دخولتسجيل الدخول

التعليق على إحكام الأحكام لابن دقيق - 8 - الحديث الرابع: من المسألة الأولى حتى الخامسة

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علِّمنا، ويا مفهم سليمان فهِّمنا. اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وعملاً صالحاً يا كريم.

أما بعد، فهذا هو اللقاء الثامن من لقاءات التعليق على كتاب أحكام الأحكام، وكنا قد توقفنا عند الحديث الرابع وذكرنا بعض التنبيهات على بعض الألفاظ التي وردت في متن الحديث.

قال رحمه الله: فيه مسائل. الأولى في هذه الرواية فليجعل في أنفه ولم يقل ماء وهو مبين في غيرها، وتركُه لدلالة الكلام عليه.

أحسنت، يعني في متن الحديث فليجعل في أنفه ثم اليد ثم لينثر أو لينتزع، فهنا في بعض الروايات وهي الرواية التي على شرح ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى لم يذكر لفظ ماء، وذكر في غيرها.

ذكر في غيرها هنا في رواية أبي ذر عند البخاري، وكذلك أقصده بالقرن الهروي، وكذلك في رواية في صحيح مسلم نذكر الأفضل ماءً، وهي في بعض نسخ العمدة فيقول يعني سواء ذكرت أو أم لم تذكر فالمعنى واحد؛ فإن ذكرت فهو لإتمام التوضيح، وإن لم تذكر فقد دل عليها السياق؛ لأنه قال قبلها: إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه. معلوم أنه يجعل في أنفه أي الوضوء، نعم.

أحسن الله إليكم.

الثانية: تمسك به من يرى وجوب الاستنشاق، وهو مذهب أحمد، ومذهب الشافعي ومالك عدم الوجوب وحملا الأمر على الندب بدلالة ما جاء في الحديث من قوله صلى الله عليه وسلم للأعرابي: توضأ كما أمرك الله، فأحاله على الآية وليس بها ذكر لاستنشاق.

هنا يقول المسألة الثانية: حكم الاستنشاق. ذكر قولين؛ القول الأول: وجوب الاستنشاق، وهذا مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى تمسكاً بالأمر الوارد في هذا الحديث: فليجعل في أنفه ماء، وهذا هو الاستنشاق، وهذا أمر، والأمر الأصل أن يحمل على الوجوب.

القول الثاني: عدم الوجوب، وهو مذهب مالك والشافعي رحمهما الله تعالى، وهو أيضاً رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، وأبو حنيفة رحمه الله تفرق بينهما؛ فيوجب الاستنشاق وكذا المضمضة في الطهارة الكبرى أي الغسل، ويستحبه في الصغرى.

فالقول إذاً بوجوب الاستنشاق في الوضوء من مفردات الحنابلة رحمهم الله تعالى، وأما القول الثاني فالاستحباب؛ حملوا الأمر في الحديث على الندب.

طيب ما الصارف؟ ذكر أن الصارف هو ما جاء يعني جمع بين الأحاديث الواردة في المسألة؛ فيقول: جاء في حديث الأعرابي، وهو الذي في بعض روايات حديث المسرف في صلاته أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: توضأ كما أمرك الله.

وهذا في حديث رفاعة بن رافع، وهذه الرواية عند الترمذي وعند أبي داود: أنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله تعالى، فيغسل وجهه ويده إلى المرفقين ويمسح رأسه ورجليه، فقالوا إن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: توضأ كما أمرك الله، والمراد بما أمرك الله أي في الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6]، قالوا: الآية ليس فيها ذكر الاستنشاق، فدل على أن الأمر في الحديث على سبيل الندب لا على سبيل الوجوب.

طبعا الحنابلة رحمه الله تعالى يقولون إن المضمضة وكذلك الاستنشاق أنهما داخلان في مسمى الوجه، فهو وإن لم ينص عليهما نصاً في الآية لكنهما داخلان؛ لأن الوجه ما تضع به المواجهة، والمضمضة والاستنشاق داخلان فيها يعني تظهر بهما المواجهة.

وأيضاً هناك دليل آخر لهم؛ قالوا أيضاً في الحديث مأمور بالاستنثار ثم لينتثر، والاستنثار ليس بواجب. نقل بعضهم الإجماع عليه، لكن ليس فيه إجماع؛ لأن من العلماء من قال بوجوبه، لكن هو قول أكثر أهل العلم رحمه الله تعالى إن الاستنثار ليس بواجب، فقالوا: قرنه بينهما وكون أحدهما ليس بواجب يدل على أن حكم الآخر مثله.

أحسن الله إليكم.

الثالثة: المعروف أن الاستنشاق جذب الماء إلى الانف، والاستنثار دفعه للخروج، ومن الناس من جعل الاستنثار لفظاً يدل على الاستنشاق الذي هو الجذب، وأخذه من النَّثرة -النثرة بفتح النون- وهي طرف الانف، والاستفعال منها يدخل تحته الجذب والدفع معه، والصحيح هو الأول؛ لأنه قد جمع ما بينهما في حديث واحد، وذلك يقتضي التغاير.

أحسنت، هنا ذكر المسألة الثالثة: هل هناك فرق بين الاستنشاق والاستنثار؟ فذكر القولين؛ القول الأول: التفريق بينهما، فالاستنشاق هو جذب الماء إلى الأنف، والاستنثار إخراجه قالوا دفعه للخروج، هذا هو المعروف في التفريق بينهما.

هناك قول آخر: أنهما بمعنى واحد؛ قال من الناس من جعل الاستنثار لفظاً يدل على الاستنشاق، تعني أن الاستنثار يشمل الاستنشاق والاستنثار، لماذا؟ يقول: أخذه من النثرة، النثرة هي طرف الأنف، قال: والاستفعال منها يعني هنا الاستفعال منها يعني الاستنثار، فإذا أُتلِقينا بصيغة الاستفعال من النثرة التي هي لفظ الاستنثار فإنه يدخل تحته الجذب والدفع بمعنى أن اللفظين كليهما يتعلقان بالنثرة وهي طرف الأنف، فكلاهما هذا يستنشق يعني يدخل الماء من طرف أنفه ثم يجذبه، فكلاهما يطلق عليه استنثار، يعني كأن هذا بدايته وهذا نهايته.

قال والصحيح هو الأول، رجح حافظ ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى قد جاء التفريق بينهما، وأن الاستنشاق له معنى والاستنثار له معنى. سبب الترجيح أنه قد جمع بينهما في حديث واحد كما في هذا الحديث: يجعل في أنفيه ماءً هذا الاستنشاق، ثم لينتثر وهذا الاستنثار. كونَهما جُمع بينهما هذا يقتضي التغاير وأن لكل منهما معنى؛ لأنه لو قلنا إنهما معنى واحد فإنه يقتضي أن اللفظ الثاني هو نفسه الأول، أو أن نقول اللفظ الثاني أعم من الأول كأنه أعاد الأول مرة أخرى وزاد عليه، والقاعدة عند أهل العلم أن التأسيس -يعني كونه له معنى آخر- مقدم على التأكيد، وأيضاً العطف يقتضي التغاير.

وممكن أن يقال إن الاستنثار يشمل المعنيين إذا جاء وحده، أما إذا جاء مع الاستنشاق فإن لكل منهما معنى، وهذا له نظائر، مثل لفظ الإسلام والإيمان؛ إذا اجتمعا إفترقا وإذا افتفرقا اجتمعا، وهكذا.

أحسن الله إليكم.

الرابعة: قوله صلى الله عليه وسلم: ومن استجمر فليوتر، الظاهر أن المراد به استعمال الأحجار في الاستطابة، والإيثار فيها بالثلاث واجب عند الشافعي رحمه الله، فإن الواجب عنده رحمه الله في الاستجمام أمران: أحدهما إزالة العين، والثاني استيفاء ثلاث مساحات، وظاهر الأمر الوجوب، لكن هذا الحديث لا يدل على الإتيان بالثلاث فيؤخذ من حديث آخر.

وقد حمل بعض الناس الاستجمار على استعمال البخور للتطيب، فانه يقال فيه تجمر واستجمر، فيكون الأمر للندب على هذا، والظاهر هو الأول أعني أن المراد هو استعمال الأحجار.

هنا المسألة الرابعة في معنى الاستجمار: من استجمر فليوتر. ما معنى لفظ استجمر؟ ذكر معنيين؛ المعنى الأول: أن المراد به استعمال الأحجار للاستطابة أي إزالة الأذى الخارج من السبيل بالحجر ونحوه، هذا المعنى الأول. والمعنى الثاني: أنه لا، استعمال البخور، فهو يقال له تجمر واستجمر أي تبحر.

طيب المعنى الأول هذا المعنى الأول وهو الظاهر من حيث هو الذي رجحه ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى، وهو المناسب لسياق هذا الحديث؛ لأن كل ألفاظه في الطهارة والأحكام المتعلقة بالطهارة بخلاف اللفظ الثاني، وهذا من المرجحات، من مرجحات المعنى أن يكون مناسباً للسياق، فيقول فيترتب على ذلك إذا قلنا إن المراد هو استعمال الأحجار للاستطابة يترتب عليه الأمر بالوتر هنا.

الأمر بالوتر هل هو على الوجوب أو على الاستحباب؟ هنا عندنا مسألة وهي الإيثار بالثلاث وبغير الثلاث، فيقول الإيثار بالثلاث يعني كونه لا ينقص عن ثلاثة أحجار هذا واجب، ذكره عن الشافعي، وكذلك هو المذهب عند الحنابلة رحمهم الله تعالى، أنه لابد من استيفاء ثلاث مساحات.

نقول: فان الواجب عنده عند الشافعي رحمه الله أمران، وهو عند الحنابلة إزالة العين الذي هو الإنقاء، واستيفاء ثلاث مساحات، قال وظاهر الأمر الوجوب، يعني أنه يجب الإيثار بالثلاث.

طبعاً يقول: هذا الحديث لا يدل على الإيثار بالثلاث؛ لأنه قال: فليوتر، وأطلق ولم يقيده بثلاث ولا بواحد ولا بخمس ولا بسبعة، فيؤخذ من حديث آخر، يعني كوننا لابد من ثلاث مساحات هذا لا نأخذه من هذا الحديث وإنما نأخذه من حديث آخر، مثال حديث سلمان رضي الله عنه لما قيل له: قد علمكم نبيكم صلى الله عليه وسلم كل شيء حتى الخراءة؟ فقال: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، فهذا يدل على أنه لابد من استيفاء الثلاثة.

لكن الإيثار بغير الثلاث، طبعاً لابد من استيفاء الثلاث ويقتصر عليها إذا حصل الإنقاء -يعني عندنا الإنقاء هذا لابد منه، الإنقاء بمعنى إزالة أثر الخارج من السبيل هذا لابد منه، فإذا حصل بثلاث يكتفي بها، إذا لم يحصل بثلاث لابد من الزيادة (لا يكتفى بالثلاث، لابد من الزيادة)- طيب إذا زاد فأنقى برابعة فهل يجب عليه أن يزيد خامسة ليقطع على وتر؟ أو نقول: خلاص الوتر بالثلاث يعني حصل وجود الثلاث والزيادة عليها كانت لأجل الإنقاء؟ هذا خلاف، والمؤلف رحمه الله قد ظهر الأمر الوجوب، يعني وجوب الإيثار سواء كان بثلاث أو بأزيد منها، بمعنى أنه إذا أنقى برابعة يزيد خامسة ليحصن الأمر... لا لا أقصد يمتثل الأمر الوارد في الحديث، وهذا قول بعض الفقهاء من الشافعية رحمهم الله تعالى.

لكن الجمهور على أن الإيثار فيما زاد على الثلاث مستحب، جاء في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج». فقالوا: يُجمع بين حديث عثمان: من استجمر فليوتر -وهذه الزيادة- وحديث سلمان: دعنا نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، فيجعل الأمر في حديث أو النهي في حديث سلمان هذا على التحريم بأنه لا يجوز الاقتصار على ما دون الثلاث، وأما الزيادة على الثلاث يعني إذا مسح ثلاثاً فأنقى وقطعه على وتر زيادة للاستحباد، سيقولون: إذاً من استجمر فليوتر بثلاث هذا يجب لحديث سلمان، وبما زاد على الثلاث هذا يستحب للرواية الأخرى: «من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج».

المعنى الثاني للاستجمام: استعمال البخور للتطيب، وهذا منقول عن الإمام مالك، على أن ابن خزيمة رحمه الله تعالى نقل عنه في صحيحه أنه يرى أن الاستجمار المراد به إزالة أثر الأذى بالحجارة كما هو المعنى الاول، ومنقول عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قبله، لكن ابن حجر في الفتح ذكر أنه لا يصح.

وعلى هذا؛ فعلى المعنى الثاني لو صح فيكون الأمر للندب لا للوجوب؛ لماذا؟ لأن أصل التجمر -التبخر- مستحب، استعمال الطيب مستحب، فلا يكون هذا مستحبّاً، والإيثار به واجباً، والإيثار به المراد أن يتبخر ثلاث مرات أو يستعمله ثلاث حبات من الطيب كما ذكره بعض الشراح، أسمع.

أحسن الله إليكم.

الخامسة: ذهب بعضهم إلى وجوب غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء في ابتداء الوضوء عند الاستيقاظ من النوم لظاهر الأمر، ولا يفرق هؤلاء بين نوم الليل ونوم النهار بإطلاق قوله صلى الله عليه وسلم: إذا استيقظ أحدكم من نومه.

وذهب أحمد إلى وجوب ذلك من نوم الليل دون نوم النهار لقوله صلى الله عليه وسلم: «أين باتت يده» والمبيت يكون بالليل. وذهب غيرهم إلى عدم الوجوب مطلقاً، وهو مذهب مالك والشافعي، والأمر محمول على الندب، واستدل على ذلك بوجهين؛ أحدهما ما ذكرناه من حديث الأعرابي، والثاني أن الأمر وإن كان ظاهره الوجوب إلا أنه يصرف عن الظاهر بقرينة ودليل، وقد دل الدليل وقامت قرينته هنا؛ فانه صلى الله عليه وسلم علل بأمر يقتضي الشك، وهو قوله: «فإنه لا يدري أين باتت يده»، والقواعد تقتضي أن الشك لا يقتضي وجوباً في الحكم إذا كان الأصل المستصحب على خلافه موجوداً، والأصل الطهارة في اليد فلْتستصحب، وفيه احتراز عن مسألة الصيد.

أحسنت، هنا ذكر الجملة الثالثة في الحديث: أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثاً فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده. هنا الأمر بغسل اليدين ما حكمه؟ ذكر ثلاثة أقوال؛ القول الأول: أن الغسل من اليدين للقيام من النوم واجب سواء كان من نوم ليله أو نوم نهاره.

أو من نوم نهار. وهذا مذهب أهل الظاهر. الصنعاني رحمه الله في الحاشية ذكر أن ابن حجر ينقل في الفتح أنه لم يذكر هذا القول. يقولون بدقيق العبارة ابن حجر ذكر ثلاثة أقوال، وابن حجر لم يذكر إلا قولين ولم يذكر الوجوب إلا عن أحمد، بل ابن حجر لم يذكر جماعة من الفقهاء المشهورين، من الفقهاء من الأربعة الأئمة الأربعة، وصحيح أنه لم يذكر قول ابن حزم هناك، لكن هذا قول ابن حزم نذكره في المحلى.

أخذه من عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «من نومه»؛ مفرد مضاف أو اسم جنس وأضيف، فيعم الليل والنهار. من هنا قول ابن دقيق العيد رحمه الله. قلنا لكم سابقاً في التعليق على أحاديث الحج إن الفقهاء والأصوليين رحمهم الله تعالى يتسامحون في إطلاق لفظة الإطلاق والعموم في إطلاق أحد المعنيين. وهنا لو اردنا أن لا ندقق فهو لعموم قوله صلى الله عليه وسلم إن هذا لفظ عام وليس لفظاً مطلقاً.

القول الثاني وهو مذهب الإمام أحمد رحمه الله، أن الوجوب خاص في القائم من نوم الليل دون نوم النهار. كيف أخذ الإمام أحمد رحمه الله هذا؟ أخذه من التعليق في نهاية الحديث: «فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده»، من لفظ بات، قالوا: بات والبيتوتة تكون في نوم الليل، فخص العموم بالعلة المنصوصة نهاية الحديث، تخصص العموم الذي في أول الحديث أو في أول الجملة المنصوصة في آخره.

إضافة إلى أنه ورد في رواية عند أبي داود: «إذا قام أحدكم من الليل». وهذه الرواية أورد الإمام مسلم رحمه الله إسنادها ولم ينشر لفظها، كما بيّنه الحافظ أيضاً في عند أبي عوانة في رواية سُقَى مسلم إسنادها أيضاً: إذا قام أحدكم إلى الوضوء حين يصبح، وهذه كلها تدل على أن المراد من نوم الليل.

القول الثالث: الاستحباب، استحباب أن الأمر بالغسل هنا على سبيل الاستحباب لا على سبيل الإيجاب. ويقولون إنه يستحب سواء كان من نوم الليل أو من نوم النهار، فهم يوافقون القول الاول في إطلاق النوم أو في تعميم النوم وانه لنوم الليل ونوم النهار، وهذا مذهب الإمام مالك والشافعي رحمه الله تعالى، ويقولون الأمر في الحديث محمول على الندب.

طيب، ماذا يُجاب عن قوله أين باتت يده؟ يقولون إن هذا لذكر الأغلب، أن النوم يكون في الليل، وأيضاً أن نوم الليل يطول، نوم الليل يطول أطول غالباً من نوم النهار، تكون يده قد تعبث فيما حوله وقد يمس بها نجاسة.

الذين حملوه على الندب يقولون: لماذا صرف عن الوجوب للندب؟ قالوا: هنا قرينتان؛ القرينة الأولى حديث الأعرابي الذي تقدم قبل قليل: «توضأ كما أمرك الله»، وليس في الآية أمر بغسل يديك أول الوضوء. طيب، والثانية؟ قالوا إن هذا الأمر يعني دلت القرينة على صرفه إلى الاستحباب، لماذا؟ قالوا النبي صلى الله عليه وسلم علل هذا الأمر، علل أمره بالغسل بأمر يقتضي الشك، وهو قوله: «لا يدري أين»، يعني أنه أن هذا الأمر معلل بأنه يخاف أن تكون يده أصابت النجاسة، قالوا: والشك لا يقتضي الوجوب في الحكم إذا كان الأصل مستصحباً على خلاف هي موجودة.

يعني يقولون: إذا عندنا إذا كان الشيء له أصل وجاء شك فيه، فإننا نبقى على الأصل، نستصحب الأصل. طيب عندنا الأصل طهارة اليد أو نجاستها؟ طهارة اليد. شك في الطهارة والنجاسة؟ نقول الأصل الطهارة. طيب، هنا علل النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بأنه قد تكون لحقته نجاسة، قد تكون لحقته نجاسة، الأصل طهارة. سيقولون: نبقى على هذا الأصل، نبقى على هذا الأصل.

قال المؤلف رحمه الله: فيه احتراز عن مسألة الصيد، مسألة الصيد في حديث عدي بن حاتم المعلم ذكر أنه إذا أكل إذا أمسك وأكل فلا تأكل، فانه إنما أمسك على نفسه. فهنا الأصل، الأصل إيش في اللحوم؟ الحرمة. فهنا يقولون فهو يقول هنا لماذا النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تأكل؟ يقول هناك الأصل حرمة فليس الأصل الإباحة، فقال لا تأكل ارجعوا إلى الأصل. لكن هنا الأصل طهارة، سنبقى على اللفظ.

ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله وجهاً ثالثاً للندب هو أن التقييد بالعدد في غير النجاسة العينية يدل على النادبية، نقيد بالعدد ثلاثاً فليغسلها ثلاثاً وهو غير نجس، على أي أن تغير النجس هذا يدل على هذا يدل على الناتج.

طبعا هذا كله مبني على أن العلة هي خوف من النجاسة، لكن الحنابلة رحمه الله تعالى يرون أنها تعبدية، تعبدية ليست بخوف النجاسة. ولا عندنا يعني نوضح هذا في الدرس القادم من عقود الانتهاء الوقت.

هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.