «اغتسل» بمعنى شرع في الفعل، فإنه يقال: فَعَلَ إذا فرغ، وفعِلَ إذا شرع. فإذا حملنا «اغتسل» على شرع في الفعل صح ذلك؛ لأنه يمكن أن يكون الشروع وقتًا للبدء بغسل اليدين، وهذا بخلاف قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾، فإنه لا يمكن أن يكون وقت الشروع في القراءة هو وقت الاستعانة.

ذكر المؤلف رحمه الله تعالى معنا هذا التركيب «كان إذا فعل»؛ فـ «إذا فعل الشيء» لها ثلاثة معاني: أحياناً تأتي بمعنى إذا أراد أن يفعله، وهذا المعنى الأول؛ وأحياناً تأتي بمعنى إذا شرع في فعله، وأحياناً تأتي بمعنى إذا فرغ.

في البداية، هل هي من المعنى الأول؛ إذا أردنا المعنى الأول في القرآن: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾، أي إذا أردت، لا نقول إذا في بداية الاستعاذة، يعني أنا أقصد ببيته بالاستعاذة؛ إذا أردت أن تقع. لكن إذا «اغتسل من الجنابة» غسل يديه، تحتمل أن تكون بمعنى إذا أراد، ولكن إذا أردنا غسل اليدين في أول الغسل، فهذا ليس من غسل الجنابة. وأما إذا قلنا «إذا فرغ» فهذه لا تصلح؛ لأننا لا نقول إذا أنهى الغسل من الجنابة. فإما إذا أراده سيكون هناك غسل اليدين، ولو أنه لم يمر الماء على يديه بعد هذه المرة فإنه يكفي.

الوجه الثاني: يقال «كان يفعل كذا» بمعنى أنه تكرر منه فعله، وكان عادته، كما يقال: كان فلان يقضي الضيف، وكان رسول الله ﷺ أجود الناس بالخير. وعلى التكرار، والأول أكثر في الاستعمال، وعليه ينبغي حمل الحديث. وقول عائشة: «كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل»، هنا يقول لك «كان» هذه تدل على التكرار؛ يعني أن هذا فعله ﷺ في أغساله. لكن هل تدل على التكرار الدائم أو التكرار الغالب؟ قد نقول هنا إنها تستعمل للتكرار الغالب، أي قد يعني يغتسل النبي ﷺ بدون هذه الصفة، ولم يدل على ذلك، ولكنها تدل على التكرار.

وقد تأتي «كان» لمجرد الدلالة على وقوع الفعل، وهذا يصح لكنه قليل؛ بمعنى آخر، في ذكر النبي ﷺ في حجة الوداع، كان النبي ﷺ يرمي الجمرة الضحى، وأما بعد ذلك، فإذا زالت الشمس، كان النبي ﷺ يرمي الضحى؛ هل تكرر هذا من النبي ﷺ؟

وقولها: «من الجنابة»؛ فيها معنى السببية مجازًا عن ابتداء الغاية من حيث البعد، يعني أنه يوصل بأن جنابه نشأ عن الجنابة، من المعنى الحكمي الذي يقصد، فالجنابة ليست وصفًا وليست عينًا محسوسة، بينما هذا المعنى ينشأ عن فعله الذي يوجب الطهارة. يذكر في أبواب الوضوء أن الحدث يوجب الغسل، فيقول: «يغتسل من الجنابة»، يعني من هنا للسببية؛ اغتسل بسبب الجنابة، كأنه يقول: بدء هذا الغسل من هذا الفعل، من هذا المعنى.

الوجه الرابع: لقد تبين ذلك مصرحًا به في رواية سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة؛ أنها غسلته لأجل أنه سيدخل الإناء، فغسل يديه. ولذلك يقول: هذا الاحتمال الثاني هو المقصود، أنه غسل يديه لأنه سيدخلهما في الإناء. سفيان بن عيينة عن هشام، وهذه زيادة جليلة؛ لأنه بتقديم غسل اليدين يحصل الأمن من الغفلة في أثناء الغسل.

الوجه الخامس: الطهارة الصغرى تحت الكبرى؛ فقد يقول قائل: قولها «وضوءه للصلاة» مصدر مشبه به، تقديره: وضوؤه مثل وضوءه للصلاة، فيلزم من ذلك أن تكون هذه الأعضاء المغسولة مغسولة عن الجنابة، لأنها لو كانت مقصودة للوضوء حقيقة لكان قد توضأ عين الوضوء للصلاة، فلا يصح التشبيه لأنه يقتضي تغير المشبه والمشبه به. وإذا جعلناها مغسولة للجنابة صح التغير، وكان التشبيه بالصورة الظاهرة.

وجوابه بعد تسليم كونه مصدرًا مشبهًا به من وجهين: أحدهما أن يكون شبه الوضوء على الواقع في ابتداء غسل الجنابة بالوضوء للصلاة في غير غسل الجنابة، والوضوء بقيد كونه في غسل الجنابة مغير للوضوء بقيد كونه خارجًا عن غسل الجنابة، فيحصل التغير الذي يقتضي صحة التشبيه، ولا يلزم منه عدم كونه وضوئًا للصلاة حقيقة. الثاني: لما كان وضوء الصلاة له صورة معنوية ذهنية، شبه هذا الفرد الذي وقع في الخارج بذلك المعلوم في الذهن، كأنه يقال: وقع في الخارج ما يطابق الصورة الذهنية لوضوء الصلاة.

أحسنت، هنا ذكر لفظ «وضوءه للصلاة»، هل المراد يقتضي الاستحباب بتقديم غسل أعضاء الوضوء؟ لكن هل غسل أعضاء الوضوء حقيقة؟ لا، هذا من الغسل، وإنما قدمت هذه الأعضاء على بقية أعضاء الجسم؛ لأن موجب الطهارتين بالنسبة للأعضاء واحد، يعني لما نقول يجب عليك الغسل ويجب عليك الوضوء، الذي أوجب عليك الوضوء والغسل هو فعل واحد، فإذا بدأ بغسل أعضاء الوضوء، وقلنا إنه موضوع للحقيقة، فلا يحتاج يعيد غسلها مرة ثانية إذا أراد.

وقدمت على بقية الجسد، ليست من الوضوء. ويقول إنه أين كان يجب عليه، طبعًا هل القولان خلاف في الحقيقة في النتيجة؟ عن الرسل أو غسل لهذه الأعضاء عن جنابة.

يقول سواء قلنا إن غسله في البداية أنه وضوء حقيقة، في النهاية أنه لا يجب عليه إعادة غسيل مرة أخرى، لا خلاف بينهما في النتيجة. بينهما يقول: احتمال الأول أنها وضوء حقيقة، يقول وهو بدأ بالوضوء، إذا انتهى من هذه يجب عليه أن ينوي غسل الجنابة، يعني تتأخر نية الغسل إلى ما بعد غسل هذه الأعضاء فتتأخر، وإلا فهو لا يجب عليه إعادة. الفرق بين القولين على ما ذكره الحافظ ابن حجر رحمه الله: هل يجب الإتيان بنية الجنابة مرة أخرى أو لا؟ هذا هو الفرق بين القولين.

الآن سنرجع إلى قول الحافظ ابن دقيق العيد رحمه الله، يقول: نقول هو حقيقة مشبه مشبه به، تقديره توضأ وضوءًا مثل وضوء الصلاة، فإذا كان كذلك نقول إذا غسلها يكون عن الجنابة ليس عن الوضوء، إذًا يدل على ترجيح المعنى الثاني. لماذا؟ لأنه "كنا نتوضأ مثل وضوء الصلاة"، يدل على أنه غيره؛ المشبه غير المشبه به، والمشبه غير المشبه يدل على أنه توضأ وضوءًا آخر، هذه الأعضاء إنما هو للجنابة لا للوضوء لأنه شبهه به، والمشبه مغاير للمشبه به.

الآن إجابة من وجهة نظر، الوجه الأول: الوضوء. يجيبون بالجواب الثالث؛ هلا المانع بكون... نادى حديث فيه تقدير، والقاعدة أن عدم التقدير أولى من التقدير. وعلى التسليم يكون الجواب الأول: وضوء بوضوء، فإذًا يكون نعم، نحن نقول صحيح أن هذا مشبه مشبه به، لكن هو وضوء، هذا الوضوء المتعلق بالجنابة يشبه الوضوء الذي لا يتعلق بالجنابة.

هذا معنى قوله: إن يكون شبه الوضوء الواقع في ابتداء غسل الجنابة بالوضوء، أحدهما متعلق بغسل الجنابة والآخر ليس متعلقًا به، حصل التغير. هذا الثاني يقول: كأنه يشبه، يعني لا نقول رؤوس الجنابة، يعني من منظور آخر، الإنسان يتصور الوضوء، يتصور فعل الوضوء، خلاص، بدل ما يفصل لك يقول غسل الوجه ووضوء، بالصورة الذهنية التي عندك التي تعرفها، صورة الوضوء.

طبعًا المعنى: الجواب الأول والجواب الثاني كلاهما متقاربان، لكن أحدهما من منظور أن هذا مقيد، والثاني الوضوء بالصورة التي تعرفها أنت، الوضوء مثل الصورة التي تعرفها أنت في الوضوء.

صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.