دخولتسجيل الدخول

المجلس الثاني - الأحاديث 4–7

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاة تترى وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اختفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. اللهم جنبنا منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء. لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.

حياكم الله أخواتي الكريمات في مجلس جديد من مجالس الأربعين العذرية. وأنا أقول الأربعين بالرفع لأنني أحكي الاسم حكاية، وإذا كان الاسم بالحكاية فجاز رفعه. هذه الأربعين أخيتي التي نصنعك من خلالها، ونعلمك كيف تنتمين إلى شريعة ربك، وكيف تفتخرين أنك ابنة هذا الإسلام العظيم. هنا في الأربعين ستجدين الأحاديث التي تعلي من قدرك، والتي توجه بوصلتك، والتي تعلمك المعاني التي ينبغي أن تتربي عليها وتربي عليها ابنتك.

هذه الأربعين العذرية أيها الكرام تعلمنا حال المرأة منذ خروجها إلى هذه الدنيا إلى أن تكبر على أعيننا، إلى أن تصبح زوجة، ثم إلى أن تصبح أماً. أردناها أن تكون شاملة مختصرة، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك فيها، وفي من حفظها، وفي من تعقل معانيها. وصلنا أيها الأحبة إلى الحديث الرابع: باب حسن العشرة بين النساء. عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا نساء المسلمات، لا تحقرن جاره لجارتها ولو فرسن شاة» متفق عليه.

هذا الحديث بوبنا له بهذا الباب: حسن العشرة بين النساء. وهذا تكميل للمعاني التربوية التي ينبغي أن يغرسها الأب والأم في البنات منذ نشأتهن. في المجلس الماضي تكلمنا عن مجموعة من القيم والمعاني التربوية والدينية التي ينبغي أن تغرس؛ تكلمنا عن خلق الحياء، تكلمنا عن الصلوات الخمس وصوم رمضان، وأن تحفظ فرجها، وتعلم كيف تطيع زوجها. وما زلنا نتحدث في باب التربية لأننا ما زلنا نتكلم عنك أختي الكريمة وأنت في رعاية والديك.

نووي الوالدين إلى المعاني التي ينبغي أن تغرس؛ فمن المعاني التي ينبغي أن نهتم بزراعتها في بناتنا قضية تعلم المجامله والأخلاق الاجتماعية. كيف تجامل الفتاة صديقاتها؟ كيف تجامل الفتاة جيرانها؟ كيف تجامل الفتاة أرحامها؟ كيف تحسن الصنعه معهم والتلطف وتكسب العلاقات وتبتعد عن الشحناء والبغضاء؟ وهذا الحديث النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب فيه النساء ويقول: «يا نساء المسلمات، لا تحقرن جاره لجارتها ولو فرسن شاة».

ولعل أول ما يخطر في ذهن القارئ: لماذا خص النبي صلى الله عليه وسلم النساء بهذه الوصية مع أن الرجال لعلهم أيضاً يحتاجون مثلها؟ فلماذا لم يقل: يا رجال المسلمين لا يحقر جار لجاره ولو فرسن شاة؟ حقيقة هناك العديد من المعاني التي ذكرها شراح الحديث لماذا خص النساء بهذه الوصية. ولعل من المعاني التي ذكرت ويجدر التنبيه إليها؛ أولاً: أن النساء -خاصة أصحاب الجوار- يكثر بينهن البغضاء والشحناء والتلاسن، لأنهن يملن إلى العاطفة، وربما كلمة من هنا وكلمة من هنا تقطع الوداد. فلکثرة الإشكالات التي تحدث بين الجارات ولكثرة الشحناء والبغضاء وسهوله تسربها في جنس النساء، حرص النبي صلى الله عليه وسلم على توجيهنا للمعاني التي تغرس الموده والمحبه، ووجهها إلى النساء خصوصا لعلهن ينتفعن بذلك.

أيضاً من الأمور التي تجعل هذا الحديث يوجه إلى النساء ابتداءً هو أن النساء -أو جنس النساء دعونا نقول- يكثر فيهن حب التباهي والافتخار، وبالتالي يحتقرن الأشياء الصغيرة. فلعل الجاره تهدي إلى جارتها شيئا يسيرا، فإذا أغلقت الابواب جلست تقول: انظروا ماذا أهلت لفلانه! وانظروا كيف فلانه لا تحترم الاعراف ولا الأخلاق! فلانه تراني رديئه تهدي لي مثل هذه الأمور! فالنساء يحببن التباهي والتظاهر ويسرع فيهن احتقار الأشياء الدنيئة. فلذلك النبي صلى الله عليه وسلم وجههن إلى ترك هذه الخصله؛ التباهي، وترك الحديث عن الناس، والنظر فيما يقدمونه لك؛ قدري أي شيء يقدمه الناس لك، فإن العبرة في الهدايا بمضمونها وليس في شكلها وهندامها. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم يوجه في هذا الحديث العظيم النساء إلى زرع الموده والمحبه بينهن، وابعاد روح الشقاق والنزاع والخلاف. وعلى المراه أن تئد الشحناء في قلبها وعليها أن تزرع الموده، وهذا له وسائل.

ومن الوسائل التي تزرع المحبه والوداد بينكن يا جنس النساء: الهدايا ولو كانت فرس شاة. دعونا نتأمل هذا الحديث سريعا؛ يا نساء المسلمات. وهذه الجمله يا نساء المسلمات هي فيها معنى الكلام عن فضليات النساء. وكان الخطاب هنا لفضليات النساء، كيف ذلك؟ لما أقول: يا رجال القوم العرب، فإنها تقصد افاضلهم. فكذلك هنا: يا نساء المسلمات، ذكر العديد من الشراح أن المقصود: يا فاضلات المسلمات، يا أيها الفضليات من النساء. فهذا الخطاب كأنه موجه للمراه الفاضلة صاحبة النفس السويه؛ يا نساء المسلمات، يا أيها الفضليات من هذا الجنس، اسمعنا هذه النصيحه.

قال: «لا تحقرن». نهى عن الاحتقار، وهذه من الصفات التي ينبغي أن يكتسي بها المسلم عموماً، أن المسلم لا يحقر أخاه المسلم كما قال صلى الله عليه وسلم. فهنا النبي عليه الصلاه والسلام يقول: «لا تحقرن جاره لجارتها». ولاحظ أن الحديث كان عن علاقات الجوار عن الجارات، وإن كان الأمر أعم من ذلك، لكن النبي عليه الصلاه والسلام خص الجوار لأن المراه لابد لها أن تعيش في منزل، وهذا المنزل محاط بجارات ونساء، ويحصل بينهن تزاور، ويرى بعضهن بعضا بشكل متكرر. فالعلاقات الاجتماعيه هنا تكون أكثر وأوطد، فلا بد من احترامها وزرع المحبه والموده فيها وابعاد الشحناء عنها، فلذلك ركز على الجار.

وان كان الموضوع يا اخواتي أعم من ذلك: لا تحقرن جاره لجارتها ولو فرسن شاة. والفرسن هو ظلف الشاء. الاصل في الفرسن أنه للبعير؛ والفرسن للبعير كالحافر للفرس، وبالنسبه للشاء اطلاق الفرسن على ظلف الشاة قالوا نوع من المجاز، المهم الفرسن بالنسبة للشاه كالحافر الذي في قدم الفرس. فالنبي عليه الصلاه والسلام ذكر هذا الشيء الدنيء؛ لماذا ذكره؟ لأن الفرسن -اللي نحن بنسميها اليوم في حياتنا العامية الكوارع- عبارة عن عظم قليل اللحم بالكاد يوجد عليه قطع لحم يسيرة جداً. حتى لو أهدت الجاره لجارتها فرس شاة، إياك أن تحتقري هذه الهدية يا ايتها المستقبلة للهدية.

وكذلك من جمالية الحديث أنه يمكن أن ينظر إليه من زاويه أخرى، وهو أن النبي عليه الصلاه والسلام يقول للمراه المهدية: إذا كان لا يوجد عندك شيء تهديه، ووجدت فرس شاة في المنزل زيادة عن حاجتك، أيضاً لا تحتقري إهداءه إلى أختك. فالحديث موجه للطرفين: لا تحقرن جاره لجارتها؛ لا تحقرن أن تهديها هذا الشيء اليسير، وفي المقابل لا تحتقر الجاره المستقبله هذا الشيء اليسير الذي أهدته اختها. فالخطاب لكلا الطرفين؛ للمهدي وللمهدى إليه.

إذن هذه حقيقه فكره مهمه ينبغي على الاباء والامهات أن يعززوها في البنات: أن الحياه ليست مبنية على المباهة باللباس والمظاهر والاشكال؛ إيه قيمتك وأخلاقك لا تقاس بطول ثوبك، ولا تقاس بشكل شعرك، ولا تقاس بمواصفاتك الشكلية الجمالية، وإنما تقاس الأمور بأخلاقك، بلطفك، بحسن تعاملك، بمدى ابتسامتك، بسعه صدرك، بالنفسيه السويه التي عندك. وهكذا يعلمنا النبي عليه الصلاه والسلام، ولذلك وجه إلى الهديه؛ وجه إلى الهديه كما قلت بالتحديد لما لهذه الهديه من اثر في زرع هذا الوداد.

فعلموا هذا الحديث لبناتكم، علموهن الاهداء كوسيلة من وسائل كسب العلاقات الاجتماعية وفن التعامل وعدم الازدراء لهذه الطاعه والعبودية لله وعدم التقلل منها. ونقول ما فائده الهدايا؟ النبي عليه الصلاه والسلام يقول: «تهادوا تحابوا، تهادوا تحابوا». فالإنسان إذا أهدى لأخيه هدية ولو كانت من أيسر الأشياء ومن أخفها، صدقوني الهدية ليست بحجمها وإنما بالقيمه المعنويه التي تحملها؛ يكفي أن هذه الجاره تذكرت جارتها.

وهنا النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا هو بنفسه هذه النفس السويه الطيبه التي لا تنظر إلى شكل الاهداء وإنما تنظر إلى مضمونه، فيقول عليه الصلاه والسلام: «لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لققبلت». هو نفسه عليه الصلاه والسلام يقول: لو أهدي إلي سواء ذراع الشاء -وهذا كان من أحب الأشياء إلى النبي عليه الصلاه والسلام- أو أهدي إلي كراع الشاة -اللي هي الظلف الذي نتكلم عنه اللي هو الفرسن- لققبلت. هكذا نصنع النفوس، وهكذا يبني ويعزز الإسلام فينا التواضع والهدوء وعدم التباهي وعدم التفاخر وعدم الازدراء للاخرين. وكما قلنا خص النساء بهذا لعلهن ينتفعن بها ويتخلصن من كثير من الأمراض والسلوكيات النفسية الخاطئة التي تكثر عادة في جنسهن.

انتهى هذا الحديث وانتهت هذه القيمه، ولا اريد أن أطيل فيه أكثر من ذلك. اريد أن انتقل إلى الحديث الذي يليه: باب من علامات الساعه فساد حال النساء. واسمعوا إلى هذا الحديث العظيم ودعونا نعلق عليه. عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما -رضي الله عنه وعن والده، وهذا عبد الله بن عمرو أحد فقهاء الصحابه وأحد رواة الصحابه من المكثرين للحديث رضي الله عنه وعن والده عمرو بن العاص- عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «سيكون في آخر أمتي رجال يركبون على سرج كأشباه الرحال، ينزلون على أبواب المساجد، نساؤهم كاسيات عاريات، على رؤوسهن كأسنمة البخت العجاف. العنوهن فانهن ملعونات. لو كانت وراكم أمة من الأمم لخدمن نساءكم نساءهم كما يخدمنكم نساء الأمم قبلكم». حديث صحيح رواه الإمام أحمد في مسنده وغيره من المحدثين.

هذا الحديث والله حديث عظيم، ويتكلم عن طبيعة التربية للمراه في آخر الزمان. هذا الحديث ينبه ما الذي سيحصل كلما اقتربنا من آخر الزمان؛ ما الذي سيحصل في مواضيع التربية، وكيف ستذهب الغيرة من كثير من الآباء والأزواج والإخوة على بناتهن وزوجاتهن وأخواتهن، حيث تضعف التربية على القيم والأخلاق. فيذهب الرجل إلى المسجد بل يزاحم في الصف الأول، وتجده يأتي قبل الفجر ربما بساعة، وتكون ابنته تخرج شبه عاريه إلى الجامعة صباحا تخالط الرجال وتمازحهم، على رؤوسهن أمثال أسنمة البخت العجاف.

هذا فيه إشارة واضحة -أيها الكرام وأيتها الكريمات- إلى ماذا سيحدث في القيمه التربوية، وما الذي سيحصل في حال الرجال؛ سيحصل ضعف، ضعف في القيم، ضعف في الأخلاق، ضعف في الغيرة، ضعف في الاهتمام بشؤون البنات. وهذا ماذا نستفيد منه بالنسبة لنا نحن يا من نبحث عن طريق إلى الله سبحانه وتعالى ونبحث عن التمسك بالدين؟ هذا ينبهنا إلى ضرورة الاهتمام بالتربيه وزياده تسليط الضوء عليها والتيقظ لها كلما زادت الفتن من حولنا وكلما اقتربنا من آخر الزمان.

عليك أن تعرفي أختي أن المعركة شرسة، وأن الفساد سيكثر، وأن قله الدين والغيرة ستنتشر بين الناس، فيأتي هنا دور الآباء والأمهات: انتبهوا، انتبهوا على قضايا التربية واحفظوا بناتكن فإنه في آخر الزمان ستكثر هذه الصورة. وهذه الصورة -أيها الكرام المذكورة في الحديث- حقيقه تنطبق بشكل كبير على واقعنا المعاصر، وهذا من دلائل النبوة؛ وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل ألف وأربع مئة سنة كان يخبر ما الذي سيحصل في هذه الامه من تقلبات الاحوال.

وهذا الحديث أيضاً يشير إلى فكرة العلمانيه المعاصرة بوضوح، لأنه يتكلم لك كيف أن كثير من الرجال والازواج يكون حريص على الصلاة في المسجد والذهاب إليها، لكنه في نفس الوقت لا يرى أي مشكلة أن ابنته في الحياه الواقعية والاجتماعيه تخرج شبه عاريه وراسها وشكلها وهندامها وتفعل ما تشاء. أليست هذه العلمانية التي يدعو إليها الغرب ودعاة الغرب في بلاد المسلمين؟ أنه اجعل التدين في المسجد، لكن خارج المسجد في الحياة العامة ما في داعي أن يكون هناك لباس شرعي وحجاب، وما في داعي يكون هناك التزام وانضباط، خلوا الناس على الحرية، خلي بنتك تفعل ما تشاء وتخرج مع من تشاء وتجلس مع من تشاء، لا تكن أباً معقداً، يكفيك أنك صليت الصلوات الخمس في الصف الأول ويكفيك أنك تحضر قبل الفجر بنصف ساعة، وإياك أن يكون عندك أي شعور بالحرج عندما ترى ابنتك تخرج بجمالها وهندامها أمام الرجال تمازحهم وتصافحهم، إياك لأنك هكذا تكون معقداً، هكذا تكون انساناً رجعياً لا تكون حضارياً. وهكذا يبثون السموم.

النبي صلى الله عليه وسلم والله يخبر عن هذا الذي يحصل في زماننا. انظروا إلى هذا الحديث: «سيكون في آخر أمتي رجال»؛ رجال لكن ما هم برجال من حيث الأخلاق والقيم، رجال من حيث الذكورة؛ «يركبون على سرج كأشباه الرحال». وهذه اللفته سبحان الله فيها إشارة -كما قال بعض المعاصرين- إلى وجود السيارات في الواقع المعاصر، لأنهم قالوا: النبي عليه الصلاه والسلام يقول يركبون على سرج، والسرج هو الذي يوضع على الحصان، لكن قال كأشباه الرحال، والرحال أحيانا يطلق الرحل على ما يوضع فوق الجمل ليركب عليه، وأحيانا يطلق الرحل على مسكن الإنسان ومنزله. ولعل إطلاق الرحل هنا على مسكن الإنسان ومنزله أليق بالسياق.

فكأن النبي عليه الصلاه والسلام يخبر أنه في آخر الزمان سياتي رجال يركبون على سرج، لكنها ليست السروج التي تعرفونها يا ايها الصحابه، السروج التي تكون فوق الاحصنه، لا لا لا؛ هي سرج من نوع آخر تشبه المساكن، تشبه الغرف. طب إيش سرج يشبه الغرفة؟ حقيقه هذا أشبه ما يكون بالسيارة. ولذلك هناك عديد من الروايات والأحاديث تشير إلى أن الناس سيتركون ركوب الجمال والاحصنة ويركبون هذه السيارات، مثلا ورد عند مسلم قوله صلى الله عليه وسلم.

ولتتركن القلاص، أو ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها، ولتتركن القلاص، والقلاص هي الجمال. فالنبي عليه الصلاة والسلام ينبئ أن في آخر الزمان ستترك القلاص وهي الجمال، فلا يسعى عليها، لا يركب عليها، وإنما يركب الناس أشياء جديدة ستظهر. وهذا كله من النبوءات، والنبي صلى الله عليه وسلم من دلائل نبوته، يعني من العلامات التي تدل على صدقه في النبوة، أنه كان يخبر عن أمور ستحصل في المستقبل. وقضية ترك الخيل والأحصنة وركوب السيارات، هذا فعلا قد نقول إن الحديث يشير إليه ووقع في واقعنا المعاصر، ولكن ليس هذا هو موطن البحث في هذا الحديث، لكن الإشارة جميلة إليه. قال: يركبون على سروج كأشباه الرحال. المهم يركبون السيارات. أين ينزلون؟ قال: ينزلون على أبواب المساجد.

ينزلون على أبواب المساجد. البعض قال: ينزلون على أبواب المساجد معناه كما هو متبادر يذهبون إلى الصلاة في الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء، يعني الأب عنده تدين شكلي يعرف المسجد ويعرف طريقه، ولكنه لا يملك مضمون التدين وفحواه. ما هي المشكلة؟ أنه ينزلون على أبواب المساجد والله هذه نقطة إيجابية، لكن للاسف نساؤهم كاسيات عاريات. ما معنى كاسية عارية؟ بلغتنا العامية نقول هي لابسة وغير لابسة، يعني هي من حيث المظهر قد ترى عليها قطعة على الثياب، لكن قطعة ليست ساترة، قطة ويا ليتها كانت قطعة جيدة، قطة في الشكل لكنها ضيقة تبرز المفاتن وتظهر العورات. فأنت تقول فلانة هي كاسية من حيث الشكل، لكنها في الواقع من حيث بروز أعضائها ومن حيث تحجيم الملابس لجسدها كأنها عارية، فهي كاسية في الشكل عارية في المضمون.

ثم يخبر أيضا عن حال شعورهن، فقال: على رؤوسهن كأسنمة البخت. والأبل البخت هي إبل لها سنامان. الإبل البخت ليست كالإبل العادية، هي إبل لها سنامان. فيقول: كأسنمة البخت، وهذا فيه إشارة -طبعا- أسنمة البخت العجاف. العجاف يعني الهزيلة. وهذا فيه إشارة إلى هذه الحلقات والقصات، عفوا، أو طرق الوضع للشعر التي تفعلها النساء اليوم، حيث ترى امرأة قد تلبس حجابا ويخرج من شعرها ليست كعكة، أكثر من كعكة، كعكتان فصاعدا، وهذه تشبه أسنمة البخت، لأن البخت كما قلنا لها سنامان. فكأن النبي عليه الصلاة والسلام يخبر أن طريقة وضع الشعر تكون المرأة في الظاهر تلبس الحجاب وتحت الحجاب كعكة ثم كعكة، وهذا موجود وأنتم ترونه في الجامعات وفي الأماكن العامة والخاصة، خاصة للأسف.

طيب، ما هؤلاء النساء؟ ما الموقف الشرعي منهن؟ قال عليه الصلاة والسلام: «العنوهن، فانهن ملعونات». اللعن أيها الكرام وايتها الكريمات هو الطرد من رحمة الله. وغريب والله غريب أن تجد فتاة تسمع هذا الحديث من النبي عليه الصلاة والسلام ثم بعد ذلك تصر على أن تلبس الملابس الضيقه. يعني نحن هنا اللي -عفوا- اللي خالع ملابسها أصلا وهي عارية حقيقة، هذا موضوع آخر، هذه انتكست الفطرة انتكاسا كليا. ما زال هذا الحديث يتكلم عن الكاسية لكنها ملابسها ضيقه فهي شبه عارية. أما للاسف اليوم احنا في بعض النساء تجاوزت قضية الكاسية العارية، لا، هي عارية فعلا، تجدها يعني نصف أو أكثر جسدها مكشوف، نسأل الله السلامة والعافية.

فالنبي عليه الصلاة والسلام يتحدث عن صاحبة الملابس الضيقة حتى ولو كانت تضع الحجاب شكليا. يقول: ولكنها كما قلنا تحرص على الملابس الضيقة وتحرص على قصات الشعر الملفتة. هذا الجنس يقول صلى الله عليه وسلم: «العنوهن فانهن ملعونات». خطير هذا الحديث. وكما قلت أنا أسف أن أجد فتاة تسمع هذا الحديث ثم تعرض عنه وكأنه لا شيء. هل تعرفين أختي ما معنى اللعن؟ اللعن هو أن تطردي من رحمة الله سبحانه، خلص الله يطردك من رحمته. والنبي عليه الصلاة والسلام يخبرنا: «لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله». قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمه». كلنا نحتاج إلى رحَمات الله، نحن نعيش بأنفاسنا وأرواحنا برحمات الله. من منا يستطيع أن يستغني عن رحمة الله طرفة عين؟ نسأل الله السلامة والعافية.

هذه الفتاة التي تفعل هذا الأمر الشنيع، النبي عليه الصلاة والسلام يخبرنا بأن يلعنه. ولكن هنا أرى أن أنبه، وهو أن اللعن في هذا المقام هو ليس أن تلعن المعينة، أن تجد فتاة معينة فعلت هذا فتلعنها في وجهها، هذا ليس بصواب. وإنما اللعن -قال العلماء المحققون- إنما هو لعن الجنس وليس لعن فتاة معينة. لك، إذا لعنت فتاة معينة فعلت هذا الشيء القبيح في وجهها، هذا ينفرها أكثر وأكثر ويزيدها بعدا، وليس من هدفنا أن نبعدها أكثر. ولكن قال العلماء: يلعن الجنس، هذا معنى العنوهن. فنقول مثلا: لعن الله جنس المتبرجات، لعن الله الكاسيات العاريات، دون أن أقول في وجه فتاة وقعت في هذه الخطيئة يا فلانة لعنك الله، هذا خطأ لأنها قد تتوب. والمطلوب منك أن تذكر وأن تنبه وأن تذكري أخواتك وأن تنبهن على هذه الأخطاء، وليس الهدف أن أنفرها أكثر. ولكن من حيث الأمر العام والعقوبة العامة، فإن جنس أو فإن هذا الجنس ملعون ومطلوب لعنه، فنقول: لعن الله المتبرجات، لعن الله الكاسيات العاريات.

ثم يأتيك بعد ذلك شخص ويقول: التبرج حرية شخصية، لماذا لا تتقبلون الطرف الآخر وأنا صاحب قرار أم الشريعة هي التي تقرر؟ ما دام النبي صلى الله عليه وسلم أمر بلعن هذا الجنس فهذا الجنس ملعون ومطرد من رحمة، انتهى. لا نقاش لبشر وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم. ليس لنا أنختار أنه لا هذا لا يلعن، هذا الجنس وهذه حرية، كما يقول دعاة الليبرالية والعلمانية اليوم. هذا حكم الله من فوق سبع سماوات، أن صاحبة الملابس الضيقة وصاحبة أسنمة البخت ولو كانت تلبس الحجاب شكليا هذا حكمها، قلنا طبعا فما بالك بالعارية أصلا والمنخلعة من ثيابها؟ نسأل الله السلامة والعافية.

ثم يختم النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث ليخبرنا ويقول عن عقوبة هؤلاء النساء أو ماذا ينبغي أن يحصل في هؤلاء النساء وماذا سيؤول أمر هؤلاء النساء من الذل والهوان. فيقول: لو كانت وراءكم أمة من الأمم لخدمن نساؤكم نساءهم كما يخدمنكم نساء الأمم قبلكم. هذه الجمله أيها الكرام تبين سنة من سنن الله الجارية وهي أن نساء الأمم السابقة لما كثر فيهن الفساد سلط الله عليهم الذل فاستعبدهن من بعدهن من الأمم أو من نساء الأمم. أعيد: من سنة الله سبحانه وتعالى أن الأمم السابقة لما كثر الفساد في نسائهم، وشاء الله سبحانه وتعالى بسبب انتشار الفساد الأخلاقي والسلوكي في نساء هذه الأمم، إذا شاء الله عز وجل أن ينزل العقوبة والهوان على هؤلاء النساء، أتى بأمة أخرى بعد هذه الأمة فيكون نساء الأمة السابقة إماء عند نساء الأمة اللاحقة.

انظروا ماذا حصل بنساء فارس والروم، نساء فارس والروم أصبحوا في النهاية خدما في بيوت المسلمين. سلط الله أمة الإسلام على نساء فارس والروم فأصبح نساء فارس والروم خدما في بيوت المسلمين. هذا ما سببه المعاصي. فأي نسوة في أمة في الأمم السابقة كان يكثر فيهن المعاصي والذنوب، كان من عقوبة الله سبحانه وتعالى أن يجعل هؤلاء النسوة الفاسدات الكاسيات العاريات المتفلتات عن شرع الله، يعاقبهن الله في الدنيا قبل الآخرة بأن يجعلهن خدما لنساء الأمة اللاحقة. وهذه الأمة يقول صلى الله عليه وسلم: لو كانت وراءكم أمة، يعني لو كان هناك أمة ستأتي بعد أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لكان هؤلاء النسوة الذين في زماننا ومن سياتي بعد زماننا، هؤلاء النسوة الفاسدات الكاسيات العاريات أصحاب الملابس الضيقة وأسنمة البخت، لو كان هناك أمة بعد أمة محمد صلى الله عليه وسلم لعاقبهن الله بأن جعلهن خادمات في بيوت نساء الأمم اللاحقة.

ولكن شاء الله أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم هي آخر الأمم ولا أمة بعدها، وهذا هو الذي أعفى نساء هذه الأمة من أن يصبحن خدما خدمة كاملة وإماء عند الأمم اللاحقة. لكن لا يمنع هذا أقول صحيح، النبي عليه الصلاة والسلام يقول: لو كانت وراءكم أمة من الأمم لخدمن نساؤكم نساءهن ولاصبح نساء المسلمات الكاسيات العاريات إماء وحشما وخدم في بيوت تلك الأمة. نعم الله عز وجل وإن كان أعفى نساء هذه الأمة من هذه العقوبة، لكن هذا لا يعني ألا يكون هناك هوان جزئي. ولذلك نقرا في كثير من مراحل التاريخ الإسلامي في الأندلس وفي غير الأندلس، كثير من المناطق التي حصل فيها فساد لنساء المسلمين وانتشار للبغي والفجور، وكيف أن الله يسلط الأعداء على هذه المناطق فكانت تسبى نساء المسلمين وكان يغتصبن ويتعرضن للإذلال ويؤخذن خدما إلى بلاد الروم. حصل هذا في تاريخ الاسلام مرارا وتكرارا عندما ينتشر الفساد في النساء، لكن أن يحصل بصورة عامة كلية بحمد لله لم يحصل ولن يحصل، لانه لا أمة بعد أمة محمد صلى الله عليه وسلم. لكن كما قلت لا يعفي هذا من العقوبة الجزئية.

ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام لما قال: لو كانت وراءكم أمة من الأمم لخدمن نساؤكم نساءهم كما يخدمنكم نساء الأمم قبلكم. هنا النبي عليه الصلاة والسلام ينبه الصحابه كيف أن نساء الأمم السابقة الروم والفرس يصبحن خدما في بيوت المسلمين. يقول: كما أنكم ترونهم خدما عندكم، الله عز وجل لو أراد أن يجعل أمة بعدكم لجعل النساء الفاسدات خدما في تلك البيوت. فهذا يدل إخواني وأخواتي أن هذه المعاصي التي يفعلها النساء لها ضريبة ولها هوان ولها عار. فاجتنبي أختي هذا، اجتنبي أختي هذا حتى لا يصدق عليك أولا اللعن وهو الأشد، وألا يصدق عليك الهوان، فإن النبي عليه الصلاة والسلام دل على هذا الهوان بعباره لو كانت وراءكم أمة من الأمم.

يعني أريد أن أعلق على بعض القضايا السريعة. هذا الحديث فيه فكرة مهمة وهو أن الحديث لم يعاتب فقط النساء، بل عاتب الرجال، وهو أنه صور لك صورة ذاك الرجل فاقد الغيرة، وذلك الزوج فاقد الإحساس، وذلك الأخ فاقد الحياء الذي يسمح لأخته أن تخرج بهذه الصورة، ويصور لك كيف أن هذا الرجل مسكين يضحك على نفسه يظن أنه يتعبد الله في المسجد وهو لا يعرف أن ابنته الآن في الجامعه لعلها في أحضان شاب أو تقبل رجلا أو تصافحه أو تبادله على وسائل التواصل الكلمات والغزل وهو المسكين يتعبد. أين أنت عن بنتك؟

ياتي البعض يقول: أخي أنا أحب أن أجعلي بنتي مساحة من الحرية الشخصية، ويظن أنه بذلك يكون محسنا، وما يدري أنه أساء لنفسه ومسؤول أمام ربه. يقول صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». فالبنت وهي عندك أيها الأب أنت مسؤول عنها ومسؤول عن محاسبتها ومسؤول عن الزامها باللباس الشرعي. نعم عليك أن تزرع هذه البذرة فيها من الصغر، حب الستر وحب الحياء وحب الملابس الطويلة. هذه قيمة أنت تزرعها في الصغر وتنمو معها في الكبر، وفي الكبر إذا جاءها الشيطان ووسوس لها تكون حاسما واضحا قاطعا. وكذلك الزوج وصاحب قوامة على زوجته، وليس للزوجة أن تقول لزوجها أنا أفعل ما أشاء وألبس ما أشاء وأنت تسكت وتصمت وتذهب إلى المسجد تصلي وليس لك علاقة بلباسي. هؤلاء أشباه الرجال، هؤلاء لا يرفعون شأن الإسلام. الرجل هو الذي يصون أهل بيته ويغار عليهم، الذي يتمسك بالدين تمسكا كليا.

فليس فقط القضية هي قضيتك أنك تتعبد الله وحدك في المسجد، القضية أن تكون رجلا في بيتك وفي أسرتك قادرا على القوامة، قادرا على التربية، قادرا على تكاليف الولاية. والا إذا كثر هذا من جنس الرجال ذهاب الغيرة والاهتمام بالتربية وكثر الفساد في جنس النساء، فهذا فيه إيذان بالاستبدال، وأن الله سبحانه وتعالى يستبدل هؤلاء ويأتي بأناس آخرين: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: 38]. فهذا حقيقة من الأحاديث الخطيرة المنبهة لما يحصل في آخر الزمن ولما نعيش في واقعنا، وينبه إلى ضرورة التربية، وأن يعني الإنسان يكون مستيقظا إلى الحالة العامة التي تحيط بالنساء المسلمات فيهرع إلى تربية بناته وإلى الحفاظ عليهن وإلى إسكانهن في مكان نظيف وإخراجهن من البيئات الرديئة، ويتأكد من الصحبه ومن الأماكن التي يذهبن إليها. كما تذهب إلى المسجد وترعاه، عليك أن ترعى أهل بيتك. هذه الرسالة الواضحة من هذا الحديث.

نذهب إلى الحديث الذي يليه. هذا الحديث بوبنا له باب فتنة الرجال بالنساء. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء». هذا الحديث أيها الكرام على المرأة المسلمة أن تسلم له وأن تفهمه، وأن تعلم أن الله سبحانه وتعالى خلق جنس النساء ليختبر بهن جنس الرجال، وخلق جنس الرجال ليختبر بهم جنس النساء. فعندما نقول لك يا أيتها المرأة المسلمة أن المرأة والنساء فتنة للرجال، إياك أن تهربي من هذه الجملة وتحاولي أن تصدي عنها هرعا خلف النسويات وأصحاب الحريات ودعاة الفلتان، ويغرك هؤلاء الذين يقولون: انظري إلى الإسلام كيف يقول اتقوا النساء، الإسلام يخوف منكن.

لا، القضية ترى سهلة من فهم طبيعة الوجود وأن الله عز وجل خلق الحياة الدنيا ليبلوكم أيكم أحسن عملا، لن يجد أي مشكلة في تقبل هذا المفهوم الشرعي. هذا مفهوم يراد اليوم تشويهه ويراد إقناعك يا أيتها الاخت المسلمة، يريدون أن يقنعوك أن علاقتك مع الرجال علاقة عفوية طبيعية وأن الرجال.

لا ينظرون إليك بنظرة فيها غريزة. وأن هؤلاء المشايخ وأصحاب الخطاب الدعوي دائماً يكبرون هذه الأمور ويهولونها، ويحاولون أن يصوروك على أنك عورة، وعلى أنك محط الفتن، وعلى أنك يجب ويجب ويجب. أنظري كيف يقللون من شأنك؛ طيب، ماذا عليك أن تفعلي؟ عليك أن تخرجي وتبرزي وتصافحي الرجال، وتلبسي ما شئت أمامهم وتضحكي معهم. إياك أن يخدعك علماء الإسلام وأهل العلم، ويقولون لك إنك بلاء للرجال وإن الرجال بلاء.

هؤلاء يعقدون الأمور ويفلسفونها، يريدون أن يغيروا فطرة الله، ولا تبديل لخلق الله. هنا نصوب البوصلة في الأربعين العذرية وفي غيرها من المجالس، مجالس علمائنا ومشايخنا، نصوب البوصلة: إياك أن تقتنعي بهذا الخطاب الذي يحاول أن يقنعك بأن علاقة الرجال مع النساء هي علاقة مبنية على البراءة وسلامة الصدر، وأن النفوس طيبة وسوية، وأن الرجل الأجنبي لا ينظر إليك إلا بنظرة احترام وتقدير. أبداً، لا يمكن أن يأتي في قلبه وفي خاطره شيء آخر، وأنت كذلك تنظرين بهذه النظرة!

احذري، النبي صلى الله عليه وسلم في آيات كثيرة، بل القرآن قبل ذلك، يقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [آل عمران: 14]. أول فتنة ذكرها الله للرجال هي فتنة النساء. فتقولي: يا شيخ، يعني الله عز وجل جعلني فتنة؟ أقول: كما أن الله عز وجل جعلك محط اختبار، يعني أنت محل اختبار، الله يختبر الرجال بك، كذلك ترى الأمر بالعكس، وجعل الرجال محط اختبار للنساء؛ فأنتن أيها النساء تختبرن بالرجال ولكن...

طيب، تقولين لي يا شيخ، لماذا كان حديث القرآن عن فتنة الرجال بالنساء أكثر من حديثه عن فتنة النساء بالرجال؟ نقول: لأمور كثيرة، وهو أن الرجال أكثر حيلة، وأكثر تلاعباً، وأكثر دهاءً في الوصول إلى النساء، فالذئاب البشرية تكثر في الرجال. وإن كان في النساء ذئاب بشرية، لكن الرجل أقدر حيلة وأكثر إقبالاً على الخداع واللعب بالعواطف، لأنه يعرف طبيعة المرأة وعاطفتها، ويععرف غريزتها وكيف يمكن أن يتلاعب بها.

فلذلك حذر الرجال من هذا التلاعب ومن هذا الإقبال ومن هذا السقوط في هذا الوحل. لكن هل هذا يعني أن النساء لا يمكن أن تفتن بالرجال؟ يمكن! ولذلك، كما قال ربنا: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: 30]، قال للنساء: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: 31]. القضية الثانية: لماذا يكثر الحديث أمام الرجال عن فتنة النساء؟ لأن هذا هو الحياء، أن يتحدث مع الرجل أن تحذر من أن تفتنى بججسد المرأة وصوتها وجمالها وشكلها، وأما المرأة فتقيس نفسها على ذلك دون أن يصارحها القرآن والسنة بذلك حفاظاً على حياءها.

يعني لماذا أصلاً الإسلام جعل المرأة لا تزوج نفسها بنفسها، وإنما لابد من ولي هو الذي يزوجها؟ قالوا: صيانة لها أن تصرح برغبتها في الزواج، فجعلوا لها ولياً هو الذي يقبل الزواج بالنيابة عنها؛ مش هيك الإسلام؟ كذلك هنا الإسلام ينبه على قضية افتتان الرجال بالنساء، ولكن ضمنياً دون أن نجرح مشاعرك ودون أن ندخل في غرائز النساء. أفهمني يا أيُّها النساء، كما أن الرجال يفتنون بكن، أنتن أيضاً قد تفتنن بالرجال، ولذلك كما قلت في مواطن يصرح القرآن: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا﴾ وقل للمؤمنات يَغضُضن؛ نعم، الكل مطلوب منه أن يغض، وأن ينتبه، وأن يجتنب خطوات الشيطان.

ولكن كما قلنا؛ لأن الرجال أكثر دهاءً وعبثاً ولعباً ووصولاً وتفكيراً تمام، ولأن الرجال الحديث معهم في هذا الأمور علناً يكون أسهل وأيسر؛ جاء التركيز في هذا الموضع على النساء. ولكن هل النساء ليس لهن فتنة بالرجال؟ من قال ذلك فقد أخطأ. طيب، النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي سعيد الخدري يخبرنا عن ماذا؟ عن طبيعة الدنيا فيقول: إن الدنيا حلوة -يعني مذاقها حلو- خضرة كالبستان الأخضر، فهي جميلة في مظهرها؛ إذن الدنيا حلوة في شهواتها، جميلة في مظهرها وشكلها، وهذا يعني أنها مصدر للإغراء، وأن الإنسان سهل أن يقع فيها.

لماذا؟ لأنها كما قلنا فيها أشياء محبوبه للنفس في مذاقيها وهي الشهوات، وفيها أمور كالازهار الخضراء والحمراء، فبالتالي يكثر الناس مد اليد إليها والرغبة في التذوق من شهواتها والنظر في جمال مالياتها. فيخبرنا الله عز وجل بعد ذلك بالجمله الثانية فيقول: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾. إذا هذه الدنيا والتي اسمها دنيا من الدناءة زينت لتكون محطة فتنة، حلوة خضرة، والله يخبرنا على لسان النبي صلى الله عليه وسلم كما أخبرنا في كتابه أنه خلقنا على هذه الارض وفي هذه الدنيا ليس لنذوق الحلاوة ولا لنشتغل بالخضره، وانما خلقنا ليستخلفنا: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: 14].

كذلك هنا يؤكد النبي عليه الصلاة والسلام هذه الآية: «وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون»، يعني كيف ستعملون مع هذه الحلاوة ومع هذه الخضرة؟ هل ستهجمون عليها وتاكلونها دون انضباط باحكام الشريعة، أم ستاخذون من هذه الحلاوة وتستمتعون من هذه الخضرة بانضباط الشريعة؟ فلذلك بعد أن اعطينا هاتين المقدمتين أن الدنيا حلوة خضرة وأن الله مستخلفكم فيها، جاء الامر والتوجيه بالتالي: فاتقوا الدنيا، يعني احذروا أن تخدعوا بهذا الجمال وبهذه الحلاوة.

ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا؛ سماها الله زهرة جميلة، لكنها مليئة بالسموم، ومليئة بما يقتلك، ومليئة بما يهلكك إذا لم تاخذ منها بضوابط الشرع. فلذلك قال: ما دامت الدنيا حلوة خضرة فاتقوا الدنيا، أي احذر أن تخدع، كما قال ربنا: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [لقمان: 33]. ومن أهم الأمور التي علينا أن نحذر منها، ومن أكثر الأمور الجميلة الحلوة الخضرة في هذه الدنيا بالنسبة لجنس الرجال، هو جنس النساء؛ هذه حقائق، من أكثر الأمور الجميلة الحلوة الخضرة التي يهفو إليها الرجال، وهي من أبرز الشهوات الحاضره في حياتهم، النساء.

فلذلك بعد أن قال: فاتقوا الدنيا عموماً، خص شيئاً معيناً من الدنيا هو السبب الاكبر للسقوط والانخداع فقال: واتقوا النساء. إذاً: فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، يعني اتقوا فتنه النساء، مش المراد اتقوا النساء يعني لا تتزوج، لا تكلم مع محارمك؛ المراد اتقوا النساء، يعني اتقوا فتنة النساء وزينة النساء. فان أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم لنتعظ قال: «فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء». يخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم عن أمة كبيرة، بل هي من أكبر الأمم قبلنا: أمة بني إسرائيل.

وهذه الأمة كانت فاضلة على أهل زمانها، وفضلها الله على العالمين في زمانها، ماذا كان سبب سقوطها؟ أول سبب من اسباب سقوط هذه الأمة الضخمة، أمة بني إسرائيل، أول سبب في سقوطها كان وقوعها في فخ فتنة النساء! تخيل أن بني إسرائيل مع كل الأنبياء الذين أرسلهم الله، ومع كل الدعوات، ومع كل ما حصل معهم من فرعون وتسلط الظالمين والجبابرة عليهم، ومن كل هذا الشيء، ما الذي كان يسقطهم ابتداء؟ هو فتنة النساء!

ليأتي شخص جاهل اليوم يلبس لباس الدين، ويتكلم باسم الدين، ويقول لك: لا تردي على من يقول إن المرأة فتنة للرجل. أختي الكريمة، لا تستحي من شريعة ربك؛ عليك أن تفهمي هذه الشريعه بكل سلاسة وسهولة، الرجال يفتنون بالنساء، والنساء يفتنون بالرجال. هذا حديث على الاب والام أن يغرسوه في بناتهن: يا بنيتي احتشمي، يا بنيتي البسي الملابس الصحيحة، يا بنيتي لا تخضعي بالقول، يا بنيتي لا تختلطي بالرجال، يا بنيتي جبل الله الرجال والنساء على أن بعضهم يفتن ببعض؛ فإياك أن تكوني بشكلك ولباسك وهندامك سبباً لفتنة الرجال وسبباً لسقوطهم، وأنت أيها الرجل إياك أن تكون باسلوبك سبباً في فتنة النساء واسقاطهن، إياكم أن يخدع بعضكم بعضاً.

فكان هذا الحديث تكملة للحديث السابق، لما تكلم في الحديث السابق عن النساء الكاسيات العاريات وحذر من كثرة هذا الجنس في آخر الزمان، كان هنا النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نغرس في بناتنا أن جسد المرأة وشكل المرأة بطبيعته الذي خلقه الله عز وجل عليه هو محط نظر الرجل؛ كما أشار إلى ذلك ابن العربي المالكي لما يقول في كتابه: إن المرأة محط نظر الرجال، والرجل فيه طبيعة التشوف إلى جنس النساء. اليوم ما تريده العلمانيه المعاصره، تريد هذه العلمانيه من أن تصل إلى جسدك، وأن يتلاعب الرجال به، وأن يتمتع الرجال بالنظر إليه، ثم إياك أن تقنعي نفسك أنهم ينظرون إليك نظرة فيه شهوة؛ هكذا يريدونك، يريدونك فريسة.

والله غريب، أذكر أنني في إحدى المرات جاءت فتاة لم تكن منضبطة باللباس الشرعي، تريد أن تسأل وتحاور في بعض القضايا. فهذه الفتاة لم تكن منضبطة، كما قلت، باللباس الشرعي بتاتا، فلما سألت -يعني سألتها عن تدين والدها- فأخبرتني أن والدها متشدد قليلاً! فقلت لها: لماذا والدك متشدد؟ قالت: يعني هو عنده شوية تشدد، بحب دائماً يصلي الصلوات الخمس في المسجد، لكن والدي ما بيمنع أن أخرج بهذه الصورة والهيئة. قلت: سبحان الله! هذه الفتاة ترى أن والدها الذي يسمح لها أن تخرج كاسية عارية، ويسمح لها بالاختلاط بالرجال، وأن تخرج بهذا المظهر الشنيع، أن والدها متشدد! لأنه ممن يصدق عليهم الحديث السابق: ينزلون على أبواب المساجد ونساؤهم كاسيات عاريات! سبحان الله.

لكن ما أريد أن أقوله، ما لفتني أكثر في حديثها، تقول لي: إن والدي زرع فينا أنه لك أن ترقصي في الحفلات أمام أولاد عمك وأولاد خالك، وحتى في المسابح أن نسبح معاً. لماذا؟ قال: لأنه يعلمنا أن هؤلاء لا ينظرون إليك نظرة فيها غريزة أو نظرة خطأ؛ غرس أننا أسرة واحدة وعائلة واحدة، فشيء عادي جداً أن نرقص أمام أولاد عمنا بلباس شبه عاري ولا لأننا نثق بهم، لا لا يمكن أن ينظر إلينا. انظروا إلى هذه الغفلة وإلى هذا الحمق، وكيف يمكن بعض الرجال يكون سبباً في تدمير الحياء في بنته، وتدمير القيم فيها، وإشعارها بما لا يوجد إلا في وهم هذا الأب وفي كذبة يريد أن يهمها أن أولاد عمها وخالها عندما يرونها عارية -آه والله- لوجود القرابة بدا ستكون مشاعرهم نبيلة وأفكارهم سوية، ولن ينظروا إليها نظرة فيها خطأ! أقول: هكذا زرعت العلمانيه في عقول الرجال.

والله أنا لا أعرف كيف يمكن أن يصل الإنسان لهذه المرحلة من مخادعة النفس؛ تخدع نفسك، تكذب نفسك يا أيها الرجل، تكذب على نفسك! طيب، تكذب على نفسك، تكذب أيضاً على ابنتك؟ تهمها أنها لن تكون محطة الرجال إذا خرجت بفتنتها وزينتها؟ أنتم أعلم أم الله عز وجل أعلم منا؟ ثم نحن نعلم من أنفسنا أن هؤلاء الرجال يكذبون على نسائهم ويخدعونهم، ويحاولون إقناعهم بهذه الأمور حتى هو الرجل ياخذ راحته في شهواته، ثم يعطي مساحة لابنته حتى تعيش عالمها الخاص؛ هكذا يراد أن تعلموا، ويراد أن تدرسوا في الجامعات، حتى تألفوا، تألفوا، وهو هذه المشكلة.

المشكلة الاعوص ما هو؟ هو الألف والاعتياد لهذه الحالة التي يمتزج فيها الرجال والنساء بصورة قبيحة، فتصبحي أنت لا ترين أي مشكلة في نظر الرجال إليك، بل تحبين الجذب، وهذه قضية يجب أن ننبه عليها البنات أيضاً عندما نربيهن: أختي الكريمة، أنا أعرف أن المرأة من نقاط ضعفها شهوة الجذب، الفتاة تحب أن تظهر جاذبة أمام جنس الرجال، تحب أن تنظر إلى الرجال وهم يسترقون النظر إليها، ويلفتهم شعرها وشكلها وهندامها؛ فكل يوم تخرج بزينه وبحلقة وبلباس وبلون لأن عندها هذه الشهوة.

احذري أخيتي أن تكوني ملعونه في الحديث السابق، واحذري أخيتي أن تكوني سبباً في الفتنة، فإن الله سبحانه وتعالى سيحاسبك حساباً شديداً. جاذبيتك الحقيقية بحيائك، جاذبيتك الحقيقية أن تظهري هذا الجمال أمام من يستحقه وهو زوجك، جاذبيتك الحقيقية أن تصبري على دينك وتقبضي عليه قبض الجمار إلى أن تلقي ربك سبحانه وتعالى. فهذه الدنيا إنما نأخذ منها من ملاذ النفس على قدر ما أبيح لنا، وأما الملتقى فعند الله سبحانه وتعالى في الجنة، هناك الله عز وجل سيسعدك وستقر عينك.

ثم -والله غريب، غريب- إذا كان نساء الجاهلية -ومر معنا الحديث في المجلس السابق- يأنفن أن تزني المرأة، وأن تأكل الحرة بثدييها، ويرون أن المرأة الكريمة الشريفة لا تجعل جسدها سلعة رخيصة وقطعة لحم تروجه بين الرجال، تأنف من ذلك؛ يعني قضية تجمع فيها بين الدين والمروءه؛ يعني هناك قضايا دينية وفيها أيضاً جانب من المروءة الشخصية. قد تكون بعض النساء ضعيفة الدين، لكن والله عندها من المروءة الشيء الكثير، أنها ترفض أن تكون تلك المرأة التي تسلط عليها الأضواء والرجال ينهشونها بأعينهم ولمسهم وما شابه ذلك.

ما يراد لك اليوم في عالم الشهوات وهذا الصراع على السوشيال ميديا من المظاهر والأشكال والموضة والازياء والصور؛ يراد أن تصبحي سلعة رخيصة، توضعي على الأحذية وعلى الملابس وعلى كل أنواع مرطبات الشعر، وأن تظهري بكل هندام وبكل صورة وبكل الأشكال العارية الفاضحة، ليقول لك: انظري كيف أصبحت محل جذب! بلحوا يرفعون من شأن المرأة كلما ازدادت في عريها، حتى أن النساء اللواتي يفعلن الرذيلة يسمون اليوم في عالم الغرب الكفر، يسمون نجوم في الاباحية؛ أسمعتم هذا وبالله عليكم؟ امرأة تزني ليلاً ونهاتاً على الشاشات تسمى نجمة في الاباحية! هكذا يضحكون وهكذا يعرفون أن الفتاة تحب الجذب وتحب أن تكون محط نظر، وأنك ستزدين جمالاً كلما تعريتي.

فهو تشويه كامل للفطرة التي فطر الله الناس عليها، ونحن هنا كما قلت في الأربعين وفي أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، نعيد وضع الخطوط العريضة في حياتك حتى لا تتيهي، وحتى لا تخدعي، وحتى لا تسمعي لهؤلاء. الإسلام والله جاء ليصون هذا الجمال، الإسلام والله جاء ليريحك أختي الكريمة، جاء ليمنحك القيمة. ما قيمة الجوهرة عندما يلمسها الكل؟ أليس قيمة الجوهرة عندما تكون مصونة لا يراها إلا من يستحقها؟ وقرن في بيوتكن.

﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾. هكذا يريد. يقول لك: الإسلام يريد تعقيد المرأة في الوقار في البيت، هو لا يريد تعقيدها يا أيها الجهلة، بل يريد لها الوقار. وهذا الوقار هو الاحترام والرزانة، وأن تكون تاجا، وأن تكون امرأة إذا خرجت بثيابها يُعرف أنها شريفة. ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾، يُعرف أنها من صاحبات الهمم، ومن صاحبات المروءات، ومن النساء العفيفات الطاهرات، من المحصنات الغافلات المؤمنات اللواتي صَبَرْنَ على شهوة الجذب ولاء الحياة ومرارتها، ورغبن بما عند الله والدار الآخرة. هذه المرأة التي هي متصالحة مع فطرتها، فهمت المراد من خلقها العبودية لله، فهمت مواطن البلاء وقواعده في هذه الحياة الدنيا، فلم تأْنَف ولم ترفض ولم تعارض شريعة ربها، ولم تنتكس في فطرتها، بل عرفت أنها تفتن بالرجال وأن الرجال يفتنون بها، فعرفت قواعد الاشتباك فأحكمتها وانضبطت هي، ولم تكن وسيلة ولقمة سائغة للأفاعي السامة ولأصحاب الأفكار العفنة الذين يريدون الوصول إليها، فسلمك الله من كل فتنة يا أختي الكريمة.

جاء في رواية، وفيها ضعف -جاء في رواية لهذا الحديث؛ الحديث الذي معنا في الباب، لكن الرواية فيها ضعف، وفي فضائل الأعمال تقبل رواية مثل هذه الأمور عموما للتنبه ولأن المعنى صحيح في الجملة-: جاء: «اتقوا الدنيا» -ذكرها ابن حجر طبعا رحمه الله عليه- يقول: «اتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن إبليس طلاع رصاد صياد، وما هو بشيء من فخوخه بأوثق لصيده في الاتقياء من النساء». شوف هذه الجمله قال: «فإن إبليس طلاع»؛ يعني يتطلع ويتشرف وينظر في الأمور كيف يسقط الرجال الأتقياء. «طلاع» متطلع، يبحث بشكل مستمر أين ينصب فخا للرجال الأتقياء. قال: «رصاد» يرصد بدقة. «صياد» إبليس قناص في قنص الناس الصادقين وفي إسقاطهم، عنده خبرة من ملايين السنين، من آلاف السنين: «إن إبليس طلاع رصاد» يستشرف وينظر ويراقب. ثم قال: «وما هو بشيء من فخوخه» ما هو أكبر فخ يصيد فيه إبليس الأتقياء؟ قال: «وما هو بشيء من فخوخه بأوثق لصيده في الاتقياء» في الرجال الأتقياء «من النساء». يعني أكبر فخ يثق فيه إبليس لإسقاط الرجال الأتقياء هي المرأة.

يزينها، يزخرفها، ولذلك جاء في الحديث: «إذا خرجت المرأة استشرفها الشيطان». يعني المرأة دائما إذا خرجت من بيتها يستقبلها الشيطان، ماذا يفعل؟ يزينها في أعين الرجال. هذه أكبر شغلة بيعملها إبليس، شغال في هذا الملف أنه أي امرأة تمشي في الشارع في الطرقات؛ الآن إذا كانت مصونة عفيفة يصعب إبليس أن يزينها، ممكن، لكن يصعب أن يجعلها تخطر، لكن إذا كانت بملابس ضيقة فاضحه، وعلى رؤوسهن كاسنامه الوقت، هذه مصيدة إبليس الواضحة. يبقى يزينها ويدع الرجل يقاوم، ثم تتفلت عينه ثم يقاوم، ثم تتفلت عينه إلى أن يصبح التقي فاجرا، وإلى أن يسقط في أوحال النظر الحرام، نسأل الله السلامة والعافية.

فإذا، هذه القضية قضية طبيعية، وهي جزء من فتنة الحياة: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾، فيجب علينا أن ننتبه أن نفهم البنات والزوجات والاخوات هذه القضايا ليتقبلوها وليسلموا لها، وبالتالي يبنوا حياتهن على منهج الله.

أيضا يمكن أن نقول -يعني وهذه لفتة طيبة- يمكن أن نقول إن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «اتقوا الدنيا واتقوا النساء». نعم المتبادر إلى الذهن اتقاء النساء الاجنبيات، ولكن أيضا يمكن نقول إن مفهوم اتقوا النساء يمكن أن يدخل فيه أن يتقي الرجل التعلق المرضي بزوجته، لأن كلمة النساء تشمل الاجنبيات وتشمل أيضا المحارم وتشمل الزوجات، فهي على عمومها. فلما أقول لك: اتقوا النساء، يمكن أن يدخل في ذلك اتقي أيضا التعلق المرضي بزوجتك، أن تصبح مهووسا بها بدرجة غير صحية، فتصبح هي الآمر والناهي عليك، وأنت مجرد إنسان ذكر لكنك لست برجل، تفقد قوامتك وتفقد قدراتك على التحكم في المنزل وتصبح عبدا لرغباتها وشهواتها، وهي تحكمك بجسدها وبمعرفتك أنك متعلق تعلقا بها. فالله سبحانه وتعالى نَبَّه: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ﴾، لا يصلح للرجل حتى لو أحب امرأته وزوجته -وهذا مطلوب أن يحب الرجل زوجته وامرأته- ولكن لا يصل إلى درجة التعلق، فإن التعلق لا يصلح إلا بالله العلي العظيم، واما الدنيا فيحب الانسان زوجته ويحسن اليها ويكرمها، ويحاول أن يكون على قدر اجتهاده على هدي النبي صلى الله عليه وسلم في التودد والتحبب، والمرأة تتبعد لزوجها، ولكن أحذر أن يصبح التعلق مرضيا، فيصبح ليس حبا بل تعلُّقا، فتكون تحت أمرها حتى لو أمرتك بمعصية الله لعصيت، فهذا ينتبه له.

الحديث الاخير في مجلس اليوم: الحديث السابع باب حث النساء على التباعد من الرجال. أيضا من القضايا القيمية الأخلاقية، ومن الخصال التي ينبغي أن يزرعها الآباء والأمهات في البنات، وهي قيمة تباعد المرأة عن الرجال، وهذا يكمل الحديث السابق. لاحظوا كل أحاديث اليوم أنا أتكلم فيه عن القضايا ذوات القيم والخصال التربوية التي ينبغي أن نحرص على تربية البنات عليها، لأنه هذه الأمور لا يصلح أن يتاخر تعليمها للبنات وهي في نِعومة أظفارها. وهي عندك أيتها الاب، وهي عندك أيتها الأم، علمي بناتك كل هذه الأمور، وكل هذه القواعد، وكل هذه الفِطَر، وكل هذه الأحوال التي تكلمنا عنها في خصال التربية.

إذا، من القيم التربوية ومن المفاهيم الدينية التي يجب أن تغرس في المرأة، يجب أن نعزز في بناتنا فكرة التباعد عن الرجال لتصبح هي الأصل، ولتعلم أنها هي الفضيلة، وأنها كلما كانت أبعد عن جنس الرجال كلما كانت أقرب إلى الله سبحانه وتعالى، وأقرب إلى مراده، وأقرب إلى محابه. انظروا هذه الفكرة كيف أنت كأب تجلس مع ابنتك وتقول لها: يا ابنتي، إذا أردت أن تكوني أقرب إلى الله فابتعدي عن جنس الرجال ما استطعت.

لاحظ النبي عليه الصلاة والسلام ماذا يقول في حث النساء على التباعد من الرجال. عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا». رواه الإامم مسلم.

هذا الحديث يتكلم عن التباعد حتى في مقام العبادة. لاحظ يعني التباعد بين الرجال والنساء ليس مطلوبا في الأعراس والاحتفال وفي المهرجانات وفي الجامعات، ثم بعد ذلك لا إشكال فيه في العبادات؛ كلا! حتى في العبادات وهي الأصل، أسمى حالة إيمانية للإنسان يكون فيها متعلق بربه ويحدثه ويناجيه، حتى في حالة العبادة عليك أن تبتعد عن النساء، وعليك أن تبتعدي أخيتي عن الرجال. وهذا حقيقة فيه تنبيه كبير لمن يعمل في العمل الاسلامي، ولمن يقومون بمشاريع دعوية وإصلاحية: انتبهوا! إياكم أن تقولوا: لأننا في عبادة لا إشكال أن يكون هناك تواصل بين الرجال والنساء فالهدف نبيل.

لاحظوا النبي عليه الصلاة والسلام يتكلم عن الصفوف في الصلاة، يتكلم عن الصلاة وهي اعظم العبادات، يأمر فيها أن الرجال يتباعدوا عن الرجال، وأن النساء يتباعدن عن الرجال، بل يخبر أن خير النساء هي التي تكون في آخر الصفوف. وهذه الخيرية، يقول لك: «وخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا»؛ خير صفوف النساء آخرها، خيرية من حيث الثواب والأجر، وخيرية من حيث الفضل والكرم. يعني أي النساء أكرم اللي بيكونوا في الصفوف الأولى قريب من الرجال يحتكون بالرجال، أم اللي بيكونوا في آخر في أواخر الصفوف؟ النساء الكريمات أو الأكثر كرما اللواتي يكن في أواخر الصفوف، والنساء الأكثر ثوابا اللواتي يكن في آخر الصفوف.

سواء في عبودية الصلاة، سواء في عبودية المجالس العلمية -بعض الاخوات تجدها تقول: والله مجلس علم أنا بدي أزاحم وأكون في الصف الأول، وتعلم أن أمامها صفوف الرجال-: «خير النساء» اللواتي يجلسن في الصف الأخير، خير النساء ثوابا وخير النساء منزلة ونفسية وكرما عند الله سبحانه وتعالى.

وهذا الحديث ربما يقودنا ايها الكريمات للحديث عن: ما علاقة المرأة بالرجل؟ ما هو الأصل في علاقة المرأة بالرجل الأجنبي؟ فنقول: الأصل في علاقة المرأة مع الرجل الأجنبي هو التباعد وعدم الالتقاء. ولذلك كما جاء في الآثار عن عائشة أو عن فاطمة أنها قالت لما سئلت: ما هو الخير للمراه؟ فقالت: الخير لها ألا يراها الرجال ولا ترى الرجال. هذه افضل أحوالها، أن تجتنب المرأة الوجود في مكان يكون فيه الرجال. وهذا ما نبه عليه النبي صلى الله عليه وسلم حتى في باب الصلاة، يعني هنا صحيح قال: «وخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا»، لكنه في حديث آخر نبه على أن أفضل صلاة المرء هي، عفوا، أفضل صلاة المرأة صلاتها في بيتها، بل كلما كانت في عقر دارها أكثر وأكثر كلما كان ثواب صلاتها أفضل وأفضل. لماذا؟ لأن الخيرية التامة في النساء أن تتباعد أكثر وأكثر عن الرجال، فكلما قويت المرأة -خاصة الشابة- كلما قويت على ألا يراها الرجال فهذا خير لها، وهذا ما يتناسب مع الحديث السابق لما ذكرنا أن أعظم الفتن هي فتنه النساء على الرجال.

فحتى نقي مجتمعاتنا هذه الفتنة، لا نقول للمراه اختلطي مع الشباب في الجامعات، وتذهب بابنتك تدرسها في مدرسة مختلطة، وتذهب بها إلى بيئة عمل مختلطة، وتصبح سكرتيرة عند مدير يمازحها صباحا ويلاطفها مساء، وفي مع الزملاء تتعشى وتتغدى معهم وتحتسي كاس الشاي والافطار الجماعي. والله ليس هكذا أمر الإسلام، بل أمر الإسلام حتى في العبادة أن تكون المرأة في أبعد حال عن الرجال.

إذا، الأصل في علاقة المرأة مع الرجل الأجنبي عدم الالتقاء، وإن قويت ألا يراها فهذا هو الكمال. فإن احتيج للقاء، إما في الصلوات وإما في الأعياد، فإذا كان هناك حاجة للقاء في مكان واحد فالاصل أن يكون هناك تباعد وليس امتزاج. إذا هي المرحلة الثانية. المرحلة الأولى: لا يراها الرجال ولا ترى الرجال. فهمنا.

المرحلة الثانية: أنه ستأتي ظروف في الحياة لا يمكن أن تبقى المرأة طوال عمرها في هذه الحال لا يراها الرجال، فنقول: إذا احتيج إلى ذلك فالاصل إذا اجتمعت مع الرجال في مكان واحد التباعد، كما هو هذا الحديث: كان الصحابة والصحابيات يجتمعون الصلاة في المسجد النبوي فيكون الرجال في المقدم، ثم الصبيان كحاجز، ثم النساء في الآخر. فإذا الحالة الثانية: إذا اجتمعوا في مكان فالرجال في جهة والنساء في جهة؛ الرجال في المقدمة والنساء في الخلف، ولا يحصل امتزاج.

فإن صعب الأمر، وأصبحت الحاجة ملحة ملحة للامتزاج كما يحصل في الأسواق الآن؛ الأسواق حاجة بشرية ملحة أن الناس تشتري بضائعها وتتبادل البضائع والأحوال، فهذا طبيعة المجتمعات، فلما كانت الحاجة ملحة أذن الإسلام للمرأة أن تنزل إلى السوق مع ذكر دعاء دخول السوق، ومع الأمر والحث على الإسراع في السوق، ومع تنبيه أن الشيطان ينصب رايته في السوق، مع كل التحذير أن تطيل المرأة، لكن كما قلنا هي حاجة ملحة في المجتمعات الإنسانية، وطبيعة السوق أنه لا يكون هناك التباعد، وإنما يكون هناك الامتزاج، والامتزاج هو الاختلاط، والامتزاج هو الاختلاط، أليس كذلك؟

فالان الاختلاط لا يجوز المصير إليه إلا عند الحاجة الملحة، كما قلنا أيضا مثلا هناك الظروف التي يحصل فيها معارك، حروب، حالات طبية، مستشفيات، هذا كان يحصل مع الصحابة أنه في غزوة بدر احتاجوا لوجود نساء يخدمْنَ الجيش بالطعام بالشراب، احتاجوا إلى بعض الممرضات للجرحى، فهذه الحالات الإنسانية تعتبر ضمن الحاجات الملحة التي يمكن أن يتسامح فيها بشيء من اختلاط، ولكنه اختلاط مقنن كما سياتي -يعني له ضوابطه- ولكن يغض الطرف فيها. فإذا ذهبت الحاجة الملحة عاد الاختلاط محرما، عاد الاختلاط -انتبهوا- محرما، وعدنا إلى أن الأصل التباعد والأكمل والأكمل عدم الرؤية.

إذا، الاختلاط ايها الكرام الأصل فيه التحريم، ولا يباح إلا كما قلنا عند الحاجات الملحة -لا أقول الضروريات، لكن أقول الحاجات الملحة كالأسواق والحالات الإنسانية الصعبة وما شابه ذلك-. ولكن هنا ركزوا: هذا الاختلاط الذي نقول إنه يباح في الأسواق وفي الحالات الإنسانية، لاحظوا أنه الاختلاط الطارئ، والله ليس هو بالاختلاط الموجود في الجامعات وفي وظائف العمل اليوم! لأن الاختلاط الموجود في الجامعات وفي أسواق العمل اليوم هو الاختلاط الدائم الملازم، وهذا نوع حرام، وهذا نوع حرام ولا تبيحه الحاجة، هذا نوع لا تبيحه إلا الضرورة التي تبيح المحظورات، الضرورة القصوى.

أما تقول لي السوق؛ السوق اخواني حاجة ملحة فيحصل فيه اختلاط، لكنه اختلاط طارئ، يعني المرأة ترى البائع في اليوم لكن لا تراه اليوم الثاني، فهي أمور طارئة، فلا تبقى المرأة في ذهن البائع ولا البائع في ذهن المرأة لأنه التقاء عابر. كذلك في الظروف الإنسانية الصعبة يكون الاختلاط عابرا.

ما يراد اليوم هو الاختلاط الدائم الذي يسمى الزمالة، فتجد الفتاة أربع سنوات مع ما تسميه زميلا لها في الجامعات تجالسه وتختبر معه وتدارسون مع بعضهم، وهذا أصبح يعرفها في كل صباح صباح يجلس معها أكثر مما يجلس مع أمه، وهي ترى زملائها الرجال في العمل وفي الجامعات أكثر مما ترى والدها وأخواتها. وهذه المشكلة، أن هنا تحولنا من اختلاط طارئ لظروف وحوائج طارئة إلى اختلاط ملازم، يعتاد فيه الرجل على تلك المرأة وتألف المرأة هذا الرجل، ومن هنا تاتي الكوارث.

تمام، الآن إذا عندنا: الأصل عدم الالتقاء، فإن حصل فاجتماع مع تباعد، فإن كان الأمر يصلح فيه التباعد وكانت الحاجة ملحة فيباح الاختلاط الطارئ حتى تنقضي الحاجة، فإذا انقضت عاد الاختلاط محرما. والمرحلة الأخيرة والرابعة، وهي أخطر المراحل: هي الخلوة. هذه لسه أسوأ من الاختلاط. عدم الالتقاء، فإن فالتباعد في مكان واحد، فإن حاجة ملحة فاختلاط، فإن وصلنا إلى مرحلة الخلوة، وهو أن يخلو الرجل الأجنبي بالمرأة الأجنبية في مكان يأمنان نظر الناس فيهما؛ أن يخلو الرجل الأجنبي بامرأة أجنبية في غرفة أو في مكان يأمنان -كل واحد منهم عارف-.

أنه صعب أن ينظر الناس إليهم، فهذه خلوة محرمة لا تباح إلا عند الضرورات القصوى، وليس عند الحاجيات؛ لأنه بعض الناس بحط الحاجة مرتبة الضرورة وهذا خطأ. الضرورات هي الأمور التي إذا لم تحصل يهلك الإنسان أو شبه أن يهلك، أو يحصل فيه تلف في عضوه وتتدمر حياته، هذا معنى الضرورة. غير كذالك هو إما حاجات أو تحسينيات، فننتبه به.

الخلوة تحريمها أشد من تحريم الاختلاط، وبالتالي ما دام تحريم أشد فلا تباح إلا عند الضرورات القصوى القصوى؛ إذا لم تخلو بالرجل ستهلك. مثلا امرأة جاءت وهي في الأنفاس الأخيرة ودخلت غرفة عمليات وما في إلا رجل طبيب أغلق الباب ومارس العملية، نقول والله هذه خلوة، لكن في ضرورة أن المرأة إذا لم تقم بالعملية الجراحية ستهلك أو ستقطع لها قدم أو تقطع لها يد أو يتلف عضو، نقول والله هذه ضرورة قصوى. لكن ما عدا ذلك لا يجوز الخلوة، وهي من الأمور تعد من الكبائر وهي بريد الشيطان السهل للافتتان والوقوع في حبائل الزناة.

فإذا علينا أن ننتبه إلى هذه القضية، إلى قضية أن هناك مراتب في علاقة المرأة مع الرجل الأجنبي: عدم الالتقاء، فإن احتجنا فإلى تباعد في مكان واحد، فإن أصبح الأمر أشد حاجة فاختلاط طارئ وليس بلازم، فإن وصلنا إلى الضرورة فالخلوة المحرمة لا تباح إلا في الضرورة القصوى، لا تباح إلا في الضرورة القصوى.

موضوع الخلوة وضوابطها وأحكامها سأتركه للدرس القادم بإذن الله، اليوم فقط سأتكلم عن موضوع الاختلاط الذي يشير إليه هذا الحديث. وهذا الحديث يدل على عدم جواز الاختلاط، وأن الأصل إذا احتاج الرجال والنساء إلى الاجتماع، ما دام هناك مكان وسعة للفصل بين الجنسين، الأصل الفصل.

وهذا إخواني وأخواتي بيشمل زي ما قلنا أماكن العباد، بيشمل مجالس العلم، هذا الفصل بيشمل الجلسات العائلية. بعض العائلات لما تجلس مع بعضها؛ بنات العم مع بنات الخال على طاولة واحدة، هذه تضحك وهذا يمزح وهذا يناولها لقمة وهي بتناول وهذا، هذا بيقول لك بعدين يعني هذه يا شيخ مجرد جلسة عائلية، وخاصة في الأعياد وخاصة في المواسم والأعراس! فكذلك في الأعراس الرجال في قاعة والنساء في قاعة، هذا هو الأصل.

فلذلك لما نقول الأصل التباعد هذا بيشمل كل الأماكن؛ قاعات الدراسة في الجامعة، أي مكان يلتقي فيه الرجال مع النساء، إياكم وإياكن أن تأخذن بقول من يبيح الاختلاط الطارئ لغير حاجة، حتى الاختلاط الطارئ حرام لغير حاجة. طب ما يا مشايخ لماذا أنتم تشددون في هذه؟ نحن لا نشدد والله، إنما نريد الصلاح لقلبك. والله أن هذا الخطاب خطاب علمائنا وخطاب شريعتنا، هذا الخطاب هو الذي يجعل المرأة تعيش حياة سوية مستقيمة هادئة، لا تعيش بدوامة الخطرات.

ما الذي يرهق الفتاة إلا أن تتذكر أن ذاك الشاب ابتسم في وجهها، وذاك الرجل أسمعها كلمة، ولعلني في ذهن فلان، ولعل فلان يريد أن يتزوجني، وهذه الكليمة التي قيلت أليست كلمة تقدير؟ مسكينة هذه الفتاة تعيش في صراع بسبب ما تراه وما تسمعه، ولا تدري أن أكثر من حولها إنما يريدون أن ينهشوها، وأن يصلوا إلى ابتسامة منها تشبع الغرائز، أو إلى نظرة منها تشبع الخواطر، وإنما يريدون الوصول إلى ذاك الجسد مسكينة!

فنحن لما نقول لك ابتعدي عن الاختلاط بكافه أشكاله، فنحن لا نريد الضيق بل نريد السعة، ونحن لا نريد التجديد بل نريد راحة الفؤاد والقلب. تخيلي انك مع كتاب ربك ومع سنة نبيك صلى الله عليه وسلم، تخيلي أنك مع زوج واحد قد ملأت عينيه وهو ملأ عينك فلا ينظر إلا إليك ولا تنظرين إلا إليه، تخيلي حجم الراحة والطمانينة وكيف ستقبلين على تربية أبنائك وتنشغلين بزيادة مستواك العلمي.

تخيلوا أن اليوم في الجامعات في بعض الدول الغربية قرروا أن يفصلوا الرجال عن النساء، وراوا أن هذا الفصل ووضع جامعات خاصة بالنساء يزيد من مستواهن المعرفي والعلمي. اليوم ايش مضيع شبابنا وبناتنا في الجامعات ويخرج لنا الرديء في التخصصات، ما شاء الله أمتنا ضعيفة جدا في كافه التخصصات عموما يعني، ما السبب؟ أنه هو ما في دراسة، وإنما من أول ما تووضع الأقدام في الجامعة تبدأ قصص الحب وقصص العشق.

وهذه تبحث عن فتاه وذاك يبحث عن فتاة، عفوا هذه تبحث عن شاب وذاك يبحث عن فتاة ليعيشوا قصة حب وليسطروا الحرام داخل أروقة الجامعات والمدارس والمعاهد والطرقات. ثم إذا انتقلت إلى باب سوق العمل، غريب والله! ترى يخرج الزملاء مع الزميلات، ولاحظوا هذه الكلمه المهجنة التي يراد منها استلطاف هذه العلاقة مع الجنس الآخر، هذا زميل يعني هذه مش علاقة محرمة نعطيها اسم آخر حتى هيك نقننها؛ علاقة الزمالة في العمل، الزمالة في الجامعة، هذه زميلتي وهو زميلي.

هذه كلمة خطيرة ومهجنة وأنا أعرف أبعادها وماذا يراد منها، يراد منها أن تتقبلي هذه الحالة التي أنت فيها. وكيف تتقبلينها؟ من خلال زخرف القول، ولذلك قال سبحانه عن شياطين الانس والجن: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: 112] أي ليغروك ويخدعوك، ثم قال: ﴿وَلِتَصْغَىٰ إِلَيْهِ﴾ يعني ولتميل إلى هذه العناوين البراقة ﴿أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ﴾ الخطوة الثالثة ايش بعدين؟ ترضي، آه والله شو المشكلة في الزمالة يا اخي هذول المشايخ متشددين وهذه الدين ما حكى كذا، لا بتصير ترضي زخرف القول أنه زمالة اسم ثم قال: ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: 112] هي اسمها مراحل السقوط، وليقترفوا أي تصبح هي جندية من جنود الباطل تدافعين عن حرية المرأة في كسب العلاقات، حرية المرأة في الاختلاط مع الرجال أفرقة العمل في الكليات الطبية والهندسية واللابات وما شابه ذلك. حلو يكون الفريق فيه رجال ونساء، وليش نحن نظلنا يعني معقدين بنفكر أنه النساء عيب يخترطوا بالرجال؟ شوف عبارة العورة بدهم إزالتها، عبارة العيب بدهم يزيلوها، عبارة الحياء، كل شيء يراد تفكيكه.

أعانك الله أختي، نحن نعيش في زمن تفكيك المصطلحات والمفاهيم وغسل الأدمغة، تمسكي بالأربعين العذرية، تمسكي بكلام محمد صلى الله عليه وسلم، تمسكي بكتاب ربك، تمسكي بالقدوات الصالحات وبأمهات المؤمنين ومن سار على دربهن من العالمات، فانهن بإذن الله طريق لك إلى الجنة.

أسأل الله سبحانه أن يوفقنا إلى زرع الفضيلة وإلى بثها ومحاربة الرذيلة والنهر عنها، إنه سبحانه وتعالى موفق إلى كل خير، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.