الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد؛ فحياكم الله إخواني جميعاً وبياكم، وسدد على طريق الخير خطاها خطاكم.
نكمل التعليق على كتاب مدارج السالكين، وكنا قد ذكرنا في اللقاء الماضي بعض الوقفة المهمة المتعلقة بالتوبة، وذكرنا في آخرها الوقفة المتعلقة بالغيبة والتوبة من الغيبة. ذكرنا بأن التوبة من الغيبة لابد أن يكون معها تحلل من نفس المغتاب على قول، والقول الآخر بأن شخص يذكر هذا المغتاب بالأمر الحسن فيه، ويكثر من الأعمال الصالحة فيصدق مع الله سبحانه وتعالى في توبته ورجوعه، لعل الله سبحانه وتعالى يوم القيامة يرضي هذا الشخص. والإنسان ليحفظ لسانه ولا يطلق لسانه ولا يتساهل في إطلاق اللسان على الناس، فالحكم على الناس ثقيل، وهذا الباب خطر، وليس من الأبواب التي يتساهل الناس فيها.
واليوم إن شاء الله تعالى كذلك معنا عدة وقفات، وما زلنا في منزلة التوبة. والوقفة الأولى المتعلقة بهل الأفضل هو التائب من الذنب أو الذي لم يقع بذنب؟ الرجل الطائع من أفضل؟ ذكر ابن القيم الخلاف في هذه المسألة، وذكر بأن البعض يرى بأن التائب أفضل، ومنهم من يرى بأن الطائع أفضل. لماذا الطائع أفضل؟ ملخص الكلام هو أن الطائع لم يتوقف، فالشخص إذا كان يسير إلى الله سبحانه وتعالى في هذه المدة التي عصى بها الشخص الآخر، فهذا يقطع المسافات، بخلاف الرجل الآخر الذي وقع بذنب، فهذا ينقطع، هذا الإنسان ينقطع؛ ففي هذه المدة، مدة هذه الساعة وهذا اليوم أو هذا الشهر أو هذه السنة، هذا تأخر، أما الثاني فهو متقدم وما زال مستمراً في عمله وصلاحه وإصلاحه للواقع؛ فطبيعي جداً أن هذا الشخص الثاني إذا تاب لا يصل إلى ما يصل إليه الأول.
ولكن بالحقيقة هذا الكلام يحتاج إلى تفصيل، وابن القيم لما ذكر القولين وذكر كذلك الخلاف، ولم يحسم ابن القيم -مع ميوله للقول الثاني- إيه القصد من ذلك؟ أن شخص يختلف والناس يختلفون، فهنا التنظير العام لا يكفي في تحقيق هل هذا أفضل أو هذا أفضل، إنما الأمر مرجعه إلى نفس التائب وإلى نفس الطائع. الذي وقع بالذنب، بعد الذنب ما الذي وجد معه بعد الذنب؟ هل كثرت أعماله بعد الذنب؟ هل صحت نيته؟ هل صح قصده؟ هل قويت عزيمته؟ هل أصبح يتعامل مع الله سبحانه وتعالى تعامل العبد المنكسر الخاضع الذليل؟ كيف حال الإنسان بعد الوقوع في هذا الذنب؟ هذا هو المعيار الفاصل، هذا هو الميزان.
فلا نستطيع أن نقول بأن التائب أفضل، أو الطائع أفضل، الذي وقع بالذنب أفضل ثم تاب، أو الذي لم يقع بذنب أفضل من الذي وقع بالذنب، لا نستطيع أن نقول هذا أو هذا، إنما الأمر مرجعه إلى نفس تعامل هذا الإنسان مع الطاعة، ونفس تعامل هذا الإنسان مع الذنب لما وقع فيه. هذا الذي مستمر بطاعته، كيف نسبة الاستمرار؟ وهذا الذي وقع بالذنب، الذنب ما الذي أحدث فيه؟ هل الذنب قطعه عن الله سبحانه وتعالى ثم لم يرجع إلى حاله الأول، أو رجع إلى حال أفضل من حاله الأول، أو رجع إلى حال أول؟ الضابط في هذا والمعيار في هذا الأمر هو نفس حال هذا الإنسان.
فبعض الناس يقع بذنب، ثم بعد ذلك يتوب إلى الله سبحانه وتعالى توبة عظيمة جداً، ويكون حاله أفضل من حاله لو ما وقع بالذنب، وهذا قليل بل نادر، كما ذكر الإامم ابن القيم. ومن أعظم الأمثلة في هذا الفضيل بن عياض؛ الفضيل بن عياض يختلف عن علماء الحديث، علماء الحديث عامتهم طلب العلم وهم صغار، أما الفضيل فكان في شبابه سارقا، وكان في شبابه يقع ببعض الذنوب والمعاصي، وتعرفون توبة الفضيل كيف تاب. فالقصد من ذلك أن الفضيل بن عياض هذا الرجل الذي كان يواعد امرأة وسمع بعض الناس هكذا يتكلمون عنها أو سمع بعض الآيات وتاثر بها رجع إلى الله سبحانه وتعالى، وكان الآية التي سمعها: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوك أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: 16] فتاثر بهذه الآية فصادفت هذه الآية موطناً أو انفتاحاً في قلبه فتمكنت منه، فأصبح بعد ذلك يتعجب العلماء من ديانة وعبادة الفضيل بن عياض.
حتى كان هارون الرشيد ذكر الفضل بن ربيع وزيره بأنه يريد أن يجلس مع أحد العلماء حتى يرقق قلبه، فقال: التمس لي من حداثنا. فانطلق به إلى أحد العلماء، ثم قال له هارون: هل عليك دين؟ فقال: نعم علي كذا وكذا، فقضى دينه ثم خرج وقال لوزيره الفضل: قال ما أغنى عني صاحبك شيئاً، التمس لي عالماً آخر محدثاً آخر. فالتمس له عالم آخر وكان مثل الأول، فقال: ما أغنى عني صاحبك شيئاً، التمس لي محدثاً آخر أو رجلاً آخر. فذهب به إلى الفضيل، والقصة شهيرة وترجعون إليها في الكتب.
القصد من ذلك أن هارون الرشيد رحمه الله تعالى لما دخل الفضيل أبكاه الفضيل وتأثر بالفضيل، وكان لكلام الفضيل أثر عظيم على هارون، حتى قال هارون بعدما خرج من الفضيل، قال للفضل بن ربيع: إذا قلت لك التمس لي أحد فالتمس لي هذا ولا أريد غير هذا. فهذا الإنسان كان ديانته عجيبة، وكان يتعجب المحدثون منه. والعجيب أن سفيان الثوري هو من هو في المنزلة والرفعة والديانة والمقام، حتى كان يلقب بأمير المؤمنين بالحديث، وكان هو أشهر علماء عصره أو من أشهر علماء عصره في علم الحديث كما تعرفون، لما اجتمع مع الفضيل بن عياض وتذاكرا ليلة فبكيا، فقال سفيان للفضيل: إني لأرجو أن يكون هذا المجلس من أعظم المجالس التي نجد أجرها عند الله سبحانه وتعالى يوم القيامة، لماذا؟ جلسنا وذكرنا الله وبكينا.
انظروا الآن إلى نظر سفيان وهو العالم بالحديث رحمه الله تعالى رحمة واسعة، فقال له الفضيل: ترجو هذا، أما أنا فإني أخاف أن يكون هذا المجلس هو أشقى مجلس جلسنا فيه. فتعجب سفيان الثوري وقال: لما؟ فقال: ألم تتصنع لي وتصنعت لك، فرأيتني ورايتك؟ فبكى سفيان الثوري رحمه الله تعالى رحمة واسعة. القصد من ذلك أن الفضيل كان بهذه الصورة وهذه المنزلة، فانظروا إلى هذا الرجل كيف كان في مطلع شبابه من العصاة ومن المجاهرين بالمعصية ومن غير المبالين، ثم بعد ذلك انظروا كيف يعني حسنت توبته وأصبح هو من أشهر العباد عبر التاريخ رحمه الله تعالى، وكذلك بشر الحافي وغيره من العباد الكبار المشهورين في هذه الأمة.
القصد من ذلك أن الذنب هنا، هل الأفضل الطاعة أو التائب من الذنب؟ على حسب ما أحدثته التوبة في هذا العبد والطائع؛ فإذا كان هذا الإنسان تاب توبة عادية فنعم لا شك بأن الذي يستمر أفضل منه. إذا كان الذي يستمر في الطاعة انتقلت به الطاعة إلى الأمن بمكر الله، أو إلى الإدلال على الله سبحانه وتعالى بعمله، فلا شك بأن المذنب أفضل منه. أما إذا كان شخص طائع مستمر في أعماله وصلاحه وتقواه، والآخر تاب توبة عظيمة وكبيرة وجليلة، وأورثت عنده زيادة بالأعمال، أو أورثت عنده قوة في الإخلاص وقوة في الصدق، واستشعار فضل الله سبحانه وتعالى ومنة الله سبحانه وتعالى وعطاء الله سبحانه وتعالى وهكذا، وأورثته الحياء من الله والإنكسار من الله سبحانه وتعالى؛ فهذا لا شك بأنه أعظم من الذي يكثر عمله من غير وجود هذه المعاني الإيمانية الكبيرة وهذه الأعمال القلبية العظيمة الجليلة التي يتفاوت الناس بها.
حقيقة ذلك قال المزني رحمه الله تعالى: ما سبق أبو بكر الناس بكثره صلاة ولا صيام، وإنما بشيء وقر في القلب. إنما بشيء وقر في القلب وصدقه العمل. ولما كان الناس مع عبد الله بن مبارك وكانوا يتعجبون من رفعة عبد الله بن مبارك بين الناس، فيقول أبو أسامة: جلسنا معه مرة في سفر وانطفأ السراج، فقمنا وأصلحناه، وكنا معه في مجلس فأصلحناه، فرأينا لحية قد ابتلت بالدموع، قال: إني ذكرت القبر لما انطفأ، لما انطفأ السراج، قال: بهذا فضل علينا.
بمعنى إيش؟ أن هذا الإنسان الاستشعار عنده كان عالي جداً وعظيم جداً، وبهذا يتفاضل الناس، ليس بكثره العباده فقط وإن كان هذا معتبر ومؤثر، ولكن لا شك بأن المؤثر الاقوى والأعلى والأكبر هو نفس حضور القلب، هو نفس الصدق، هو نفس الإخلاص، نفس الخوف، نفس الحياء، نفس المحبة لله سبحانه وتعالى والتعظيم له سبحانه وتعالى.
هذه الوقفة الأولى. الوقفة الثانية المتعلقة بتبديل السيئات بالحسنات، ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى الخلاف بذلك ثم حقق فيه، وهذا هو العلم الذي يؤخذ من ابن القيم رحمه الله تعالى. فالكلام الذي يذكره العلماء في كتب التفسير والوارد عن السلف الصالح رضي الله عنهم وأرضاهم، الناس يتفاوتون في فهمه تفاوت كبير جداً؛ فبعض الناس ينقل الكلام ثم يفهم الخلاف بصورة معينة عامة، أما من يصل إلى حقائق الشريعة وإدراك نفس تفاصيل ما جاء به الدين، ونفس منهج الإسلام، وإذا شرب هذا المنهج يدرك المعاني التي تكون مخبوءة تحت الألفاظ. فالعبرة ليس بحفظ اللفظ ولا بنقل اللفظ، إنما بفهم منهج الإسلام الذي من خلاله تستطيع أن تستوعب كلام العلماء وسياق هذا الكلام.
هنا ابن القيم لما ذكر هذه المسألة وذكر قول من يقول بأن تبديل الحسنات بالسيئات يكون بأن شخص يعمل العمل السيء ثم بعد ذلك يعمل العمل الصالح، وذكر قول آخر بأن إبدال الحسنات بالسيئات هنا يكون بأن نفس السيئات تصبح حسنات، فينقليب، فتنقلب كفة السيئات إلى كفة حسنات؛ فإذا كان الشخص مثلاً وقع بكذا وكذا من السيئات، يحصل هذا الإنسان كذا وكذا من الحسنات. ذكر ابن القيم معنى جميلاً جداً ونفيساً، وهو أن الإنسان هنا بقدر توبته وحسن التوبة يكون قشع أثر الذنب، فالذنب له أثر على الإنسان، فيقشع أثر هذا الذنب، وهذا القشع لأثر الذنب نور، هذا النور يقع بكفة الحسنات؛ فنفس هذه التوبة تقلب الذنوب وآثار الذنوب إلى نور، والذنوب كما تعرفون ظلام، فهذه التوبة إذا كانت قوية وعظيمة جداً قد ينال الإنسان فيها من الحسنات أكثر من نفس السيئات التي وقع بها.
نضرب مثلاً: الآن الإنسان عنده من السيئات مثلاً ألف سيئة وتاب، هل الآن إذا تاب تصبح الألف سيئة ألف حسنة؟ أو تصبح أو تمحى هذه السيئات والانسان يباشر الآن الأعمال الصالحة فتكون التوبة قشعت السيئات وبدا الإنسان يستمر الآن في الأعمال الصالحة، فيكون هنا التبديل بالأعمال الصالحة، فبدأ هو الآن يعمل أعمال صالحة، وهذا دليل على صحة توبته وقبول الله سبحانه وتعالى لهذه التوبة أو صحت هذه التوبة؟ أو أن هذه التوبة جعلت المئة سيئة أو الألف سيئة عشرة آلاف حسنة مثلاً؟ نقول: على حسب التوبة، يعني المرجع هنا على حسب التوبة.
فإذا كانت التوبة عظيمة وجليلة وعادية جداً، فهنا التوبة تقلب هذه السيئات إلى حسنات وقد تكون أعظم من السيئات، يعني لا تكون مساوية للسيئات التي وقع بها، إنما قد تكون أعظم منها، وقد تكون مساوية لها فيحصل هذا الإنسان بتوبته ألف حسنة مقابل هذه الألف سيئة، أو قد تكون أقل من ذلك ويبدأ من ويبدأ من الصفر إذا كانت التوبة صحيحه. فالتوبة الصحيحة، التوبة الصحيحة لها مراتب:
المرتبة الأولى: أن تكون صفر، خلاص تقشع الأعمال القديمة، لكن ما يأخذ الإنسان على هذه الأعمال السيئة حسنات، لأن التوبة لم تقوى على قلب السيئات إلى حسنات، إنما أذهبت السيئات.
النوع الثاني من الناس: لا تقوى التوبة على تبديل حسناته تبديل سيئاته إلى حسناته.
الثالث: أن تكون التوبة أعظم من سيئاته، فيحصل الإنسان بهذه التوبة العظيمة من الحسنات أكثر بكثير من السيئات التي وقع بها، فهو فقط ليس الآن يبدل تبدل سيئاته بحسنات، ولكن حسناته أكثر من سيئات التي وقع التي وقع بها.
ثم بعد ذلك ذكر ابن القيم هذه الوقفة الثالثة: معنى التوبة. والآن يأتي تفصيل ابن القيم، وكلمات الإسلام عظيمة العمق، وليست كلمات هكذا قريبة، وبقدر فهم الإنسان لحقائق الدين يستوعب عمق الكلمات. وابن القيم وقبله ابن تيمية وكذلك ابن رجب، هؤلاء الثلاثة هم من أعظم من فهم هذه الكلمات. هذا المعنى ظاهر عند السلف الصالح رضي الله عنهم ورحمهم، لذلك الإطلاقات عندهم تكون بها يكون بها شيء من العموم، وكذلك في القرآن الكريم، هو القرآن الكريم يطلق مثل هذه الإطلاقات فالإحسان والحكمة المعروف.
ناتي كذلك هنا: التوبة، الاستغفار، التوحيد، التقوى؛ هذه كلمات عميقة جداً، المدرك لها من علماء الإسلام أو الواضح إدراكها من علماء الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن رجب. ابن تيمية وابن القيم وابن رجب، لذلك هنا لما تنظرون مثلاً لما تأتي عند كلمة مثلاً التوحيد، ما علاقة التوحيد مع العبادة؟ كلمة العبادة كلمة عميقة جداً، وكلمة التوحيد كلمة عميقة جداً، هل العبادة مطابقة للتوحيد، أو بينهما فرق وما هو الفرق؟
البر، كلمة البر، ما المراد بالبر؟ هل المراد بالبر حسن الخلق وهذا حديث، أو البر يشمل الدين كله كما جاءت في آية سوره البقرة: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ﴾ [البقرة: 177] الآية. ما المراد بالبر؟ هذه كلمة عميقة كذلك في الدين. فإدراك هذه الحقائق الكبيرة في الدين، من ادركها واستوعب أن هذه الكلمات ليست كلمات قريبه، إنما هي كلمات عميقة، هنا يبدأ الإنسان يستوعب حقائق الإسلام ويفهم ما لا يفهم غيره، ولا يستشكل ما يستشكله أكثر الناس. وأكثر الناس يستشكلون كثير من الآيات والأحاديث وكذلك كلام العلماء بسبب عدم فهمهم لنفس الإطلاقات، نفس الكلمات، فلذلك يستشكلون مثل هذا المال. ابن القيم مفتوح عليه في هذا الباب، ابن القيم مفتوح.
عليه فتح عظيم جدا في هذا الباب. لذلك هنا التوبة، التوبة يقول لك بأن التوبة مثل التقوى، التوبة مثل التقوى، فالمراد بالتقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخشى عقاب الله.
طيب، والتوبة هل فقط الرجوع من الذنب، أو الرجوع من الذنب إلى تنفيذ أمر الله؟ إذاً، هنا تركت المعصية وفعلت الطاعة، هذه التقوى فتكون هنا التوبة موافقة لكلمة التقوى. لكن هل كلمة التقوى مطابقة لكلمة التوبة من جميع الوجوه؟ لا شك الجواب لا، ليس بهذه الطريقة. إذاً، متى تكون التوبة؟ ما المراد بالتوبة وما المراد بالتقوى؟
أقول لك، هناك معنى قريب، ومعنى بعيد. المعنى القريب هو الذي ذكرته قبل قليل. المعنى البعيد تدركه لما تقرأ القرآن الكريم بالطريقة الصحيحة.
طيب، الوقفة الرابعة: الاستغفار والتوبة. ذكر ابن القيم بأن الاستغفار والتوبة بينهما علاقة، وبين المصطلحين وبين الكلمتين نوع تداخل، فالاستغفار مع التوبة مثل الإسلام مع الإيمان؛ إذا افترقا اجتمعا، وإذا اجتمعا افترقا. فالايمان يشمل الإسلام، والإسلام يشمل الإيمان، لكن لما يكون الإيمان مع الإسلام في سياق واحد، كما في حديث جبريل، هنا يكون الإسلام مراد به الأعمال الظاهرة، والإيمان مراد به الأعمال الباطنة.
كذلك التوبة مع الاستغفار، فكلمة التوبة وكلمة الاستغفار إذا افترقتا اجتمعتا، وإذا اجتمعتا افترقتا، فيكون المراد بالاستغفار إذا اجتمع مع التوبة أي طلب المغفرة من الذنوب السابقة، ويكون المراد من التوبة طلب الحماية والحفظ من الذنوب التي يخشى الإنسان أن يقع بها في المستقبل؛ فهو يتوب ويعزم على عدم العودة، فيرجو من الله ويطمع من الله سبحانه وتعالى ألا يقع بالذنب بعد ذلك، ألا يقع بالذنب بعد ذلك.
ثم بعد ذلك الوقفة الخامسة: قال ابن القيم وذكر التوبة النصوح، وذكر كلام العلماء الكثير في التوبة النصوح. التوبة مثل ما ذكرنا هي على مراتب، ليست على مرتبة واحدة، وأعلى التوبة هي التوبة النصوح. التوبة النصوح تجب ما قبلها. التوبة النصوح تعيد ما تهتك، وتخيط ما تهتك من دين الإنسان. لذلك سميت التوبة بالنصوح، فكلمة هنا النصح تأتي على عدة معاني، من ضمنها الخياطة؛ نصحت الثوب أي خططته.
فالتوبة النصوح تجمع وتخيط ما تهتك من دين الإنسان، فالإنسان لما يقع بذنوب ومعاصي يمزق دينه، يمزق دينه، لكن لما يتوب إلى الله سبحانه وتعالى تكون توبة عظيمة جداً تخيط هذه التوبة ما تهتك من دين الإنسان.
هذه التوبة النصوح كيف تكون؟ ذكر ابن القيم لها عدة شروط، ولا أريـد الآن أن أتكلم عن هذه الشروط، إنما أريد أن أتكلم عن تحقيق التوبة النصوح بالواقع. الشروط واضحة وبينة، لكن كيف الشخص يتوب إلى الله سبحانه وتعالى توبة نصوح؟ كيف الشخص في التطبيق العملي يتوب إلى الله سبحانه وتعالى توبة قوية؟
أقول لك: التوبة النصوح تكون من خلال أمرين اثنين: الأول أن تسال الله سبحانه وتعالى كثيراً وليس قليلًا بأن يعينك عليها وأن يبلغك إياها، فليس الكل يتوب إلى الله توبة نصوحة، بل القليل وأقل القليل من تكون توبته بهذه الطريقة. أكثر الناس توبتهم عادية، يعني يرفع يديه ويدعو الله سبحانه وتعالى دعاء عادياً ثم بعد ذلك ينصرف كأن ما فعل شيئاً. لا، التوبة النصوح ليست بهذه الطريقة.
التوبة النصوح هو أن تندم إلى أن تموت على الذنب الذي وقع منك، ولكن ما يحملك هذا الذنب على القنوط من رحمة الله، إنما يحملك هذا الذنب على الاكثار من الطاعات، وعلى الحياء من الله، وعلى عدم العودة إلى هذا الذنب ولو قطعت وحرقت.
التوبة النصوح أن شخصاً يرجع إلى الله سبحانه وتعالى رجوعاً حقيقياً، ويستحي من الله سبحانه وتعالى، ويكثر من الأعمال الصالحة. فالتوبة النصوح يكون وقودها عالي في قلب الإنسان؛ فهي تدفع الإنسان دائماً لإكثار من الطاعات، وكذلك تحمله دائماً على الانكسار لله سبحانه وتعالى.
تقول لي طيب كيف أفعلو هذا الشيء؟ أقول لك بأمرين اثنين: الأول ذكرت الدعاء، هذا تستطيع فعله لوحدك. مستحيل ما تستطيع، لابد أن تدعو. طيب كيف تدعو؟ يعني لابد أن تحمل نفسك على الدعاء وتحضر قلبك بقوة، وتلزم قلبك بأن يدعو، وألا ينصرف لا يمين ولا يسار، وألا يعتاد على الذنب وألا يعتاد على الوقوع بهذه الأشياء، إنما تدعو الله وتدعو الله وتدعو الله، هكذا مرة بعد مرة بعد مرة بعد مرة بعد مرة، هكذا حتى إن الله سبحانه وتعالى يعطيك قلبك ويفتح قلبك.
قبل هذا الفعل ما يفتح عليك، لا، مستحيل لا يمكن، يعني قبل أن تتعامل مع الله هذا التعامل، يعني تعاملك تعامل مستغني. الذي يريد التوبة النصوح ما يتعامل مع الله تعامل مستغني، إنما يتعامل مع الله تعامل عبد، تعامل ذليل، تعامل منكسر؛ فيرجع له يقول: يا ربي أحضر قلبي، يا ربي تب علي، يا ربي تقبل مني، يا ربي، يا ربي، يا ربي هكذا، حتى لو قلبه ما كان يحضر في البداية، يدعو حتى يحضر قلبه.
هنا الله إذا نظر إلى مجاهدتك يعطيك التوبة النصوح. التوبة النصوح هذه ليست توبة لكل أحد، ليست كل هذه. داود عليه السلام لما وقع بالذنب ثم اصبح بعد الذنب أفضل منه قبل الذنب، وذكر ابن القيم هنا الأثر ونقله المحقق، وذكر ابن القيم كذلك الأثر هذا في كتب أخرى ونسب إلى داود عليه السلام، وقال في بعض الآثار هنا لم ينسب إلى داود، لكن بطريق الجرين وغيرها نسب إلى داود عليه السلام فقال: يا داود، كنت تدخل، الله يقول: يا داود، كنت تدخل علي دخول الملوك على الملوك، والآن أصبحت تدخل علي دخول العبيد على الملوك بهذا الذنب.
ثم بعد التوبة النصوح فهنا الله رفع داود عليه السلام. لكن هذا ما لكل أحد، ليس كل أحد يصنع الذنب فيثمر التوبة النصوح. التوبة النصوح أعظم من كثير من الأعمال الصالحة، من كثير من الأعمال الصالحة التي يعملها الإنسان في حياته. ممكن شخص يعمل عشرين سنة أعمال صالح، وآخر يتوب توبة نصوح واحدة تكون أعظم عند الله وأثقل في الميزان من هذه الأعمال الصالحة عشرين سنة، وتثمر فيه من الإيمان والحب والتعظيم والاجلال والخوف والإنابة ما لا تحمله هذه الأعمال الصالحة.
مع أن الشخص بأعماله الصالحة يزداد إيماناً ويعظم إيمانه ويرتقي في مدارج العبودية، ولكن ما يكون أثر هذه الأعمال على قلبه مثل أثر التوبة النصوح. فتوبة النصوح تكون محرقة للذنوب والمعاصي، وتكون جامعة للدين، وتكون مرقية للعبد ورافعة له رفعة عظيمة جداً، فيسبق من كان يسبقه بالأعمال بسنوات كثيرة، لكن بشرط أن تكون بهذه القوة.
طيب هذه كيف تكون؟ مع التحرك القلبي، مع الدعاء ثم الدعاء ثم الدعاء. لابد أن تثبت لله سبحانه وتعالى بأنك عبد، وأنك تريد الله سبحانه وتعالى، وأنك قاصد الله سبحانه وتعالى، وأن لو كانت نفسك لا تريد، ولو كان قلبك منصرف، أنت بمجاهدتك تريد أن تعيدها. هل تستطيع؟ ما تستطيع أنك تعيدها، لكن الله لما ينظر إلى مجاهدتك سيعطيك قلبك، والله لما ينظر إلى مجاهدتك سينقي نفسك.
أما قبل ذلك، هذا الإنسان يعيش هذا لا يعرف من هو الله. قبل ذلك العبد ما يتعامل مع الله تعامل العبد، إنما يتعامل مع الله تعامل الملوك أو تعامل مستغني؛ فيذنب ثم يقول: ربي إني أذنبت فاغفر لي، ثم ينصرف فيعيش حياته كأنما لم يفعل شيئاً، نسال الله السلامة والعافية. لا، هذه ليست توبة نصوحية، هذه ليست توبة حقيقية، هذه توبة إن كانت توبة فهي عادية، ليست توبة النصوح العظيمة التي تثمر في الإنسان التعظيم والخوف والإجلال.
والتوبة النصوح ما توقع صاحبها باليأس والقنوط من رحمة الله، إنما تحمل صاحبها على الإكثار. لذلك الله إذا أحب عبداً خيراً -وهذا كلام نفيس ذكره الإام هنا- إذا الله أحب أن يصيب عبده بخير وأن يرقيه، يوقعه بذنب معين فتصرف، بل قد يقع بكبيرة من الكبائر هذا الإنسان، ولكن هذه الكبيرة تظل مع الإنسان حتى يموت، ويظل هذا الإنسان يعمل ويعمل، ويستحي ويخجل من الله سبحانه وتعالى من هذا الذنب أن يلقاه يوم القيامة، حتى يلقاه سبحانه وتعالى، فتجد هذا الإنسان يكثر من الطاعات، ولا ينظر إلى الطاعات على أنها هكذا تطغيه، إنما ينظر إلى ذنبه فيكون ذنبه محركاً له ودافعاً له، هذا هو الذي يتوب توبة نصوح، هذا هو الذي يتوب توبة حقيقية.
إذاً، الأمر الأول والمهم جداً: الدعاء والإكثار من الدعاء، ولا أقول فقط الدعاء، بل أقول: الإكثار من الدعاء مرة بعد مرة بعد مرة هكذا حتى يفتح الله عليك. تقول: ما أدري أنا، لا أعرف متى سيفتح الله، لكن لابد أن تصدق مع الله، ومن صدقك هو هذا دعاء الله سبحانه وتعالى الدعاء الحقيقي.
هذا الأمر الأول. الثاني: التقرب إلى الله بما تستطيع من أعمال. تقول لي كيف يعني؟ أقول لك: افعل الأعمال التي ما يفعلها أحد، هذه توبة نصوح. طليحة بن خويلد الأسدي لما ادعى النبوة -طبعا هذا ذنب، يعني هذا لم يكن فقط ذنباً، بل ادعى نبوة، يعني كذب على الله- بعد ذلك تاب، فلما تاب وجاء معركة القادسية كان يقاتل قتَالاً لا نظير له ولا شبيه له، حتى كان يقول الفرس لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وأرضاه: من هذا الرجل الذي قتل منا ثلاثة، الواحد منهم كان يساوي عندنا ألفاً؟ فقال: هذا طليحة بن خويلد الأسدي.
فهذا الرجل ادعى النبوة، ودخل ألف من الناس بسبب النار، لكن بعد ذلك تاب إلى الله توبة بهذه الطريقة. هذا هو الذي يعين الله. الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً، ثم قتل بعد ذلك العابد، وكمل به المائة، ثم بعد ذلك ذهب إلى العالم وسأله: هل لي من توبة؟ فقال: نعم، بشرط أن تخرج من هذه البلاد فإن بلادك بلاد سوء، وتذهب إلى بلاد أخرى فيها أناس يتعبدون الله فاعبد الله معهم. فذهب وفي الطريق حضرته الوفاة، فوجه صدره إلى البلاد الصالحة، هذا توجيه الصدر دليل على الصدق، هذا النوع الثاني.
إذاً، التوبة النصوح لا يمكن أن تكون إلا بأمرين اثنين يا شباب: الأمر الأول: الإلحاح، الإلحاح بالدعاء حتى لو قلبك ما يحضر، حتى لو نفسك ما تحضر، افعل كل ما تستطيع حتى تحضر قلبك. افعل، اجتهد، قاوم، حتى الله يعطيك قلبك، الله لن يعطيك قلبك إلا إذا صدقت معه، قبل ذلك لن تنال الخشية الكبيرة ولا التعظيم الكبير.
الأمر الثاني: العمل الصالح، يعني الأعمال التي ما يفعلها أحد، الأعمال التي بها منازعة نفسية هذه لا تفرط بها. الأعمال التي بها منازعة، اعمل الأعمال العامة، لكن الأعمال العامة ليست توبة نصوح، التوبة النصوح تكون مع الأعمال التي بها منازعة، بها منازعة. يعني ياتيك شخص ويسألك مالاً وليس قريباً لك ولا كذا، وأنت تعطيه فقط ترجوه عند الله، ثم تلتفت وتنظر إلى السماء تقول: يا ربي اغفر لي، يا ربي تقبل مني، يا ربي اجعل هذا من التوبة النصوحة.
وهكذا تستمر بالأعمال التي بها منازعة، وليس الأعمال التي لا توجد بها منازعة. الأعمال التي لا توجد بها منازعة صاحبها لم يتُب توبة نصوح، إنما الأعمال التي توجد معها منازعة نفسية وصراع نفسي وجذب نفسي، هنا الإنسان يحمل نفسه على أن تفعل الذي يريد الله سبحانه وتعالى، هذا الإنسان صادق بتوبته، هذا حقيقة تاب إلى الله توبة نصوح، هنا نستطيع أن نقول بأن شخصاً تاب توبة نصوح.
لذلك، عليك بالإلحاح بالدعاء، وعليك باثبات صدقك عند حلول المنازعة النفسية. إذا وجد هذا وهذا، أبشر بالتوبة النصوح، أبشر بالتوبة الصادقة، هنا الله سبحانه وتعالى سيعينك ويعطيك ما لا يعطي غيرك، ويفتح عليك ما لا يفتح إلا على الصفوة من خيار الله، من خيار خلق الله سبحانه وتعالى.
الوقفة السادسة والأخيرة المتعلقة بالصغائر والكبائر: ذكر ابن القيم كلاماً طويلاً، وذكر كلام العلماء بضابط الفرق بين الصغيرة والكبير. وأريد أن أتكلم عن هذه الوقفة بأمرين اثنين أو بوقفتين اثنتين داخل هذه الوقفة. الأولى: الضابط بين الصغيرة والكبيرة. هل في الإسلام ترتيب معين للذنوب والمعاصي؟ نعم، ولا شك، والنصوص تدل على ذلك.
الله يقول: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّر عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: 31]. إذاً، هناك كبائر وهناك صغائر. وهذه الصغائر جاءت النصوص بإطلاق مصطلح محقرات الذنوب، وكذلك صغار الذنوب كما جاء في الحديث، وكذلك اللمم. وهناك كبائر، أكبر الكبائر الشرك بالله، والكبائر كثيرة، وضابط الكبيرة هو ما فيه حد بالدنيا أو وعيد بالآخرة. مثل السحر -طبعا هذا لا شك أنه كفر، وكذلك الكفر بالله سبحانه وتعالى- كذلك الزنا، كذلك الربا، الخمر إلى آخره، هذه كلها كبائر.
وهناك صغائر، وهي ما دون هذه الكبائر، أي التي ليس بها حد في الدنيا ولا وعيد في الآخرة، فهذه تكون من الصغائر مثل الغمزة واللمس والنظر إلى آخره، هذه كلها من الصغائر. هذه الوقفة الأولى، هذا الضابط واضح وبين، وهو قول ابن عباس، وكذلك سفيان بن عيينة، والامام أحمد، ورجح ابن تيمية وابن القيم وجماعة من العلماء، وهذا هو الظاهر.
الوقفة الثانية: الأمر المتعلق بحال قلب الإنسان. الحال قلبي هنا، العلماء منهم من يقول بأن بأنه لا توجد صغائر، مثل ما ذكر ابن القيم هنا كلام أبي اسحاق، والقصد هنا كما ذكر هنا الإمام كذلك، بأنها بأن هنا باعتبار النظر إلى من عصى العبد. بمعنى: الإنسان لا يتعامل مع المعصية على أنها كبيرة أو صغيرة.
الترتيب حتى نعرف بأن هذه صغيرة وهذه كبيرة، ولكن في التعامل الصغيرة قد تكون في حق الكبيرة إذا كان معها استخفاف، والكبيرة قد تكون في حق الشخص صغيرة إذا كان معها تعظيم وحياء من الله سبحانه وتعالى. فهنا أثر القلب مؤثر تأثير كبير جدا على تقدير المعصية؛ فقد تكون هذه السيئة في الدين أو هذه المعصية في الدين قدرها ألف سيئة، لكن العبد لما وقع بها وقع وهو مستحي من الله، وجاهد نفسه على عدم الوقوع، وحاول يدفع المعصية لكن نفسه غلبته فوقع بها. هذا صحابي كان باب الخمر والخمر كبير من كبار الذنوب، وصاحبها ملعون، ومع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تلعنوه». طيب، كيف لعن الله شارب الخمر وهنا يقول: «لا تلعنوه، فانه يحب الله ورسوله»؛ لأنه ما أراد الوقوع بالمعصية، ولأن عندهم التعظيم والاجلال والخوف والتعظيم لله الشيء الكبير، ولكن نفسها غلبته. وليس معنى هذا أن شخص تساهل؛ لو تساهل هذا يدل على أنه ما عظم الله سبحانه وتعالى. هو نفسه ما يقول هذا الشيء، نفس هذا الرجل ما يقول هذا، إنما النبي صلى الله عليه وسلم هو هنا يبين مرتبة هذا الإنسان، لكن هو نفسه ما يقول بأني أنا أفعل المعصية ولا أباليها، مستحيل، لكن يجد هذا الإنسان ما يقبل يبيع الخمر ولا يمكن أن يساهم في بيع الخمر. لماذا؟ لأن المساهمة في البيع هذا دليل على عدم التعظيم لله سبحانه وتعالى، لكن هو يشربها؟ نعم، ممكن يشربها، كيف يشربها وكذا مبتلى؟ لا تجابه غيرها مبتلى، نفسها متشربة للمعصية ويقاومها وتغلبها، ويقاومها وتغلبها، وهكذا.
فهنا الإنسان قد يقع بكبيرة ولكن يكون مقاوم لها مدافع لها. وهذا المعيار الثاني؛ هذا قول أنس بن مالك: إنكم تعملون أعمالا كنا نعدها في زمان النبي صلى الله عليه وسلم من الموبقات، والناس ينظرون إليها على أنها دق من الشعر. لماذا دق من الشعر؟ لأن التضبب عندهم ليس كبير. وهذا هنا ميزة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ أن الصحابة رضي الله عنهم ورضاهم كانوا يجتنبون المعاصي حياء من الله وخوفا من الله سبحانه وتعالى. وهذا معنى قول سعيد بن المسيب لما قال له مولاه بأني رأيت ناس في المسجد يصلون بين الظهر إلى العصر، يصلي الرجل الظهر ثم يبقى هذا الرجل في المسجد يصلي حتى صلاة العصر، فقال: ليست هذه في العبادة، إنما العبادة الكف عن محارم الله والتفكر في أمر الله. هنا الكف عن محارم الله؛ لأن هذا الإنسان يخشى عقاب الله وعنده تعظيم لله وإجلال له سبحانه وتعالى، فما يتعامل مع الذنب على أنه شيء يسير.
طيب، هل معنى هذا أن العبد الصالح ما يقع؟ يقع العبد الصالح، لكن كيف يقع العبد الصالح؟ لما يقع بالذنب ما يقع بالذنب المتعلق بالتعظيم مستحيل إلا أن يتوب توبة نصوحا، يعني هو في حال وقوع بهذا الذنب هذا خرج منه الصلاح. أيش يعني الذنب المتعلق؟ مثل في سب الدين والعياذ بالله، أو الطعن بالاسلام، أو الاستهزاء بأحكام الله، أو إلى آخره من الذنوب المتعلقة بالتعظيم، هذه لا يمكن أن يقع بها العبد المحب لله والمعظم له؛ لأن هذا ينافي التعظيم، هذا نوع من الذنوب ينافي التعظيم. وهذا قد يقع به بعض الناس تساهم؛ يقول هكذا بعض العبارات التي يستعظم شخص ويقشعر بدنه من سماعها، خاصة من الصالحين، خاصة لما يجتمعون بعض الناس الذين يعتادون، ويكون هو قد يكون طالب علم ويكون كذا فيعتاد، فيضحك ويكون هكذا بعض ضحكه متعلق بأحكام الله سبحانه وتعالى، وقد لا يقصد هذا الشيء ولكن هو يتساهل في هذا الأمر، هذا قد يوقعه في معاصي كبيرة، نسأل الله السلامة والعافية. لكن المعظم لله ما يقع بهذا الشيء.
القصد من ذلك أن الذنوب المتعلقة بالتعظيم ما يقع بها العبد المحب لله سبحانه وتعالى المعظم له. أي نوع من الذنوب يقع بها؟ يقع في الذنوب المتعلقة بالنفس وليس التعظيم. يعني أيش النفس؟ يعني هو ضعيف في هذا الباب، فيأتي الشيطان ونفسه الأمارة بالسوء فيسقطانه، فيسقط. نعم، هذا يقع به، لكن لما يقع كيف يقع؟ لما يقع بهذا النوع من الذنوب والمعاصي، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، كيف يقع؟ هل يقع وقوع الشخص الذي لا يبالي؟ أو يقع وقوع الشخص المدافع، يعني هو يصارع ويصارع ثم يسقط، فأيمانه ما يقوى لكن هو ما يستسلم، فيغلب الشيطان وتغلب النفس الأمارة بالسوء وما يكون عنده رصيد كبير، فهنا طبيعي يقع، هنا طبيعي جدا بأنه يقع، فيقع حتى بعد ذلك يتوب، فلما يتوب يكون حاله أفضل من حال الأول إذا كان بهذه الطريقة، إذا كان بهذه الصورة وهذه الطريقة فيقاوم ويجتهد ويبتعد عن مكان المعصية ويبذل الذي يستطيع. لكن مع هكذا ضعف النفس ومع قوة الشيطان ومع الضعف هو قد يكون في لحظة فتور مثلا أو لحظة هكذا تعب إلى آخره، هنا ممكن يقع، لكن ما يقع من غير مدافعة مستحيل، إنما يدفع، فلما يقع يقوم مباشرة ويتوب إلى الله ويكثر ويتبع السيئة الحسنة تمحها، هكذا يتعامل مع الله سبحانه وتعالى العبد الصالح. فهذا الذنب لما يكون معه حياء، معه خجل من الله، معه توبة، معه استغفار، لا يكون كبيرا، كما قال ابن عباس: لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار. الصالح ما يتعامل مع الصغيرة على أنها هكذا ذنب عادي، إنما يخاف من الله، فحتى لو وقع يرجع ويتوب ويقاوم. إنما يقع، لكن الشخص اعتاد الصغيرة واستمر الوقوع بالصغائر هنا قد تصبح في حقه كبيرة.
والشخص الذي يقع بالكبيرة ويدافعها ويدفعها ويستحي من الله سبحانه وتعالى ويتوب له سبحانه وتعالى مباشرة، ولا يقع وقوع هكذا الذي يستمر بالمعصية، إنما بمجرد أن تضعف نفسه يقوم هكذا، يعني هو ما يتعامل بعض الناس يا شباب إذا أذنب خلاص هكذا ينبطح يطجع ما يقوم صبت ويبدأ. لا، الصالح ليس بهذه الطريقة، الصالح مباشرة ينفض عنه الغبار. مباشرة ينفض عنه الغبار ويقوم ويتوب ويصلي ويتصدق وهكذا يدعو الله سبحانه ويستغفره، ويتبع نفس المكان الذي أسأ فيه يقرأ في جزء من القرآن، نفس المكان أسأ فيه يقرأ في خمسة أجزاء، نفس المكان أسأ فيه يقوم يصلي حتى ما يكون هذا المكان شاهد على معصيته فقط، إنما يكون شاهد على صلاحه كذلك. هذا إنسان صالح، هذا هو الإنسان الصالح. أما شخص أنه يقع في المعصية ثم يحمل المعصية على القنوط من رحمة الله، أو على الاستمراء، استمراء المعصية والتساهل؛ لأن اعتياد الذنوب والمعاصي يضعف أثرها في القلب. الشخص إذا كان صاحب إيمان، إيمانه يجعله ينفر من المعصية، فإذا وقع فيها إذا ما حافظ على إيمانه وما حافظ على هكذا شعوره بالحزن أو شعوره بـكيف أني وقعت بهذه المعصية، هذا الشعور نفس اللوامة إذا ما حافظ عليها سيستمرها ويعتادها ويصبح هذا أمر عنده أمر عادي، خلاص! هذا خطير جدا، هذا أخطر من نفس الذنب نعتاد على الذنب.
لذلك لا يتعايش شخص مع المعصية؛ إذا كنت في مكان في اختلاط لا تتعايش مع الاختلاط، يبقى الاختلاط حراما، تبقى الموسيقى حراما، يبقى يعني لا تسمع الموسيقى وخلاص اعتدنا هذا الشيء. انتبه من كلمة اعتدنا؛ احفظ إيمانك في قلبك، واجعل قلبك دائما يكره المعصية، وأحضر هذا الإيمان فيه، واستنكر هذه المعصية، وهكذا حتى يضع أثر على وجهك، هنا يحمى بإذن الله إيمان الإنسان، حتى لو وقع بهذه المعصية، حتى لو وقع فيها وزل أحيانا، مباشرة يرجع ويتوب إلى الله سبحانه وتعالى، ولا يستمر المعصية ويعتاد ويعتاد المعصية.
هذه الوقفة السادسة والأخيرة، ويبقى أمر مهم كذلك في هذا الورد، وهو قراءة كلام ابن القيم رحمه الله تعالى. لا أريد الآن أن نعلق عليه، لكن بودي أن تقرأوا كلام ابن القيم في شرحه لأثر أثر التوحيد في قمع الذنوب والمعاصي، وبأن العلاقة بين التوحيد وتعظيم الله سبحانه وتعالى وإجلاله والخوف منه وأن كيف الإنسان لا يمكن أن ينصح توحيده إلا بهذه المعاني الإيمانية القلبية. هذا الكلام الذي ذكره هنا الإمام من يفهمه يفهم الأحاديث النبوية الواردة في هذا، ولا يتعامل معها تعامل الشخص الذي يتعامل مع العلم تعامل نظري صرف أو تعامل علمي صرف، من غير فهمه لنفس الحقائق الإيمانية التي جاءت بها الشريعة الإسلامية. هذا كلام نفيس جدا، ويستنكره الكثير ممن لا يفقه هذا الكلام ولا يفهمه، فلذلك يستشكل الأحاديث الواردة ويتعامل معها تعامل عجيب، وهذا هو الذي هذا عدم هذا سبب عدم إدراك الحقائق.
فهنا حقيقة الذنب مع حقيقة التوحيد وأثر التوحيد: لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة. هذه حقيقة الذنب وحقيقة التوحيد، إذا فهمتها ستفهم هذه الأحاديث. والذي لا يفهمها يتعامل معها تعامل مثالي خطير في هذه الأبواب، فلا يفهم حديث البطاقة ولا يفهم هذا الحديث، ولا يفهم كذلك حديث اعتبار بن مالك: «فإن الله حرم على النار من قال لا اله الا الله يبتغي بذلك وجه الله»، «لا إله إلا الله» ومع ذلك يبتغي بذلك وجه الله. كيف ذلك؟ هل المعنى هذا يقع بكبائر هو يقول هذه الكلمات؟ وكيف يكون أثر هذا خلاصه وخوفه وخشيته؟ ذكر كلاما نفيسا جدا في هذا الأمر، وهذا في كشف لحقيقة مثل هذه المعاني، فيحسن بالشخص يقرأها قراءة المتأمل المتبصر بها حتى ما يستشكل هذه الأحاديث. وهذا الكلام لا وجود له في كتب شروح الحديث، فكلام الإمام هنا ما تجد في من يشرح في هذه الأحاديث، فالشرح لا يكون مثل ما شرح هنا الإمام. هذا كلام نفيس جدا وعالي، ومن المهم يعني قراءته والتأمل فيه والنظر فيه ومحاولة تحقيقه، محاولة تحقيق التوحيد الوارد في هذه الأحاديث.
إذا هذا بعض ما يتعلق بمجلس اليوم، والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري