دخولتسجيل الدخول

التعليق على إحكام الأحكام (26) التعليق على الحديث 6 من أحاديث باب في المذي وغيره (حديث سنن الفطرة)

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا وعملاً صالحًا يا كريم.

هذا اللقاء السادس والعشرون من لقاءات التعليق على كتاب ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى. وكنا قد توقفنا على الحديث الأخير من أحاديث الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم اغفر لنا ولجميع الحاضرين.

قال رحمه الله تعالى: الحديث الخامس عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وتقليم...».

قال أبو عبد الله محمد بن جعفر التميمي، المعروف بالقزاز، في كتاب تفسير غريب صحيح البخاري: «الفطرة في كلام العرب تنصرف على وجوه أذكرها لتردها إلى أصلها؛ أحدها: فطر الله الخلق فطرة، أي أنشأه، والله فاطر السماوات والأرض أي خالقهما. والفطرة الجبلة التي خلق الله الناس عليها وجبلهم على كراهة ما في جسده مما هو ليس من زينته. وفي الحديث: «كل مولود يولد على الفطرة». وقال قوم من أهل اللغة: فطرة الله التي فطر الناس عليها خلقه لهم. وقيل معناها قوله على الفطرة: أي على الإقرار بالله الذي أقر به لما أخرجه من ظهر آدم. والفطرة زكاة الفطر. وأولى الوجوه بما ذكرنا أن تكون الفطرة ما جبل الله الخلق عليه، وجبل طباعهم على فعله، وهي كراهة ما في جسده مما هو ليس من زينته».

فقال غير القزاز: الفطرة السنة. هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في سنن أو في ذكر بعض سنن رسول الله ﷺ، يقول: «الفطرة خمس: الختان، والاستحداد...». والمؤلف رحمه الله تعالى ما نقله عن أبي عبد الله محمد بن جعفر التميمي في تفسير غريب صاحب البخاري، والكتاب ليس موجودًا، أقصد لم يُطبع.

الفطرة تنصرف في كلام العرب إلى استعمالات؛ فقد نقل القزاز أربعة معانٍ، ثم ذكر عن طريق القزاز معنىً خامسًا. المعنى الأول هو الخلق، وهذا هو المعنى اللغوي. والمعنى الثاني الجبلة، مثل أن يكون حياً على الفطرة، وحديث «كل مولود يولد على الفطرة»، عندنا قوم من أهل اللغة فسروه بأنه يعود إلى المعنى الأول وهو الخلق.

المعنى الثالث للفطرة، وهو وارد في الحديث «كل مولود على الفطرة»، أي الدين؛ لأن الله أخرج ذريتهم من أصلابهم وأشهد أنفسهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: 172]. وقال القزاز: الفطرة بمعنى زكاة الفطر.

ثم ذكر ابن دقيق العيد رحمه الله أن أولى هذه الوجوه الأربعة أن تكون الفطرة في المعنى الذي يُنزل على الواقع، وهو أن الله عز وجل خلق الخلق على أن يكرهوا ما يؤثر على الزينة التي في أجسادهم، أو ما يجلب الروائح؛ فذلك هو المعنى الذي اختاره من هذه الأربعة.

ثم ذكر معنىً خامسًا ذكره غير القزاز وهو السنة، وهذا المعنى ذكره الخطابي رحمه الله، ولا يقصد بها السنة المقابلة للواجب، بل إنها من سنن المسلمين. وهذا المعنى قاله الخطابي ورجحه النووي في شرح المهذب، وتبعه تلميذه ابن العطار وكذا ابن الملقب.

ورجح النووي رحمه الله أن مما يرجح أن الفطرة بمعنى السنة أنها جاءت مفسرة في صحيح البخاري من رواية ابن عمر رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: «من السنة قص الشارب». وذكر الحافظ في الفتح لما ذكر كلام النووي وأنه تابعه، أنه لم يرد ذلك في شيء من نسخ البخاري، بل الذي فيه من حديث ابن عمر ومن حديث أبي هريرة هو لفظ «الفطرة»، وذكر أنه وقع التعبير بلفظ «السنة» في حديث عائشة رضي الله عنها في مستخرج مسلم، وحديث ابن عمر.

وسبب ما ذهب إليه النووي ومن تبعه رحمهم الله تعالى أن يعزوا هذا الحديث من السنة للبخاري، وإلا فإن حديث ابن عمر هذا من السنة عند البخاري، كما ذكر الحافظ رحمه الله في الفتح.

أحسن الله إليكم. قال رحمه الله: «واعلم أن قوله في هذه الرواية: "الفطرة خمس"، وقد ورد في رواية أخرى: "خمس من الفطرة"، وبين اللفظتين تفاوت ظاهر؛ فإن الأول ظاهر الحصر، كما يقال: العالم في البلد زيد، إلا أن الحصر في مثل هذا تارة يكون حقيقيًا وتارة يكون مجازيًا. الحقيقي مثاله ما ذكرنا من قولنا: العالم في البلد، إذا لم يكن فيه غيره. ومن المجازي: «الدين النصيحة»، كأنه بلغ في النصيحة إلى أن جعلنا الدين كأنه هو النصيحة فقط، وإن كان في الدين خصائص غيرها».

وإذا ثبت في الرواية الأخرى عدم الحصر من قوله ﷺ: «من الفطرة»، وجب إزالة هذه الرواية عن ظاهرها المقتضي للحصر. وقد ورد في بعض الروايات الصحيحة أيضًا: «عشر من الفطرة»، وذلك أفرغ في عدم الحصر.

هنا يتكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن جملة الفطرة الخمس، هل تدل على الحصر؟ هل يعني سنن الفطرة فقط هذه الخمس أو لا؟ قال: «محتملة»، فهي تحتمل الحصر لظاهرها، كما قال: نظيرها: "العالم في البلد زيد"، لكن الحاصل أحيانًا يكون حقيقيًا وأحيانًا يكون مجازيًا، أي حصرًا إضافيًا. فإذا قلت: العالم في البلد زيد، وكان البلد كلها زيدًا، فالحصر حقيقي. ومثل على الحصر المجازي بقوله ﷺ: «الدين النصيحة»، كأنه بلغ في النصيحة إلى أن جعل الدين هو النصيحة فقط، والدين أمور كثيرة أخرى، وهذا في حديث عائشة عند مسلم.

أما «عشر من الفطرة» فهي أسرع في عدم الحصر؛ لأنه ذكر عشرًا، فدل على أن الخمس الواردة في حديث أبي هريرة ليست للحصر. وأيضًا أصبح من حديث «خمس من الفطرة» في حديث عائشة: الختان، وزاد إعفاء اللحية، والسواك، والمضمضة، والاستنشاق، وغسل البراجم، والاستنجاء.

هذه الخمس الواردة في حديث أبي هريرة جمعت مع السواك وغيره، ويوجد أربع تكررت في الحديثين في المجموع، والثالث عشر والخامس عشر والرابع عشر... ووصل الجمع، وهذا عند النبي ﷺ من حديث ابن عباس، فهذه خمس عشرة خصلة من خصال الفطرة جمعها الحافظ في الفتح. ولذلك ذكر ابن العرب، أما إن أراد جمع ما من ذلك يعني، مثلاً جاءت من...

الفطرة، أو من سنن المرسلين، أو من السنة، يقول: صحيح لكنها أكثر، فلا تنحصر في ثلاثين، فلتزدوا كثيرا. قد يكون قائل: لماذا النبي ﷺ قال هنا الفطرة خمس؟ ما سبب الإتيان بلفظ قد يدل على الحسد، أو الحزن؟ هذه العبارة أو هذا اللقب الذي حصل.

يقول إن النبي ﷺ كان أعلم أولاً بالخمس، ثم أعلم بزيادة، وهكذا. وقال بعضهم إن الاختلاف في ذلك بحسب المقام، فيذكر النبي ﷺ في كل المواضع اللائق بالمخاطبين. فمنهم من كان يهتمون بهذه الأمور أكثر، الذين تحدثوا يذكر النبي ﷺ في كل موضع ما يحتاج إليه المخاطبون، وهذا يفيدكم في النظر في الاختلاف بين الأحاديث في أفضل الأعمال؛ لأنه من جماعة الأحاديث التي فيها أن النبي ﷺ مرة قال: «الصلاة على وقتها»، ومرة قال: «إيمان بالله ورسوله». فهل بينهما تعارض؟ لا، بل يجيب كل سائل بما يليق به وبما يحتاجه، وهذا مثله.

ومنهم قال إنه حصل هنا للمبالغة، مثل «الدين النصيحة». وقالوا إن النبي ﷺ ذكر فيها الخمس وزيادة عليه، لكن حديثاً فيها ثلاثة وحديثاً فيها عشرة، فيبدو أنه ليس الجواب هنا. من العلماء من قال إن النبي ﷺ كان يستدل بالمفاهيم، وهي مشهورة عندهم، لكي يقال إنه أراد أن يبين أن مفهوم العدد ليس بحجة، يعني هذا أمر مستقر.

أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: «والختان ما ينتهي إليه القطع من الصبي والجارية». يقال: خُتم الصبي يُختنه، ويُختن بكسر التاء وضمها، وختاناً بإسكان التاء. الختان ما ينتهي إليه القطع من الصبي والجارية، يعني موضع الختان، وهذا صحيح في معناه اللغوي، لكن هل هذا هو المراد في الحديث؟ هل نقول إن الخامسة من الفطرة هي الختان يعني مواضع الختان، أو نقول الجلد؟ هذا هو الظاهر من المراد في الحديث التي تغطي، ومن إطلاقه على موقع الختان الذي قاله الحافظ ابن دقيق هنا: قوله ﷺ «ومس الختانه»، فالختانة هي الختان، والله أعلم.

وهو -رحمه الله- إزالة شعر العانة بالحديد، وأما إزالته بغير ذلك فهو محصل للمقصود، لكن السنة الأولى التي دل عليها لفظ الحديث هي إزالة شعر العانة، وهو الشعر فوق ذكر الرجل والمرأة. وذكر بعض الفقهاء أنه أيضاً يطلق على الشعر النابت حول الدبر، في المعروف أنه هو الذي فوق الذكر أو الفرج. والاستحداد هو إزالته بالحديد لتقطع هذا الشعر، لكن إذا أزيل بغير الآلة، أي بغير الحديد، بحيث يتساقط بسببه، فهل يدخل في الحديث؟ يقول: هو محصل للمقصود، أي يحصل به نفس ما يحصل بالحل، لكن السنة هي الأولى، وهو أن يزيله بموس أو نحوه. وفي التعبير بالاستحداد مشروعية الكناية عما يستحي منه إذا حصل الاتهام بها، ولم يقل حلق شعر لكن قال الاستحداد، والأسلوب عربي، يأتي باللفظ الذي قد يستحي منه.

نعم، أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: "مطلق ينطلق على إخفائه وعلى ما دون ذلك". واستحب بعض العلماء إزالة ما زاد على الشفة، وفسر به قوله ﷺ: «أحب الشوارب»، وقوم يرون إحفاؤها وزوالها فعلاً، ويبثرون به الإحساء. فإن اللفظة تدل على الاستقصاء، ومنه إخفاء المسألة. فقد ورد في بعض الروايات أنه "كف الشوارب"، والأصل في قص الشوارب وإحفائها وجهان: أحدهما مخالفته لزين عالمي، وقد وردت هذه العلة في نصوص في الصحيح حيث تقال في المجوس، والثاني أن زوالها عن مدخل الطعام والشراب أبلغ في النظافة.

السنة الثالثة قص الشارب، والحديث جاء بلفظ ينطبق على إخفائه، يعني قصه جداً بحيث يظهر الجلد الذي تحته، ويفسر به قوله ﷺ، فهنا ذكر أن من العلماء من قال لا يقصوا، يقص فقط ما نزل على الشفة بحيث يبدو الجلد الذي تحتها، ويفسر الإحفاء في قوله "فهو لا يقاومه"؛ فإن اللفظة "الإخفاء" تدل على الاستقصاء، يعني أنه يستقصي غاية ما يمكنه، ومنه إخفاء المسألة في السؤال. ومما يدل على أن المراد هو القص المبالغة فيه، أنه جاء في بعض الروايات أنه "نهي الشوارب".

ثم ذكر أن الأصل في قص الشوارب، النبي ﷺ كان يأمر بمخالفة الكفار فيما كان من خصائصهم وما يتميزون به، والثاني أن الأمر من الحكم أنه أبلغ في النظافة؛ لأن الشارب إذا طال فإنه ينزل على الشفة فيختلط بالطعام والشراب ويصيبه من جهمة الطعام وجسمه، فإذا قصته يتخلص من ذلك، فيكون أبلغ في النظافة.

نعم، أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: «وتقليم الأظفار: قطع ما طال عن اللحم منها»، يقال: قلم أظفاره تقليماً، والمعروف فيه التشديد كما قلنا. والقلامة ما يقطع من الظفر. وفي ذلك معنيان: أحدهما تحسين الهيئة والزينة وإزالة القباحة من طول الأظفار، والثاني أنه أقرب إلى تحسين الطهارة الشرعية على أكمل الوجوه بما عساه يحصل تحتها من الوسخ المانع من وصول الماء إلى البشرة.

وهذا على قسمين: أحدهما أن لا يخرج طولها عن العادة، فهذا هو الذي أشرنا إلى أنه أقرب إلى تحسين الطهارة الشرعية على أكمل الوجوه، فإنه إذا لم يخرج طولها عن العادة يعفى عما يتعلق بها من يسير الوسخ، وأما إذا زاد على المعتاد فما يتعلق بها من الأوساخ مانع من حصول الطهارة، وقد ورد في بعض الأحاديث الإشارة إلى هذا المعنى.

قال رحمه الله: "تقليم الأظفار عند لحم منها"، وقالوا: "كلما أظفاره تقليماً"، والمعروف فيه التشديد كما قلنا. والجوهري رحمه الله يقول: "لش الواحد فإنه يكون بالتخفيف، يقول قلمته وقلمت أظفاري"، شدد للكثرة، فإذا كان مجموعاً شدد، وإذا كان واحداً خفف. قال: وفي ذلك معنى، أي في الحكمة من تقليم الأظفار أمران: أحدهما تحسين الهيئة.

والزينة وإزالة القباحة من طول الأظفار؛ لأن إذا طال الظفر تجمعت فيه الأوساخ، فكيف يكون هذا شكله قبيحًا؟ إنه يحصل الهيئة الحسنة والزينة التامة.

الأمر الثاني أنه أيضًا فيه تحقيق أو استكمال للطهارة التامة؛ لأنه قد يكون هناك وسخ تحت الأظفار فيمنع من تمام الطهارة. ثم ذكر أن الطول على قسمين، فهذا هو الذي ينطبق عليه العلة الثانية، أنه أقرب إلى تحسين الطهارة الشرعية. إذا صار فيه وسخ فإنه يعفى عنه لأنه يسير.

وقد ورد في بعض الأحاديث الإشارة إلى هذا المعنى، أنه يؤثر في الطهارة إذا كانت هناك أظفار طويلة وفيها أوساخ. الحافظ في الفتح رحمه الله قال: إن البيهقي رحمه الله روى في «شعب الإيمان» أن قيس بن أبي حازم قال: صلى النبي ﷺ صلاة فأوهمنا فيها، أو أنه أوهمه، أي أخطأ في القراءة، فقال: «ما لي أُوهم ورفع أحدكم...».

أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: «ونتف الإبط وإزالة ما ينبت في العانة من الشعر بهذا الوجه»، أعني النتف، وقد يقوم مقامه ما يؤدي إلى المقصود، إلا أن استعمال ما دلت عليه السنة أولى. وقد فرق لفظ الحديث بين إزالة شعر العانة وإزالة شعر الإبط، تذكر في الأول الاستحداد، وفي الثانية النتف، وذلك مما يدل على رعاية هاتين الهيئتين في محليهما.

ولعل السبب فيه أن الشعر بالحلق يقوى أصله ويغلظه، ولهذا يصف الأطباء تكرار حلق الشعر في المواضع التي يراد تقويته فيها. والإبط إذا قوي فيه الشعر وغلظ جرمه كان أفرَحها، وكان أفواحًا للرائحة الكريهة المؤذية لمن يقاربه، فسنَّ فيه النتف المضعف لأصله المقلل للرائحة الكريهة. وأما العانة فلا يظهر فيها من الرائحة الكريهة ما يظهر في الإبط، من معنى المقتضي للنتف، ورجع إلى الاستحداد لأنه أيسر وأخف على الإنسان.

الأمر الخامس: "الآن" تنطقها بكسرها، وهي لغة الأسود. لكن لو أزاله بغير النتف، مثل ما تقدم في العانة، إذا أزاله بغير النتف فهو يؤدي المقصود، لكن استعمال ما دلت عليه السنة أولى. ثم ذاكر المؤلف رحمه الله تعالى سبب التفريق بين الإبط والعانة؛ فالنتف في العانة، والعانة جاء فيها الحلق.

ما سبب التفريق؟ يقول: الشعر إذا حلق يقوى أصلًا، وإذا نتف يضعف أصله. فالإبط لما كانت تظهر فيه الروائح الكريهة إذا كثر الشعر، فإنه رُعي فيه أن يُضعف الشعر لأجل أن لا ينبت سريعًا فتكثر الروائح، فشرع أن يُنتف لأجل أن يضعف فلا ينبت سريعًا ولا تكثر الروائح، بخلاف العانة؛ وإن كانت قريبة من موضع النجاسة لكن لا تظهر فيها الروائح، فالمقتضي أن تُنتف وإن يُضعف أصلها. ولما كان الاستحداد لإزالة...

الشافعي رحمه الله، ومنهم من جعله سنة وهو مالك وأكثر أصحابه، هذا في الرجال، وأما في النساء فهو مكرمة. ومن فسر الفطرة بالسنة فقد يتعلق بهذا اللفظ في كونه غير واجب؛ لوجه أحدهما أن السنة تذكر في مقابلة الواجب.

الخلاف في حكم الختان، والخلاف في حكم غيره؛ لأن ذلك أن الختان هو الذي يتعلق بالطهاره تعلقًا بيّنًا، بأنه إذا لم تُزن هذه الجلدة عن رأس الذكر، فالنجاسة المحتبسة، فهل هذه النجاسة المحتبسة مؤثرة أو غير مؤثرة؟ هذا هو الذي جعل العلماء رحمه الله تعالى يتكلمون عن الختان في أبواب الطهارة.

فذكر الخلاف في الحكم، على قوله: منهم من قال إنها واجبة، وهو الشافعي رحمه الله تعالى، وهو المذهب عند الحنابلة رحمه الله تعالى، بل إن الحنابلة على الرجال والنساء والكل. والثاني الذي ذكره، ومن يرى استحبابه، فإنه يستدل بأن الفطرة المراد بها في الحديث السنة. ويستدل على ذلك من وجه، الوجه الثاني: أن قرائنها مستحبات، يعني أنه قرين بأمور اتفق العلماء -أو لنقل أكثر العلماء- على أنها مستحبة، فتكون هذه مستحبة.

أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: والاعتراض على الأول؛ أن كون السنة في مقابلة الواجب بوضع اصطلاح لأهل الفتح والوضع اللغوي غيره، وهو الطريق، ولم يثبت استمرار استعماله في هذا المعنى في كلام صاحب الشرع ﷺ. وإذا لم يثبت استمرار في كلامه ﷺ لم يتعين حمله لفظه عليه.

إذن يقول: يعترض على الذين قالوا: النبي ﷺ قال «خمس من الفطرة»، والفطرة بمعنى السنة، إذاً هي غير واجبة لأن السنة مقابل الواجب. يقول: لا، نحن نناقشكم فيها، لأن كون السنة تقابل الواجب هذا اصطلاح متأخر، لم يكن هذا الاصطلاح مشهورًا عند التشريع في زمن النبي ﷺ.

فيقول: إن السنة في زمن التشريع، وكذلك في أصل اللغة، السنة هي الطريقة؛ في سنة المرسلين هي طريقتهم بغض النظر هل هي واجبة أم مستحبة، لكن السنة هي الطريقة. لا يستدل من هذا الحديث على أن النبي ﷺ قال «خمس من الفطرة» ومن الختان على أن الختان مستحب من هذه اللقطة، ولذلك قال: لم السنة هذه الطريقة، ولم يثبت استمرار استعمال في هذا المعنى، لا يوجد في كلام صاحب الشرع كل ما جعل في السنة أنه يراد بها الواجب.

من السنة إذا تزوج البكر أقام عندها سبعًا، وإذا تزوج السيد أقام عندها ثلاثة، في سنة النبي ﷺ ألفاظ النبي ﷺ لا تقابل الاصطلاحات المتأخرة على أن السنة تقابل الواجب، هذا جاء متأخرًا، لم يكن هذا معروفًا في عهد النبي ﷺ. وإن يقال: إذا ثبت استعماله في هذا المعنى فيدعى أنه كان مستعملًا قبل ذلك؛ لأنه لو كان الوضع غيره فيما سبق لزم أن يكون قد تغير إلى هذا الوضع، والأصل عدم تغييره.

بعضهم يقول: إن بعضهم يقرر الدليل بالعكس، يقول: إذا ثبت أن السنة مستعملة عندنا فيما يقابل الواجب، إذاً هي مستعملة عند النبي ﷺ عندنا هنا، فيكون مستعملة. قال رحمه الله: وهذا كلام لطيف وتسلسل غريب، قد يتبادر إلى الأذهان ويقال: الأصل استمرار الواقع في الزمن الماضي إلى هذا الزمان، أما أن يقال: الأصل انتقال الواقع في هذا الزمان على الزمن الماضي فلا، لكن جوابه ما تقدم. وإن يقال: هذا الوضع ثابت، فإن كان هو الذي وقع في الزمن الماضي.

فهو المطلوب وإن لم يكن في الواقع في الزمن الماضي غيره حينئذ وقد تغير، والأصل عدم التغير لما وقع في الزمن الماضي، فعاد الأمر إلى أن الأصل استصحاب الحال الماضي. أين أن الأصل استصحاب الحالة في الزمن الماضي؟ وهذا وإن كان طريفًا كما ذكرناه، إلا أنه طريق جدلي، والجدل في طرائق التحقيق سالك على محده مضيق.

وإنما تضعف هذه الطريقة إذا ظهر لنا تغير الوضع ظنيًا، وأما إذا استوى الأمران فلا بأس. وأما الاستدلال عليه؛ نجيب على الذين قالوا بثبات الاستعمال فنقول إنه مستعمل فيما قبل، والجواب معكوس. الأصل أن نقول بالعكس، أن نقول هو ثابت في الزمن الماضي، إذن في الأصل على المتغيرين، لا نقول الذي قلته إنه هو الآن ثابت، إذن الأصل أنه في الزمن الماضي مثله عندنا استصحاب الحق.

لذلك يقال: الأصل استمرار الواقع في الزمن الماضي لهذا الزمان، نقول الآن هو كذا، فالأصل أنه في الزمن الماضي كذلك. فإن كان هذا هو المطلوب، وإن لم يكن في الواقع في الزمان الماضي غيره وقد تغير؛ نقول الأصل عدم تغيير ما كان في الزمان الماضي، فالأصل في الزمان الماضي أنه يطلق السنة على ما يقابل الواجب واستمر.

والجدلية تمسك بأذنها، يعني حتى لو أنه ليس مقنعًا. من دقيق العيد رحمه الله لم يذهب هذا الجواب ولم يرتوِ هذا الجواب؛ لذلك يقول: وإنما تضعف هذه الطريقة إذا تغير الوضع ظنيًا. أن يقول لو أنه لم يتبين لنا استعمال السنة في زمن النبي ﷺ، هل تستعمل فيما يقابل الواجب؟ فهنا ما في إشكال أننا نأخذ بها كدليل، لكن إذا ظهر لنا أنها تستعمل في غير ما يقابل الواجب، نقول إذن هذه الطريقة ضعيفة.

فائدة: إذا نعيد ونقول من استدل بهذا الحديث على سنة الختان؛ استدل بأن الحديث وصف فيه الختان بأنه من الفطرة، والفطرة هي السنة، والسنة ما يقابل الواجب. هذا اصطلاح متأخر، فلا تحاكم عليه النصوص الشرعية، وإنما السنة في هذا الحديث بمعنى الطريقة، طريقة الأنبياء والمرسلين، وهي قد تكون واجبة وقد تكون مستحبة، فلا يؤخذ من هذا الحديث من هذه اللقطة أن الختان مستحب.

أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: وأما الاستدلال بالاقتران فهو ضعيف، إلا أنه في هذا المكان قوي؛ لأن لفظة الفطرة لفظة واحدة استعملت في هذه الأشياء الخمسة ولو افترقت في الحكم، أعني أن تستعمل في بعض هذه الأشياء لإفادة الوجوب وفي بعضها لإفادة الاستحباب؛ لازم استعمال اللفظ الواحد في معنيين مختلفين، وفيه إيراد في علم الأصول.

وإنما تضعف دلالة الاقتران ضعفًا بيّنًا إذا استقلت الجمل في الكلام ولم يلزم منه استعمال اللفظ الواحد في معنيين، كما جاء في الحديث: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه من الجنابة»، حيث استدل به بعض الفقهاء على أن اغتسال الجنب في الماء يفسده في كونه مكروهًا للنهي عن البول فيه، والله أعلم.

الآن يجيب على الوجه الثاني من استدلال من استدل في هذا الحديث على سنية الختان، ويقولون إنه قولنا بأمور مستحبة فنحن نحملها على المستحب، وهذا ضعيف؛ لأنه قد يعطف غير الواجب على الواجب، كما في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141]، فالعطاء غير واجب، فعطف الواجب على غير الواجب فلا يمنع أن ينطق الواجب على غيره والعكس.

لكن يقول في هذا المكان قوي، لماذا قوي؟ يقول لك الفطرة لفظة واحدة، أطلق هذا اللفظ على هذه الأشياء الخمسة، فلو قلنا إن بعضها واجب وبعضها مستحب، فإننا هنا أطلقنا اللفظة الواحدة على معنيين مختلفين، وهذه مسألة أصولية: هل يمكن أن يطلق اللفظ الواحد على معنيين مختلفين أو لا؟

أهل العلم من يقول يجوز إطلاق اللفظ الواحد على معنيين مختلفين، يطلق على الماء الحقيقي على معنيين مختلفين. فالذين يقولون يجوز، لا إشكال عندهم، كما هو رأي الشافعي رحمه الله وأيضًا شيخ الإسلام رحمه الله. لكن الإشكال يرد على من يقولون لا يجوز إطلاق اللفظ الواحد على معنيين مختلفين.

هذا الإيراد الذي أورده دقيق العيد رحمه الله، يقول هناك إذا استقلت الجمل في الكلام ولم يلزم من استعمال اللفظ الواحد في معناه الاقتران، أحيانًا تكون قوية وأحيانًا تكون ضعيفة وأحيانًا تكون متوسطة. يقول تضعف دلالة الاقتران إذا كان اللفظان مستقلين، ولا يلزم منك استعمال اللفظ الواحد في معنيين؛ مثل "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه من الجنابة"، فمن الفقهاء من يقول إنه يفسده، وهذا في هذا المجال ضعيفة؛ لأن كل جملة تشتغل وحدها، فهذا نهي عن البول في الماء الراكد، وهذا نهي عن الاغتسال فيه، فالنهي عن الاغتسال فيه لأنه يفسده بالبول في الماء الراكد.

صلى الله عليه وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.