بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملا صالحا يا كريم. أما بعد، فهذا هو المجلس السابع عشر من مجالس التعليق على كتاب أحكام الأحكام في شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد رحمه الله تعالى، وكنا قد توقفنا عند الحديث التاسع، حديث عبد الله بن زيد في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم.
أحسن الله إليكم، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمستمعين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه قال: شهدت عمرو بن أبي حسن سأل عبد الله بن زيد عن وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، فدعا بتور من ماء فتوضأ لهم وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأكفأ على يديه من التور فغسل يديه ثلاثا، ثم أدخل يده في التور فمضمض واستنشق واستنثر ثلاثا بثلاث غرفات، ثم أدخل يده فغسل وجهه ثلاثا، ثم أدخل يده في التور فغسلهما مرتين إلى المرفقين، ثم أدخل يده في التور فمسح رأسه فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة، ثم غسل رجليه. وفي رواية: بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجعا إلى المكان الذي بدأ منه. وفي رواية: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخرجنا له ماء في تور من صفر، والتور شبه الطست.
عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي حسن الأنصاري المازني المدني، ثقة روى له الجماعة، وكذلك أبوه ثقة اتفقوا عليه. فيه وجوه؛ أحدها: عبد الله بن زيد هو ابن زيد بن عاصم، وهو غير زيد بن عبد ربه، وهذا الحديث لعبد الله بن زيد بن عاصم لا لعبد الله بن زيد بن عبد ربه، وحديث الأذان ورؤيته في المنام لعبد الله بن زيد بن عبد ربه لا لعبد الله بن زيد بن عاصم، فليتنبه لذلك فإنه مما يقع فيه الاشتباه والغلط.
نعم، هنا في هذا الحديث حديث عبد الله بن زيد بن عاصم، ترجم المؤلف رحمه الله تعالى لعمرو بن يحيى الراوي عن أبيه، كان عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي حسن الأنصاري المازني المدني الثقة روى له الجماعة، وكذلك أبوه ثقة، عمرو بن اللي هو يحيى المازني ثقة اتفقوا عليه. أما جده عمارة وأبو جده أبو حسن؛ فأبو حسن هذا صحابي يقال شهد العقبة وبدراً، ولا يعرف له رواية، وأما جده عمارة فبعضهم أثبت له الصحبة كابن عبد البر رحمه الله تعالى، وبعضهم لم يثبت له صحبة.
قوله: شهدت عمرو بن أبي الحسن سأل عبد الله بن زيد، الآن عمرو بن أبي حسن من هو هذا؟ يعني من السائل لعبد الله بن زيد؟ بعض الشراح يذكر أن عمرو بن أبي حسن هو عمرو بن يحيى نفسه، وهذا ذكره ابن العطار، فقال: يقصد شهدت عمر بن أبي حسن، قال: يقصد الراوي ابنه، أي أن عمراً هنا روى عن أبيه أن أباه قال: شهدت عمرو بن أبي حسن، يقول: هو ترى عمرو بن الحسن وهو عمرو بن يحيى، ونسبه إلى جده الصحابي تشريفا له ولم ينسبه لنفسه أدباً. هكذا، أقول لعل استند في ذلك إلى رواية عند أبي داود أنه هو السائل لعبد الله بن زيد، كما ذكره السفاريني. ذكر بعض الشراح أن عمرو بن أبي حسن هذا يعتبر عماً لأبي عمرو، يعني يحيى هنا يروي عن عمه؛ فعمارة بن أبي حسن هو جد عمرو، وأخوه عمرو بن أبي حسن هو الذي سأل عبد الله بن زيد، وهذا جاء في الصحيحين أنه هو السائل عمرو بن أبي حسن، وهو من أولاد أبي حسن، وجاء في الصحيحين أن عبد الله بن زيد قال: شهدت عمي، أو نحو ذلك، أن عمرو بن يحيى ذكر أن عمه هو الذي سأل عبد الله بن زيد، وترجح رواية الصحيحين على غيرها.
بعض الشراح ذكر أن عبد الله بن زيد هو جد لعمرو بن يحيى، وأن جده إنه جد لأمه، يعني عبد الله بن زيد والد أم عمرو بن يحيى، وهذا ذكره عبد الغني في الكمال، وتبعه بعضهم ابن الملقم، وذكر الحافظ في الفتح أنه غلط، ولعله توهمه من بعض روايات البخاري.
هنا ذكر أن عبد الله بن زيد هو ابن عاصم، عبد الله بن زيد بن عاصم، وهو غير عبد الله بن زيد بن عبد ربه صاحب رؤيا الأذان، فهما شخصان لا شخص واحد، وقد توهم بعض العلماء رحمهم الله تعالى فظنوه شخصاً واحداً، وممن ذكر ذلك الإمام سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى، وبين المحدثون أنهما اثنان، وممن ذكره البخاري وغيره. أما عبد الله بن زيد بن عاصم فهو غير عبد الله بن زيد بن عبد ربه، بل ذكر بل نقل الترمذي عن الإمام البخاري أن عبد الله بن زيد بن عبد ربه لا يعرف له إلا حديث الأذان. على كل حال، هذه العبارة أطلقها البخاري وناقشها بعض المتأخرين من المحدثين كابن الملقم في البدر المنير، وهو في شرحي للعمدة، وأيضاً ابن حجر في التلخيص، وذكروا أن له أحاديث أخرى غير حديث الأذان، بل إن الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى له رسالة مفردة في الأحاديث التي رواها عبد الله بن زيد بن عبد ربه، وهي تقريبا سبعة أو ثمانية، والرسالة مطبوعة مع جملة من رسائله الصغيرة رحمه الله. ولعله يحمل يعني لا نقول إن البخاري قد يكون خفي عليه، هذا محتمل، لكن قد نقول وهذا كثير يطلق المحدثون أنه لا يعرف لفلان رواية عن فلان ويقصدون لا يصح له رواية عن غير فلان، فيحمل كلام الإمام البخاري على أنه لا يصح له إلا حديث الأذان، يعني قد يكون لم يخف عليه الأحاديث الأخرى لكن كلها يراها معلولة أو معنعنة إلا حديث الأذان.
قال رحمه الله تعالى: الثاني قوله: فدعا بتور، التور بالتاء المثناة، أو الطست بكسر الطاء وبفتحها وبإسقاط التاء لغات. نعم، التور هو الحافظ عبد الغني رحمه الله فسره بقوله: شبه الطست، وبعضهم قال: إنه الطست، وهو كان معروف عندنا هنا، ويطلق عليه الطشت هنا عندنا، وهي لغة فيه، وهي لغة فيه بإسقاط التاء الطست، لغات نعم.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: الثالث، فيه دليل على جواز الوضوء من إناء الصفر، والطهارة جائزة من الأواني الطاهرة كلها إلا الذهب والفضة عند القائلين للحديث الصحيح الوارد في النهي عن الأكل والشرب فيهما، وقياس الوضوء على ذلك. أحسنت، هنا قال: يدل الحديث على جواز الوضوء من آنية الصفر؛ لأن عبد الله بن زيد توضأ التور، بل إن الرواية الثالثة التي ذكرها هنا: فأخرجنا له عن النبي صلى الله عليه وسلم ماء في تور من صفر، يعني في طاسة من صفر وهو النحاس، فهذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم يدل على جواز الوضوء في آنية النحاس. قال: والطهارة جائزة من الأواني كلها، الأواني الطاهرة كلها، هذا هو الأصل بعدم ورود المنع، ولأن الأصل في الأشياء الطهارة والاباحة. استثنى قال: إلا الذهب والفضة عند القائلين للحديث الصحيح، الحديث الصحيح ورد في النهي عن استعمالهما، عن اجتناب الفضة في الأكل والشرب، وجاء الوعيد على ذلك، وقاس عليها جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى قاسوا عليها سائر وجوه الاستعمال، بجامع أن فيهما إتلافاً لماليتهما وترفهاً وسرفاً وكسراً لقلوب الفقراء، وهذا قول جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: الرابع، ما يتعلق بغسل اليدين قبل إدخالهما الإناء قد مر. نعم، وقول غسل اليدين قبل إدخالهما هذا مر علينا في حديث ماضي، فلذلك ما تكلم عنه المؤلف رحمه الله هنا. نعم.
أحسن الله إليكم، وقوله: فمضمض واستنشق ثلاثا بثلاث غرفات تعرض لكيفية المضمضة والاستنشاق بالنسبة إلى الفصل والجمع وعدد الغرفات، والفقهاء اختلفوا في ذلك فمنهم من اختار الجمع ومنهم من اختار الفصل. والحديث يدل والله أعلم على أنه تمضمض واستنشق من غرفة، ثم فعل كذلك مرة أخرى، ثم فعل كذلك مرة أخرى، وهو محتمل من حيث اللفظ غير ذلك، وهو أن يفاوت بين العدد في المضمضة والاستنشاق مع اعتبار ثلاث غرفات، إلا أن لا نعلم قائلا به؛ مثال ذلك أن يغرف غرفة فيتمضمض بها مرة مثلا، ثم يأخذ غرفة أخرى فيتمضمض بها مرتين، ثم يأخذ غرفة أخرى فيستنشق بها ثلاثا، وغير ذلك من الصور التي تعطي هذا المعنى، فيصدق على هذا أنه تمضمض تمضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا من ثلاث غرفات. أحسنت، هنا يقول: فمضمض واستنشق ثلاثا بثلاث غرفات، يقول هنا: تعرض لكيفية المضمضة والاستنشاق بالنسبة إلى الفصل والجمع، وانه الثلاثا في ثلاث غرفات يدل على أنها مجموعة لا مفصولة، وعدد الغرفات وتكون ثلاثا. قال الفقهاء رحمهم الله تعالى: اختلفوا في ذلك، فمنهم من اختار الجمع ومنهم من يختار الفصل؛ يعني منهم من اختار الجمع بأن يتمضمض ويستنشق ثلاثاً ثلاثاً بثلاث غرفات، في كل غرفة يتمضمض ببعضها ويستنشق ببعضها، هذا الجمع، والذي نختار الفصل؟ قالوا: لا، ثلاث غرفات للمضمضة وثلاث غرفات للاستنشاق. غالب الأحاديث التي وردت في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم فيها أنه يجمع بين المضمضة والاستنشاق في غرفة واحدة، وهي الواردة في الصحيحين، ولذلك قال ابن دقيق العيد رحمه الله في شرح الإلمام: وقد ذكرنا أن أحاديث الصحيح، الأحاديث الواردة في الصحيحين تقتضي الجمع لا الفصل، وأن حديث الفصل خارج عنه، يعني ورد خارج الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم تمضمض واستنشق وفصل بينهما.
قالوا: أن حديث الفصل خارج، وهذا أحد وجوه الترجيح المذكورة في فمه، فينبغي ترجيح الجمع. وهذا كما قلنا هو غالب، فالاحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم ترجح على الأحاديث التي جاءت بالفصل. ومنهم من قال: هلا يعني نجمع بينهما فنقول إنه الأفضل أن يجمع، وإن فصل أحيانا فلا بأس، إن فصل أحيانا فلا بأس فلا بأس، يعني لا نقول إنه خالف السنة، نقصد أنه لا نقول إنه خالف السنة، لأنه حتى لو لم يرد أحاديث في الفصل فنقول يعني كيف ما أتي به كيف ما أتي به جاز. قالوا: الحديث يدل والله أعلم على أنه تمضمض واستنشق من غرفة، ثم فعل ذلك مرة أخرى، ثم فعل ذلك مرة أخرى، يعني أنه جمع بينهما ولم يفصل، ثم ذكر أنه يحتمل احتمال آخر، لكن هذا الاختيار يقول: لا قائل به، هو أن يفاوت بين الغرفات، ولها صور كثيرة يعني ما ذكر صورة واحدة، يعني كل في غرفة تمضمض مرتين، الغرفة الثانية تمضمض مرة، المرة الثالثة استنشق ثلاثاً، صدق عليه أنه في ثلاث غرفات، لكن يقول: هذا نعلم قائلاً به، لأن القرين إما أن يقولوا إنه يفصل، وإما أن نقول إنه يجمع، ولا قائل بهذا التفصيل. وهذه الرواية يعني محتملة لهذا المعنى الذي ذكره ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى، لكن هناك روايات أخرى صريحة، يعني في بعض روايات البخاري: مضمض واستنشق من كف واحدة، فعل ذلك ثلاثاً، هذا صريح في أنه يجمع كل مرة، هذا صريح في أنه يجمع كل مرة كما قاله الحافظ في الفتح.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: الخامس، قوله: ثم أدخل يده فغسل وجهه ثلاثا قد تقدم القول فيه، وقوله: ويديه إلى المرفقين مرتين، فيه دليل على جواز التكرار ثلاثة في بعض الأعضاء واثنتين في بعضها، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثا ثلاثا، وبعضه ثلاثا وبعضه مرتين، وهو هذا الحديث. أحسنت، يعني غسل الوجه هنا يقول: تقدم القول فيه، لذلك ما تكلموا فيها هنا، تكلم عن اليدين المرفقين أنها مرتين، فيقول: غسل الوجه ثلاثة، بين المرفقين مرتين، المضمضة والاستنشاق ثلاث، غسل اليدين أول الوضوء ثلاثا، ثم مسح الرأس مرة واحدة، غسل رجليه أطلق ما ذكر الشيخ. فيقول: هذا يدل على أنه يجوز المخالفة في غسل الأعضاء، فيغسل بعضها ثلاثا، وبعضها مرتين، وبعضها. ثم ذكر أن الصفات الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الوضوء أربع صفات؛ توضأ مرة مرة، وتوضأ مرتين مرة ثانية في كل الأعضاء مرة، وتوضأ مرتين مرتين في كل الأعضاء مرتين -طبعا ما عدا الرأس فهو لا يتكرر-، وتوضأ ثلاثا ثلاثا في كل الأعضاء ثلاثة -بعد الرأس فانه لا يتكرر-، وتوضأ مخالفا فغسل بعض أعضائه ثلاثا وبعض أعضائه مرة مرة وهو هذا الحديث. فكلها تعتبر من السنة، والافضل لمن أراد الوضوء أن ينوع، فيأتي بهذا أحياناً وبهذا أحياناً، ليأتي بالسنة على جميع وجوهها.
أحسن، قال رحمه الله تعالى: السادس
قوله: ثم أدخل يده في التور يمسح رأسه فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة، فيه دليل على عدم التكرار في مسح الرأس مع التكرار في غيره، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة. وورد المسح في بعض الروايات مطلقا وفي بعضها مقيدا بمرة واحدة.
أحسنت، هنا يتكلم عن مسح الرأس وهل يكرر أو لا؟ فيقول قوله: فمسح رأسه فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة، هذا يدل على عدم التكرار في مسح الرأس مع التكرار في غيره، يعني الأعضاء الأخرى، لكن مسح الرأس نص على أنه مرة واحدة، وذكر أن هذا مذهب مالك وأبي حنيفة، وهو مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى أن مسح الرأس لا يكرر، مسح الرأس لا يشرع تكراره وإنما رأى مشروعية تكراره الإمام الشافعي رحمه الله تعالى.
قال: وورد المسح في بعض الروايات مطلقا وفي بعضها مقيدا بمرة واحدة. وإذا ورد الحديث مطلقا ومقيدا في سبب واحد والحكم واحد، فهنا يحمل المطلق على المقيد، فنقول إذا يمسح مرة واحدة، يحمل المطلق على المقيد، فالأحاديث التي فيها مسح رأسه بغير ذكر عدد تحمل على الأحاديث التي فيها المسح مرة واحدة. وككما قلنا في الفصل بينشق نقوله هنا في أن معظم الأحاديث الواردة في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم فيها أن المسح مرة واحدة، لأن أبا داود لما أورد حديث عثمان في المسح ثلاثا قال وأحاديث عثمان الصحة تدل على أنه يمسح مرة واحدة، وهذا ترجيح منه للأحاديث التي فيها عادة تراب المسح، وما ورد في بعض الروايات أنه توضأ ثلاثا ثلاثا فهذا يحمل، يعني هذه رواية مجملات تحمل على التفصيل، ورد في بعض الأحاديث أنه لم يكرر مسح الرأس.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: وقوله فأقبل بهما وأدبر. اختلف الفقهاء في كيفية الاقبال والادبار على ثلاثة مذاهب: أحدها أن يبدأ بمقدم الرأس الذي يلي الوجه ويذهب إلى القفا، ثم يردهما إلى المكان الذي بدأ منه وهو مبتدأ الشعر من حد الوجه. وعلى هذا يدل ظاهر قوله: بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجعا إلى المكان الذي بدأ منه، وهو مذهب مالك والشافعي.
إلا أنه سيذكر المؤلف رحمه الله تعالى خلاف العلماء رحمهم الله تعالى في معنى الإقبال والإدبار في مسح الرأس، فذكر أنه على ثلاثة مذاهب، ذكر المذهب الأول ثم أورد إشكالا عليه ثم أجاب عن هذا الاشكال من ثلاثة أوجه. المذهب الأول أنه يبدأ بمقدم الرأس الذي يلي الوجه، بداية رأسه يبدأ يمسح من بداية رأسه حتى يصل إلى قفاه، ثم يرجع مرة أخرى من قفاه إلى بداية رأسه، طيب ما دليلهم على تفسير أقبل وأدبر بهذا؟ قالوا إنها أذى، وهو ظاهر قوله بدأ بمقدم رأسه، هذه هي الرواية الثانية، عندنا الرواية الأولى: فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة، الرواية الثانية في أصل الحديث الذي ساقه الحافظ، انظروا الحافظ عبد الغني ساق الرواية الخاصة والثانية هنا فيها تفسير الإجمال الذي في الرواية الأولى، يقول يدل على هذا دليلهم على هذا التفسير ظاهر قوله: بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجعا إلى المكان الذي بدأ منه، وهو مذهب مالك والشافعي أيضا، وهو مذهب الإمام أحمد رحمه الله.
الان سيذكر إشكالا على هذا التفسير.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: إلا أنه ورد على هذا الإطلاق إطلاق قوله فأقبل بهما وأدبر إشكال من حيث أن هذه الصفة تقتضي أنه أدبر بهما وأقبل، لأن ذهابه إلى جهة القفا إدبار ورجوعه إلى جهة الوجه إقبال. فمن الإشكال الذي ورد على هذا التفسير يقولون تفسيركم بهذا في الحقيقة أن ذهابه من رأسه إلى القفا هذا إدبار، ثم رجوعه هذا يعد إقبال، وأنتم عكستم فسرتم هذاك بالإقبال وهذا بالإادبار، الآن سيجيب عنه من ثلاثة.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: فمن الناس من اعتقد أن هذه الصفة المتقدمة التي دل عليها ظاهر الحديث المفسر وهو قوله: بدأ بمقدم رأسه إلى آخره، وأجاب عن هذا السؤال بأن الواو لا تقتضي الترتيب، فالتقدير أدبر وأقبل. فهمت؟ يعني يقولون نحن معكم في هذا، وأن الذهاب من مقدم الرأس إلى القفا هذا يعد إدبارا، والرجوع هذا يعد إقبالا، لكن نقول إن قوله فأقبل بهما وأدبر هذا لا يقتضي الترتيب، لأن الواو لا تقتضي الترتيب، فالتقدير أدبر وأقبل، فبدأ بذكر الإقبال تفاؤلا، لأن المتوضأ مقبل على ربه في وضوءه فناسب أن يبدأ بذكر الإقبال. ابن الملقن يعني رد هذا الجواب بأنه جاء في حديث عبد الله بن زيد المذكور في إحدى روايات صحيح البخاري: فمسح برأسه فأدبر به وأقبل. يعني يقول إننا ما نقول إنه ذكرت وإنما هو يعني من تصرف بعض الرواة. نعم، الآن سيذكر جوابا ثانيا ثم يذكر جوابا ثالثا.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: وعندي فيه جواب آخر، وهو أن الإقبال والإدبار من الأمور الإضافية، أعني أنه ينسب إلى ما يقبل إليه ويدبر عنه. فيمكنه حمله على هذا. ويحتمل أن هذا الجواب الثاني يقول الإقبال والإدبار هذا من الأمور الإضافية، فهو يعني في هذا نقول أقبل، مسح كونه بدأ من مقدم رأسه هذا يعتبر إقبال، طيب كيف إقبال وهو رجع؟ يقولون أقبل، فالإقبال من الأمور الإضافية، فهو حقيقة أقبل على القفا فهذا إقبال، ثم أدبر عن القفا فهذا إدبار، سيقولون إذا الإقبال والإدبار من الأمور التي يختلف معناها بحسب ما أضيفت إليه، طيب ثم ذكر الاحتمال الثالث.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: ويحتمل أن يريد بالاقبال اقبالا على الفعل لا غير، ويضعفه قوله وأدبر مرة واحدة. أحسنت، يعني هذا احتمال ثالث في الجواب عن الإشكال الذي أورد من قبل هذا المعنى الأول، أن الإقبال فأقبل يعني أقبل على الفعل، يعني هنا أقبل على المسح، هذا يقول هذا محتمل، لكن يضعفه قوله وأدبر مرة واحدة، يعني عندنا لفظ أدبر وعندنا مرة واحدة، لأن أدبر الإقبال على الفعل يعني أقبل على الفعل يعني بدأ به مهتما به ونحو ذلك، هذا ما يقابل بلفظة أدبر، ما يقابل يعني ما ليس عكسه لفظ أدبر. وأيضا وقت ما أقبل وأدبر مرة واحدة، يعني في الرواية الأصلية في الباب: فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة، ما يستقيم تقيده للمرة الواحدة تقريبا مرة واحدة ما يستقيم معه تفسير الإقبال بأنه الإقبال على الفعل. إذا هذا القول الأول في معنى الإقبال والإدبار، ثم ذكر القول الأول ودليله ثم ذكر الإشكال عليه ثم أجاب عن هذا الإشكال من ثلاثة أوجه، الآن سيذكر المذهب الثاني في كيفية الإقبال والإدبار ثم يذكر مناقشته.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: ومن الناس من قال يبدأ بمؤخر رأسه ويمر إلى جهة الوجه ثم يرجع إلى المؤخر، محافظة على ظاهر قوله أقبل وأدبر، وينسب الإقبال إلى مقدم الوجه والإدبار إلى ناحية المؤخر. هنا يقولون حنا بنتمسك بظاهر الحديث أقبل وأدبر، الإقبال منين؟ يقبل من القفا، يكمل القفا فيمسح إلى أن يصل إلى مقدم الوجه، يعني مقدم الشعر، ثم اللي يحد الرأس عن الوجه ثم أدبر، اللي هو يرجع من مقدم الشعر إلى القفا. هنا هذا معناه الإقبال والإدبار عندهم، دليلهم المحافظة على ظاهر قوله أقبل وأدبر. طيب هنا سيذكر ما يضعفه ثم سيذكر ما يقويه.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: وهذا يعارضه الحديث المفسر لكيفية الإقبال والإدبار وإن كان يؤيده، ما يضعفه إذا هذا الحديث يضاعفه الرواية الثانية التي ساقها الحافظ عبد الغني في أصل الكتاب: بدأ بمقدم رأسه حتى لا يلقطها إلى آخره، فهذا تفسير الإقبال والإدبار ويخالف ما ذهب إليه أصحاب هذا القول من تفسير الإقبال والإدبار. لكن الآن سيذكر ما يقويه.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: كان يؤيده ما ورد في حديث الربيع أنه صلى الله عليه وسلم بدأ بمؤخر رأسه، فقد يحمل ذلك على حالة أو وقت، ولا يعارض ذلك الرواية الأخرى لما ذكرناه من التفسير. طيب أحسنت، يقول هذا ذكرنا الذي يضاعفه، لكن هناك أشياء وحديث آخر يقويه، اللي هو جاء في رواية في حديث آخر عن الربيع بنت معوذ في ذكر وضوء النبي صلى الله عليه وسلم أنه بدأ بمؤخر رأسه، وهذا عند أبي داود والترمذي، بدأ بمؤخر رأسه، وهذا خلاف ما جاء في حديث عبد الله بن زيد أنه بدأ بمقدم رأسه، ولذلك الترمذي لما ساقه قال: حديث عبد الله بن زيد أصح من هذا وأجود إسنادا. فقوى ابن دقيق العيد رحمه الله قوى قولهم بموافقته لحديث الربيع، وثم ذكر أنه يمكن الجمع بينهما، يعني هناك قدمه أصحاب هذا القول قدموا حديث الربيع على حديث عبد الله بن زيد، ومنهم الأول قدموا حديث عبد الله بن زيد على حديث الربيع. قال: ممكن الجمع بينهما، النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرات كثيرة، رأته الربيع في بعضها ورآه عبد الله بن زيد في بعضها، فأحيانا يمسح من مقدم رأسه وأحيانا يمسح من مؤخر رأسه، وهذا معنى قوله: فقد يحمل ذلك على حالة أو وقت، يعني مرة كذا ومرة كذا، ولا يعارض ذلك الرواية الأخرى، يعني ما نقول تقدم هذا على هذا، لأنه هنا أمكن الجمع، فإذا أمكن الجمع فلا يسار إلى الترجيح لما ذكرناه من التفسير. ومنهم من قال إنه يحمل على الجواز لا على الأفضل، يعني حديث الربيع أنه يحمل على الجواز لا على الأفضل، وإنما الذي يحمل على الأفضل مما ورد في حديث عبد الله بن زيد. نعم، الآن ذكر القول الثاني في معنى الإقبال والإدبار، الآن سيذكر المعنى الثالث.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: ومن الناس من قال يبدأ بالناصية ويذهب إلى ناحية الوجه، ثم يذهب إلى جهة مؤخر الرأس، ثم يعود إلى ما بدأ منه وهو الناصية. طيب أحسنت، هذا القول الثالث يقولون يعني قول الجمع بين القولين، قالوا يبدأ بالناصية، يعني عندنا مقدم الرأس يمسح قليلا من مقدم الرأس ويذهب إلى ناحية وجهه، طيب ثم يرجع إلى القفا ويصعد إلى أن يصل إلى مقدم الرأس. طيب لماذا اختاروا هذا القول؟ الآن سيذكر دليله.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: وكأن هذا قد قصد المحافظة على قوله بدأ بمقدم الرأس مع المحافظة على ظاهر قوله أقبل وأدبر، فإنه إذا بدأ بالناصية صدق عليه أنه بدأ بمقدم رأسه، فإن الناصية مقدم رأسي، وصدق أنه أقبل أيضا، فإنه ذهب إلى ناحية الوجه وهو القبل. طيب أحسنت، هنا إذا ذكر دليله وهو أنهم يعني ذهبوا إلى هذا للجمع بين الروايات، قالوا الرواية التي فيها بدأ بمقدم الرأس عملنا بها بأن بدأ بالناصية، بدأ بالناصية ونزل، وأقبل وأدبر عملنا بها فإنه رجع إلى قفاه وأقبل به، فيقولون نحن عملنا بالروايات كلها. الآن سيذكر مناقشته ثم سيذكر جواب المناقشة.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: إلا أن قوله في الرواية المفسرة بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه قد يعارض هذا، فانه جعله بادئا بالمقدم إلى غاية الذهاب إلى قفاه، وهذه الصفة التي قالها هذا القائل تقتضي أنه بدأ بمقدم رأسه غير ذاهب إلى قفاه بل إلى ناحية وجهه وهو مقدم الرأس. أحسنت، هنا هذه مناقشة، يقول نناقشكم بالرواية المفسرة التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى أعني الحافظ عبد الغني في الرواية الثانية: بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، فيقولون إن هذه الرواية تعارضه الذي ذكرتموه، فإنه جعله بادئا بالمقدم إلى غاية الذهاب إلى قفاه، وأنتم جعلتموه بادئا بالمقدم ونازلا إلى ناحية الوجه ليس ذاهبا إلى القفا، هذه مناقشته، الآن سيذكر الجواب على المناقشة.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: ويمكن أن يقول هذا القائل الذي اختار هذه الصفة الأخيرة إن البداءة بمقدم الرأس ممتد إلى غاية الذهاب إلى المؤخر، وابتداء الذهاب من حيث الرجوع من منابت الشعر من ناحية الوجه إلى القفا، والحديث إنما جعل البداءة بمقدم الرأس ممتدا إلى غاية الذهاب إلى القفا، لا إلى غاية الوصول إلى القفا، وفرق بين الذهاب إلى القفا وبين الوصول إليه، فإذا جعل هذا القائل الذهاب إلى القفا من حيث الرجوع من مبتدأ الشعر من ناحية الوجه إلى جهة القفا صح أنه ابتدأ بمقدم الرأس ممتدا إلى غاية الذهاب إلى جهة القفا. يعني يقول في جواب المناقشة، الآن الكلام لأصحاب القول الثالث يجيبون عن المناقشة التي ذكرت في الدم، يقولون هل بدأت بمقدم الرأس ممتد إلى غاية الذهاب إلى المؤخر؟ يعني يقولون عندنا فرق بين الذهاب إلى القفا والوصول إلى القفا، والحديث وش يقول؟ بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، هل قال حتى وصل بهما إلى قفاه؟
يقول: لو قال حتى وصل بهما إلى قفاه، قلنا لكم صح، نحن خالفنا الحديث. الاستنكار حتى ذهب بهما إلى قفاه، فبدأ بمقدم رأسه. اسكت، إلى وين ذهب؟ لكن بعد الذهاب يذهب إلى إلى القفا. فيقولون: فرق بين الوصول إلى القفا والذهاب إلى القفا، يقول: نحن لم نخالف هذه الرواية التي تقولون إنكم خالفتموها، نحن لا نخالفها؛ لأن الرواية لا تدل على أنه بدأ بمقدم الوجه حتى وصل إلى القفا، لكنها تدل أنه بدأ مقدم الوجه حتى ذهب إلى القفا، ونحن نقول بذلك: بدأ بمقدم الوجه قليلاً ثم انتقل إلى القفا. هذا ملخص هذه الأوجه.
فإذا، كيفية الإقبال ذكر ثلاثة أقوال: القول أولاً: إنه البداءة بمقدم الرأس ثم يمشي إلى القفا ثم يرجع، وهذا مذهب مالك والشافعي، وهو مذهب أيضاً الإمام أحمد، وتمسكوا بالتفسير الذي ورد فيها، وأورد عليهم بأن هذا يعد إدباراً وإقبالاً وليس إقبالاً وإدباراً، وأجابوا بثلاثة أجوبة. القول الثاني: لا بالعكس، أنه يبدأ من المؤخر، أنه يبدأ من المؤخر محافظة على لفظة أقبل وأدبر، وذكر المؤلف ما يناقش به وما يقويه، وذكر وجهاً من أوجه الجمع. القول الثالث: أنه يبدأ بمقدم رأسه وينزل قليلاً إلى ناحية الوجه ثم يرجع إلى القفا، وينتقل من قِبالة مقدم الرأس، وذكروا أنهم يعملون في هذا بكل الروايات، وذكر مناقشتهم والجواب بمعنى هذه المناقشة.
هذا ملخص ما ذكره الحافظ ابن دقيق العيد رحمه الله. الصنعاني رحمه الله ذكر لنا نَفَسًا جميلاً في نهاية تعليقه على هذه الأوجه؛ أن هذا يدل على سَعة علم الحافظ ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى وأنه يذكر لكل قوم ما قد يحتجون به، واحياناً لو ذهبت إلى كتبهم، كتب الفقه أو كتب شروح الحديث، لا تجدهم يذكرون هذا الدليل على الجهة التي أوردها الحافظ ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى، لكنه يذكر رحمه الله لكل قوم ما يقوي دليلهم، سواء ذكروه أو استنبطه هو من تلقاء نفسه رحمه الله تعالى.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: وقد تقدم ما يتعلق بغسل الرجلين والعدد فيهما أو عدم العدد، والرواية تقدم غسل الرجلين، وهل تغسلان أو تمسحان في الحديث الماضي؟ وأيضاً هل يستحب غسلهما ثلاثاً أو نقول يغسلان حتى يتم الإنقاء؟ هذا كله تقدم في شرح الدرس في شرح الحديث السابق، نعم.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: والرواية الأخيرة مصرحة بالوضوء من الصُّفْر، وهي رواية عبد العزيز بن أبي سلمة، وهي مصرحة بالحقيقة في قوله: تور من صُفْر، وفي الرواية الأولى مجاز، أعني قوله: من تور من ماء، ويمكن أن يحمل الحديث على من إناء من إناء ماء وما أشبه ذلك. يقول: الرواية الأخيرة مصرحة بالوضوء من الصُّفْر، من الصُّفْر اللي هو النحاس؛ لأنه ماء في تور من صُفْر، في تور من صُفْر هذه الرواية تدل على جواز الوضوء من إناء النحاس. الرواية الأولى، يعني يقول فيها إجماع، فدعا بتور من ماء أو فيها مجاز، يعني قوله من تور من ماء، قال: لكن يمكن أن يحمل هذا المجاز على ما يوافق الحقيقة فنقول: تور من إناء ماء، تور من إناء ماء، أو ما أشبه ذلك، يعني مما يوافق الرواية الأخرى.
نقف على هذا، ونسأل الله للجميع التوفيق والسداد، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان