أما بعد، فهذا هو اللقاء الرابع من لقاء التعليق على كتاب إحكام الشرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد رحمه الله تعالى، وكنا قد توقفنا في التعليق على حديث عائشة في ذكر الفأرة في باب ما يجوز قتله، ووصلنا إلى البحث الرابع.
نعم، الشيخ هزاع. قال المصنف رحمه الله تعالى: البحث الرابع: القائلون بالتخصيص بالخمسة المذكورة وما جاء معها في حديث آخر من ذكر الحية، وفَوُوا بمقتضى مفهوم العدد المؤدية إلى غيرها، يحتاجون إلى ذكر السبب في تخصيص المذكورات بالذكر. فقال من علل بالأذى: إنما خصت بالذكر؛ لينبه بها على ما في معناها، أنواع الأذى مختلفة فيها، فيكون ذكر كل نوع منها منبها على جواز قتل ما في ذلك النوع؛ نبه بالحية والعقرب على ما يشاركهما في الأذى باللسع كالبرغوث مثلا عند بعضهم، ونبه بالفأرة على ما آذاه بالنقب والتقريض كابن آعرس، ونبه بالغراب والحدأة على ما آذاه بالاختطاف كالصلقر والباز، ونبه بالكلب العقور على كل عاد بالعقر والافتراس بطبعه كالأسد والفهد والنمر. وأما من قال بالتعدية إلى كل ما لا يؤكل.
هنا المؤلف رحمه الله تعالى لما ذكر في الفائدة السابقة: هل الخمسة هذه أو ما ورد من زيادة عليها هل هي مخصوصة بأعيانها أو لا؟ ذكر الخلاف، وأن الحنفية ذكروا أنها مخصوصة بأعيانها، وأما الشافعية فعدوا ذلك إلى غيرها، وذكر الخلاف في علة التعبير: هل العلة فيها أنها مؤذية كما قال المالكية، أو العلة فيها عدم إباحة أكلها كما قاله الشافعي؟
فالآن يقول: الذين قالوا نقتصر على الخمسة، ووفروا بمقتضى مفهوم العدد (خمس فواسق) خلاص نحن اقتصرنا على خمس، فما عداها لا يجوز قتلها. طبعا سبق الجواب عليه، لكن الذين عدوا هذه إلى غيرها ما سبب إذا ورودها في الحديث بالتخصيص أو بالعدد (خمس فواسق) وذكرها خمس؟ وفي بعضها ذكر مثلا بدل العقرب ذكر الحية ونحو ذلك.
فالذين قالوا إن المذكور أن سبب التعدية الأذى فيها، قالوا: إن المذكورات يختلف نوع أذاها، فذكر من كل نوع مثال أو مثالان، قالوا إن المذكورات منها ما آذاه باللسع فذكر الحية والعقرب، ومنها ما آذاه بالنقب والتقريض فذكر الفأرة ينبه بها على أن ما عداه مما آذاه كذلك فانه داخل في الحديث، ومنها ما آذاه بالاختطاف ذكرت الحدأة والغراب يقاس عليها ما تلاها في هذه الليلة، ومنها ما آذاه بالعقر والافتراس فذكر الكلب العقور نُبِّه بها على ما سواه في العلة. هذا جواب من علل بأنها مؤذية لأنها ذكرت، أول علة ذكرها أنها مؤذية، فقالوا إن الحديث فيه ذكر أنواع الأذى ولا يلزم من ذلك الاقتصار على أعيان المذكورات، بل يقاس عليها ما سواها في العلة.
نحن الآن سيذكر القائلون بأن سبب التعدية أنها لا تؤكل. قال رحمه الله: وأما من قال بالتعدية إلى كل ما لا يؤكل، فقد أحالوا التخصيص في الذكر بهذه الخمس على الغالب، فإنها الملابسات للناس والمخالطات في الدور بحيث يعم أذاها، فكان ذلك سببا للتخصيص، والتخصيص لأجل الغلبة إذا وقع لم يكن له مفهوم على ما علم في الأصول.
أحسنت أحسنت. هنا قال إن من قال السبب ذكر هذه الخمس تنبيها على ما لا يؤكل، فقال إن كل ما لا يؤكل يجوز قتله. قالوا: لماذا ذكروا سبب تخصيصها بالخمس؟ قالوا: إن هذه المؤذيات هي ما تعم البلوى بها، فهي التي تخالط الناس كثيرا من غيرها، تنبه بها على ما سواها، يعني خصصها بالذكر لعموم البلوى بها. قال: والتخصيص لأجل الغلبة إذا وقع لم يكن له مفهوم؛ تخصيص يعني إذا خصص الشيء للذكر لأجل أنه هو الغالب وقوعه فإنه لا مفهوم له، ويمثل على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ [النساء: 23]، بقيت في حجوركم هذا لا مفهوم له، ستحرم الربيبة على زوج أمها ولو لم تكن في حجره، وإنما ذكر الحجر لأن هذا هو الغالب، فقالوا القيد إذا لم يكن إذا قيد كونه هو الغالب فإنه لا مفهوم له. وقالوا إن هذه ذكرت لأنها الغالب فلا مفهوم لها، فلا نقول إن ما عداها لا يجوز قتله. هذا تقرير دليلهم، والآن سيناقشهم في هذا.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: إلا أن خصومهم جعلوا هذا المعنى معترضا عليهم في تعدية الحكم إلى بقية السباع المؤذية، وتقريره أن إلحاق المسكوت بالمنطوق قياسا شرطه مساواة الفرع للأصل أو رجحانه، أما إذا انفرد الأصل بزيادة يمكن أن تعتبر فلا إلحاق، ولما كانت هذه الأشياء عامة الأذى كما ذكرتم أن يكون ذلك سببا لأباحة قتلها لعمومي ضروريها، وهذا المعنى معدوم فيما لا يعم ضرره مما لا يخالط في المنازل، لا تدعو الحاجة إلى إباحة قتله كما دعت إلى إباحة قتل ما يخالط من المؤذيات، فلا يلحق به. سم سم.
قال: إلا أن خصومهم جعلوا هذا المعنى معترضاً عليهم في تعدية الحكم إلى بقية السباع المؤذية؛ يعني يقولون يقول إن الجمهور اجابوا عليه، لماذا أجابوا عليهم؟ قالوا هل انتم الان قلتم إنه خصصها بالذكر ليه أنها التي يعم أذاها إذا هي عمت بها البلوى، طيب قستم عليها باقي المؤذيات أو باقي ما لا يباح أكلها؟ يكون إذا قستم عليها لا قيمة لا ينفعكم ما انطبق عليها شرط القياس، لان شرط إلحاق الفرع بالأصل أن يكون الفرع عنده نفس العلة التي في الأصل أو كان زائدا عليه، الفرع عنده نفس العلة التي في الأصل أو تكون زيادة يعني يكون قياسا أولوي، لكن إذا كانت العلة في الفرع أنزل من العلة التي في الأصل، وفي الأصل زيادة، إذن فلا يستقيم القياس؛ لا يستقيم القياس، يعني كيف تقيسون؟ كيف تقيسون حيوان نادر المخالطة وليس فيه ضرر تقول يجوز قتله، مع أنكم تقولون إن هذه إنما أبيح قتلها لعموم البلوى بها؟ الذي يندر مخالطته للناس الحيوان الذي ليس فيه ضرر كيف تقيسون عليه كيف تقيسونه على الحيوانات المؤذية التي يكثر مخالطتها للناس؟ قالوا فلا يستقيم القياس، أنتم عديتموه إلى كل ما لا يباح أكله، بعض ما لا يباح أكله لا يستقيم قياسه على هذه المؤذيات، قالوا فلا يستقيم بهذا.
الآن سيذكر المؤلف رحمه الله مناقشة الجمهور للشافعية في هذه المؤذيات أو في هذه الخمس، وهل صحيح أنها عم بها البلوى يعني من وجهين: هل أناتها كلها تعم بها البلوى، وهل عموم البلوى بها أكثر من غيرها أولى؟ نعم.
السلام عليكم. قال رحمه الله: وأجاب الأولون على هذا بوجهين؛ أحدهما: أن الكلب العقور نادر وقد أُبيح قتله. والثاني: معارضة النُّدرة في غير هذه الأشياء بزيادة قوة الضرر، ألا ترى أن تأثير الفأرة بالنقب مثلاً والحدأة بخطف شيء يسير لا يساوي ما في الأسد والفهد من إتلاف الأنفس، فكان في إباحة القتل أولى.
يقول: الآن أجاب الأولون عن هذا بوجهين عن هذا التعليل بأنها مما يعم بها البلوى. قالوا: الآن في الحديث ذكر الكلب العقور، والكلب العقور مخالطة الناس نادرة، هذا ينتقض عليكم، هذا ينقض العلة عليكم، فهي ليست فالكلب العقور ليس مما يعم به البلوى.
الأمر الثاني: أنتم تقولون إن هذه طيب يقولون عندنا هذه تعم بها البلوى، طيب سلمنا بأنها تعم بالبلوى، لكن الأذى في بعضها أقل بكثير من الأذى في غيرها؛ يقولون مثلاً أذى الفأرة أو أذى الحدأة لا يساوي شيئاً بجانب أذى الأسد أو النمر بالافتراس، يقولون نقابل النُّدرة التي هنا بالأذى والضرر الذي هناك، فلا تستقيم هذه العلة. الآن نقض عليهم علة إباحة قتلها إباحة أكلها اه نعم نقض عليهم التعليل بعدم إباحتها أكلها ونقض عليهم التعليل بعموم البلوى بها، يعني ترجح أن العلة هي وجود الأذى والفسق. نعم.
أحسن الله إليكم. قال رحمه الله: البحث الخامس: في الكلب العقور، وقيل هو الإنسي المتخذ، وقيل هو كل ما يعدو كالأسد والنمر. استدل هؤلاء بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دعا على عتبة بن أبي لهب بأن يُسلط عليه كلباً من كلابه، افترسه السبع، دَلَّ على تسميته بالكلب. ورجح الأولون قولهم بأن إطلاق اسم الكلب على غير الإنسي المتخذ خلاف العرف، اللفظة إذا نقلها أهل العرف إلى معنى كان حملها عليه أولى من حملها على المعنى اللغوي.
هنا يبين ما المراد بالكلب العقور؛ هو الكلب المعروف، والكلب المعروف وقيل لا هو كل ما يعدو ويفترس فيدخل فيه الأسد والنمر والذئب ونحوها. طيب الذين قالوا الكلب المعروف واضح أن هذا هو ما يغلب عليه الفهم عند الإطلاق، لكن الذين قالوا هو كل ما يعدو يفترس قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم لما دعا على عتبة بن أبي لهب أن يسلط الله عليه كلباً من كلابه افترسه الأسد، دل على أنه يسمى كلباً، قالوا كل ما يفترس يسمى كلباً.
لكن الحافظ رحمه الله ابن دقيق العيد قال إن هذا يناقش، وإن صح أنه يسمى كلباً، لكن اللفظة إذا غلب اطلاقها على معنى في العرف يققدم على ما شمله المعنى اللغوي، وهذه قاعدة: أنه يققدم المعنى العرفي المتبادل عند الذهن على المعنى اللغوي. نعم.
قال رحمه الله: البحث السادس: اختلفوا في صغار هذه الأشياء، وهي عند المالكية منقسمة، أما صغار الغراب والحدأة ففي قتلهما قولان لهم، والمشهور القتل، ودليله عموم الحديث في قوله الغراب والحدأة، واما من منع القتل للصغار فاعتبر الصفة التي عُلِّل بها القتل، وهي الفسق على ما شهد به إماء اللفظ، وهذا الفسق معدوم في الصغار حقيقة، والحكم يزول بزوال علته، وأما صغار الكلاب ففيها قولان لهم أيضاً، أما صغار لذلك أنا مستثنيات المذكورة في الحديث فتقتل، واللفظ والإطلاق يقتضي أن تدخل الصغار لانطلاق لفظ الغراب والحدأة وغيرهما عليها، وأما الكلب العقور فانه أُبيح قتله بصفة تقيده تقيد الاباحة، فإنه أبيح قتله بصفة تقيد الإباحة بها ليست موجودة في الصغير، ولا هي معلومة الوجود في حالة الكبر على تقدير البقاء، بخلاف غيره، فانه عند الكبر ينتهي بطبعه إلى الأذى قطعا.
أحسنت. هنا ذكر: هل عموم الحديث يشمل حتى صغار هذه الحيوانات؟ وذكر الخلاف: هل يشملها أو لا؟ وهذا مبني على أن المراد في هذه الحيوانات التي تحقق اتصاف الفسق، إذا قلنا إنها تشمل حتى الصغار اه اه نعم إذا قلنا إنها لا تشمل الصغار نقول إنها لا تشمل الصغار سنقول هذه لم يتحقق اتصافها، أما إذا قلنا تشمل حتى الصغار يقولون بأن الصغير هذا من شأنه أن يتحقق الاتصاف بالفسق ولو بالقوة، يعني هو فاسق بالقوة لأنه إذا كبر إذا كبر فسيصير فاسقاً إذا كبر سيصير فاسقاً مؤذياً، فهذا منشأ الخلاف؛ هل العلة هي تحقق الاتصاف بالفسق الذي هو الأذى؟ أو العلة وجود الفسق في طبعه ولو بالقوة؟
يقول من من من من ذكر من ذهب إلى أنها تقتل يستدل بالعُموم الغراب والحدأة والكلاب وإلى آخره، أما من قال لا تقتل فانه يقول إنها لم يتحقق فيها الوصف. هنا ابن دقيق رحمه الله يقول: ظاهر اللفظ والإطلاق أنها تدخل الصغار، إلا في الكلب، يقول الكلب العقور الآن وصف بأنه وصف بأنه عقور فلا ندخل الصغار به؛ لماذا؟ لأن الكلب إذا لأن الكلب كبر فقد لا يكون عقوراً إذا كبر، فلا يتحقق للصبي، بخلاف غيره من الحيوانات فإنها إذا كبرت فسيتحقق فيها وصف الفسق. نعم.
عليكم. قال رحمه الله: البحث السابع: به على أنه يقتل في الحرم من لجأ إلى الحرم بعد قتله لغيره مثلاً على ما هو مذهب الشافعي، وعلل ذلك بأن إباحة قصد بأن إباحة قتل هذه الأشياء في الحرم معلل بالفسق والعدوان، ويعم الحكم بعموم العلة، والقاتل عدواناً فاسق بعدوانه، فتوجد فتوجد العلة في قتله فيقتل، بل أولى لأنه مكلف، وهذه الفواسق فسقها طبيعي ولا تكليف عليها. طبيعي شيخنا. أي نعم شيخنا، أنا عندي طبعي، وهي وهي الموافقة للغة فإذا نسب إلى فعيلة طبيعة وزنها فعلى هذا هو الأصل باللغة.
نعم، وهذه الفواسق فسقها طبعي ولا تكليف عليها، والمكلف إذا ارتكب الفسق وإذا ارتكب الفسق هاتك لحرمة نفسه، فهو أولى باقامة مقتضى الفسق عليه، وهذا عندي ليس بالهين وفيه غور فليتنبه له والله أعلم.
هنا ذكر أنه قد يستدل في هذا الحديث على أن من استوجب أن من فعل ما يستوجب القتل يعني في الحل ثم لجأ إلى الحرم، فانه يقتل، لماذا؟ لأنه تحقق فيه وصف الفسق كَمثل الفواسق، سيقتل يقول.
لأن إباحة قتل هذه الأشياء في الحرم معلل في الفسق والعدوان، وهذا قد تحقق في هذا الوصف سيقتل. يقول: ومما يدل على ذلك أنه مكلف، والفواسق هذه ليست مكلفة ومع ذلك تقتل، وهو مكلف وارتكب الفسق، فهو الذي هتك حرمة نفسه، فهو أولى بإقامة مقتضى الفسق عليه. وهذا ذكر أنه مذهب الشافعي، وذكرنا في التعليقات الدرس الماضي حديث أبي شريح أن ذكر المؤلف أن مذهب أبي حنيفة وهو مذهب الحنابلة رحمهم الله تعالى أنه لا يقتل، وإنما يضيق عليه إلى أن يخرج من الحرم ثم يقتل، للعموم أنه لا يقتل فيه، لا يسفك فيه دما، يشمل مَن فعل ما يستوجب القتل فإنه لا يسفك فيه الدم.
وقوله وهذا عندي ليس بالهين وفيه غور، يعني يذكر أن الاستدلال به قوي لكن فيه عمق، لكن قد يشكل علي وهذا بيّنه الصنعاني رحمه الله في حاشيته يقول: يشكل عليه أن هذه الفواسق مرتقب أذاه، وهذا الأذى كائن في طبعها وليس لها وازع عنه، بخلاف القاتل عمدا عدوانا أنه ليس هذا من طبعه، والذي وقع منه لا يُرتقب عوده إليه، فله وازع من العقل والشرع، يضاف إلى ذلك ما ذكرنا من الاستدلال بعموم لا يسفك فيها دما. والله تعالى أعلم، ولكل من القولين وجهه، والله أعلم.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: باب دخول مكة وغيره. الحديث الأول: عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاء رجل فقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال: «اقتلوه». ثبت عن ابن شهاب في رواية مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن محرماً ذلك اليوم، وظاهر كون المغفر على رأسه صلى الله عليه وسلم يقتضي ذلك، ولكنه محتمل أن يكون لعذر.
وأخذ منها يعني يقول هنا في حديث أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر، قل ثبت من قول ابن شهاب أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن محرماً ذلك اليوم وهذا في رواية مالك عنه في الموطأ، وجاء في رواية البخاري أما لكلب شعاب أن الإام مالكاً رحمه الله هو الذي قال إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن محرماً. قال يعني هنا يستدل المؤلف رحمه الله على أنه ليس بمحرم بقول ابن شهاب، وفي بعض الروايات جاء عن مالك إضافة إلى أنه نص عليه جابر رضي الله عنه في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام، بغير إحرام هذا نص.
واستدل المؤلف بالظاهر، عندنا النص وعندنا الظاهر، يقول كونه عليه المغفر يدل أو يقتضي أنه ليس بمحرم، لكن أجاب عنه قال إنه محتمل أن يكون لبس المغفر لعذر، محرم لكنه لبس المغفر لعذر، لكن نقول هذا لو لم يوجد نص بذلك، وقد وجد نص من قول جابر وأيضاً ابن شهاب وطاوس أنه غير محرم، أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل غير محرم. وقال الصنعاني أيضاً: معلوم أنه لو أحرم لأحرم من الميقات، ولو فعله لما خفي على من معه، ولكان نقله متواتراً ولأحرم أصحابه، وكل ذلك لم يكن.
أخذ من هذا أن المريد لدخول مكة إذا كان محارباً يباح له دخولها بغير إحرام لحاجة المحارب إلى التستر بما يقي وقع السلاح. وهذه المسألة مبنية على مسألة أخرى مرت علينا في الحديث الأول في أول المواقيت، وهي من جاوز الميقات ولم يرد النسك فهل يلزمه الإحرام أو لا؟ وذكر المؤلف الخلاف بين الشافعي والجمهور، الجمهور عدم وجوب الإحرام إلا لمريد النسك، والجمهور يرون أنه يجب الإحرام ولو لم يرد النسك على خلاف بينهم فيما يستثنى. ومما يستثنى من دخله لحرب فانه يجوز له دخول مكة بغير إحرام بفعل النبي صلى الله عليه وسلم.
قال رحمه الله: وابن خطل بفتح الخاء والطاء اسمه عبد العزى. النبي صلى الله عليه وسلم لقتله قد يتمسك به في مسألة إباحة قتل الملجئ إلى الحرم، يجاب عنه بأن ذلك محمول على الخصوصية التي دل عليها قوله صلى الله عليه وسلم: «ولم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي وإنما أُحلت لي ساعة مننهار»، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «اقتلوه». يعني حتى لو كان متعلقاً بأستار الكعبة، وهو أحد من أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دمه الفتح، قالوا: أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دم ستة، أربعة رجال وامرأتان، منهم ابن خطل.
سبب إهدار النبي صلى الله عليه وسلم لدمه أنه كان مسلما ثم ارتد، وكان النبي صلى الله عليه وسلم بعثه مصدقاً يعني يقبض الصدقات من الزكاة من بعض القبائل، وبحث معه خادماً، فلما كان في الطريق قال لخادمه يطبخ له طعاماً ثم نام، فلما استيقظ الخادم وجد أن الخادم لم يطبخ له طعاماً، فقاتله وارتد، وهرب النبي صلى الله عليه وسلم، واتخذ له مغنيتين بجوار المسلمين، واجتمعت فيه أسباب القتل، فأهدر النبي صلى الله عليه وسلم دمه.
فلما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة وقال: «من دخل المسجد فهو آمن»، استغل ذلك وتعلق بأستار الكعبة، أُتي النبي صلى الله عليه وسلم وقيل له: ابن خطل متعلق فهل نقتله؟ فقال: «اقتلوه». واختلف في من قتله، قال الفاكهاني في شرحه: ذكر أن الذي قال له فقال رجل ابن خطل يقول إن القائل هو أبو برزة الأسلمي، قال ابن الملقن: ولم أجد ذلك في أي رواية من روايات، ولم يذكر له سلفاً يعني من الفاكهاني، قال: ولعله أخذه من كونه أحد من قيل إنه هو الذي قتل ابن خطل، لأن أُختلف في من قتل ابن خطل، فأقرب ما قيل كما قال الحافظ ابن حجر في الفتح أقرب ما كأنه أبو برزة، فيقول: لعله أخذه من أنه هو الذي قتله، والله أعلم.
وقوله هنا قد يتمسك به في إباحة الملجئ إلى الحرم، لأنه فعل ما يستوجب قتله، والنبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتله، فهذا قد يتمسك به الشافعية في قولهم إنه يقتل الملجئ إلى الحرم. لكن قال: يجاب عن ذلك هذا محمول على الخصوصية، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أُحلت في ساعة النهار»، فهي في الساعة التي أُبيح للنبي صلى الله عليه وسلم فيها القتل، فلا يتم الاستدلال لذلك على هذه المسألة.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: الحديث الثاني: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة من كداء، من الثنية العليا التي بالبطحاء، وخرج من الثنية السفلى. الثنية السفلى المعروف فيها كداء بضم الكاف والقصر، وثم موضع آخر يقال فيه كدي بضم الكاف وفتح الدال وتشديد الياء، وليس هو السفلى عن المعروف. والثنية طريق بين الجبلين.
يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم أو إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة من كُدَى بفتح الكاف والمد، يعني مد يعني ألف بعدها همزة، والخروج من الثنية السفلى كُدَاة بضم الكاف هو القصر. لذلك لأجل أن تضبطها قال الصنعاني في السبل: كانوا يقولون افتح وادخل، وضم واخرج، افتح وادخل كذا، واخرج. فهو موضع آخر ليس هذا ولا هذا، ليس كذا ولا كذا، وهو على طريق الخارج إلى اليمن، فليس هو الثنية العليا ولا الثنية السفلى.
قال رحمه الله: والمشهور استحباب الدخول من كداء وإن لم يكن طريق الدخول إلى مكة، ويعرج إليها وإن لم تكن طريق الداخل إلى مكة. وقيل: إنما دخل النبي صلى الله عليه وسلم منها لأنها على طريقه، فلا يستحب لمن ليست على طريقه، وفيه نظر. يعني هنا هل هل نقول إن دخول النبي صلى الله عليه وسلم من كدا وقع قصداً أو اتفاقاً؟ فإذا كان قصداً فيستحب فعل ذلك، وإذا كان اتفاقاً يعني كانت على طريقه فنقول: لا يستحب تقصد ذلك، لكن يدخل الإنسان مكة من الطريق الذي يعني من الطريق الذي جاء منه، كان جاء من أعلاها أو من أسفلها، لا يتقصد طريقاً معيناً، فهذا هو منشأ الخلاف، هل النبي صلى الله عليه وسلم دخلها قصداً؟
وجاء في بعض الأحاديث ما يدل على أنه دخلها قصداً، جاء عند البيهقي من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: كيف قال حسان في قصيدته التي دافع فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: أنشده بكر: عدمت بنيتي إن لم تروها تثير النقع موعدها كداء، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «ادخلوا من حيث قال حسان». فهذا يدل على أنه دخلها قصداً، ويضاف إلى ذلك كما قيل إن هذا ليس هو طريق الدخول إلى مكة من المدينة، والله تعالى أعلم.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: الحديث الثالث: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت أسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة، فأغلقوا عليهم الباب، فلما فتحوا كنت أول من ولج، فلقيت بلالاً فسألته: هل صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، بين العمودين اليمانيين.
فيه أمران: أحدهما قبول خبر الواحد وفرد من الأفراد لا تحصى كما قدمناه. هنا ذكر حديث ابن عمر في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم داخل الكعبة، قال فيه أمران: أولاً قبول خبر الواحد، لأنه هنا قبل خبر بلال في أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى داخل الكعبة، لا سيما وأن أسامة في حديث آخر ذكروا أنه لم يصلي داخل البيت، لكن بلالاً أثبته، فأخذ بخبره، وهذا فرد من أفراد كثيرة تدل على هذا. وطبعاً أسامة لعله خفي عليه، يعني دخل والنبي صلى الله عليه وسلم كان بين أعمدة، ربما خفي عليه أنه صلى، وهذا محتمل لا سيما وأن الباب أُغلق عليه، فتكون الكعبة مظلمة، فيظن أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف يدعو ولم يصلي، وبلال كان قريباً منه فرأى صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، فبلال أخبر على ما رأى وأسامة أخبر على ما في ظنه.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: وفيه جواز الصلاة في الكعبة وقد اختلف في ذلك، ومالك فرَّق بين الفرض والنفل، فكره الفرض أو منعه وخفف في النفل لأنه مظنة التخفيف في الشروط. وفي الحديث دليل هذا الأمر الثاني، جواز الصلاة في الكعبة بفعله صلى الله عليه وسلم، النبي صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة وصلى فيها، لكن هنا يقول: اختلف العلماء في ذلك، هل جواز الصلاة في الكعبة شامل للفرض والنفل أو أنه للنفل فقط؟ لأن الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم هنا صلاة نفل، هذا محل خلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى.
ويقول: إن الإمام مالكاً رحمه الله فرَّق بين الفرض والنفل، فجوزه في النفل ومنعه أو كرهه في الفرض، وهذا هو المشهور عند الحنابلة رحمهم الله تعالى، تجويز صلاة النفل داخل الكعبة ومنعها في الفرض. ويستدلون على جواز النفل بفعله صلى الله عليه وسلم حيث فعله في النفل واختص به، وأما الفرض فلم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء الدليل بوجوب استقبال القبلة، وإذا صلى في داخل الكعبة فانه يجعل جزءاً من القبلة خلف ظهره، فلا يتم له امتثال الأمر.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: وفي الحديث دليل أيضاً على جواز الصلاة بين الأساطيل والأعمدة إن كان، وإن كان يحتمل أن يكون صلى في الجهة التي بينهما وإن لم يكن في مساندهتهما حقيقة، قد وردت في ذلك كراهة، فإن لم يُصح سندها قُدِّم هذا الحديث وعمل بحقيقة قوله: «بين العمودين»، وإن صح سندها كان أولى بما ذكرناه، أنه صلى في سمت ما بينهما، وإن كانت آثاراً فقد قُدِّم المسند عليها.
أحسن الله إليكم. هنا الثالثة من هذا الحديث: جواز الصلاة بين الأساطين والأعمدة إذا وجدت، أسطوانة أو عمود أو أكثر، فيجوز الصلاة بينهما بفعله صلى الله عليه وسلم حيث قال بلال: بين العمودين اليمانيين. لكن المؤلف يقول: هذا فيه احتمال، ما الاحتمال الذي فيه؟ يكون يحتمل أن يكون صلى في الجهة التي بينهما وإن لم يكن في مساندهتهما حقيقة، يعني أنه في جهة فيها أعمدة، فالنبي صلى الله عليه وسلم صلى في تلك الجهة، لكنه لم يكن في الخط المستقيم الذي بينهما، كان متقدماً علينا مثلاً أو متأخراً عنهما، فلم يشامتهما، فلم يدخل في النهي. ولذلك قال:
وقد وردت في ذلك كراهة الصلاة بين الأعمدة، فجاء في حديث معاوية بن قرة عن أبيه: «كنا ننهى عن الصلاة بين السواري، نُطرد عنها طرداً». هذا عند الحاكم. وجاء عنده أيضاً من حديث أنس: «كنا نتقي هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم»، يعني الصلاة بين السواري.
لكن هنا المؤلف قال: الحديث قد يدل على جواز الصلاة بين الأعمدة، والآثار هذه تدل على الكراهة، فما الجمع بينهما؟ ذكر ثلاث احتمالات: يقول إن لم يصح سند هذه الأحاديث التي فيها الكراهة، فإننا نقدم هذا الحديث الذي فيه صلاة بين الأعمدة، ونعمل بحقيقة قوله بين العمودين، وأنه يجوز الصلاة بين العمودين لدلالة هذا الحديث. نسقط دلالة الآثار التي منعت أو كرهت ذلك؛ لماذا؟ لأنها ضعيفة، فنقدم الحديث ونقول به على ظاهره.
وإن صح سند هذه الأدلة التي تدل على الكراهة، وهذا الحديث فيه الصلاة بين العمودين، فنجمع بينهما بأن يؤول على أنه صلى بنا ولكن لم يكن واقعاً فيما يدل على الكراهة.
الأمر الثالث يقول: إن كانت آثاراً فقط -يعني ليست من حديث- إنما هي آثار عن الصحابة وعن التابعين، سنقدم هذا الحديث المرفوع، لأن هذه آثار وهذا حديث مرفوع.
ويبعد؛ وذكر الصنعاني أنه يبعد القول بأنه صلى في مسامتهتهما؛ أنه صلى في الجهة ولم يكن في مسامتهتهما ما ورد في بعض روايات البخاري أنه قال: «جعل عموداً عن يساره، وعموداً عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه»، وهذا يدل على أنه في تصرف ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنت أول من ولد فلقيت بلالاً. يقول ابن العطار: إنما كان ابن عمر أول من ولد بحرصه على اقتفاء آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم من المناسك وغيرها، ليعمل بها وليبلغها، وذلك هو مقصود العلم لا غير. انتهى كلامه رحمه الله.
ابن عمر رضي الله تعالى عنهما له من المواقف الكثيرَة التي فيها شدة تتبعه لآثار النبي صلى الله عليه وسلم، حتى إنه يفعل أفعالاً لا يوافقه عليها جمهور الصحابة رضي الله تعالى عنهم؛ يتقصد الأماكن التي كان يقف بها النبي صلى الله عليه وسلم، ويُبالغ في بعض العبادات، ولا يوافق عليها جمهور الصحابة، وهذا لشدة تتبعه لآثار النبي صلى الله عليه وسلم.
وقوله ابن العطار: «وذلك هو مقصود العلم لا غير»، أن مقصود العلم أن يبلغ الإنسان العلم وأن يعمل به، أما إذا تعلم لا هو علم ولا هو عمل، إنما يزداد من حجج الله عليه. الله المستعان، أحسن الله إليكم.
قال رحمه الله: الحديث الرابع: عن عمر رضي الله عنه أنه جاء إلى الحجر الأسود فقبله وقال: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك.
فيه دليل على استحباب تقبيل الحجر الأسود. قول عمر رضي الله عنه هذا الكلام في ابتداء تقبيله ليبين به أنه فعل ذلك اتباعاً، وليزيل بذلك الوهم الذي كان ترتب في أذهان الناس من أيام الجاهلية، ويحقق عدم الانتفاع بالأحجار من حيث هي هي، كما كانت الجاهلية تعتقد في الأصنام.
هنا الحديث ظاهر في استحباب تقبيل الحجر الأسود لفعله صلى الله عليه وسلم. عمر رضي الله عنه فعل ذلك اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وبين أن هذا الحجر لا يضر ولا ينفع؛ لماذا؟ لأنه حجر كغيره، وهو لا يضر ولا ينفع، لكن إنما فعله عمر وفعله المسلمون، النبي صلى الله عليه وسلم في فعله فيقبل ما قبله النبي صلى الله عليه وسلم ويترك ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يوجد أن النبي صلى الله عليه وسلم يقبل إلا الحجر الأسود، أما غيره من الأركان فلا يقبلها. أما الركن اليماني فورد أنه يستلمه فقط -يعني يمسحه بيده- ولا يقبله. نعم.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: الحديث الخامس: عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه فقال المشركون: إنه يقدم عليكم وقد وهنتهم حمى يثرب، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرمّوا في الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعهم أن يرمّوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم.
قيل إن هذا القدوم لم يكن في الحج، ولم يكن في الحجة، وإنما كان في العمرة، في عمرة القضاء. وأخذ من هذا أنه نسخ منه عدم الرمل فيما بين الركنين؛ أنه ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم رمل من الحجر إلى الحجر، وذكر أنه كان في الحج، فيكون متأخراً فيقدم على المتقدم. وفيه دليل على استحباب الرمل، والأكثرون على استحبابه مطلقاً في طواف القدوم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وبعده. بارك الله فيك.
هنا قال إن هذا القدوم، النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لما قدموا وقال المشركون أنتم لحمايتهم هذا كان، لم يكن في حجة الوداع وإنما كان في عمرة القضاء أو العمرة التي كانت في السنة السابعة من الهجرة.
قال: فأخذ من هذا أنه نسخ منه عدم الرمل فيما بين الركنين، الآن النبي صلى الله عليه وسلم قال له عمر: من الحجر الأسود إلى الركن اليماني، ثم من الركن اليماني إلى الحجر الأسود يمشوا. يقول إن هذا كان في أول الأمر، في أول الأمر ثم نسخ هذا، ثم نسخ هذا بما حصل منه صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بأنه رمل ثلاثة أشواط من الحجر إلى الحجر، وهذا كان في الحج وهذا متأخر فينسخ المتقدم، فيكون أمره صلى الله عليه وسلم بالمشي فيما بين الركنين هذا منسوخاً بفعله صلى الله عليه وسلم حيث رمل الأشواط الثلاثة كلها. وفيه دليل على استحباب الرمل، والأكثرون على استحبابه مطلقاً في طواف القدوم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وبعده.
إن كانت العلة التي ذكرها ابن عباس قد زالت، سيكون استحبابه في ذلك الوقت لتلك العلة، وفيما بعد ذلك تأسياً واقتداء بما فعل في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي ذلك من الحكمة تذكر الوقائع الماضية للسلف الكرام، وفي طي تذكرها مصالح دينية؛ إذ يتبين في أثناء كثير منها ما كانوا عليه من امتثال أمر الله تعالى والمبادرة إليه، والانقياد في ذلك. وبهذه النكتة يظهر لك أن كثيراً من الأعمال التي وقعت في الحج ويقال فيها أنها تعبد، ليست كما قيل، ألا ترى أن إذا فعلنا وتذكرنا أسبابها حصل لنا من ذلك تعظيم الأولين وما كانوا عليه من احتمال المشاق في امتثال أمر الله، وكان هذا التذكر باعثاً لنا على مثل ذلك، ومقـرراً في أنفسنا تعظيم الأولين، وذلك معنى معقول.
مثاله: السعي بين الصفا والمروة، إذا فعلناه وتذكرنا أن سببه قصة هاجر مع ابنها، وترك الخليل لهما في ذلك المكان الموحش منفردين منقطعين من أسباب الحياة بالكلية، مع ما أظهره الله تعالى من الكرامة والآية في إخراج الماء لهم، كان في ذلك مصالح عظيمة، أي في تذكر تلك الحال.
وكذلك رمي الجمار، إذا فعلناه وتذكرنا به أن سببه رمي إبليس بالجمار في هذه المواضع عند إرادة الخليل ذبح ولده، حصل من ذلك مصالح عظيمة في الدين وفي الحديث.
هنا يقول: فيه دليل على استحباب الرمل، وهذا واضح لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به. قالوا: الأكثرون على استحبابه مطلقاً في طواف القدوم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وبعده، يعني أن هذا الفعل -الذي هو الرمل- مشروع مطلقاً، وإن كانت قد زالت العلة التي ذكرت في الحديث، فهو قد شرع لأجل اظهار قوة المسلمين أمام المشركين، لكن زالت العلة ومع ذلك بقي التشريع إلى قيام الساعة بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم رمل في حجة الوداع ولم يكن هناك مشرك، رمل الجميع الأشواط، هذا مما استمر العمل به وإن كانت العلة قد زالت.
ويقول المؤلف رحمه الله: إن في علة أو فيه حكمة أعلى من ذلك، وهي أننا نتذكر إذا رملنا؛ نتذكر حال النبي صلى الله عليه وسلم وما وقع له من المشاق وتأذية الكفار له، ثم مجيئهم من المدينة إلى مكة وقد وهنتهم حمى يثرب -لأنها كانت مشهورة الحمى هناك- لكن النبي صلى الله عليه وسلم دعاهم من قلائل الجحفة، يقول يعني: تذكر الشدائد التي حصلت للأولين سيقع في قلبنا تعظيمهم وإجلالهم، أيضاً نتقوى على العبادة إذا تذكرنا فعل الماضي.
ويقول: بهذا أيضاً يظهر لك أن كثيراً من الأعمال التي وقعت في الحج ويقال فيها أنها تعبد، ليست كما قيل، يعني عندنا علة قريبة هذه لا نعلم، لكن عندنا علة أسمى منها، وهي تذكر ما كان عليه السابقون، وذكر مثالين: مثال السعي بين الصفا والمروة وأننا نتذكر فيه ما حصل لإبراهيم الخليل عليه السلام وزوجه وابنه إسماعيل من ذلك من المشقة التي حصلت لهم، ومن توكل إبراهيم ومن توكل هاجر على ربها جل وعلا، وما حصل له من الفرج بعد الشدة، وهذا كله يوقع في قلب الإنسان زيادة الإيمان، الاطمئنان، التوكل على الله تعالى. وكذلك رمي الجمار يقول: يتذكر ما حصل من إبراهيم عليه السلام لما أراد أن يذبح إسماعيل وعرض له إبليس في هذه المواضع فرماه، وهذا جاء من حديث ابن عباس عند أحمد وابن جرير وغيرهما عن ابن عباس أن هذا هو سبب رمي الجمار، والله أعلم.
أحسن الله اليكم قال رحمه الله: وفي الحديث جواز تسمية الطواف بالأشواط، لقوله: «فأمرهم أن يرمّوا الأشواط الثلاثة»، ونقل عن بعض المتقدمين وعن الشافعي أنهما كَرها هذه التسمية، والحديث على خلافه.
يعني يقول: في الحديث جواز تسمية الطواف بالأشواط -يعني يقال: شوطين، ثلاثة أشواط- لماذا؟ نص الحديث الثلاثة. قال: ونقل عن بعض المتقدمين وهو مجاهد، وعن الشافعي أنهما كَرها هذه التسمية، لأن الله عز وجل سمّاه طوافاً: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29] فقالوا: نسميه طوفَة، الثلاث طوفات، أو طوفتين ونحو ذلك. وهذا الحديث يرده؛ لأن الصحابي سماه شوطاً. نعم.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: وإنما ذكر في هذا الحديث أنهم لم يرملوا بين الركنين اليمانيين لأن المشركين لم يكونوا يرون المسلمين إذا كانوا في هذا المكان، والله أعلم.
سم سم! يقول: لم.. أُذكر في حديث أنه لم يرملوا بين الركنين اليمانيين. طبعا يمانيين تخفيف الياء، تخفيف الياء؛ يماني يمي. قالوا: اليماني نسبة إلى اليمن، وأما أن تقول يمني أو تقول يماني، وقالوا: إنه إذا ذكرت الالف والياء فإنك... قالوا الأصل يمني يمن، يا اليمن، فتنسب إليها يمني يمني، ثم إذا حذفت ياء النسب بدل عنها بالألف فيقال يمان، ولا يجمع بينهما؛ لا يقال يماني، لأنه إذا جمع بينهما جمع بين العوض والمعوض. هذه هي اللغة الأفصح، ومنهم وأجاز بعضهم التشديد: يماني، لكن الأفصح للتخفيف هي ماء مئين.
قالوا: لأن المشركين لم يكونوا يرون المسلمين إذ كانوا في هذا المكان، الرمل كان في الأصل لأجل إظهار القوة، والمشركون كانوا مع الجهة الثانية، فإذا صار المسلمون بين الركن الحجر الأسود لا يراهم المشركون، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالمشي هناك، ولم يمنعهم أن يرمّوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم، إلا الاتقاء عليهم يعني الرفق بهم.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: الحديث السادس: عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يقدم مكة إذا استلم الركن الأسود -أول ما يطوف- يخبّ ثلاثة أشواط.
رأيت رسول الله.. نعم قال: قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يقدم مكة إذا استلم الركن الأسود -أول ما يطوف- يخبّ ثلاثة أشواط.
فيه دليل على الاستلام للركن. وذكر بعض مصنفي الشافعية المتأخرين أن استلام الركن يستحب مع استلام الحجر أيضاً، وله مستمسك بهذا الحديث، وإن كان يحتمل.. وإن كان يحتمل أن يكون معنى قوله استلم الركن استلم الحجر، وعبر بقوله استلم الركن عن كونه استلم الحجر، فإن الحجر بعض الركن، كما أنه إذا قال استلم الركن إنما يريد بعضه. وفيه دليل على الخبب.
يا شيخنا، صحيح صحيح. وفيه دليل على الخبب في جميع الأشواط الثلاثة، وفيه دليل على تقديم الطواف في ابتداء القدوم في ابتداء قدوم مكة. أحسنت.
ذكر في هذا الحديث ثلاث مسائل، قال: فيه دليل على الاستلام للركن: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يقدم مكة.. مقدم مكة.. الركن الأسود، فانه يستلم الركن الحجر الأسود.
وذكر بعض مصنفي الشافعية المتأخرين -وهو القاضي أبو الطيب من الشافعية- أن استلام الركن يستحب مع استلام الحجر أيضاً، يعني أنه يستحب له أن لا يقتصر على استلام الحجر فقط، وإنما يستلم الركن بكامله، يعني يمسح حتى المساحة التي تحيط بالحجر الأسود يمسحها. يقول ابن دقيق العيد رحمه الله: وله متمسك بهذا الحديث؛ لأن الحديث: «استلم الركن الأسود» يشمل مكان الحجر وما حوله. لكن قال إنه مستمسك، يعني قد نقول يدل عليه، لكن قال يحتمل أن يكون معنى قوله استلم الركن: استلم الحجر، وعبر بقوله استلم الركن عن كونه استلم الحجر، فإن الحجر بعض ركن، لأنه إذا استلم الحجر فانه صدق عليه أنه استلم الركن، الركن يعني الموضع الذي فيه الحجر الأسود، إذا قال استلم الركن إنما يريد بعضه. وفي دليل على الخبب.
قال رحمه الله: الحديث السابع عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: «طاف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع على بعير، يستلم الركن بمحجن». المحجن عصا محنية الرأس. فيه دليل على جواز الطواف راكباً، وقيل إن الأفضل المشي، وإنما طاف النبي صلى الله عليه وسلم راكباً لتظهر أفعاله فيقتدى به.
وهذا يؤخذ منه أصل كبير، وهو أن الشيء قد يكون راجحاً بالنظر إلى محله من حيث هو هو، إذا عارضه أمر أرجح بالنظر إلى محله، وهو أن الشيء قد يكون راجحاً بالنظر إلى نظري لمحله من حيث هو هو، إذا أراده أمر آخر أرجح منه، قدم على الأول من غير أن تزول تلك الفضيلة الأولى، حتى إذا زال ذلك المعارض الراجح عاد الترجيح الأول من حيث هو هو. وهذا الحكم الأول أشار شيخنا في نسخة إلى الحكم.
وهذا إنما يقوى إذا قام الدليل على أن ترك الأول إنما هو لأجل المعارض الراجح، وقد يؤخذ هذا بقرائن ومناسبات، وقد يضعف وقد يقوى بحسب اختلاف المواضع. وهنا يصطدم أهل الظاهر مع المتبعين للمعاني. أحسنت، هنا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «على بعير يستلم الركن بمحجن». قال فيه دليل على جواز الطواف راكباً بفعله صلى الله عليه وسلم أنه طاف راكباً.
وهذا قام به بعض أهل العلم على عمومه، وأنه فالطواف راكباً أفضل، وأن الطواف راكباً جائز مطلقاً للمعذور وغيره، وهو قول عند الحنابلة رحمهم الله تعالى. والمشهور عند الحنابلة رحمهم الله تعالى أنه لا يجوز الطواف راكباً إلا من عذر، والنبي صلى الله عليه وسلم هنا طاف راكباً لعذر، أنه محل القدوة والأسوة فلأجل أن يقتدي الناس به في أقواله وأفعاله عليه الصلاة والسلام؛ لأنه لو طاف ماشياً لم يره إلا من كان قريبا منه، والناس في حجة الوداع كثيرون، قرابة مئة ألف حاج من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، لأجل ذلك طاف النبي صلى الله عليه وسلم راكباً.
وجاء عند أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم كان شاكيا، كان مريضا فلذلك طاف راكبا، لكن هذه الرواية فيها ضعف، ولعل الأقوى أنه طاف راكبا ليقتدي الناس به، كما جاء ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في الصحيح. والافضل مشي، الأفضل يعني إن جئنا نفاضل بين الطواف راكباً والطواف ماشياً فالأفضل المشي. طبعا طواف النبي صلى الله عليه وسلم راكباً هذا طواف الإفاضة، أما في طواف القدوم وفي طواف الوداع كان يطوف فقط طوافاً ماشياً عليه الصلاة والسلام.
النبي صلى الله عليه وسلم قام راكباً في طواف الإفاضة، إذاً والمفاضلة بينهما قالوا إن الأفضل المشي. طيب لماذا أطاع النبي صلى الله عليه وسلم؟ يعني النبي صلى الله عليه وسلم فعل خلاف الأفضل، هنا يقول لك فعل خلاف الأفضل لعلة، سيكون إذا جاءت هذه العلة يكون هذا الشيء أفضل في حقه. وهذه قاعدة في المفاضلة بين الأشياء، وهو أن المفضول قد يكون فاضلاً إذا اقترن به ما يدل على تفضيله أو ما يقتضي تفضيله.
نزل الآن أفضل الذكر قراءة القرآن، لو قال لك شخص أنا ساجلس نصف ساعة هل الأفضل أن أقرأ القرآن فيها؟ أو الأفضل أن أسبح وأهلل؟ أن تقرأ القرآن فيها، طيب وهو يقرأ القرآن أذن المؤذن، سنقول الأفضل في هذه الحال أن تتابع المؤذن وتترك قراءة القرآن، ففي هذه الحال صارت المتابعة أفضل من القراءة، فعرض للمفضول ما جعله أفضل من الفاضل. وهنا مثلها عرض للمفضول الذي هو الطواف راكباً ما جعله أفضل الفاضل الذي هو الطواف ماشياً، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم في محل القدوة والأسوة. لكن إذا زالت هذه العلة، مثلاً تعلم الناس الصفة ولم يخفى عليهم شيء، يطوف ماشياً. وهذا معنى قوله إنه إذا زال المعارض الراجح عاد الحكم الأول من حيث هو هو.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: استدل بالحديث على طهارة بول ما يؤكل لحمه، من حيث أنه لا يؤمن بول البعير في أثناء الطواف في المسجد، ولو كان نجساً لم يعرض النبي صلى الله عليه وسلم المسجد للنجاسة، وقد منع لتعظيم المساجد ما هو أخف من هذا. في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف على بعير، والبعير لا يؤمن منه تلويث المسجد بالبول أو الروث أكرمكم الله، فيؤخذ منه طهارة بول ما يؤكل لحمه وطهارة روثه، لماذا؟ لأنه لا يؤمن بول البعير في المسجد، فلو كان بوله نجساً لم يعرض النبي صلى الله عليه وسلم المسجد للنجاسة، وهذا دليل على طهارته، طهارة بول البعير وروثه، ويقاس عليه كل ما يؤكل لحمه فبوله وروثه طاهر. قال: وقد منع لتعظيم المساجد ما هو أخف من هذا، مثل الحائض في المسجد منع لتعظيم المسجد، وأما دخول البعير للمسجد فجائز لحاجة.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: وفي الحديث دليل على الاستلام بالمحجن إذا تعذر الوصول إلى الاستلام باليد، وليس فيه تعرض لتقبيله أو عدم تقبيله. أحسنت، يقول في الحديث دليل على الاستلام بالمحجن، وهو عصا كان النبي صلى الله عليه وسلم يطوف ومعه عصاه فيستلم المحجن. هنا اللي هو الاستلام بالركن، اللي هو الحجر الأسود بمحجنه، وهذا إنما يكون إذا تعذر الوصول للسلام باليد؛ لأنه وهو راكب على بعير يتعذر أن يصل إلى الحجر الأسود إلا إذا زاحم الطائفين، والنبي صلى الله عليه وسلم ليس من هديه ذلك، فيطوف بعيداً نوعاً ما عن الكعبة ويستلم الركن بمحجنه. قالوا: ليس في الحديث تعرض لذكر تقبيله أو عدم تقبيله، لكن ورد ذكر تقبيله من حديث أبي الطفيل عند مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم يستلم الركن بمحجنه ويقبل المحجن.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: الحديث الثامن عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: لم أر النبي صلى الله عليه وسلم يستلم من البيت إلا الركنين اليمانيين. اختلف الناس: هل يعم الأركان كلها بالاستلام أم لا؟ المشهور بين علماء الأمصار ما دل عليه هذا الحديث، وهو اختصاص الاستلام بالركنين اليمانيين، وعلته أنهما على قواعد إبرهيم عليه السلام، واما الركنان الآخران فاستقصروا عن قواعد إبرهيم. كذا ظن ابن عمر، وهو تعليل مناسب. من بعض الصحابة أنه كان يستلم الأركان كلها ويقول: ليس شيء من البيت مهجوراً، واتباع ما دل عليه الحديث أولى، فإن الغالب على العبادات الاتباع، لا سيما إذا وقع التخصيص مع توهم الاشتراك في العلة،ها هنا أمر زائد، وهو إظهار معنى للتخصيص غير موجود فيما ترك به الاستلام.
أحسنت، حديث ابن عمر قال: لم أر النبي صلى الله عليه وسلم استلم من البيت إلا الركنين اليمانيين، يعني الركن اليماني والحجر الأسود. سمي الركنين اليمانيين بأنهما من جهة اليمن، ويقابلهما الركنان الشاميان بأنهما من جهة الشام. هنا يقول: اختلف الناس هل الأركان كلها تستلم أو لا؟ والمشهور عند علماء الأمصار رحمهم الله تعالى ما دل عليه هذا الحديث، وأن الذي يستلم هما الركنان اليمانيان، يعني الحجر الأسود والركن اليماني. الحجر الأسود لما كان الركن الذي فيه الحجر الأسود وكان على قواعد إبراهيم، اختص بميزتين، صار يختص بفعلين، وهو التقبيل والاستلام، الاستلام يعني مسحه باليد والتقبيل تقبيله بالفم. أما الركن اليماني اللي في الجهة الثانية فإنه ليس فيه ميزة إلا أنه على قواعد إبراهيم، فصار فيه فعل واحد وهو الاستلام فقط بدون تقبيل. وأما الركنان الآخران فليس فيهما حجر أسود وليس على قواعد إبراهيم، ولذلك لا يستلمان ولا يقبلان. الركنان الآخران فاستقصر عن قواعد إبراهيم عليه السلام، كما ظن ابن عمر، وهو تعليل مناسب؛ لأنهما ليس على قواعد إبراهيم فلذلك لا يقبلان.
قال وذكر القول الثاني، وهو قول كان لبعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وهو أن البيت كله، أن الأركان كلها تستلم، وطاف معاوية رضي الله تعالى عنه وكان يستلم الأركان الأربعة، فقال له ابن عباس إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستلم إلا الركنين اليمانيين، فقال معاوية ليس شيء من البيت مهجوراً. لكن ابن عباس أرشده أو ذكر له أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستلم الركن اليماني، وقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة. ولذلك قال ابن دقيق العيد هنا: واتباع ما دل عليه الحديث أولى، أنه لا يستلم إلا الركنان اليمانيان، فإن الغالب على العبادات الاتباع ما في قياس، هذان إذا سنستلم الأخيرين قياساً على الأولين لا، لا سيما إذا وقع التخصيص مع توهم الاشتراك في العلة. يعني الآن توهم أنهما مشتركان في العلة، العلة التي هي أن كل ركن منها ركن من الكعبة، لكن النبي صلى الله عليه وسلم خص الاستلام بركنين فقط، توهم الاشتراك في العلة والنبي صلى الله عليه وسلم خص الاستلام بركنين، سنقول هذا يقوى أن هذا مخصص لهما، أن هذا مخصص لهما، للاخرين. نعم.
السلام عليكم، قال رحمه الله: باب التمتع. الحديث الأول، عن أبي جمرة نصر بن عمران الضبعي قال: سألت ابن عباس رضي الله عنهما عن المتعة، فأمرني بها، وسألته عن الهدي فقال: فيها جزور أو بقرة أو شاة أو شرك في دم. قال: وكأن ناساً كرهوها، فنمت فرأيت في المنام كأن إنساناً ينادي حج مبرور ومتعة متقبلة، فأتيت ابن عباس فحدثته فقال: الله أكبر، سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم. أبو جمرة بالجيم والراء المهملة نصر المهملة، الضبعي بضم الضاد المعجمة وفتح الباء ثاني الحروف وبالعين المهملة، متفق عليه.
وقوله سألت ابن عباس عن المتعة، الظاهر أنه يريد بها الإحرام بالعمرة في أشهر الحج ثم الحج من عامه. وقوله، نعم قال في باب التمتع ذكر حديث أبي جمرة في سؤاله لابن عباس عن المتعة، وأن ابن عباس أمره بها، ثم سأله عن الهدي فيها فأخبره، ثم ذكر له هذه الرؤيا فسر بها ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. قوله سألت ابن عباس المتعة قال الظاهر أني أريد بها الإحرام بالعمرة في الحج ثم الحج من عام، يعني التمتع المعروف؛ لأن المتعة أريد بها التمتع المعروف، يطلق أيضاً في لسان الصحابة رضي الله تعالى عنهم على القران، يطلقون التمتع أيضاً على القران؛ لأن فيه تمتع بترك أحد السفرين، ويطلق أيضاً على فسخ الحج إلى عمرة، يطلق عليه بعضهم التمتع، وهذا في الحج، ويطلق أيضاً المتعة على نكاح المتعة، وهو نكاح المرأة إلى أجل متفق عليه بينهما، هذه اطلاقات المتعة، والمراد بها في هذا الحديث فيما يظهر أنه يريد به التمتع المعروف، نعم.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: وقوله أمرني بها يدل على جوازها عنده من غير كراهة. وسيأتي في الحديث قوله وكان ناس كرهوها، وذلك منقول عن عمر رضي الله عنه وعن غيره. كأن ناساً بالنصب، وكان ناس كرهوها، وذلك منقول عن عمر رضي الله عنه وعن غيره، على أن الناس اختلفوا فيما كرهه عمر من ذلك، هل هي المتعة التي ذكرناها أو فسخ الحج إلى العمرة؟ والاقرب أن هذه الكراهة والنهي من باب الحمل على الأولى والمشورة به على وجه المبالغة.
أحسنت، هنا يقول قوله أمرني بها دليل على جوازها عنده من غير كراهة، أنها لا تكره عند ابن عباس، قال: وكان ناساً كرهوها، ومنقولة كراهتها عن عمر وعثمان وغيرهما. قال: على أن ناساً طبعا كرهوها، ملاحظة حال الناس في ذلك الوقت، قالوا لو أننا لو أنه سمح لهم بان يقدموا بمتعة في حج تمتع فإنه سيقدمون أيام النسك ثم سيصير البيت سائر السنة غير معمور، منعهم عمر لأجل ذلك، لأجل ألا يهجر البيت سائر الزمن، وإلا فعمر لا يخفى عليه رضي الله تعالى عنه، ولا عثمان لا يخفى عليهم أمر النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالتمتع. هل هي المتعة التي ذكرناها؟ هي المتعة المعروفة أو هي فسخ الحج إلى العمرة؟ والاقرب أن هذه يقصد بها المتعة المعروفة، والسمعاني رحمه الله فهم أنه إن مقصوده الأقرب أن هذه أي فسخ الحج إلى العمرة. لكن الذي يظهر والله أعلم أن الذي كرهه عمر هو المتعة المعروفة والله أعلم، ثم حمل حمل المقصود عمر الكراهة أنه من باب الحمل على الأولى كما قلنا، تتمة لأجل ألا يترك البيت سائر السنة مهجوراً، نعم.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: وقوله رأيت في المنام كأن إنساناً ينادي إلى آخره.
في استئناف الرؤية فيما يقوم عليه الدليل الشرعي؛ لما دل الشرع عليه من عظم قدرها، وأنها جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة. وهذا الاستئناس والترجيح لا ينافي الأصول.
هنا قوله: رأيت في المنام فإن إنساناً ينادي، إلى آخره، في استئناس بالرؤيا. يقول: استئناس بالرؤيا فيما يقوم عليه الدليل الشرعي، الرؤيا ليست دليلاً. ليست دليلاً بذاتها، لكنها أن يستأنس بها إذا جاءت موافقة للدليل. ولذلك ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هنا فرح بها بموافقتها لما علمه من دليل في حكم هذه المسألة، وأن المتعة مشروعة ليست وليست مكروهة أو منهياً عنها.
هي يستأنس بها وليست دليلاً بذاتها، يعني لو أن شخصاً جاء وقال: إنني رأيت مثلاً أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءني في المنام وقال: إن صلاة الظهر خمساً. لا نقبل منه هذه الرؤيا لمخالفتها للأصول الشرعية. لذلك مما يذكر أن أناساً تراءوا رأوا الهلال ليلة الثلاثين من شعبان فلم يروا الهلال، نام شخص ورأى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: إن غد رمضان. يعني الأصل أن الهلال رؤيتك ليلة لكنهم لم يروه، فجاء إلى القاضي وقال له: إني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وقال إن غد رمضان. فقال: إن الذي قال لك ذلك في منامك قد قال في اليقظة: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»، لم نره، نتبع ما قاله في اليقظة.
فلذلك نقول: إذاً الدليل أن الرؤيا يستأنس بها إذا جاءت موافقة للدليل الشرعي لا إذا جاءت مخالفة له.
حسن الله إليكم، قال رحمه الله: يقول ابن عباس: الله أكبر سنة أبي القاسم، يدل على أنه تأيد بالرؤيا المذكورة واستبشر بها، وذلك دليل على ما قلناه. وابن عباس رضي الله تعالى عنهما فرح بهذه الرؤية بموافقتها لما علمه من الدليل. وجاء في البخاري أنه قال لأبي جمرة: أقم عندي وأجعل لك سهماً من مالي. فقال له: لم؟ قال: للرؤيا التي رأيت.
ومنه كما قال الحافظ في الفتح إكرام من أخبر العالم بما يسره، وأيضاً فرح العالم بموافقته للحق. العالم إذا علم أو إذا إذا إذا مثلاً أيده شخص على كلامه فإنه يفرح بموافقته للحق.
ونختم في هذه الواقعة ليست في الدرس لكن نختم بها كان الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في الحج فقال سئل عن يعني أفضل كتاب مختصر فيه فقه المناسك مختصر جداً، أشار بكتاب شيخنا ابن عثيمين رحمه الله تعالى: المناسك لمريد العمرة والحج، وذكر أنه يعني لا يخرج عما علمه من السنة. فأخبرت شيخنا رحمه الله تعالى لإشادة الألباني بكتابه، فسجد شكراً لله تعالى على هذه النعمة، وهذا من الفرح بموافقته للحق. نسأل الله أن يغفر للشيخين ويرحمهما وينفعنا بعلمهما ويسكنهما الفردوس الأعلى.
في سؤال؟ نوقف عند هذا، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان