دخولتسجيل الدخول

التعليق على مدارج السالكين 08 | مسائل في التوبة

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، الصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد؛ فحيّاكم الله إخواني جميعاً وبياكم، وسدّد على طريق الخير خطاي وخطاكم. نكمل التعليق على كلام الإمام رحمه الله تعالى ابن القيم في هذا الكتاب العظيم مدارج السالكين، ومعنا اليوم بإذن الله عدة وقفات في ورد اليوم.

وأحب أن أنوّه وأذكّر بأن التعليق لا يكفي ولا يغني عن القراءة. فالقراءة لابد منها، بل لو استطاع شخص أن يقرأ الورد أكثر من مرة في الأسبوع فهذا لا شك بأنه أمر حسن؛ فابن القيم رحمه الله تعالى في كل ورد تقريباً ينقطع قلمه عدة مرات ولا يستطيع أن يبيّن كل ما في جوفه، لأن هذه المعاني لا يصل الإنسان إليها إلا مع فتح الله سبحانه وتعالى، وإعانة الله سبحانه وتعالى له. ويكون دور العالم هنا تقريب الشخص من هذه المعاني. فالشخص إذا ارتقى مرتبة أو منزلة يفهم الكلام بقدر الحال التي وصل إليها، أو بقدر المرتبة التي وصل إليها.

ولذلك الشخص لما يقرأ هذا الكتاب أكثر من مرة ويرتقي كذلك في التطبيق والعيش مع كتاب الله سبحانه وتعالى وسنة وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم ويمتثل أوامر الله سبحانه وتعالى التي تعرض له في حياته، يبدأ الإنسان يرتقي ويرتقي ويرتقي، فيفهم هذا الكلام فهماً مختلفاً. لذلك قد يقرأ الشخص هذا الكتاب مرة واحدة فيستفيد منه وينتفع منه فائدة عظيمة جداً، وقد يقرأه عشرين مرة أو ثلاثين مرة ولا ينتفع منه. فالجمع بين قراءة الورد أكثر من مرة مع الامتثال والتطبيق يفيد الإنسان كثيراً.

لذلك هذا الكتاب لابد أن يكون كتاباً مركزياً عندنا، يعني ثابتاً. وليس من الصواب أن الشخص يكثر في تقديره من قراءة الكتب المعاصرة في هذا العلم، أي التزكية والسلوك، فالكثير من العبارات هي عبارة عن جمع لكلام قد يكون نفس المؤلف ما وصل إلى غوره ولا إلى حقيقته. فلذلك ما يستفيد شخص كثيراً منها، بخلاف مثل هذا الكتاب. هذا الكتاب لابد أن يكون عندنا عمدة في هذا الفن، ولو ما قرأ شخص إلا هذا الكتاب من كتب العلماء لكفى، لكفى. لكن لابد أن يقرأ القرآن الكريم، وأن يعيش مع كتاب الله سبحانه وتعالى، ويتأمل ويبدأ يستنطق معاني هذا الكتاب. فكلام الإمام هنا كلام نفيس ويحتاج إلى تعليق طويل، خاصة أن ابن القيم واصل إلى دقائق الأمور.

دقائق الأمور، يعني مثلاً ابن القيم لما يتكلم وينقطع قلمه كثيراً ويقول: قد فتح لك الباب فادخل ولا أرجع بسلام. ثم في موطن آخر يرد على من يرى بأن شهود الحقيقة في توبة أو مرتبة التوبة التي ذكرها الهروي رحمه الله تعالى بأنها أعلى من كذا وكذا، ثم بعد ذلك هو يأتي ويقول: طيب أين الدليل على هذه المسألة؟ أو هذه مسألة شرعية، وأين الإشارة من كلام الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم على الذي ذكرتموه؟ طيب، وهنا كيف ابن القيم هنا يقول: فتح لك الباب فارجع فادخل ولا أرجع بسلام، ثم هنا يقول: نسألكم كذا وكذا؟ يعني متى نقول بأن الإنسان وصل إلى حال أو هذا الكلام لا تفهمه إلا إذا وصلت إليه، ولما يسأل الشخص ما يستطيع أن يتكلم أو أن يجيب؟

ومتى نقول: لا، إن هذه الآن هذه مسألة شرعية، نحتاج إلى إجابة عليها؟ يعني ما يصح أنك تقول بأن أعلى التوبة هي التي صورتها كذا وكذا التي ذكرها هنا الهروي ومن كان معه ممن هو على نفس طريقته. وكذلك في المقابل أن نقول: لا، أن هذا الأمر لابد من وجود دليل على صحة هذا الكلام إلى آخره. الكلام دقيق، الكلام هنا دقيق ليس كلاماً عاماً. طيب، كيف نميز بين هذه الحالة وتلك الحال؟ هذه التي تحتاج إلى تعليق ويحتاج إلى هكذا مدارسة وتطوير لها حتى يصل الشخص إلى فهم هذه الدقائق.

لكن لا أريد أن أدخل الآن كثيراً في الحديث عن هذه المواضيع، فقط القصد أهمية تكرار هذا الكتاب أو العيش معه مع التطبيق. التكرار يأتي بعد التطبيق؛ يعني تقرأ مرة واحدة مع تطبيق القرآن الكريم والعيش مع كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، تفهم هذا الكتاب فهماً عظيماً جداً، ستفهم كلام الإمام رحمه الله تعالى بنسبة عالية. لكن تقرأ الكتاب عشرين مرة أو ثلاثين مرة وما يوجد تطبيق، ما تستفيد كثيراً؛ تقرأ الكتاب أكثر من مرة مع التطبيق هذا أعلى شيء، هذا أعلى شيء.

في ورد اليوم عندنا عدة وقفات؛ الوقفة الأولى: الجمع بين كثرة العمل وحسن العمل. الناس ثلاث مراتب؛ المرتبة الأولى: صاحب العمل الحسن وإن لم يكن كثيراً. وفي القرآن الكريم ما ذكر الله كثرة العمل، إنما ذكر حسن العمل: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك: 2]. فصاحب العمل الحسن أعظم بكثير من صاحب العمل الكثير إذا لم يكن محسناً في عمله. وعدم الإحسان في العمل إما أن يكون بسبب ضعف الإخلاص، أو يكون بسبب المخالفة أو عدم تطبيق السنة في العمل. ليس معنى هذا أنه بدعة، لا، لا يشترط أن تكون بدعة، قد يكون جائزاً، لكن ليس هذا موطنه. على سبيل المثال أضرب لكم أمثلة؛ مثلاً شخص سبح الله سبحانه وتعالى قبل أو في وقت السحر، واستغفر الله قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، هذا الإنسان أحسن أو ما أحسن؟ أحسن. طيب، هل هذا الإنسان له أجر؟ إن شاء الله له أجر إذا كان مخلصاً.

شخص آخر العكس؛ استغفر الله في وقت السحر وسبح قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، من أعظم أجراً؟ الذي طبق السنة، فهذا أحسن في عمله أكثر من الأول. إذاً حسن العمل أفضل من كثرة العمل من حيث الأصل، من حيث الأصل حسن العمل أفضل. وحسن العمل يقوم على ساقين؛ ساق الإخلاص، وساق الموافقة.

وقد يكون أقل عمل؛ ومثال آخر مثلاً ما ذكر في سنن أبي داود أن رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خرجوا في سفر، فانقطع عنهم الماء، فتيمما وصليا، ثم حضر الماء، فأعاد أحدهما الوضوء والصلاة ولم يعد الآخر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم للذي أعاد: «لك الأجر مرتين»، وقال للذي لم يعد: «أصبت السنة». الآن هذا أكثر عمل، توضأ مرة أخرى وقام وصلى، ونقص أجره بخلاف الذي ما توضأ ولا صلى المرة الثانية. لماذا؟ لأن هذا أصاب السنة. إذاً العبرة ليست بكثرة العمل، إنما بححسن العمل إذا كانت الكثرة مقابل الحسن. فحسن العمل يقوم على ساق الإخلاص -وبقدر إخلاص الشخص في العمل يكون حسنه- وكذلك يقوم على ساق الموافقة، فيكون هذا العمل في الموطن الذي يحبه الإسلام، ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم موجوداً لفعل كذا، هذا حسن العمل.

ثم يأتي بعد ذلك كثرة العمل؛ كثرة العمل ممدوحة في الدين، نعم ممدوحة، ولكن ليس على حساب حسن العمل. فالذي يحسن في عمله والذي كذلك يكثر في عمله، هذا من حيث الأصل أفضل، من حيث الأصل أفضل. فالنبي صلى الله عليه وسلم سأل ربيعة الأسلمي وقال: «أسألك مرافقتك في الجنة»، فقال: «أعني على نفسك بكثرة السجود». فهنا أمره النبي صلى الله عليه وسلم وطلب منه أن يكثر من السجود، لأن كثرة السجود معتبرة. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل: «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه»، يعني نافلة مع نافلة مع نافلة، هكذا يكثر من النوافل حتى يصل لدرجة أن الله سبحانه وتعالى يحبه.

الخطأ أين يكون؟ الخطأ يكون لما شخص يتعلق بححسن العمل ولا توجد عنده كثرة، فهو خلاص يعني باليوم ما يعمل إلا ساعة أو ساعتين وباقي اليوم ما يعمل شيء بحجة أن العبرة بححسن العمل؛ هذا الإنسان يخسر خسارة كبيرة ولا يصيب المراتب العالية. وشخص آخر قد يهتم بكثرة العمل ولكن على حساب حسن العمل، فلا يكون حضور قلبه قوي في العبادة، وكذلك لا يكون هذا الإنسان وضع العبادة في الموطن الذي يحبها الله سبحانه وتعالى، فيكون هذا الإنسان قد قصر في العلم، فهو عبد الله لكن ليس كما يريد الله سبحانه وتعالى.

وأضرب لكم مثالاً ثالثاً؛ النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أم المؤمنين جويرية بنت الحارث وكانت تذكر الله سبحانه وتعالى بعد صلاة الفجر أو بعد شروق الشمس، ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم ودخل عليها وقد ارتفع النهار وما زالت جالسة في نفس المجلس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لها: «ما زلت على هيئتك؟» قالت: نعم يا رسول الله. قال: «أما إني قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات، لو وزنت بما قلت لوزنتهن»، يعني الآن: «سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته». هذه الكلمات قالها النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات؛ هذه أعظم من ذكر أربع ساعات؟ نعم أعظم. يعني الآن شخص يجلس أربع ساعات يذكر الله، وثانٍ يقول هذا الذكر، هذا أعظم من هذا الذي يذكر الله سبحانه وتعالى ذكراً طويلاً، لماذا؟ لأنه أصاب السنة، لأنه أحسن في عمله، لأنه أحسن في عمله.

هذه هي الموازنة، هذه هي الموازنة بين الكثرة وبين الحسن؛ فبعض الناس يعتني بالكثرة أكثر من الحسن، وبعض الناس يكتفي بححسن العمل ولا يكثر من العبادة فيقع بتقصير، وكذلك القسم الأول يكون تقصيره أكبر. هنا ابن القيم كان سياقُه سياقَ مدافع عن كثرة العمل، مع أن ابن القيم نفسه في عامة سياقاته يتكلم فيها إذا كان يريد أن يؤصل لمسألة تأصيل عام يتكلم عن حسن العمل. لكن هنا لماذا دافع عن كثرة العمل؟ لأنه رد على من قلل من شأن الكثرة، فهنا الآن السياق معتبر، السياق معتبر. فهنا لما رأى بأن هذا القسم قلل من شأن كثرة العمل، جاء ابن القيم وبين بأن كثرة العمل معتبرة في الدين، فالإنسان لابد أن يجمع بين نفس التأصيل العام وبين كذلك نفس السياق اللي ذكره الإمام حتى يستوعب المعاني اللي ذكرها الإمام.

وضرب أمثلة جميلة جداً، وقال بأن الشخص إذا أراد أن يعيش مثلاً مع سورة من سور القرآن الكريم وأن يتأمل ويتدبر فيها، ربما يجلس يوماً كاملاً هكذا في السورة هذه أو حتى أحياناً في آية، بخلاف الشخص الذي ما يتأمل ويتدبر، فهذا ممكن يكثر، يعني الشخص ممكن يصلي عشرين ركعة بس ما يعيش مع الصلاة، لكن إذا عاش مع الصلاة ممكن ما يصلي إلا ركعتين. طيب، أيهما أعظم: عشرين ركعة أو ركعتين؟ الركعتين أعظم. لماذا؟ لأن هنا الركعتان معهما حضور قلب ومعها الخشوع. طيب، لو صلى أربع ركعات مع حضور قلب وخشوع يكون أعظم وأعظم، وست ركعات؛ إذاً هنا كثرة مع حسن، هذا هو المعيار. فلا يأتي شخص يصلي مئة ركعة والثاني يصلي أقل فيقول المئة أفضل، لا، ليس أفضل. أفضل متى يكون؟ لما يكون معه تأمل وتدبر؛ إذا جمع بين هذا وهذا، نعم هذا يكون الأفضل، ولا شك بأن هذه أعلى الدرجات، الجمع بين الكثرة وبين الحسن. إذاً هذه الوقفة الأولى وهذا هو الجمع بين الكثرة والحسن.

الوقفة الثانية: المتعلقة بأفضل التوبة عند الله سبحانه وتعالى. دخل ابن القيم هنا في نقاش طويل مع الهروي ومع من كان مع الهروي ومن زاد على كلام الهروي رحمه الله تعالى رحمة واسعة بـالتوبة التي يحبها الله سبحانه وتعالى من الإنسان، أو متى تكون التوبة عظيمة؟ أو ما هي التوبة التي توصل الشخص إلى المراتب العالية عند الله سبحانه وتعالى؟ أكثر ابن القيم هنا في الكلام، وذكر ضابطاً معيناً، هذا الضابط إذا فهمه الإنسان سيفهم كلام ابن القيم، وسيفهم لماذا سكت ابن القيم لما قالوا فوق هذه المرتبة هذه التوبة توبة أخرى نعرض عنها صفحاً. إذا فهم شخص هذا الضابط، هذا المعيار، يفهم لماذا سكت ابن القيم ويفهم هذا الباب كيف يصل كيف يرتقي به. ما هو الضابط؟ هو أن التوبة على حسب التعظيم؛ إذا عرفت من هو الله سبحانه وتعالى، بقدر معرفتك بالله ستكون توبتك لله سبحانه وتعالى، لأنك قد تعمل وتعمل وتعمل وتجتهد، وإذا وصلت إلى معرفة من هو الله ستعرف بأن كل ما فعلته لا شيء، وتعرف بأن هذه التوبة أصلاً تحتاج إلى توبة.

وحتى تعرفون معنى هذا الكلام، يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء عند الحاكم في المستدرك: «لو أن الله عذبني وابن مريم بما جنت هاتان» -وأشار إلى إبهامه وسبّاحته- «لعذبنا ثم لم يظلمنا شيئاً». انظروا، أنا أعرف الناس بالله ماذا يقول؟ يقول: لو أن الله عذبني وابن مريم -أي عيسى عليه السلام- بما جنت هاتان لعذبنا ثم لم يظلمنا شيئاً. كيف يقول النبي صلى الله عليه وسلم هذه الكلمة؟ ما المقصود من كلام النبي صلى الله عليه وسلم هنا؟ المقصود من كلام النبي صلى الله عليه وسلم هنا بأن العبد مهما عمل ومهما قدم، هذا العمل وهذا الفعل الذي فعله الشخص وهذه الأقوال التي قالها مقابل فضل الله ونعمة الله وحق الله سبحانه وتعالى، لا شيء.

هذا أعلم البشر بالرب سبحانه وتعالى. أعلم الناس بالله سبحانه وتعالى. أتقن الناس بالله سبحانه وتعالى. يبين للبشر بأنكم مهما عملتم ومهما فعلتم هذا إذا قارنتموه بمن هو الله بحق الله سبحانه وتعالى هو ليس بشيء قطعا.

لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو أن الله عذب أهل سماواته» أهل سماواته من؟ الملائكة. الذين منذ خلقهم الله إلى أن يقبض الله سبحانه وتعالى أرواحهم يعبدون الله سبحانه وتعالى. نعم. وعلى أرضه لا عذبهم ثم لم يظلمهم شيئًا.

هؤلاء أي الملائكة وكذلك البشر لو عذبهم الله لم يظلمهم. لماذا طيب؟ هل كما قال هنا الأشاعرة لأن الله سبحانه وتعالى أو فسروا الظلم هنا بالتصرف بملك الغير فهؤلاء ملك لله سبحانه وتعالى إذن هذا لا يكون ظلم. هذا كلام بارد كما يقول ابن القيم رحمه الله تعالى. إنما هذا قصد منه التعظيم أن هؤلاء مهما عبدوا الله فهم في الحقيقة لم يصلوا إلى أن يقدروا الله حق قدره، وما قدروا الله حق قدره سبحانه وتعالى.

لذلك قال نوح عليه السلام: ﴿مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: 13]. ما لكم؟ لا تخافون الله سبحانه وتعالى. ما لكم ما تقدرون الله سبحانه وتعالى. لكن هنا الإنسان بقدر معرفته لله سبحانه وتعالى وعلمه به وبحقه سبحانه وتعالى تكون توبته. فلما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر الصديق رضي الله عنه وقال: قل ربي إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا. أبو بكر ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، إذا نحن ماذا نقول؟

نعم أبو بكر هنا لأنه بلغ درجة عالية في التعامل مع الله سبحانه وتعالى، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يرقي الصديق، ونبين للصديق بأن كل ما عملته وكل ما فعلته لا يساوي شيء مقابل فضل الله سبحانه وتعالى وعطاء الله سبحانه وتعالى ومنة الله سبحانه وتعالى.

إذن القصد من ذلك أن هذا الباب ضابط التعظيم. فبقدر تعظيمك لله سبحانه وتعالى ستكون صحة توبتك. التوبة تكون عظيمة لما يعظم قدر الله في قلبك. لماذا؟ لأنك ستشعر بأن كل الذي فعلته لا يليق بمقام الله سبحانه وتعالى. وستشعر بأن خطأك الذي وقع منك وإن كان في نظر الناس صغير هو عظيم في حق الله سبحانه وتعالى. وستفهم كلام بلال بن سعد لما قال: لا تنظر إلى صغر المعصية، لكن انظر إلى من عصيت. لا تنظر إلى نفس المعصية، هذه صغيرة أو كبيرة، لكن من الذي عصيته؟ من الذي عصيته؟ عصيت الرب سبحانه وتعالى الملك المطلع العليم الخبير سبحانه وتعالى. كده هذه ما يتعلق بهذه الوقفة والكلام حولها كبير وكثير.

ثم الوقفة الثالثة: المبادرة إلى التوبة. ابن القيم هنا ذكر بعد ذلك المسائل المتعلقة بالتوبة. سأنتقي من هذه المسائل عدد من المسائل ليس كل المسائل سأتكلم عنها لأنها واضحة وبينة. لكن هنا المبادرة إلى التوبة هذه تخفى عن الكثير من الناس على الكثير من العصاة. قد يتوب الشخص ولكن يؤخر التوبة، يعني الآن وقع في ذنب يقول خلاص أنا بعد ساعتين بعد أربع ساعات بعد ست ساعات بعد يوم يومين سأتوب ويتوب. لكن المشكلة أنه تاب من ماذا؟ تاب من الذنب لكن ما تاب من التأخير. هذه يخفل عنها كثير من الناس. وبعض الناس يلزم نفسه صلاة التوبة وهذا أمر حسن جدا، ولكن يؤخر الصلاة.

فمثلا يقع في ذنب الساعة مثلا الواحدة ظهرا يصلي صلاة التوبة الساعة العاشرة ليلا فيتوب. هذا أمر حسن أنه تاب، لكن التسع ساعات هذه أليس تأخير؟ بلى. طيب هذا التأخير هل تبت منه؟ لا. لماذا؟ غفل. لماذا غفل؟

فالإنسان لابد أن يبادر إلى التوبة بمجرد أن يقع في ذنب يقوم مباشرة يتوب ويعود إلى الله سبحانه وتعالى ولا يؤخر التوبة. لأنه حتى لو تاب هو تاب من الذنب لكن ما تاب من نفس هذا الأمر. وكذلك من الأمور المهمة جدا ذكرها الإمام هنا بأن العبد يتوب إلى الله سبحانه وتعالى من جميع الذنوب. وفي كثير من المعاصي يفعلها الإنسان ولا يعرفها، لذلك جاءت النصوص الكثيرة في التوبة إلى الله سبحانه وتعالى والاستغفار الله سبحانه وتعالى من كل ما يقع الإنسان فيه.

فهو ليس معنى أنه ما يعرفه أنه هو ما وقع فيه لا هو وقع فيه لكن هو نسي هذا الشيء أو ما استحضر أن هذا ذنب أو ما استحضر أن هذا مثل هنا التأخير. وهذا كثير في حياة الإنسان. لذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: «اللهم إني أتوب إليك مما أعلم وأستغفرك مما لا أعلم» أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.

وكذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله أوله وآخره علانيته وسره ما علمته منه وما لم أعلم» وهكذا. فالإنسان يبادر إلى التوبة إلى الله سبحانه وتعالى ويستغفر الله ويتوب إلى الله سبحانه وتعالى توبة عامة. وكذلك «اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئًا أعلمه وأستغفرك لما لا أعلم».

إذًا هذه الوقفة الأولى المتعلقة بالمسائل التي ذكرناها. الوقفة الثانية وكذلك هي مهمة جدًا: التوبة من الغيبة. ذكر الخلاف ابن القيم في التوبة من الغيبة. الآن شخص اغتاب شخص وقال عنه كلام سواء كان فيه أو ليس فيه. إذا كان فيه فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته. هذا الإنسان إذا قال عن شخص من الأشخاص وطعن في عرضه واستحل عرض هذا الإنسان المصون، ماذا يفعل حتى يتوب؟ ذكرت لكم في درس سورة الحجرات في اللقاء الماضي الحديث عن هذا الموضوع، لكن ممكن هنا نقول بعض الكلام الذي ذكرناه هناك بأن الإنسان إذا وقع في عرض أخيه المسلم فلا بد أن يتوب إلى الله وأن يذكر هذا الإنسان في نفس المجلس الذي طعن فيه بخير هو فيه.

يعني شخص اتهم شخص بأنه بخيل وحقيقة هو بخيل. الآن اغتابه، إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته. هل يذهب إليه ويقول أنا قلت عنك بأنك بخيل؟ إن قال له هذا الكلام أو أغر صدره، والإنسان لا يقوى على قلبه غالبًا. فهذا الإنسان سيقع في نفسه شيء وإن قال لكني سامحتك وأبحتك وأحللتك لكن سيبقى في قلبه شيء، سيبقى في نفسه شيء. والإسلام مثل ما ذكر ابن القيم هنا بكلام نفيس يدل على فهم هذا الرجل للإنسان لا يأتي به بمثل هذا الأمر.

أي أن الإنسان يذهب إلى شخص ويغور قلبه لأن الإنسان ما يعود له قلبه غالبًا ولا يقوى عليه كثيرًا، فقد يسامح لكن ما يصفح، قد يعفو لكن ما يصفح. الصفح أعلى من العفو، العفو أنه ما يؤاخذ بالذنب، لكن الصفح أنه ما يجد في قلبه شيء، هذه ما يستطيع الإنسان عليها عادةً إلا من كمل إيمانه وليس كذلك دائمًا، لأن أحيانًا ما يستطيع كذلك حتى لو كمل إيمانه.

فالنبي صلى الله عليه وسلم قال لوحشي: «هل تستطيع أن تغيب وجهك عني؟». لم لم يرى وحشي ذلك حمزة وقتل حمزة ويؤذي النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر، فالإنسان لا يستطيع دائمًا على هذا الشيء. القصد من ذلك أن التوبة من الغيبة تكون بهذه الطريقة، أو قبل ذلك شخص لا يغتاب، ولابد أن يكون بينه وبين الغيبة حاجز من فولاذ، ولابد أن يسأل الله كثيرًا بأن يعصمه من الغيبة، لأن الغيبة كثيرًا ما يغتاب الإنسان من غير قصد، يعني هو ما يكون قاصد أن يتكلم، لكن لما يكون في مجلس وناس يتكلمون يتكلم ويغوص مع الغاوين.

والغيبة مشكلتها أنها تكون أسير لمن اغتبته، يعني حتى لو تبت، حتى لو قلت يا رب سامحني يا رب اغفر لي يا رب تجاوز عني، وذهبت وذكرت هذا الإنسان في نفس المجلس الذي طعنت فيه وقلت فلان مثلا وفي مثلا تذكر صفة حسنة فيه، لا تقول أنه ليس بخيل، لأنك قلت ليس بخيل وهو بخيل كذبت.

فهنا ماذا تفعل؟ تذكر وصف فيه وتثني عليه بشيء هو فيه. ومع هذا كله لا تستطيع أن تجزم بأن الله قد غفر لك. لذلك ابن تيمية يقول يستكثر الشخص من الحسنات، لأن يوم القيامة سيكون قصاص بالحسنات والسيئات، وقد هذا الإنسان يعطيك من سيئاته أو يأخذ من حسناتك إذا ما أرضاه الله سبحانه وتعالى، ولا تستطيع أن تجزم بأن الله أرضى هذا الشخص عنك، فلذلك لا تغتاب. اجعل على نفسك عهد، واستعن بالله، واجعل بينك وبين الغيبة حاجز من فولاذ، لا تغتاب أحد أبدًا، لا تذكر أحد بسوء، وتب إلى الله سبحانه وتعالى مما سلف منك.

لأن الإنسان ممكن أنه يكثر من الحسنات، لكن حتى لو هو لما يأخذ من حسناتك ليس أمر سهل، يعني لما يأخذ من حسناتك حتى لو تدخل الجنة، الحساب حسابان: حساب قبل دخول النار أو قبل المرور على النار، لا أقول الدخول المرور على النار، وحساب بعد ذلك، القنطرة بين الجنة والنار، هذا الحساب الذي يبقى بين الجنة والنار القصد منه المنازل، تحديد المنازل، فشخص لن يدخل النار بإذن الله، ولكن هو اغتاب شخص أو تكلم بشخص، فيأتي في هذا المكان ويعطيه من حسناته أو لا يأخذ من سيئاته إنما يعطيه من حسناته، فينزل منزلك، يكون في درجة خمسين في الجنة يصبح عشرين يصبح ثلاثين يصبح تسعة وأربعين، ينزل درجة واحدة. طيب لماذا؟ لأنه اغتاب. لماذا اغتبته؟ لماذا تكلمت فيه؟

فالإنسان يبادر إلى توبة ويكثر من حسناته، ويسأل الله، يتملق الله، وهذه من أهم ما يفعله الإنسان في حياته، يتملق الله بأن يرضي من أساء إليه، وأن يسامحه، وأنه ما يأخذ منه شيء يوم القيامة، لا يأخذ من حسناته، ولا يأخذ من سيئاته، فهذا الدعاء أو هذه الطريقة في تملق الله لابد تكون مع الإنسان، لابد تكون مع الإنسان.

لأنه حتى لو عملت أعمال كثيرة، الأخذ ثقيل، والله الأخذ ثقيل، يعني الأخذ من الحسنات أو الأخذ من السيئات هو إنزال الشخص في الجنة بسبب غيبته، طيب لماذا أنزل بسبب هذا الشيء؟