دخولتسجيل الدخول

التعليق على إحكام الأحكام لابن دقيق - 9 - الحديث الرابع من المسألة السادسة حتى نهاية الحديث

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان أفهّمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملا صالحا يا كريم. أما بعد، فهذا هو اللقاء التاسع من اللقاءات في التعليق على كتاب أحكام الأحكام لابن دقيق العيد رحمه الله تعالى.

وكنا قد أهنينا التعليق على المسألة الخامسة من الحديث الرابع؛ حديث: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده». وكانت المسألة الخامسة في غسل اليدين قبل أدخالهما في الإناء ابتداء الوضوء بعد الاستيقاظ من النوم. يعني ذكر المؤلف رحمه الله تعالى ثلاثة أقوال: أما وجوب الغسل بعد الاستيقاظ من نوم الليل، والثاني أن الغسل واجب بالاستيقاظ من نوم الليل، والثالث أن الغسل مستحب سواء كان بعد نوم الليل أو نوم النهار.

وكأن المؤلف رحمه الله تعالى ذكر الصوارف اللذين استدل بهما من يرى الاستحباب، من الوجوب إلى الاستحباب، وهو حديث الأعراب: توضأ كما أمرك الله، وأيضاً أن هناك قدماً صرف الأمر من الوجوب إلى الاستحباب، وهو قوله صلى الله عليه وسلم لهذا الأمر فإنه لا يدري أين باتت يده. وهنا عندنا أمر مشكوك فيه يرجع إلى الأصل في هذا، والأصل بقاء الطهارة، طهارة اليد، فلذلك المعقول ما دامت طاهرة فلا يجب غسلها.

وقلنا لكم في نهاية الدرس أمس أن هناك من أهل العلم من يرى أن الغسل تعبدي لا لأجل النجاسة، وهو المشهور عند الحنابلة رحمهم الله تعالى، وأن الأمر بغسل اليد لا للنجاسة وإنما هو تعبدي، ويقولون إن قوله صلى الله عليه وسلم: «فإنه لا يدري أين باتت يده»، هذا حقيقة أنه تعليل بأمر غير معلوم، لا يقولون كما يقوله الجمهور إن هذا يرجع فيه إلى استصحاب غسل اليد، لا، هم يقولون الآن لا نقول إنه لأجل النجاسة، يقولون نحن لا نعلم لماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك: فإنه لا يدري أين باتت يده، قد تكون باتت يده على نجاسة فيكون لأجل نجاسة، وقد يكون التعليل لأجل الاستقذار، وقد يكون التعليل أنها يعني جاءت لامست أو أثر فيها قرب الشياطين، لأنه جاء في الحديث من الشيطان، يعني في الأمر بالاستنشاق بعد الاستيقاظ من النوم: «فإن الشيطان يبيت على خياشيمه». فيقولون قد يكون هذا، وقد يكون هذا، وقد يكون هذا، سيرجع الأمر إلى أنه علل بأمر غير معلوم، ليكون الأمر تعبديا غير معقول المعنى، فلذلك قالوا بالوجوب ها هنا.

المسألة السادسة؛ هذه مبنية على القول بأن هذا معلل، لأن الأمر معلل وليس تعبديا. نعم.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين ولجميع المؤمنين.

قال رحمه الله: السادسة، قيل إن سبب هذا الأمر أنهم كانوا يستنجون بالأحجار فربما وقعت اليد على المحل وهو عِلْقٌ فتنجست، فإذا وضعت في الماء نجسته، لأن الماء المذكور في الحديث هو ما يكون في الأواني التي يتوضأ منها والغالب عليها القلة. وقيل إن الانسان لا يخلو من حك بثرة في جسمه أو مصادفة حيوان ذي دم فيقتله فيعلق دمه بيده، فهنا هذا التماس من بعض أهل العلم لسبب الأمر بغسل اليد، وهذا نقله الإمام النووي رحمه الله تعالى عن الشافعي.

وبعض أهل العلم ذكر سببين؛ أما أن الصحابة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يستنجون بالأحجار، يعني كان أكثر جعلهم الاستجمار أكثر من الاستنجاء، لماذا؟ لقلة الماء. فإذا استنجوا بالأحجار لابد أن يبقى شيء من النجاسة، لأن الحجر يزيل العين فيبقى الأثر، كما تعلمون ربما وهو نائم تعبث يده، طبعا أيضاً عندنا الغالب في الحجاز في مكة والمدينة الجو يميل للحرارة، يكثر العرق. يقول ربما وقعت اليد على المحل قضاء الحاجة وهو عالق، يده على الكَفِّ فتتنجس، لذلك أنها عالقة فأصابت يعني فيها رطوبة، فأصابت النجاسة أو أثر النجاسة الموجود في مخرج السبيل، فإذا أصابته الآن النجاسة انتقلت إلى يده، فإذا وضعت في الماء فإنها تنجسه. قال لأن الماء المذكور في الحديث هو ما يكون في الأواني التي يتوضأ منها والغالب عليها القلة، يعني يكون الماء قليلا، يكون الماء قليلا لأنه يتوضأ من إناء لا يسع كل شيء، يكون قليلا، والقليل كما سياتينا إذا وضعت فيه النجاسة أو إذا جاءت يعني وردت عليه النجاسة فإنها تنجسه.

وأيضاً هناك سبب آخر قال: أن الانسان لا يخلو من أن يكون في جسمه بثور أي جروح، فاذا حكها وهو نائم يكون فيها دم ينجس هذا الماء، وكذلك أو مصادفة حيوان في دم سيقتله يعلق الدم بيده، ثم إذا توضأ ثم إذا غامس يده فانه ينجس هذا الماء. يعني يقولون إن هذا كله يدور على مخافة أو توهم النجاسة، فلذلك أمر بغسل اليد. وكما قلنا لكم، يدور على أن الأمر بها معلل وليس تعبديا. نعم.

أحسن الله إليكم. السابعة، الذين ذهبوا إلى أن الأمر للاستحباب استحبوا غسل اليد قبل إدخالها في الإناء في ابتداء الوضوء مطلقا، سواء قام من النوم أم لا، ولهم في ذلك مأخذان: أحدهما أن ذلك وارد في وضوء النبي صلى الله عليه وسلم من غير تعرض لسبق نوم، الثاني أن المعنى الذي علل به في الحديث وهو جَوَلان اليد موجود في حال اليقظة، فيعم الحكم بعموم علته.

أحسنت. يقول إن الأمر بغسل اليد الذين قالوا للاستحباب هم يقولون: سواء قام من النوم أم لم يقم، يقولون يستحب البدء بغسل اليدين في أول الوضوء مطلقا، سواء قام من النوم أم لم يقم، سواء قام من نوم ليل أو من آخر، الأمر على الاستحباب مطلقا. وذكر الدليل على ذلك، قال: لهم في ذلك مأخذان، الأول أن هذا هو الوارد في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، كما جاء ذلك في حديث عثمان بن عفان وعبد الله بن زيد وسيأتينا إن شاء الله الاحاديث القادمة، أنه في بدء الوضوء كان النبي صلى الله عليه وسلم يغسل يديه أول الوضوء قبل إدخالها في الإناء ولو لم يكن من نوم الليل.

والامر الثاني: أن المعنى الذي علل به في الحديث وهو أنه لا يدري أين باتت يده، الجوَلان على اليد موجود محل اليقظة، اليد حال اليقظة تجول كما تجول حال حالة النوم، هكذا ذكره المؤلف رحمه الله تعالى، قال: فيعم الحكم لعموم علته، فما دام أن اليد تجول في حال اليقظة وكذلك كما تجول في حال النوم، فيستدل من هذا الحديث. يعني يقول: نستدل على استحباب غسل اليد قبل غمسها في الإناء حتى للمستيقظ بدليلين: الأول فعل النبي صلى الله عليه وسلم، هذا فعله الدائم صلى الله عليه وسلم، الثاني يعني من الاحاديث الأخرى، الثاني أننا نستدل عليه من هذا الحديث، العلة هذه عامة تعم حتى حال المستيقظ، تعم حتى حال المستيقظ.

والحقيقة أن الدليل الأول سليم، لكن الدليل الثاني يعني فيه إشكال، لانه طبعا على القول بان هذا تعليل، لأنه لا يدري أين باتت يده، فنقول المستيقظ يدري اين باتت، أين كانت يده، يدري أنها لمست كذا، لمست نجاسة ولم تلمس، فلا يستقيم الاستدلال به، لكن يستقيم الاستدلال الأول وهو أن هذا هو فعل النبي صلى الله عليه وسلم. نعم.

أحسن الله إليكم. الثامنة، فرق أصحاب الشافعي يومًا -فرق منهم بين حال المستيقظ من النوم وغير المستيقظ- فقالوا: أو فرق منهم، جملة أو فرق منها معلق عليها لأن في بعض النسخ لم ترد. أصحاب الشافعي رحمهم الله، لكن يقصد إما أن هذا القول منسوب لكلهم أو لبعضهم، التفريق الذي سيذكره الآن تفريقا بين الكراهة وترك المستحب: متى نقول أنها عن ترك المستحب أنه مكروه؟ ومتى نقول إنه ليس بمكروه؟

نعم، أحسن الله إليكم. فرق أصحاب الشافعي، فرق منهم بين حال المستيقظ من النوم وغير المستيقظ، وقالوا: في المستيقظ من النوم يكره أن يغمس يده في الإناء قبل غسلها ثلاثا، وفي غير المستيقظ من النوم يستحب له غسلها قبل إدخالها في الإناء. وليعلم الفرق بين قولنا: يستحب فعل كذا وبين قولنا: يكره تركه، ولا تلازم بينهما، فقد يكون الشيء مستحب الفعل ولا يكون مكروه الترك، صلاة الضحى مثلاً وكثير من النوافل. فغسل اليد لغير المستيقظ من النوم قبل إدخالهما الإناء من المستحبات، وترك غسل اليد للمستيقظ من النوم من المكروهات، وقد وردت صيغة النهي عن إدخالهما في الإناء قبل الغسل في حق المستيقظ من النوم، وذلك يقتضي التحريم على أقل الدرجات، وهذه التفرقة هي الأظهر.

أحسنت. هنا يفرق المؤلف رحمه الله تعالى -يعني ينقل هذا التفريق عن بعض أصحاب الشافعي- بين الكراهة وترك المستحب أو ترك الأمر المسنون، فهل كل من ترك مسنونا تعتبر هذا مكروها؟ يقول: نفرق، فإذا اقترن بالامر بالفعل المسنون نهي فنقول: إذا ترك الأمر المسنون فإنه يعتبر فعلا مكروها، أما إذا لم يقترن به نهي لا يعد تركه للمسنون مكروها. ومثل على ذلك يعني عندنا الذي عندنا ذكر المثال، غسل اليدين قبل غمسه بالإناء، يقول: إذا كان ذلك من نوم، إذا كان ذلك بعد الاستيقاظ من النوم -لا يفرقون بينهم الليل والنوم والنهار- إذا كان ذلك بعد الاستيقاظ من النوم فيقول وغامس يده مباشرة، فيقول إن فعله هذا مكروه، لماذا؟ لأنه ورد نهي هنا، فلا يغمس يده هنا والنهي مقيد بالاستيقاظ: «إذا استيقظ أحدكم».

طيب، أما إذا كان لا، مساكم مثلاً هو كان مستيقظا من يعني من النوم من الساعة العاشرة ظهرا، ثم الساعة الثانية عشر أراد أن يتوضأ لصلاة الظهر، وضوءه الآن ليس عن استيقاظ، ليس عن استيقاظ، فإذا توضأ إذا غامس يده في الإناء في أول الوضوء، وهنا يقولون: ترك المسنون، لكن لا يعد فعلاً مكروهاً، لماذا؟ لانه لم يرد النهي عن غمس اليد في الإناء مطلقاً وإنما ورد النهي مقيداً بعد الاستيقاظ من النوم. يقول: في الأولى فعل مكروهاً، في الثانية لم يفعل مكروهاً.

ومثل على ذلك، أقصد مثل على ما لم يكن فيه نهي، أيضاً بصلاة الضحى من المستحبات، مثلاً شخص ترك صلاة الضحى يوماً، هل نقول فعل مكروهاً؟ لا، ورد الأمر، ورد الحث على صيام ثلاثة أيام من كل شهر، لو أن شخصاً مر عليه شهر ولم يصم، نحن نقول: فعل مكروهاً؟ لا، لأنه هنا ورد الحث على فعلها لكن لم يرد النهي عن تركها. إذن، لا تلازم بين ترك المسنون والحكم بالكراهة، بل قد يكون بعض المستحبات تركها مكروهاً، وبعض المستحبات تركها غير مكروه، وهذا أحد الأقوال في هذه المسألة. نعم.

أحسن الله إليكم. التاسعة، استنبط من هذا الحديث الفرق بين ورود الماء على النجاسة وورود النجاسة على الماء، وجه ذلك أنه قد نهى عن إدخالهما في الإناء قبل غسل اليدين لاحتمال النجاسة، وذلك يقتضي أن ورود النجاسة على الماء مؤثر فيه، وأمر بغسلهما بإفراغ الماء عليهما للتطهير، وذلك يقتضي أن ملاقاتهما للماء على هذا الوجه غير مفسد له بمجرد الملاقاة وإلا لما حصل المقصود من التطهير.

أحسنت. عندنا يقول: استنبط من هذا الحديث الفرق بين ورود النجاسة على الماء وورود الماء على النجاسة. ورود الماء لا ينجسه، ورود النجاسة على الماء الجسم، وهنا الجسم إذا كان قليلا أو كان كثيراً، وقد طيب، كيف استنبطنا نحن الآن؟ سيعلمك وجه الاستنباط. يقول: إنه نهى عن إدخالهما بالإناء قبل غسلهما، لماذا؟ لاحتمال النجاسة، هذا كما قلنا لكم هذا مبني على أن الأمر معلل باحتمال النجاسة.

طيب، احتمال النجاسة إذا فهمنا أنه إذا كان يقين، يقين أن النجاسة فيها في هذه اليد فإنها تنجس الماء، تترك الماء، وهو نهى عن غمسه لاحتمال النجاسة. طيب، إذا كانت نجسة علمنا أنها نجسة، فهو منهي عنه من باب أولى أنه سينجس الماء لأنه سيمثلنا، يعني أنها على أن ورود النجاسة، أما بالعكس، أما بالعكس اللي هو ورود الماء على النجاسة. كيف استنبطناها؟ لان النبي صلى الله عليه وسلم أمر بغسلهما اليدين قبل إدخال الإناء، إفراغ الماء عليهما للتطهير. يقول: هذا يقتضي أن ملاقاتهما للماء على هذا الوجه غير مفسد له بمجرد الملاقاة وإلا لما حصل المقصود من التطهير؟

يعني أنه طبعا هذا طبعا هذا كون الأمر غسل اليد قبل غمسها بالإناء أنه لأجل النجاسة أو لاحتمال النجاسة، لو قلنا إن احتمال النجاسة، الآن الماء ورد على اليد لو لو فرضنا أنها فيها نجاسة، أو فرضنا أن النجاسة محسوبة، ورود الماء على اليد وورد الماء على اليد غسلها ثلاثا، هذا يفيد لو لو كان قليلا موصل النجاسة، يفيد أن الماء إذا ورد على النجاسة فإنها لا تنجسه. كيف عرفنا أنها لا تنجس؟ لو كانت تنجسه لما حصل مقصود من تطهير الماء، كيف؟ لأنه يكون هذا الماء نجساً، أنه ماء قليل عرض على النجاسة فلو كانت تنجسه لكان نجساً فلا تطهر النجاسة بذلك. وهذا يقرره المؤلف رحمه الله تعالى أن الماء إذا وردت عليه نجاسة فإنها

ينجس، أو ورد عن النجس من من إلا إذا كان في محل التطهير. في محل التطهير؛ ففي محل للتطهير لا ينجسها. لماذا؟ لأننا لو قلنا ينجسها لمع، طبعا تطهير نجس أبدا، فهذا وجه الاستنباط من هذا الحديث.

احسن الله إليكم. العاشرة: استنبط منه أن الماء القليل ينجس بوقوع النجاسة فيه، فانه منع من إدخال اليد في احتمال النجاسة، وذلك دليل على أن مؤثر فيه، وإلا لما اقتضى احتمال النجاسة المنع. هنا هنا هذا الاستنباط الآن سيكون استنباط ثم نناقشه. يقول: إن الماء القليل ينجس بوقوع النجاسة فيه. لماذا؟ الذي قلنا لكم قبل قليل؛ لأنه منع من إدخال اليد فيه، لماذا؟ لاحتمال النجاسة، وهذا كما قلنا على أن الأمر معلّم. يقول: إذا كان منع من غمس اليد لاحتمال أنها نجسة، فهذا دليل على أنه إذا تيقن وصول النجاسة في اليد، فإنها تنجس الماء، فإنها تنجس الماء. كيف ذلك؟ كيف عرفناه؟ يقول: وإلا لما اقتضى احتمال النجاسة مقتضى احتمال النجاسة المنع؛ يعني أنه لو كان، لو كان، لو كان لا يستنبط من هذا الحكم أن الماء ينجس بورود النجاسة عليه، لما منع من غمس اليد في الإناء، وهذا مبني على أن المنع كان علة احتمال النجاسة.

الان سيناقش الاستدلال. احسن الله إليكم. وفيه نظر عندي؛ لأن مقتضى الحديث أن ورود النجاسة على الماء مؤثر فيه، ومطلق التأثير أعم من التأثير بالتنجيس، ولا يلزم من ثبوت الأعم ثبوت أخص معين. فإذا سلم الخصم أن الماء القليل بوقوع النجاسة فيه يكون مكروها، فقد ثبت مطلق التأثير، فلا يلزم منه ثبوت خصوص التأثير بالتنجيس.

هنا يناقش هذا الاستدلال؛ الكل فيه نظر. لماذا؟ يقول الحديث يدل على أن الماء يتأثر، لكن هل يلزم أنه يتأثر بالتنجيس؟ لا. قد يكون يتأثر بالتقدير بتقديره على غيره. فنحن نوافقكم -يعني طبعا المناقشة هذه بين من يقول إن الماء القليل ينجس بمجرد ورود النجاسة عليه، وبين من يقول لا ينجس إلا بالتغير الذي لا يجوز لك غيرهم المالكية- فهم يقولون وهو الآن يتبنى هذا الإيراد يرتسم على مذهب المالكية. يقولون: نحن نعم نوافقكم على أن الحديث يدل على أن الماء يتأثر، لكن نحن لا يدل على أن الماء يتأثر بالنجاسة؛ يعني نحن نقول صح يتأثر، فالتأثير نحن متفقون عليه، لكن نحن نخالفكم في التأثير بالتنجيس، قد يكون لا تأثير بالتقدير، تأثير بتقديره على غيره، ولذلك يقول: مقتضى الحديث أن ورود النجاسة على الماء مؤثر فيه. نحن نوافقكم معنا، ومطلق التأثير، التأثير المطلق أعم من التأثير بالتنجيس؛ يعني أنتم خصصتموه بأنه يؤثر بتنجيسه، ونحن نقول لا، ما في دليل. ولا يلزم من ثبوت الأعم -اللي هو ثبوت التأثير- ثبوت الأخص المعين -اللي هو ثبوت التأثير بالتنجيس-.

يقولون: نحن نوافقكم على التأثير لكن لا نوافقكم على أنه يتأثر بالتنجيس، لا يستقيم لكم الاستدلال على هذا هذه المسألة بهذا الحديث. قال: فإذا سلم الخصم أن الماء القليل لوقوع النجاسة فيه يكون مكروها، فقد ثبت مطلق التأثير، فلا يلزم منه ثبوت خصوص التأثير بالتنجيس. يقول: يعني أن الخصم -اللي هو المالكية في هذا في هذه المسألة- يسلمون بالتأثير، يسلمون بالتأثير في تأثير الغمس في اليد، فيكون الماء مكروها، يكون الماء مكروها إذا غمست فيه يد وكان فيها نجاسة، وكان فيها نجاسة، ولكنها لم تغيره، فالمالكية يقولون: ما يكون مكروها، هذا أثر فيه فصار مكروها فقط، لكن لا نقول نجس، الشافعية وكذلك الحنابلة يقولون: لا، هو نجس. المالكية يقولون: نحن وافقناكم على أن يتأثر، لكن لا نوافقكم على أن يتأثر بالتنجيس، يتأثر بتقديره ليكن مكروها.

الآن سيرد إيراداً على المالكية، ثم سيجيب عليه. احسن الله إليكم. وقد يورد عليه أن الكراهة ثابتة عند التوهم، فلا يكون أثر اليقين هو الكراهة.

فأحسنت. يقول الإيراد، هذا الآن الإيراد من المالكية، يقولون: طيب الآن إذا غمست فيه يد القائم من نوم الليل، ولم تكن يده فيها نجسة -يعني محتمل أنها نجسة نعتبر أنها لا- فانتم ترون أنه مكروه، أنتم ترون أن الماء يكون مكروها، فهل ترون بعد أنه يكون مكروها إذا ما صار لها أثر اليقين يقين النجاسة؟ كلاهما حكمه مو واحد عندكم، الكراهة؟ يقول: قد يورد عليه الأصل الشرقي المالكية أن الكراهة ثابتة عند التوهم، يعني أنه إذا غمست اليد من نوم الليل في الماء قبل غسل اليدين فإنه يكون، فإن الماء يكون مكروها لاحتمال النجاسة. طيب إذا كان وأنتم تقولون: حتى لو كان، حتى لو كان المالكي يقول: حتى لو كان الماء اليد متيقنا نجاستها، فإنه أيضا يكون مكروها. إذا يعني الماء يكون، طيب ما الفرق؟ إذا ما في فرق بين اليقين والكراهة عندكم؟

الجواب نعم. احسن الله إليكم. ويجاب عنه بأنه ثبت عند اليقين زيادة في رتبة الكراهة والله أعلم.

أحسنت؛ يعني يقولون إن الكراهة درجات على مراتب، ليست مرتبة واحدة، وهذا معلوم في سائر أمور الشريعة؛ الواجبات على درجات، المستحبة ثلاث درجات، سنن مؤكدة، هناك سنن غير مؤكدة، الواجب هناك واجب معين، هناك واجب كذا إلى آخره. الكراهة المحرم على درجات؛ هناك كبائر، هناك صغائر، هناك محرم يصل الكفر وهناك مجرد الكبر، والمكروه على درجات. يقولون: الماء الذي غمست فيه اليد وكانت نجسة أشد كراهة من الماء الذي غمست فيه اليد توهماً نجاستها. هذا جوابهم عن هذا الإيراد.

نقف على هذا، ونسأل الله للجميع التوفيق والسداد، وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.