الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملا صالحا يا كريم. أما بعد، فهذا هو اللقاء السابع من لقاءات التعليق على كتاب إحكام الأحكام لنيل الأوطار بشرح منتقى الأخبار للحافظ ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى. وكنا قد توقفنا عند الحديث الثالث من أحاديث الباب. وقبل أن نبدأ فقط تنبيه على ما ذكرته بالأمس، وقد نبهت عليها في القناة لكن التنبيه عليها هاهنا لكي لا تخفى على من يتابع الدرس الصوتية فقط، وهي أنني ذكرت أن المعنى الرابع من معاني الحدث الذي هو وصف حكمي مقدر يقوم بالأعضاء مانع من مقتضى الأوصاف الحسية أن هذا يستعمله بعض الحنابلة أحيانا في التعليم لبعض المسائل، وأن تفسيرنا للحدث أنه ما أوجب وضوءا أو غسلا، والحقيقة أن بعضهم يستعمله أيضا ويعرف الحدث به، وهذا ما فعله البهوتي رحمه الله تعالى في الروض المربع، وكذلك في شرحي على المنتهى، وفي الكشاف في شرح الإقناع؛ فأردت التنبيه على ذلك.
نبدأ.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين ولجميع المؤمنين.
قال رحمه الله تعالى: الحديث الثالث: عن عبد الله بن عمرو بن العاص وأبي هريرة وعائشة رضي الله عنهم قالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ويل للأعقاب من النار».
هذا الحديث «ويل للأعقاب من النار» جاء من رواية ثلاثة من الصحابة؛ عبد الله بن عمرو وأبي هريرة وعائشة رضي الله تعالى عنهم. أما حديث عبد الله بن عمرو وأبي هريرة فهو في الصحيحين، وأما حديث عائشة فهو من أفراد مسلم، ولم يخرجه البخاري كما نبه عليه عبد الحق في الجمع بين الصحيحين، وذكره الزركشي رحمه الله تعالى في نكت العمدة أنه لم يخرجه البخاري، وكذا ابن الملقن. وهذا الحديث متواتر؛ جاء عن جمع من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وعده السيوطي رحمه الله تعالى من المتواتر، وجاء عن رواية ثلاثة عشر صحابيا عن النبي صلى الله عليه وسلم.
أحسن الله إليكم. الحديث فيه دليل على وجوب تعميم الأعضاء بالمطهر. هذه المسألة الأولى، وأن الحديث فيه دليل على وجوب تعميم الأعضاء بالمطهر. وقوله: وجوب، أخذنا الوجوب من كونه توعد على ترك العقوبة، وهو من لوازم كونه واجبا. وقوله: تعميم، لأن هذا الحديث فيه الوعيد على من ترك غسله بعض العضو. وقوله: الأعقاب، هنا وهي إنما وردت في الأعقاب نصا، وأما الأعضاء فبالقياس على الرجل لعدم الفارق.
يقول ابن الملقن رحمه الله تعالى: ليس المراد في الحديث خصوص العقب الحقيقي، بدليل ما صنع البخاري رحمه الله تعالى في استدلاله به على نزع الخاتم، وهو استدلال عجيب. وقال قبله: باب غسل الأعقاب، ثم قال: وكان ابن سيرين يغسل موضع الخاتم إذا توضأ، ثم ذكر موضع هذا الحديث فكأنه ترجم به عليه واستدل بالحديث. انتهى كلام ابن الملقن رحمه الله. وهذا من دقيق فقه الإمام البخاري رحمه الله تعالى وبديع صنعه في تراجمه رحمه الله تعالى، ولذلك اهتم العلماء رحمهم الله تعالى بتراجم البخاري، وتطابقت كلمتهم على أن فقه البخاري رحمه الله تعالى في تراجمه رحمه الله، وأفردت مصنفات في تراجم البخاري، ممن اعتنى بها من الشراح الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في الفتح.
أحسن الله إليكم. وأن ترك البعض منها غير مجزئ، يعني أنه غير مسقط لوجوب الوضوء؛ فإذا ترك بعضا منها نقول كأنه لم يتوضأ، لابد أن يتم وضوءه. ووجوب التعميم أفادته الآية: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6]، فسمى الله عز وجل الوضوء المأمور به هو ما عممت به الأعضاء، فتعميمه فيه لا يكون وضوءا شرعيا، فلا يكون مجزئا، كما ذكره الصنعاني رحمه الله في حاشيته.
أحسن الله إليكم. ونصه إنما هو في الأعقاب، وسبب التخصيص أنه ورد على سبب وهو أنه صلى الله عليه وسلم رأى قوما وأعقابهم تلوح. والألف واللام يحتمل أن تكون للعهد، والمراد الأعقاب التي رأى كذلك لم يمسها الماء، ويحتمل أن تخص بتلك الأعقاب التي رآها كذلك وتكون الأعقاب التي وصفتها بهذه الصفة، أي التي لم تعمم بالمطهر، ولا يجوز أن تكون الألف واللام للعموم المطلق.
الآن ذكر ماذا كان؟ يقول المؤلف: مثل لا يقول وجوب تعميم الأعضاء بالمطهر، طيب يقول: لماذا قلنا الأعقاب والحديث إنما هو نص في الأعقاب؟ قال: ونصه إنما هو في الأعقاب. الآن يذكر سبب التخصيص، سبب تخصيص الأعقاب بالذكر، قال: أنه ورد على سبب حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما، وهي الرواية التي ذكرها عند مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى قوما وأعقابهم تلوح. وفي بعض النسخ نسخ الأحكام زيادة أي: لم يمسها الماء.
والألف واللام الآن: ويل للأعقاب، الألف واللام في الأعقاب ما معناها؟ يقول: يحتمل أن تكون للعهد. ذكر العلماء العهد، العهد كما ذكر أهل العلم على ثلاثة أنواع:
عهد ذكري، والمراد به ما عهد مدلول صاحبها بحضور حسي، بأن يكون تقدم ذكره لفظا ثم أعيد مصحوبا بأل. يمثلون له بآية سورة المزمل: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: 15-16]. الآن رسولا ذكرت، فعصى فرعون الرسول، هنا الثانية في الرسول الثاني هذه للعهد الذكري، أي رسول؟ الرسول الذي قلناه قبل قليل، اللي هو النبي موسى عليه السلام.
الثاني: العهد الذهني أو العهد العلمي، وهو ما ثبت في العلم أن المراد به شيء محدد لم يذكر في السياق، مثل قوله تعالى: ﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: 18]، الشجرة علم منها أن المراد بها شجرة البيعة وشجرة الرضوان التي تمت تحتها البيعة.
الثالث: العهد الحضوري، وهو ما كان مصحوبها حاضرا موجودا، مثل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: 3]، وهي نزلت في يوم عرفة، اليوم أي: اليوم الحاضر.
فهذه أقسام للعهدية. وهنا في هذا المثال العهد الذكري، لأنه قال: ثم قال ويل للأعقاب التي رآها. طبعا هناك أن نذكر تتمة التقسيم لغير العهد؛ إما أن تكون هذه الثلاثة أقسام أو تكون للجنس، يعني قسيم للعهد أن تكون للجنس، علامتها ألا يصح أن يحل مكانها كلمة كل، تقول: الرجال خير من النساء، المراد جنس الرجال خير من جنس النساء، لكن لا يصح أن تكون بدلها كلمة كل، لا تقل: كل الرجال، يعني لا يصح أن تقول: كل الرجال خير من كل النساء، لكن الجنس يعني المعظم، هذا صحيح.
نوع ثالث من أنواع أن تكون للاستغراق، وعلامتها أن يصح أن تبدلها بكل، مثل قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: 1-2]، إن الإنسان، الإنسان لكل انسان للاستغراق، وكذلك في أول سورة الفاتحة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2]، كل المحامد لله رب العالمين.
فهذه أنواع، وهنا يقول: أل العهد، يحتمل أن تكون للعهد أي الذكري، والمراد الأعقاب التي رآها تذكر من تمنينا، ويحتمل ألا تخص بتلك الأعقاب التي رآها كذلك، وتكون الأعقاب التي صفة هذه الصفة هي التي لا تعمم بالمطهر، يعني الاحتمال الثاني أن تكون أل للجنس هنا.
هل للجنس كما ذكره العطار وكذلك ابن الملقن رحمه الله تعالى؟ وذكر ابن الملقن أن هذا هو الأظهر من الاحتمالين، بأن الاحتمال الأول يقتضي تخصيص عموم لسببه، تخصيص العموم بهذا، نعم تخصيص العموم بسببه. فإذا قلنا إنها للجنس يعني الأعقاب؛ جنس الأعقاب التي وصفت بهذه الصفة التي لم تمسها الماء، التي يعني لم تعمم بالمطهر، فهنا وهنا تكون جنسية، والاحتمال الثاني أقرب.
طيب هنا يقول: ولا يجوز أن تكون الألف واللام للعموم المطلق، اللي هي قلناها الاستغراق، لا يجوز أن يكون المعنى ويل لكل الأعقاب من النار، هذا قصد عموم المنطقة اللي هي قلنا قبل قليل الاستغراق. لماذا لا يجوز ذلك؟ لأنه هذه اللفظة إما أن تكون دعاء أو تكون خبرا، إما أن يكون ويلا، إما أن النبي صلى الله عليه وسلم يدعو عليهم بالويل، أو يخبر عنهم لأنهم متوعدون، كل هذين الاحتمالين لا يستقيمان، لماذا؟ لأنه إذا كان دعاء فإنه يكون دعاء من النبي صلى الله عليه وسلم على من لا يجوز الدعاء عليه أن الشخص إذا أتى بالوضوء على الوجه الأتم مسوغ الدعاء يعني، أو إذا كان خبرا فإنه يكون خبرا عن كون الويل له وهذا الخبر ليس بصادق، ليس بصادق، إذا لا يجوز أن تكون هنا للاستغراق، فهي إما أن تكون للعهد الذكري أو للجنس، والثاني أقرب والله أعلم.
نعم. أحسن الله إليكم. وقد ورد في بعض الروايات: رأانا ونحن نمسح على أرجلنا فقال: «ويل للأعقاب من النار». استدل به على أن الأرجل غير مجزئ، وهو عندي ليس بجيد، لأنه قد فسر في الرواية الأخرى أن الأعقاب كانت تلوح لم يمسها الماء، ولا شك أن هذا موجب للوعيد بالاتفاق.
والذين استدلوا هنا يتكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن سبب هذا اللفظ، سبب اللفظ بالوعيد: «ويل للأعقاب من النار». هل سببه كما قدم قبل قليل أنه لأجل أن العضو لم يستوعب الغسل، هذا السبب الأول؟ أو أنه مسح عليه، يعني أن هذه الرجل مسح عليها بالماء ولم تغسل غسلا ولم تغسل؟
قال: لو ورد في بعض الروايات: ونحن نمسح على أرجلنا. المسح طبعا مسح اليد بماء أو بما بقي من أذى الماء على اليد لا يغسله، لا يعني يفيض الماء على الرجل، لا، يبلل يده بالماء ثم اليد تكون رطبة فيمرها على القدم، فهذا لا يجزئ، طبعا لا يجزئ إذا لم يكن عليها خوف أو جورب، فإذا كانت مكشوفة لابد أن يغسلها غسلا.
فهنا يقول: جاء في بعض الروايات أن هذا الوعيد جاء لأجل المسح، جاء لأجل المسح، فاستدل به بعضهم على أن المسح على الأرجل غير مجزئ، بدليل هذا الحديث أن الوعيد جاء عليه. وممن استدل به على ذلك الإمام البخاري رحمه الله تعالى، حيث بوب عليه: يمسح على القدم أو لا يمسح على الرجلين؟ ثم ذكر هذا الحديث.
هنا الشارح رحمه الله تعالى انتقد هذا الاستدلال، لم ينتقد الحكم (الحكم يعني كونه لا يمسح هذا صحيح وسيتكلم عنه بعد قليل) لكن ينتقد أخذ هذا الحكم من هذا الحديث؛ يقول: وهو عندي ليس بجيد. لماذا؟ يقول: لأن هذه الرواية مفسرة بالرواية الأخرى أن الأعقاب كانت تلوح لم يمسها الماء، لم يمسها الماء، هذا دليل على أن الوعيد إنما جاء على عدم امساسها بالماء لا على مجرد المسح، ويحمل المسح هنا على الغسل الخفيف، يعني أنهم يغسلونها، المسح على الغسل الخفيف يعني أنهم يغسلونها لكنهم لما لم يستوعبوا فيها القدم كاملة جاء الوعيد. لا شك أن هذا موجب للوعيد بالاتفاق. طبعا بالاتفاق، الصنعاني رحمه الله ذكر أن المقصود بالاتفاق يعني بين القائلين، بين الخصمين الذين هم يقولون إن سبب الوعيد هو المسح، والذين يقولون إن سبب الوعيد هو عدم تعميم العضو بالغسل، وليس يقول وليس الاتفاق يعني إجماع العلماء لما سيأتي بعد قليل من أن من العلماء من قال إنه يكفي بالتطهير بما دون العقب.
نعم. أحسن الله إليكم. والذين استدلوا على أن المسح غير مجزئ إنما اعتبار لفظ هذه الرواية فقط، وقد رتب فيها الوعيد على مسمى المسح وليس فيها ترك بعض، والصواب إذا جمعت طرق الحديث أن يستدل ببعضها على بعض، ويجمع ما يمكن جمعه، فبه يظهر المراد والله أعلم.
يعني يقول: الذين استدلوا على أن المسح غير مجزئ إنما أخذوا بهذه الرواية ونحن نمسح أرجلنا، يقول: أخذوا هذه الرواية فقط ولم يأخذوا الرواية الثانية. وذكر قاعدة نافعة في الجمع بين المرويات، وأنك إذا أردت أن تستدل على حكم أن تستدل بحديث على حكم شرعي فإنك تجمع رواياته، وتؤلف بينها، تجمع ما يمكن الجمع بينه، مثلا إذا كان بعضها ضعيفا تسقطه ونحو ذلك، أما أن تكون هناك روايات أخرى للحديث لا سيما إذا كان مخرج الحديث واحدا تترك البعض مع إمكان الجمع، فهذه طريقة غير سديدة، هذه طريقة غير، وهذه تأخذها معك للجميع النصوص سواء من القرآن أو من السنة.
ولذلك يعني أحيانا مسائل التطبيقات الأصولية أو التعريف بالتطبيقات الأصولية أحيانا الأصولية تؤخذ من التطبيقات الأصولية على آيات من القرآن أو أحاديث، إذا نظر إلى الحديث بمفرده أحيانا يستدل به على حكم، فنقول: لا ينبغي أن تستدل به على حكم وتمشي، لابد أن تنظر في الروايات الأخرى أولا، حديث قد يكون هذا الحديث الذي أخذت منه هذا الحكم قد يكون منسوخا، فلا بد أن تتأنى في ذلك، تتأنى في ذلك في استخراج التطبيقات الأصولية من النصوص الشرعية.
نعم. أحسن الله إليكم. ويستدل به على أن العقب محل للتطهير، فيبطل قول من يكتفي بالتطهير فيما دون ذلك.
أحسنت. يستدل به أي الحديث على أن العقب محل للتطهير، على أنه أيضا لابد أن يصل الماء إلى العقب، ويكون العقب مشمولا بالغسل.
لان النبي صلى الله عليه وسلم توعد على ترك إحساس العضو بالماء، فيبطل قول من يكتفي بالتطهير فيما دون ذلك. وهذا القول بأنه يكتفى بالتطهير فيما دون العضو، رحمه الله أنه أشار إلى قول الإمامية وغيرهم من القائمين بالمسح، فإنهم يقولون: لا يجب تعميم العضو بالمسح.
يجب تعميم العضو بالمسح على كل القول بأن الرجلين يغسلان ولا يمسحان، قول أهل السنة والجماعة الرافضة. ولذلك فهم يقولون يعني لا يمسح، لا لا، الرجلان لا تغسلان وإنما تمسحان، وأيضًا لا يمسح على الخفين. هذا مما تميز به أهل السنة عن مذهب المؤلفين في العقائد، ذكروا المسح على الخفين من أصول أهل السنة التي يذكرونها في باب الاعتقاد.
نعم، أحسن الله إليكم. الحديث الرابع: وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينتثر». ده الشيخ هي طبعًا موجودة في بعض نسخ العمدة وفي بعضها غير موجودة، والتي عليها شرح من دقيق العيد رحمه الله غير موجودة؛ لذلك نبه عليها في المسألة الأولى.
نعم، وهي موجودة في بعض رواية البخاري وموجودة في صحيح مسلم، «ثم لينتثر ومن استجمر فليوتر، وإذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثا، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده». وفي لفظ لمسلم: «فليستنشق بمنخريه من الماء»، وفي لفظ: «ومن توضأ فليستنشق».
فيه مسائل، الرواية الأخيرة: من توضأ فليستنشق، هل خرجها تكلم عليها البخاري ومسلم؟ طيب، هنا الحديث هذا الآن حديث الرواية الأولى. الرواية الأولى ساقها البخاري هكذا، وهما حديثان، البخاري ساقهما من طريق عن يونس بن يوسف التنيسي عن مالك، وهما في الموطأ حديثان، ولذلك مسلم ساقهما: إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينتثر، هذا حديث، وإذا استيقظ أحدكم من نومه، هذا حديث آخر.
هذا حديث آخر، البخاري رحمه الله يرى جواز جمع الحديثين إذا اتحد سندهما في سياق واحد، كما يرى جواز تفريق الحديث الواحد إذا اشتمل على حكمين مستقلين كما أفاده الحافظ في الفتح. وقوله هنا: «ثلاثا»، التفريق هذه تفرد بها مسلم ولم يذكرها البخاري رحمه الله، كما نبه عليه ابن الملقن والسفاريني وأيضًا الزركشي رحمه الله تعالى، والمصنف رحمه الله الحافظ عبد الغني في الكبرى لم يذكر لفظ ثلاثا. هذا الحديث في الصحيحين بدون ذكر، وفعله هناك أدق ممن فرد به مسلم.
وقوله: وفي لفظ لمسلم: «فليستنشق منخريه من الماء»، هذه أيضًا عند البخاري لكنها معلقة، أوردها في كتاب. واما لفظ: «من توضأ فليستنشق»، ورد في الصحيحين فليستنثر وليس فيهما الكل يستنشق. بعض شراح العمدة يظهر أن في نسخهم فليستنثر؛ ولذلك لم ينبهوا، يعني أقصد المتقدمين يعني وابن الملقن، على أنها فليستنثر، فليستنشق، لكن لم ينبهوا على ليس فيها، المصنف أيضًا في الكبرى الذكر في لفظ: من توضأ فليستنشق.
والعجيب أنه في هذا اللفظ أورده ابن قدامة في المغني وعزاه إلى مسلم، وابن كثير في تفسيره وعزاه للصحيحين، ولا وجود له في هذا اللفظ مرفوعا لا في الصحيحين ولا في غيرهما في هذا اللفظ، وإنما ورد: «من توضأ فليممض وليستنشق»، هذه جاءت عند وغيرهما من رواية سليمان بن موسى مرسلا، فليتنبه لذلك.
وحتى إن القاسم لم يذكرها، فضيلة الشيخ عبد المحسن القاسم في طبعته للعمدة التي قارن فيها بين نسخة خطية، لم يذكر أن في نسخة منها، لا، بل يستنثر، يبدو أنه في جميع النسخ فليستنشق. طيب، إذا نقتصر على هذا، وإن شاء الله نبدأ سائله في درس الغد بإذن الله تعالى. أسأل الله للجميع التوفيق والتسديد، صلى اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان