دخولتسجيل الدخول

التعليق على مدارج السالكين 07 | عقبات الشيطان

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، الصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد، فحيّاكم الله إخواني جميعًا وضيّاكم، وسدّد على طريق الخير خطى خطاكم. نكمل التعليق على كتاب مدارج السالكين للإمام ابن القيم الجوزية.

وكنا قد توقفنا في اللقاء الماضي عن الحديث عن بعض ما يتعلق بمنزلة التوبة. وما زال حديث الإمام رحمه الله تعالى في هذه المنزلة، وأطال الإمام النفس في الحديث عن منزلة التوبة، وحديث الإمام في هذه المنزلة يختلف كثيرًا عن غيرها من المنازل.

لما نقرأ كلام الإمام رحمه الله تعالى ابن القيم وحديثه في هذه المنزلة نجد بأن ابن القيم رحمه الله تعالى هكذا يرى بأن مرتبة الصدق تظهر، أو منازل الصادقين تظهر في توبة الصادقين. استشعار الصادق، استشعار الصادق بعظم منة الله سبحانه وتعالى عليه، واعترافه بفضل الله سبحانه وتعالى عليه، ثم هو لما يخرم هذه الحماية الإلهية بالمعصية، هنا يورث هذا الأمر عنده الخوف والوجل والخشية والإنابة. هنا يتميز الصادق، هنا يتميز الصادق.

يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله إذا أحب عبدًا حماه». وفي سيد الاستغفار وفيه: «أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي». إذًا، الذي أضعف هذه الحماية هو أن هذا العبد وقع بذنب. فلما يقع بالذنب، هو يستشعر فضل الله سبحانه وتعالى عليه، لذلك في سيد الاستغفار يقول: «أبوء لك بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي، فاغفر لي». هي ليست كلمات عادية، وليست كل من يقول هذه الكلمات هو بمنزلة واحدة، إنما الناس يتفاوتون تفاوتاً عظيماً في استشعارهم لهذه الأحاديث وهذه الأذكار.

فلما يقول العبد لله: أبوء لك، أعترف بنعمتك عليّ وأبوء بالذنب. اعتراف بنعمة الله سبحانه وتعالى على هذا الإنسان، وكذلك هذا العبد يعترف بأنه قد أذنب، فاغفر لي. ليش كل من يقول هذا يصيب المراتب العالية؟ لذلك ذكر ابن القيم رحمه الله في هذه المنزلة مراتب الصادقين، أو تكلم عن صنف من الصادقين من الصالحين العاليين. وكيف من العباد منهم يحاول تحقيق العبادة ثم يقول لربه سبحانه وتعالى: يا رب، ما الذي بقي لك عليّ؟ هنا يأتي بيان تفاوت الصادقين، فيقال له: إنه قد بقي لي عليك الولاء والبراء، هل واليت فيّ؟ وهل عاديت فيّ؟

هذه المنازل تغيب عن كثير من الصادقين ولا يبصرها، كما يقول الإمام، الكثير من الصادقين ولم يسلب عنهم اسم الصدق، هو صادق. مرتبة الصدق مرتبة عالية في الدين ومنيفة وشريفة، لكن هذا القسم ما وصل إيمانه إلى درجة يبصره بهذه الحقائق، أما الذي يصل هؤلاء هم خواص الصادقين. وقال: هؤلاء، أي خواص الصادقين، علاقتهم مع الصادقين كعلاقة الصادقين مع الناس، مع بقية الناس. عامة الناس ما يبصرون هذا الشيء، وكذلك عامة الصادقين ما يبصرون ما يبصره خواص الصادقين. هنا ابن القيم ينقطع قلمه كثيراً. هنا ينقطع قلم ابن القيم كثيراً، قد عرفته: فالزم الباب، وإلا فارجع بسلام، والحكم وراء العبارة. ثم يقف، وتكرر هذا منه كثيراً في هذا الفصل.

لماذا؟ لأنه ما يستطيع أن يظهر أكثر مما أظهره. الآن إما أنك تفتح الباب؛ ابن القيم أوصلك إلى الباب، إما أنك فهمت الكلام الذي قاله بعد ما قرب قرب قرب لك الصورة، وأدلك على الطريق، وأبان لك المقام. إذا ما فتح لك الآن، خلاص، هو يقول لك: ارجع بسلام، هذا الكلام لا يسلك لك؛ لأنك إلى الآن ما وصلت أن تفهم هذا الكلام الخاص، هذا الكلام العظيم جداً.

أن ابن القيم هنا في منزلة التوبة، ذكر بأن السائر إلى الله سبحانه وتعالى، لا بد أن يستصحب هذه المنزلة معه. يعني التوبة ليست هي منزلة من المنازل يقطعها الشخص ثم خلاص لا يعود إليها، ويجتازها، لا، إنما لا بد أن يستمر في توبته لله سبحانه وتعالى، ويتوب إليه دائماً، يتوب من كل ما يقوم به: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: 31]. علق الفلاح بالتوبة، وهذه سورة مدنية في سورة النور، هذه الآية نزلت في سورة النور وهي مدنية. إذاً التوبة مستمرة، كذلك في سورة التوبة.

أن الله سبحانه وتعالى يريد من العبد أن يتوب إليه كثيراً، وأن يعود إليه، لماذا؟ لأن التوبة فيها اعتراف، والله يحب من العبد أن يعترف بتقصيره، الله ما يحب من العبد أن يتعامل معه على أنه فلان، إنما يتعامل معه على أنه عبد له. لذلك، الذي يفق هذا الباب على وجهه، هنا يعرف منازل الناس، ويععرف بأن العبد إذا أراد أن يصل إلى المراتب العالية، لينظر إلى حاله في التوبة، كم مرة تتوب؟

النبي عليه الصلاة والسلام سيد، كان يستغفر الله ويتوب إليه في المجلس الواحد سبعين مرة، وفي بعض الأحاديث مئة مرة، وهو من؟ كيف إذن هذا الشيء؟ لماذا؟ لأن هذه منزلة الصفوة، هذه ليست خاصة بالأوساط، لا. الصديق لما جاء للنبي عليه الصلاة والسلام وقال: علمني دعاءً أدعو به في صلاتي. فقال: «قل: ربي إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً». من يقول هذا الكلام؟ أبو بكر الصديق، أعلى الصادقين بعد الأنبياء والمرسلين. سيد الصادقين بعد الأنبياء والمرسلين أبو بكر: ربي إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. هذا يقوله بعد التشهد.

هذا أبو بكر! لماذا؟ لأن العبد مهما عمل لن يأتي بالعبادة التي يريدها الله سبحانه وتعالى منه، أو التي تكافئ نعم الله سبحانه وتعالى أو تعادلها، فلذلك هو لا بد أن يتوب ويرجع إلى الله سبحانه وتعالى ويؤوب إليه. فهذا الفصل لابد أن يعيد الشخص قراءته عدة مرات، وأن يكرر الكلام الذي يقرأه، وأن يدعو الله سبحانه وتعالى. وأنا أنصح يعني قبل أن ننتهي من هذا الكتاب، ما دمنا الآن يعني في قراءتنا لهذا الكتاب، لا ننتهي من هذا الكتاب إلا مع ألف دعوة في أقل تقدير.

يعني أن تمر على كلام ابن القيم هنا: هؤلاء خواص الصادقين. اللهم بلغني، اللهم أوصلني، اللهم اجعلني منهم. هذه دعوة، تقلب صفحة تقرأ دعوة ثانية، وهكذا، فما تنتهي من الكتاب إلا ومعك ألف دعوة. هنا يفتح لك، هنا الآن يبدأ الباب يفتح لك، أما قبل ذلك ما تفهم.

كثير من آيات القرآن الكريم لما تقرأ كلام المفسرين ما تفهمها، وسبب ذلك أنك تريد أن تفهم شيئاً ما تعرف حقيقته. ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: 118] اقرأ ما تشاء من كتب المفسرين، انظر كم ستفهم من معنى هذه الآية! ستعجب أنك ما تستطيع تفهمها، تقرأ تقرأ، ثم بعد ذلك ترجع إلى نفسك وتقول: ثم تاب عليهم ليتوبوا! يعني ما المراد ثم تاب عليهم ليتوبوا؟ ربما غاية ما يمكن أن تصل إليه شيء من المعنى.

إذا فهمت كلام ابن القيم في هذا الفصل في مسألة التوبة وحديثه عن هذه المعاني الدقيقة، ستفهم معاني الآيات، لكن قبل ذلك لن تستطيع أن تفهمها الفهم الدقيق والتفصيلي، وهذا كثير جداً في آي القرآن الكريم. ليست المشكلة بالمفسر، لكن المشكلة بالذي يقرأ التفسير، هو إلى الآن ما فتح له الباب، فإلى الآن ما يستوعب المعاني التفصيلية الدقيقة.

ننتقل الآن إلى ورد اليوم. ابن القيم ذكر رحمه الله تعالى عقبات الشيطان، وذكر بأن الشيطان له سبع عقبات، أن الشيطان له سبع عقبات يتدرج بها مع الشخص، فيبدأ بالكفر. الشيطان عنده الآن السبع خطط كبرى، وينظر لحال الإنسان ثم يبدأ، وأكبر الخطط عنده وأعظمها وأجلها للشيطان أن يدخلك في الكفر. إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرق، فقعد له في طريق الإسلام هذه الأولى، فهو يريد الآن أن يأخذك إلى الكفر، وأنك تترك هذا الطريق، وأنك تقع في الكفر. سيسعى جاهدًا لإسقاطك إلى الوقوع في هذه الحال.

طيب، ما استطاع، أو ما استطاع الشيطان ومن قتله؟ ينتقل معك إلى المرتبة التي تليها. هل من السهل على الشيطان أن يوقع الشخص بالكفر؟ لا، صعب. هو ممكن يصد الشخص عن الإسلام، ولكن يوقعه بالكفر هذا أمر شاق جداً حتى على الشيطان. لماذا؟ لأن إيقاعك بالكفر يحتاج من الشيطان خطة تفصيلية دقيقة، وينظر إلى مستوى إيمانك وديانتك، وينظر إلى طبعك وضعفك، ثم يضع خطة بناءً عليها. هذا الإنسان اللي كانت مستوى الديانة عنده جداً عالية، قد يكون صعب جداً على الشيطان يوقعه بالكفر، يجتهد ويجتهد لكن ما ينجح.

هل ممكن يعجز؟ نعم، ممكن يعجز. وذكر ابن القيم، يعني كلام ابن القيم هنا لما يتكلم عن عجز الشيطان، إذا عجز نزل معه إلى المرتبة الثانية أو العقبة الثانية وهي البدعة. طيب، ولماذا عجز الشيطان؟ ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام إن الشيطان أيس أن يعبده المصلون؟ صح، ولكن بالتحريش بينهم. طيب، أيس أن يعبده المصلون، لماذا؟ لأن الصلاة أقوى من الشيطان، فخطط الشيطان لا تعمل بالمصلين، لا تعمل، لكن هو يستطيع أن يدخل الآن عليك بالتحريش، يعني هل ممكن الشيطان يفرق بين المصلين؟ ممكن، ويجعلهم يتذابون؟ ممكن.

لكن هل يستطيع أن يوقع المصلي المحافظ على الصلاة بالكفر؟ ما يستطيع، إلا إذا سلم له، أما إذا ما سلم له ما يستطيع. يعني المصلي إذا كان متقن الصلاة، مقيم الصلاة، محافظ على الصلاة، ما يستطيع الشيطان يخرجه، صعب جداً على الشيطان هذا الشيء، يوقعه بالبدعة، يوقعه بالخارج. والبدعة هم أكثر من الصلاة، نعم، ممكن، لكن أن يوقعه بالكفر صعب جداً على الشيطان، إلا إذا هذا الشخص سلم له.

فقس على ذلك أن الخطة الأولى للشيطان هو أن يوقع الشخص بالكفر. الشخص إذا كان عنده خوف من الكفر كبير، صعب على الشيطان يوقعه بالكفر. شوف يا شباب، الديانة تختلف من شخص لآخر، بعض الناس ديانته تمنعه من الكفر، يعني لما تجي تقول له هذا كفر، حتى لو كان يريده، ينزجر ويرعوي ويخاف. لكن لما تقول له صغيرة، قلت الأمر ايش؟ هذه الديانة، هذه هي الديانة، فالديانة، سمك الديانة التقوى، يختلف من شخص لآخر. بعض الناس ديانته تمنعه من الكفر، بعض الناس ديانته تمنعه من الكفر لكن ما تمنعه من الكبائر. بعض الناس ديانته تمنعه من الكفر والكبائر لكن ما تمنعه من الصغائر. والشيطان يعرف هذا، هو يقدر الخطة التي من خلالها يسقطك فيها.

ثم إذا سقطت في هذه العقبة، أنت قلبك بعد ذلك، لكن هو في البداية إذا ما علم أنك ما تقبل بالكفر خلاص ينتقل معك، لكن هو يريد الكفر، هو يريد الكفر، ما انتقلت معه ينتقل معك إلى البدعة. صاحب دين، محافظ، خلاص تعبد الله لكن بغير ما أنزل الله سبحانه وتعالى، وصاحب البدعة عادة لا يتوب، لماذا؟ لأنه يعتقد بأنه على صواب فما يرجع، بخلاف صاحب المعصية. بخلاف صاحب المعصية، هو يريد أن يوقعك بالبدعة، هو يعلم بأن البدع تخرب الدين، وأن البدع تحرم الناس، وأن البدع تصد الناس عن الحق باسم الحق، بخلاف الكبائر. الكبائر يبقى الشخص واقع بالكبيرة ولكنه يعلم بأنه مخطئ، أما البدعة فهو يعتقد أنه مصيب، يصد الناس عن الخير وهو يظن بأنه على الخير.

الله يقول: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: 153]. السبل البدع والشهوات كما يقول مجاهد بن جبر. يبدأ ويسعى كثيراً مع الصالحين في إيقاعهم بالبدع، والبدع لابد أن تنتشر، وهي انتشرت، وهي ما زالت تنتشر، وستفشو البدع كما جاء في حديث العليم بالفتن، قال: لتفشون البدع حتى لا يرى من الحق إلا كما يرى من هذا النور، وأخذ حجرين وغطى أو سد النور بهما إلا ضوء هكذا بسيط بصيص من نور هكذا ينفذ بين الحجرين، قال: هكذا يرى الحق. هذا في زمن هذا حذيفة، قال في الزمن الأول، وقال: ستنتشر.

الآن نحن في القرن الخامس عشر، كم نسبة البدع الموجودة؟ من النادر جداً أن يسلم شخص من بدعة، نادر، إما بدعة عملية أو بدعة اعتقادية أو بدعة علمية، أن ينجو من جميع البدع بحيث أن هذا الإنسان مستقيم على نفس السنة، هذا نادر جداً في الأزمنة المتأخرة. لكن ابن القيم لما جاء عند هذه العقبة الثانية وتكلم فيها وقال: أين هؤلاء الذين هم صافين من البدع؟ لأن هؤلاء سيقيم عليهم شيطان معركة وحروب كبيرة جداً.

لماذا؟ لأن هؤلاء يدعون إلى السنة، وكان يقول ابن عباس رضي الله عنهما: ما أحد أحب إلى شيطان هلاكاً مني. قالوا له: لما؟ قال: لأنها تأتيني الفتنة من المشرق والمغرب فأقمعها بالسنة. كلما تأتي فتنة، هو ايش؟ ابن عباس يرد ويبين فيقمعها. الشيطان يريد أن ينشر الفتن، أن ينشر الفتن وينشر البدع بين الناس والشبهات، لكن ابن عباس له بالمرصاد حتى مات ابن عباس، فأخذ أحد طلاب ابن عباس وأصبح من أئمة البدع.

انظر، فما يستطيع، فالشيطان حريص أن يدخل الناس في البدع، لذلك لا تتعجبون لما ترون كثرة البدع الموجودة في العالم الإسلامي في كل مكان، تجد البدع منتشرة وفاشية وكثيرة، بل أحياناً في كثير من البلدان الإسلامية التي كانت تصدر الإسلام للناس، تصدر اليوم الإسلام مع البدعة، يعني الإسلام المحمدي الحقيقي الخالص النقي، إنما إسلام مشوه. وليس التشويه من اليوم، إنما من عقود أو قرون على حسب هذا البلد، هذه كلها معركة شيطانية. يعني لا تغفلوا عن أثر الشيطان في حرف الناس عن الحق، ولباس السنة لباس البدعة، والبدعة لباس السنة، حتى إذا تركت قيل: تركت السنة، هي ليست سنة.

هي بدعة، فيتشرب الناس البدع. تشرب الناس البدع ويعيشون على البدع. طبعا هنا هنيئا لمن يقيم الله سبحانه وتعالى به السنة ويظهر به الحق. وهنا المعركة تكون عظيمة وصعبة وثقيلة، ولكن حولهم صفوة خلق الله سبحانه وتعالى من غير أن يكون هذا ادعاء، إنما يكون حقيقة. بعض الناس يدعي هذا الشيء ولكن هو يعني مخالف لحقيقة.

القصد من ذلك أن العقبة الثانية التي يحرص الشيطان أن يوقع السالك إلى الله سبحانه وتعالى بها طريق البدعة. فيعبد الله ولكن ليس على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد». وقال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». هو يتعبد الله ببدعة. وهذا كثير في عصرنا.

وقسم آخر مقابل لهذا القسم يدعي أنه يرد على البدعة والمبتدعة ولكن هو واقع في بدعة أشد. بل هو ربما يهدم الإسلام ويقيم على أنقاضه البدع أو الكفر. هو يظن بأنه الآن يهدم البدع، لكن هو هدم بدعة وبنى على أنقاضها الكفر، وهذا كثير كذلك في زماننا هذا. ولا كلهم شيطان مستعملون.

فلا يظن الشخص بأن المعركة مع الشيطان سهلة ولا المعركة مع الشيطان يسيرة أبدا، لأنه قد صار بدعة وقد صار كفر. وأحيانا ما تستطيع أنك تصارع الاثنين في آن واحد، ماذا تفعل؟ هذا يحتاج إلى تقدير ويحتاج كذلك إلى معرفة كيف تتكلم، حتى ما تصبغ المبتدعة بلباس لا يجوز لك أن تصبغه. ولكن لا تقضي على بدعة مقابل نصر الكفر.

فانتبه وانظر إلى كلامك، كيف يخرج منك وكيف يخرج الكلام منك؟ حتى ما تكون معين للشيطان في معركته، خاصة في الأزمنة التي تلتبس فيها الأمور وتتشتبه ويتضاعف فيها السنة، مثل الزمان الذي نعيش فيه. ونحن أهل السنة والجماعة تحقيق أصل السنة وتحقيق أصل الجماعة، هذا من الأمور الغائبة اليوم وهذا من الشيطان. فإما أن يعظم عند شخص باب السنة وأصل السنة، أو يعظم عنده أصل الجماعة، فيأخذ أصل السنة من أصل الجماعة، أو أصل الجماعة من أصل السنة، هذا له شرح.

إذا انتهى من هذا وما استطاع الشيطان أن يوقع الشخص في البدعة، وهذا قليل، أوقع به الكبائر. الكبائر يا شباب لا تظنون بأنها خاصة بالزنا مثلا أو الربا. النميمة كبيرة. النميمة كبيرة. والغيبة قد تكون كبيرة. من اليوم يسلم من الغيبة؟ من اليوم يسلم من النميمة؟ وأحيانا كثيرة تكون باسم الحق، باسم الدين كذلك، وهذا لا شك بأنه محرم. القصد من ذلك أن العقبة الثالثة هي الكبائر. والذي ينجو من الكبائر والبدعة والكفر، هذا هو الناجي بإذن الله. هذا هو الناجي بإذن الله.

لكن يندر أن ينجو شخص ويصعب أن ينجو شخص، إلا أن تكون عنده هداية وعصمة إلهية عظيمة وحماية إلهية كبيرة. فإذا حماها الله سبحانه وتعالى وكانت الحماية عظيمة، هنا هذا الشخص ينجو بإذن الله.

لذلك لما تنظرون في عبادات الله سبحانه وتعالى لما شرع الصيام مثلا، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]. قد شخص يقرأ في رمضان ثلاث ختمات ولكن ما يحصل التقوى. لماذا؟ لأنه ما صام رمضان ولا قام إيمانا واحتسابا. القصد من رمضان: لعلكم تتقون.

بعد رمضان سمك ديانتك كيف كان؟ نحن الآن في شهر ذي القعدة في آخر هذا الشهر، وغدا إن شاء الله تعالى ندخل في شهر ذي الحجة، وهو من الأشهر المعظمة. بعد عشر ذي الحجة، الديانة ما الذي تغير فيها؟ هل الذي كنت تمتنع عنه قبل عشر ذي الحجة قبل رمضان، ما زلت تمتنع عنه؟ وهل زدت عليه ولا لا؟ يعني ها يا إخوان شوفوا هذا هو القياس. القياس الحقيقي هو هذا: أنك بعد رمضان الوقت الذي كان يضيع منك قبل رمضان، الآن يضيع ولا ما يضيع؟

طيب، الديانة كنت في السابق ما تمتنع عن كثير من المباح مثلا، الآن تغير أو ما تغير فيك أي شيء؟ إذا ما تغير أي شيء، تقوى رمضان لم تأخذها. التقوى المكنوزة والمكنونة في رمضان لم تأخذها، لماذا؟ عندك مشكلة، راجع إيمانك واحتسابك، راجع الإيمان راجع الاحتساب.

نحن الآن كذلك في هذه العشر، بعدها ما الذي سيكون؟ هل سترتقي وترتقي وترتقي ليس في عدد الأعمال إنما في سمك الديانة؟ خلاص، الكلام الذي كنت يعني تقول الآن تستثقله، تخاف. لما كنت تجلس وتسمع من الناس الكلام الكثير الذي لا فائدة منه، الآن ما تستطيع أن تسمعه، تستثقله. وعندك هذا الأمر يزيد ويزيد، إذا كان يزيد كلما تقدم بك الزمن، أنا أقول كنت على خير بإذن الله، إن فرزقي أنت الآن تصعد.

لكن إذا ما كانت الديانة تعظم عندك الوجل، الخوف، حمد الله سبحانه وتعالى، شكر الله سبحانه وتعالى، استحضار هذا الشيء، هذه النعمة. علي رضي الله عنه لما قضى حاجته وخرج قال: الحمد لله، الحمد لله. لماذا استحضره؟ لأنه عبد. الكثير ما يستحضر هذا الأمر. يقول أنا استحضره. هذا الاستحضار كم قوته عندك؟ هل يزداد مع الوقت، مع العمر، مع الزمن؟ أو يضعف؟ هذا أمر مهم جدا نقيس إيماننا به وننظر له. إذا العقبة الثالثة هي عقبة الكبائر، وحريص أن يوقعك في الكبائر.

إذا وقع الشخص في كبيرة، الكبيرة اسمها كبيرة، يعني عظيمة ليست صغيرة. والكبيرة ما تقوى عادة الحسنات العادية على تكفيرها، ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: 114]. لما تكون كبيرة والحسنة صغيرة، الحسنة الصغيرة ما تكفر الكبيرة، ما تقوى عليها. والكبيرة عامة العلماء وجمهور العلماء، بل نقول كذلك الإجماع، بأنها ما تكفرها إلا توبة. ولكن يرى بعض العلماء، منهم شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، بأن العمل الصالح إن صحت فيه النية كفر الله به الكبائر، لكن صحت النية. يعني هو يقوم بهذا العمل وتكون معه نية قوية تقوى على تكفير الكبائر. وعادة هذا الأمر لا يكون عند الإنسان ترى، يعني الشخص الذي يقع في كبيرة عادة ما تكون عنده أعمال تقوى على تكفير الكبائر، لأن هذه تحتاج صحوة قلب. والقلب الصاحي، القلب الصاحي أي ليس غافل، ما يقع في الكبيرة عادة، ما يقع فيها بخلاف الصغائر.

إذا الثالثة هي إيش؟ الكبائر. ما الذي يمنع الشخص من الوقوع في الكبائر؟ الإيمان. الديانة. شوف يا شيخ الديانة مع التقوى. الديانة، الإيمان في هذا السياق، لها سمك معين عند كل إنسان منا. سمك ثابت وسمك متغير. المتغير يكون باللحظة الإيمانية، النشوة الإيمانية، لكن يرجع إلى سمكه الطبيعي. السمك الثابت هذا ما يتغير إلا مع الزمن. يعني لو إنسان يسهل عنده الخوض بعرض الناس، بعد مدة من الزمن عظمت عنده الديانة، يبدأ هذا الأمر يقل يقل يقل حتى أصبح هذا من أقبح الأمور إليه. هل يرجع؟ صعب يرجع إلا إذا الديانة هذه بدأت تنقص. لكن قبل أن يصعب عنده هذا الأمر، تكون في مرحلة مجاهدة. مرحلة المجاهدة هي الديانة المتغيرة، هي المرتبة المتغيرة.

الذاكرة تنقسم إلى قسمين: ذاكرة دائمة وذاكرة مؤقتة. الذاكرة الدائمة اسمك، اسم والدك، والدتك، إخوانك، أصحابك المقربين منك، هذه ما تذهب لو بعد ستين سنة، إلا إذا ذهب عقل الإنسان أو ضعف. ولكن الذاكرة المتغيرة، اليوم تعرفت على شخص، بعد يومين، ثلاثة أيام، أسبوع، نسيت اسمه.

كذلك الديانة. في الديانة، كل إنسان منا عنده ديانة معينة. هذه الديانة المعينة سواء كنت فتران أو كنت نشط، لن تفعل هذا الشيء. فشخص في قمة الفتور، يقال له هذه كبيرة، ما يفعلها. لماذا ما فعلها؟ لأنه فتران، لأنه عنده دين يمنعه منها. لكن إذا استمر بالفتور وطال به الأمد، يبدأ الدين نفسه هذا يضعف، ويضعف حتى ممكن يقع فيها، يعني هذا الأمر ما كان يقع فيه، لكن الآن ممكن يقع فيه.

إذا عندنا ديانة ثابتة، مرتبة ثابتة، وعندنا مرتبة متغيرة. المتغيرة هذه إذا داومت عليها في الخير أو في الشر، أصبحت ثابتة موافقة لها. فإذا كان شخص مستمر في الطاعات، في الطاعات، في الطاعات، هذه الدائرة المتغيرة تدخل في الأبد، فتعظم عنده الديانة وتزداد، فكان هو يمتنع عن الكفر، الآن لا يمتنع كذلك عن الكبائر، ليس فقط الكفر، ويستمر حتى الصغائر ما يصر عليها، يصعب عنده، يعظم عنده الإصرار على الصغائر.

إذن هذه العقبة الثالثة، عقبة الكبائر. العقبة الرابعة: الصغائر. الصغيرة مكتوبة على الإنسان. كل إنسان منا لا بد أن يقع بذنوب ومعاص. كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون. يقول كذلك النبي عليه الصلاة والسلام: «والذي نفس محمد بيده، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم». الصغيرة مكتوبة على الإنسان، ولكن الشأن ليس في الصغائر، إنما في الإصرار عليها، ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 135]. الشأن في إشاعة الفاحشة ونشرها بين الناس، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النور: 19]. الشأن في المجاهرة، كل أمتي معافى إلا المجاهرين. هذه الثالثة، إذا سلم الذنب منها الإنسان على خير.

لكن الشيطان حريص أن يوقعك في الصغيرة وأن تصر عليها. لما تصر على الصغيرة، الصغيرة ما تصبح صغيرة. كان يقول ابن عباس رضي الله عنهما: لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار. الذي يقع بالكبيرة ويكون خائف وجل، أعظم عند الله سبحانه وتعالى، أعظم منزلة عند الله سبحانه وتعالى من الذي يصر على الصغيرة، لأن هذا لم يبال بالذنب. كان يقول بلال بن سعد: لا تنظر إلى صغر المعصية، ولكن انظر إلى من عصيت. هذا وقع بكبيرة، لكنه ندم وخاف ووجل غلبته نفسه، أما هذا يقول هذه صغيرة ليست كبيرة. هذه كلمة صغيرة ليست كبيرة.

الآن المشكلة ليست في نفس الذنب، إنما في تعاملك مع الرب سبحانه وتعالى. والشيطان حريص هنا، ويأتيك الشيطان من باب الوسوسة، ويأتيك الشيطان بباب التأويل، ويقول لك يا أخي لست موحد؟ أليس التوحيد يقوى على تكفير الذنوب والمعاصي؟ ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام: «يا ابن آدم، لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة». الشيطان يذكرك بهذا الحديث كله، فييبدأ الإنسان يتساهل في الصغيرة، ويغفل عن قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إياكم ومحقرات الأعمال»، وعن قوله كذلك عليه الصلاة والسلام: «إنما مثل ذلك كمثل قوم نزلوا بطن واد، فجاء ذا بعود وذا بعود حتى جمعوا ما أنضجوا به خبزهم». يغفل عن هذا الحديث ويتذكر أحاديث الرجاء، ويغفل عن حديث الوعيد، التخويف. الشيطان حريص أن يوقعك في هذا.

هذه المرحلة، العقبة الرابعة: ما استطاع الكفر ولا على البدعة ولا على الكبائر، خلاص أصر على الصغار، أصر على الصغار، أصر عليها. تفعل الذنب، والذنب تكون نفسك متشوفة له. يقول لك افعلها مرة ثانية، افعلها مرة ثالثة. لما يتكرر الذنب بالإنسان، ما الذي يحدث عنده؟ يموت تأنيب الضمير. يضعف عنده التأنيب حتى يموت، حتى يقول بعد ذلك خلاص الشيخ فلان قال بأن كل إنسان أصلاً يعني عنده ضعف، والشيطان يعرف الضعف، وطبيعي أن يقع، هو إنسان في النهاية. هذا الشيطان، ليس هو الشيخ. ويأخذ كلام الشيخ صح، لكن هو يجعلك تتأول هذا الكلام. ما الذي يخسر أنت؟

فتصر، فلما تصر الآن الشيطان خرم الحاجز الموجود عندك، خرم إيمانك، ثم تدريجياً يبدأ يضعف يضعف يضعف، حتى ينقلك للكبائر، ثم ينقلك إلى البدعة، ثم بعد ذلك يقع الإنسان في الكفر، نسأل الله السلامة والعافية. هذه العقبة الرابعة. هذه العقبات الأربع هي التي يحرص الشيطان على إيقاع الناس بها.

العقبة الخامسة: المباحات. كان السلف يتركون تسعة أعشار المباح. ليس المباح ليس حرام، ليس محرم، ولكن يتركونه لماذا؟ لأنه لا فائدة منه، ويمنعك المباح من إدراك الدرجات العالية. والمباح يجعل حول القلب حاجز، نعم ليس ران، ليس رين، ولكن حاجز يمنعك من الانفعال بالطاعات. قد لا تقع في المعاصي والكبائر، لا، ولكن النفس ما تكون قوية في ولا تكون نشطة في الاستجابة للأوامر. فالمباح يقعد الشخص عن إدراك المقامات العالية.

مر مرة شيخ الإسلام رحمه الله تعالى على تلميذه ابن القيم رحمه الله تعالى، ورآه فيه شيء من المباح. فقال ابن القيم: قال لي: إن هذا ليس من شروط، إن ترك هذا ليس من شروط النجاة، ولكنه لا ينبغي لأصحاب المراتب العالية. ترك هذا المباح ليس من شروط النجاة، ليس ليس بمحرم، ليس حرام، ولكن تريد المطلب العالي، تريد أن تكون مع أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعيد بن المسيب والحسن البصري، هؤلاء الأئمة الكبار وأنت تفعل هذه الأفعال؟ لا يمكن. وإن لم يكن تركه من شروط النجاة، إن هذا لا ينبغي لأصحاب المراتب العالية. هذه التربية، تتابع العلماء، تتابع العلماء في تذكير الناس بها.

كان يقول عمر بن الخطاب لجابر بن عبد الله رضي الله عنهما جميعاً وأرضاهم، قال: إلى أين يا جابر؟ قال: اشتهيت لحماً. قال: اذهب إلى السوق. قال: أو كلما اشتهيت اشتريت؟ أما تخشى أن تدخل في قوله تعالى: ﴿أَذَهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا﴾ [الأحقاف: 20]؟ انظر كيف كان الصحابة يعني يعظ بعضهم بعضاً وينصح بعضهم. طبعاً هذه النصيحة ليست للجميع، إنما لهذا الصنف من الناس، أي الصنف الذي ليس عنده صغائر ولا كبائر ولا بدع ولا كفر، وهو الآن عمر يبين له انتبه من العقبة الخامسة. عمر الآن ينصح، الآن الآن الآن الآن جابر تجاوز أربع.

والذي تجاوز أربع الآن دخل هذا بالولاية؛ لأن هذا الآن إما من الأبرار أو من المقربين. هنا عمر يقول له: ارتق، لا تقف عند هذه، لا تجعل الشيطان يمسكك في هذه المرتبة، لا تجعل الشيطان يثبتك فيها. ليس هذا محرماً، صح، ولكن خذ منه الذي يكفيك. ما الضابط؟ ما الموازنة الصحيحة في التعامل مع المباح؟ خذ من المباح الذي يكفيك.

لا تجعل نفسك تعتاد على المباح. كل إنسان منا عنده حاجة للهو للاستجمام، هذه الحاجة بقدر ما تستطيع ضيقها. فارق كبير يا شباب بين العادة وبين الحاجة؛ الحاجة كل إنسان منا عنده، ولكن العادة هي المصيبة، أنك تعتاد كل يوم يكون عندك لعب ساعة، كل يوم كل يوم، هذه عادة ليست حاجة. النفس تحتاج إلى ساعة في الأسبوع، لماذا تعطيها ساعة كل يوم؟

طيب، مرة واحدة؟ لا، تدريجياً، ضيق الدائرة، ضيق الدائرة على الشيطان حتى لا يبقى إلا القدر اليسير هذا، هذا هو حظ النفس، وهذا مع العبادة: إني أحتسب عند الله نومتي كما أحتسب قومتي. معاذ بن جبل معه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه وأرضاه، حتى هذه الساعة المباحة احتسب الأجر فيها بنية التقوي على العمل الصالح. هكذا تتعامل مع الله سبحانه وتعالى، وهكذا تضيق على الشيطان أبوابه.

لابد أن نعرف كيف نتصارع مع الشيطان، الشيطان لابد أنك تفهم هو كيف يقاتلك. هو يدخل عليك من هذا الباب، خلاص أنت هذا الباب ضيقه. الشيطان اغتياله كله على النفس، كله على النفس، فنفسك الذي تحبه يدخل عليك الشيطان من خلاله. هل معنى هذا أن نحرم على أنفسنا؟ لا، لا يجوز، هذا أمر لا يجوز أن نحرم على أنفسنا ما أباحه الله سبحانه وتعالى، لكن ليس معنى هذا أن نجعل الطيبات تعيقنا عن إدراك المراتب العالية.

يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم. واضحة؟ لا يجوز لك أن تحرم هذا الشيء، ولكن لا تجعل المباح يمنعك عن إدراك المراتب العالية المنيفة. طيب، كيف نفعل هذا الشيء؟ ضيق، كل أسبوع ضيق دائرة المباح. أنت الآن كم ساعة تلعب؟ كم ساعة تستجم فيها بالأسبوع، باليوم؟ باليوم أربع ساعات، خمس ساعات؟ لا، اجعلها أربع ساعات، ليس مرة واحدة، كل أسبوع قلل قلل، ستصل إلى درجة ما تستطيع أنك تقلل.

بس الآن أنت وصلت، إذا وصلت إلى هذه الدرجة خلاص. وأنا في تقديري أن أعلى مدة يحتاج أي إنسان لتضيق دائرة المباح عليه ستة أشهر، يعني لو أنا شخص ستة أشهر يتعامل مع نفسه بهذه الطريقه التي سأذكرها الآن: أنا عندي باليوم أربع ساعات ضائعة خمس ساعات، خلاص، خلال ستة أشهر سأضيق هذه الخمس، ستصل إلى مرتبة أو إلى حد ما تستطيع أنك تزيد.

خلاص، هذه هي مرتبة علي، لما كان يروى عنه أنه كان يقول: لو قيل لي أنك تموت غداً ما استطعت أن أزيد، لأنه هو وصل، وصل إلى أعلى درجة ممكنة. طيب، الآن لما تصل إلى درجة ما الذي يفرق بين الشخص والآخر؟ أمران اثنان. الآن شخص نفترض بأنه خلاص ضيق دائرة المباح عنده حتى عامة وقته أصبح في سبيل الله، يفرق هذا عن هذا بأمرين اثنين.

الأول بأنه يضع العبادة التي يحبها الله سبحانه وتعالى في اللحظة التي يريدها الله سبحانه وتعالى، يعني كل لحظة تكون معها عبادة موافقة لها. هذا عنده خمس ساعات وهذا عنده خمس ساعات، هذا عنده عشر ساعات وهذا عنده عشر ساعات، لكن هذا عبادته هل هي العبادة التي يريدها الله الآن ولا لا؟ هذا الفرق الأول.

الثاني: القلب، يعني نسبة الاستحضار، كم قوة استحضارك للعبادة هذه؟ النية. والله لأميطن هذا عن طريق المسلمين. رجل يمشي رأى قطعة شوك، شوك أو خشب أو صخرة في طريق الناس، توقف ونزل وحملها. وهذا الثاني، توقف واستحضر: والله لأميطن هذا عن طريق المسلمين، يعني هذه نسبة استحضار عنده قوية جداً. هذا عمل يسير، ولكن عند الله عظيم لأن النية كانت عظيمة.

هذه العقبة الخامسة، العقبة السادسة: فضول الأعمال. يبدأ الشيطان يدخل معك؛ عندك عملين مستحبين، هو يسعى أن تعمل بالعمل الأدنى، يعني عندك الآن قراءة قرآن وعندك مثلاً بر الوالدين، عندك صلاة وعندك مثلاً حضور مجلس ذكر، مجلس علم. الشيطان ماذا يفعل؟ يدفعك إلى الأقل أجراً حتى يأخذ منك الفضل بينهما، يعني بدل أن تأخذ عشرة آلاف حسنة، لا، خمسة آلاف.

هو خلاص، والشيطان يعلم بأنك لن تستجيب له بترك العمل الصالح، إذاً خذ العمل الأدنى، الأقل. ويأتي الشيطان وعنده قدرة أن يحشد لك النصوص التي تعظم هذا العمل عندك. الشيطان يا شباب، احذروا من الشيطان، الشيطان يستطيع على أشياء كثيرة، الشيطان يستطيع على أشياء كثيرة جداً. الشيطان يستطيع أن يوسوس لنا، يوسوس، يعني الشيطان يصل إلى قلبك ويوسوس، لكن تستجيب أو ما تستجيب؟ هذا أمر لك أنت لوحدك.

ما تستطيع أن تعصي الشيطان؛ لأنه هو يستطيع أن يسقطك، حمايتك من الشيطان بقدر عبادتك، بقدر استجابتك، بقدر ديانتك، بقدر ذكرك. هذا يمنع الشيطان ويضيق على الشيطان، حتى يكون أثر الشيطان ضئيلاً جداً عليك في الحرف عن المسار وعن الطريق؛ لأنك عبد، لأنك أحسنت عبادة الله سبحانه وتعالى فيما يريد الله منك. وهنا الشيطان يضيق عليه الباب، يضيق يضيق حتى ما يكون تأثيره إلا يسيراً.

طبعاً هذه العقبة السادسة هي عقبة المتقين، يعني هذه الشيطان يفعلها مع من؟ مع العليين من الناس، مع الصفوة، مع الصادقين. ليش مع عامة الناس؟ هنا الشيطان حريص أن هذا الدينار أنت متصدق به ولا متصدق؟ يقول: خلاص ادفعها هنا، لا تنفقها هنا. طيب، هذا دينار وهذا دينار، هنا عشرة آلاف حسنة وهنا خمسة آلاف، فيمنعك من خمسة آلاف.

وهذا كثير، وهذا ما يسلم منه أحد، هذه العقبة لا يسلم منها أحد من الناس، ولكن بين مستقل ومستكثر. بعض الناس يكون أثر الشيطان عليه واضحاً جداً وعظماً في منع الأعمال الكاملة، الأعمال العظيمة، الأعمال الكبيرة، وبعض الناس لا، يكون أحياناً وأحياناً. وبعض الناس لا، يكون العادة عنده أنه يسب الأعمال العظيمة لكن أحياناً ينزل إلى عمل أقل من العمل الأفضل. هذه العقبة السادسة.

العقبة السابعة: بمن يجتاز العقبة السادسة؟ والمقصود هنا بالاجتياز حتى نكون دقيقين، أن الشيطان ما يستطيع أن يتلاعب به بالأعمال، يعني يكون أثر الشيطان عليه قليلاً جداً، من كل مئة عمل عمل واحد يأخذه الشيطان. هذا خطر على الشيطان في الأرض، هذا الإنسان، هذا خطر، هذا الإنسان الذي دائماً يصيب المراتب العالية، دائماً الآن الله يريد مني أن أقول كلمة الحق حتى لو خسرت كل أعمالي، هذا ما يحسبها؛ لأنه يعرف الذي يريد الله هذا.

هذا أحمد بن حنبل لما جاءت فتنة المعتزلة والجهمية في خلق القرآن، اللي واحد مات أول ما تأول، بقية علماء الحديث لماذا؟ الآن تصور شخص يطلب العلم عمره كله - معلش يعني طلاب العلم بعضهم يفهم هذا الكلام - شخص عمره كله يطلب العلم يطلب العلم يطلب العلم وسافر في سبيل الله ويدون حديث النبي عليه الصلاة والسلام، ثم لما تأتي لحظة العطاء، مرحلة العطاء، أدخل السجن؟ لماذا؟

يحسبها عقلية هذا الإنسان في هذه اللحظة، في هذا الظرف، في هذا العمر: يقول لك أنا لو أعلم الناس كم سآخذ من الأجر؟ عشرون سنة أعلم الناس أفضل ولا أجلس في السجن عشرين سنة؟ ماذا أفعل في السجن عشرين سنة؟ لا أعلم الناس وأذكر حديث النبي عليه الصلاة والسلام: بلغوا عني ولو آية، ويستحضر إيش؟ والشيطان إيش يعطيه هذا الشيء؟ هنا الإنسان يحسبها بهذه الطريقة، والشيطان هنا يستطيع أن يسقط الشخص. الإمام أحمد هذا كله ما حسبه، لماذا؟

لأن طلب العلم كان لله خالصاً، خالصاً يعني إيش؟ يعني ما كان لنفسه حظ، يعني هو ما طلب العلم حتى يعلم الناس، إنما طلب العلم حتى يعبد الله. فرق كبير كبير كبير بين الذي يطلب العلم حتى يعبد الله وبين الذي يطلب العلم حتى يعلم الناس. تقول إيش؟ أليس تعليم الناس عبادة؟ أقول لك هو بعض العبادة، وليس هو كل العبادة؛ لأنها قد لا تكون هذه العبادة، قد تكون عبادة الصلاة، قد تكون العبادة أن يقول كلمة الحق، قد تكون عبادة كذا وكذا وكذا.

فرق بين الذي يطلب العلم حتى يعبد الله وبين الذي يطلب العلم حتى يعلم الناس، فرق كبير جداً. الواحد طلب العلم حتى يعبد الله، خلاص، الآن وصل لهذه المرتبة، هذه الحال، الله يريد منه أن يقول كلمة الحق يقولها. طيب، لها ضريبة كبيرة جداً: الناس يعلمون هم أقل مني وأنا ما أعلم؟ نعم، ما قالك إنك لازم تعلم، بل الله سبحانه وتعالى سيحفظ لك علمك.

كما قال لابنه عبد الله، قال: يا بني، احفظ هذا المسند فإنه سيكون إماماً للناس. كيف قالها؟ عرف؟ من أين عرف بأن هذا الكتاب أي المسند سيبقى وينتفع الناس منه انتفاعاً عظيماً ويحفظ الله به حديث النبي عليه الصلاة والسلام؟ هو عرف هذا من نفس اللي قام به، علم أن هذه كرامات إلهية يعطيها الله من يشاء من العلماء.

لما ألف مالك بن أنس الإمام مالك الموطأ وشرح الناس بتأليف الموطآت، قال: ما كان لله يبقى، فكأنما ألقيت الكتب في الماء وبقي موطأ مالك بن أنس. لماذا؟ لأنه يعرف أنه ألف هذا الكتاب لله سبحانه وتعالى ليس من أجل المنافسة. فرق كبير بين هذا وبين هذا. القصد أن المرتبة السادسة هي مرتبة الصفوة من خلق الله، أن الشيطان حريص أن هكذا يتلاعب أو يأخذ منهم الفضل.

الذي لا يستطيع الشيطان يأخذ منه بالعادة إلا باليسير، يعني هكذا في كل سنة موقف واحد يأخذه الشيطان أو موقفين فقط من أعمال صالحة. هذا يفعله مع الشيطان الذي فعله مع الإمام أحمد والذي فعله مع الإمام ابن تيمية والذي فعله مع عامة علماء الإسلام في كل عصر، حتى في زماننا هذا وإلى قيام الساعة، إلى أن تقوم دولة الإسلام تمنع الشيطان من أن يقوم بهذا الشيء، أن يصنع هذا الشيء بالعلماء، وهو أن يسلط عليهم أعوانه وأنصاره.

أعوان الشيطان وأنصار الشيطان يسلطون على أولياء الله سبحانه وتعالى، فيؤذونهم ويشتمونهم ويكذبون عليهم ويسجنونهم إن استطاعوا، ويبعدونهم عن مواطن التأثير إلى آخره. هذا الآن الذي وصل لهذه المرحلة والعقبة السابعة، هذا هو الولي لله سبحانه، هذا هو الصادق، هذا هو الذي حماه الله سبحانه وتعالى من جميع مكائد الشيطان وطرق الشيطان، ولم يستطع الشيطان عليه، هذا الإنسان هو المحمي.

وهذه عبودية المراقبة لله مراغمة للشيطان عظيمة جداً عند الله سبحانه وتعالى. ذكر ابن القيم حديثاً عن هذه المراغمة وتكلم عن ما يحب الله سبحانه وتعالى من وليه لما يراغم أعداء الله سبحانه وتعالى، ويصادف هذه نفس المصارعة، هذه عند الله عظيمة. طبعاً هذه لها عقبات، نعم، أو لها أسباب، آثار، لها ضريبة، لكن هي عند الله عالية جداً جداً جداً.

لما قتل حمزة رضي الله عنه وحزن عليه النبي عليه الصلاة والسلام، وكان حمزة يراغم الكفار، كان يقول لأمية بن خلف: هذا الذي فعل بنا الأفاعيل. حمزة لم يكن كغيره، لذلك هو أصبح سيد الشهداء، سيد الشهداء. حمزة رجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله. حمزة لما بكى عليه النبي عليه الصلاة والسلام وحزن عليه أتاه جبريل وقال: حمزة مكتوب في السماء أسد الله وأسد رسوله.

يعني هو في الأرض الآن مبقور بطنه، مجدع أنفه، مقطوع أذناه، ولكن عند الله سبحانه وتعالى في السماوات أسد الله وأسد رسوله. هذه مراتب الأولياء، هذه مرتبة عالية جداً. هذه المرتبة يغيب عن أذهان كثير من الصالحين التفكير بها، وهي مراغمة أعداء الله سبحانه وتعالى، مراغمة الشيطان وتحزين الشيطان وإغاظة الشيطان بإظهار الحق ومصارعة الباطل وأوليائه.

هذه عالية جداً مثل ما ذكرت عند الله سبحانه وتعالى، وتجدونها ظاهرة جداً في سير الأنبياء. لما ندخل الآن في قصص الأنبياء نجد أنبياء الله سبحانه وتعالى كلهم اشتركوا بمراغمة الشيطان وأوليائه. والذي لا يراغم الشيطان ولا أولياءه، هذا ليس على هدي الأنبياء، هذا قطعاً الشيطان مؤثر عليه بنسبة معينة، تكبر أو تقل، لكن هو مؤثر عليه.

أما الذي يراغم الشيطان ويراغم أولياء الشيطان وحزب الشيطان، هذا هو الولي الكامل، هذا هو الذي على طريق الأنبياء عليهم السلام. هذه هي العقبة السابعة التي لا يسلم منها أحد كما قال ابن القيم، ولو سلم منها أحد سلم منها أنبياء الله سبحانه وتعالى، ولا يسلم منها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما تكون في السيرة وانظروا إلى أبي جهل كيف كان شديداً على المسلمين، وإلى أبي لهب وإلى فلان وفلان وفلان، هذا كله إيش؟ أولياء الشيطان.

يعني هؤلاء معهم شيطان يؤزهم أزاً ويدفعهم دفعاً، والشيطان يعرف من يراغمه في الأرض، لذلك تكون المعركة على هؤلاء الذين يراغمون الشيطان، حتى إذا تم منعهم وإبعادهم ينتقل الشيطان إلى من يراغمه من بعده. الشيطان ما يعرف، الشيطان ما يعرف الشخص قبل أن يظهر، قبل أن يظهر تكون المعركة مع الشيطان عادية.

لكن بعد ما يظهر هنا تكون المعركة قوية وضروس مع الشيطان وعظيمة جداً. والشيطان ما يقف حتى يمنع هذا الشخص من التأثير، حتى يمنع.

لكن فجأة يظهر ماذا؟ أناس آخرون؛ الله سبحانه وتعالى يصطفيهم حتى يقيم بهم دينه. وتستمر هكذا هذه المعركة مع الشيطان حتى يأذن الله سبحانه وتعالى بنصر أوليائه.

إذن هذا ما يتعلق بمجلس اليوم، والله أعلم وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.