الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن واله، ثم أما بعد. فأحييكم إخواني جميعاً وبياكم، وسدد على طريق الخير خطاكم. نكمل مدارسة كتاب مدارج السالكين، وكنا قد تووقفنا في اللقاء الماضي عند حديث المصنف رحمه الله تعالى عن التوحيد.
تكلم المصنف رحمه الله تعالى في ورد اليوم عن التوحيد وفصل فيه، وكذلك عن الشرك، وبين بأن هذا الفصل من أنفع فصول الكتاب على الإطلاق. كلمة التوحيد هي الكلمة التي بعث بها جميع الرسل؛ فجميع الرسل بعثهم الله سبحانه وتعالى حتى يقرروا للناس حقيقة التوحيد: لا إله إلا الله. وبعد ما يقوم الرسول بإبلاغ الرسالة وبيان الحق، يستجيب له من يستجيب، ثم بعد ذلك تنزل العقوبة الإلهية العامة على من يكفر بالله سبحانه وتعالى فلا يبقى إلا التوحيد.
ثم بعد ذلك يرجع الشرك مرة أخرى ويعود، ويبدأ أهل الخير والصلاح يدافعون ويدفعون، حتى يبعث الله الأنبياء، حتى بعث خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام. وقام النبي صلى الله عليه وسلم بأعظم ما قام به نبي في بيان الحق وبيان التوحيد وإقرار دين الله سبحانه وتعالى. ثم بعد ذلك قام صحابته الأجلار رضي الله عنهم وأرضاهم بنشر التوحيد، وأصبح الصراع بين الشرك وبين التوحيد مستمراً وسيستمر هذا الصراع إلى آخر الزمان.
القصة من ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم استطاع أن يقضي على الشرك في جزيرة العرب، وحميت هذه الجزيرة من الشرك، وانتشر بعد ذلك الإسلام حتى وصل إلى الصين شرقاً وإلى الأندلس غرباً، واستقر التوحيد في هذه البقعة من الأرض. ثم بعد انقضاء هذه الأزمنة المفضلة، أي جيل الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، بدأ يعود الشرك، ولكن شرك التأويل.
التأويل وجد قبل ذلك في زمان علي رضي الله عنه وأرضاه لما خرجت الخوارج، وكذلك بدأت البدع تخرج فخرجت الخوارج، وكذلك المرجئة والرافضة وبقية الفرق. وبدأت هذه الفرق تنمو وتشتهر ويرد عليها أهل العلم والعمل من علماء الإسلام، وبدأت هكذا تنتشر وتنتشر حتى انتشرت وعمت، وأصبح هناك مشكلة كبيرة داخل الأمة بالتاويل. ومن ضمن ما دخل التأويل، دخل التأويل في جميع أبواب التوحيد، بما فيه توحيد العبادة، فتوحيد العبادة هو التوحيد الذي جاءت الرسل بتقريره.
ودخل التأويل في توحيد العبادة، فأصبح في داخل الأمة من يقع بالشرك بالله سبحانه وتعالى في توحيد العبادة، تحت مسمى أن هذه العبادة ليست عبادة، والعبادة لا تكون إلا مع اعتقاد الربوبية. وهذا الصرف إنما هو من أجل كذا وكذا وكذا، ونحن لا نصرف هذا العمل للطالحين إنما نصرف للصالحين، وهكذا فبدأ الشيطان يلبس على هؤلاء، ووقع الشرك بتوحيد العبادة. والشرك بتوحيد العبادة لم ينتشر في الأمة إلا في أواخر القرن الثالث، أما قبل ذلك لم يكن الشرك في توحيد العبادة موجوداً، إنما كان هناك صراع في توحيد الأسماء والصفات، كما تعرفون في قضية خلق القرآن، وكذلك في مسمى الإيمان ومعنى كلمة الإيمان، وهل يدخل العمل في الإيمان أو لا يدخل، الصراع مع المرجئة وكذلك مع الخوارج والمعتزلة وهكذا.
لكن بنفس توحيد العبادة، بنفس لا إله إلا الله وصرف العبادة لغير الله، هذا ما وجد إلا في أواخر القرن الثالث، أو ما انتشر وفشى إلا بأواخر قرن الثالث. ثم بعد ذلك بدأ هذا الامر ينتشر في بعض البلدان، وكان في البداية من العراق بسبب الرافضة لما حكمت دولة بني بويه وسيطرت على الخلافة العباسية، بدأوا يعمرون المشاهد وبدأت العبادة تصرف لغير الله. ثم بعد ذلك تعرفون بأن الشيعة قد حكموا المغرب، ثم حكموا بعد ذلك مصر قرنين من الزمان حتى قضى عليهم الصالح صلاح الدين الأيوبي، الإمام الناصر صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى.
القصة من ذلك أنه بدأت الآن تنتشر الأخطاء، وبدأ نفس توحيد العبادة يقع به اضطراب، وبدأت كلمة الإله تحرف عن معناها. فاسم الله الذي هو بمعنى المعبود بالاتفاق، بدأت تحرف على معناها، ويكون معنى الله القادر على الاختراع، فلا إله إلا الله أي لا قادر على الاختراع أي لا خالق إلا الله. فبدأ توحيد الألوهة يفسر بتوحيد الربوبية. ثم بعد ذلك بدأ جماعة من المتكلمين يتاولون هذه النصوص ويفسرونها بطريقة خاطئة، فبدأ الشرك في الألوهية ينتشر ويقع ويعم.
ثم بعد ذلك لما يوجه هؤلاء ويقال لهم بأنكم الآن وقعتم بما حذر الله سبحانه وتعالى به في كتابه العظيم، فيقولون نحن لم نعبدهم من دون الله إنما نحن نتخذهم شفعاء يشفعون لنا عند الله، وهذا هو عين قول المشركين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّه زُلْفَىٰ﴾، وقالوا هؤلاء شفعاؤنا عند الله. ولكن الاشكال الذي وقع عند هؤلاء المتأخرين، وهذه كلمة نفيسة جداً وغالية من ابن القيم رحمه الله تعالى يبين الحائل بين القلوب وبين فهم القرآن هو أنهم لم يفهموا حقيقة الشيء. قال في صفحة رقم خمسمائة وتسعة وعشرين: أقرأ عليكم هذا الكلام النفيس من الإمام رحمه الله تعالى الذي يكشف سبب الإشكال الذي وقع عند هؤلاء الذين وقعوا بشرك من غير معرفة منهم.
قال: والقرآن مملوء من أمثالها ونظائرها ولكن أكثر الناس لا يشعر بدخول الواقع تحته وتضمنه له، ويظنه في نوع وقوم قد خلوا من قبل ولم يعقبوا وارثاً، وهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن. وثم بعد ذلك ذكر قول عمر رضي الله عنه وأرضاه: إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية. وهذا لأنه إذا لم يعرف الجاهلية والشرك وما عاب القرآن وذمه، وقع فيه وأقره، وهذه هي المشكلة.
هذه المشكلة الكبيرة؛ فيأتي شخص ويقرا القرآن الكريم، وهو يكون قد اعتاد على شيء معين من الخطاب الذي يظن هذا هو خطاب القرآن الكريم. فهو لما يقرا خطاب القرآن الكريم، يظن بأن الخطاب الذي تلقاه من المدرسة أو تلقاه من المكان الذي تلقى منه الدين، أن هذا هو نفسه عين الدين. فلما يقرا القرآن الكريم هو لا يشعر أبداً بأن هذه الآيات تنزل عليه، وأنه هو الآن واقع بما وقع به هؤلاء الذين حذر الله سبحانه وتعالى من طريقهم وبين كفرهم، وأن الكفر له حقيقة، لكن أكثر الناس ينفرون من الكفر ككلمة، ولكن قد يقعون بها كحقيقة، هذه المشكلة.
إذاً لابد أن يرجع الإنسان ويعرف ما المراد بالتوحيد. ما المراد بالتوحيد؟ التوحيد المراد به إفراد الله سبحانه وتعالى بما يستحقه، إفراد الله سبحانه وتعالى بإلهيته وبربوبيته وبأسمائه وصفاته. والله سبحانه وتعالى هو المعبود، فكلمة الإله المراد بها المعبود كما يقول ابن عباس وجماعة، وهنا لا إله إلا الله أي لا معبود بحق إلا الله، لا معبود بحق إلا الله. وهذه الكلمة يقولها جميع المسلمين، جميع المسلمين لا يكون شخص مسلماً إلا إذا شهد بهذه الشهاده، لكن لهذه الشهادة مفاتيح، لهذه الشهادة شروط، إذا لم تتحقق هذه الشروط بهذه الشهادة هنا شخص قد يقع بالشرك بالله سبحانه وتعالى من حيث لا يشعر.
وذكرت في التعليق على كتاب العبودية للإمام ابن تيمية مقدمة، أتصور بأنها مهمة، متعلقة بتوحيد العبادة والخلل الذي وقع عند الناس في هذا التوحيد وهكذا، يعني بعض السرد التاريخي المتعلق بالإشكال الذي وقع عند الناس. لكن هنا في المجالس لن أتعلق كثيراً حول هذا المعنى، وإن كان هذا هو أهم فصل، كما ذكر ابن القيم، أو أن هذا من أنفع الفصول في هذا الكتاب، لكن فقط هنا من باب التقريب لابد أن الإنسان يعتني بالتوحيد، لابد أن يعتني بالتوحيد حقيقة لادعاء الإشكال الكبير في زماننا نحن، الذي هو أعظم من الإشكال الذي وقع في زمان ابن القيم رحمه الله تعالى.
هو أن في زماننا المنتصر إلى الآن في الساحه الإسلامية أو في المشهد الإسلامي هم، بين قوسين، السلفيين، أو من يحمل معتقد أهل الحديث، ما زال هؤلاء هم الذين لهم الغلبه والانتشار في عامة البلدان. نعم، الآن بدأت البلدان تحارب هذا الطريق، وهو من زمان هذه المحاربة، لكن الآن بدأت المحاربة تكون أشد بكثير وأقوى بكثير. ولا شك بأن من داخل هذه المدرسة، مدرسة أهل الحديث، أو من يسمى ويزعم بأنه من أهل الحديث، لا شك بأن هناك جماعة كبيرة أخطأت الطريق وظلت من حيث تظن بأنها تنصر التوحيد.
وهذه الفتنة، وهذه الفتنة العظيمة التي هي في زماننا هذا الذي نعيش فيه، فنحن الآن نعيش في معركة كبيرة جداً، معركة التأويل ومعركة التنزيل، وأصبح الشخص إذا صار من يريد أن يبدل القرآن أو من يريد أن يرد القرآن الكريم، كما هو فعل الكفار، يقع في مشكلة في التعامل مع المتأولين. وهنا التأويل، كما ذكرت لكم في عدد من المجالس، فكذلك هنا بأنه فرق كبير بين المسألة التي تكون واضحة وبينة في الشريعة الإسلامية والتي لا يجوز للشخص أن يتاول فيها، إنما قد يعذر من يتاول، كما ذكر هنا الإمام ابن القيم، فالشخص هنا الذي أنكر بعض أفراد القدرة عذر الله سبحانه وتعالى بالجهل، لكن مع العذر هنا لا يجوز لنا أن نسكت وأن نقول بأن هذا الفعل صحيح، بل هذا لا يجوز وهذا من الشرك بالله سبحانه وتعالى.
إذاً لابد من البيان، لابد من البيان، لكن البيان طريقه للبيان طريقه، هذا لعل يكون في مواطن أخر. قصدي من هذا الكلام كله أن أبين فقط وأضع هكذا منارات أو علامات، بأننا في معركة كبيرة، وأن الإنسان مؤتمن على الإسلام، ولا بد أن يراعي الشخص ولا يتاثر بالواقع الذي يعيش فيه، التأثر الذي يحمل على كتمان بعض الحق بحجه كذا وكذا وكذا، إنما لابد أن يكون المرجح هو نفس الحق.
نعم، قد نكون في معركة مع من يريد أن يرد حكم الله سبحانه وتعالى، أو يريد من يغير الفطرة التي يقوم عليها الدين، وهذا واضح وبين؛ صراع العلمانية بشتى صورها وأقسامها وأشكالها قوي جداً، وليس صراعاً يسيراً ولا خفيفاً. والصراع اليوم مع اليهود والصراع مع المخالفين للحق المخالفة البينة الظاهرة، هذا كبير جداً وهذا كبير جداً وواضح وبين وجلي.
ولكن كذلك هناك صراع آخر، صراع التأويل، وهذا هو الصراع التاريخي الموجود. إذا كان موجوداً في زمان ابن القيم والذي قبله والذي بعده، هو صراع مع من ينفي علو الله سبحانه وتعالى، وكذلك مع من يقلل من شأن توحيد العبادة، أو من يذبح لغير الله ويزعم بأن هذا ليس من الشرك الأكبر، أو من يستغيث بغير الله سبحانه وتعالى. هذا الصراع كذلك صراع حق وصراع دين؛ فنعم لا نجعل الصراع الثاني مكان الصراع الأول، فلا نتعامل مع المتأول كما نتعامل مع الذي يصارع صراع التنزيل، لا شك أن هذا خطأ وخلط وهذا هو موجود في زماننا، هذه المشكلة التي موجودة.
ولكن كذلك لا يجوز لنا أن نسكت عن بيان توحيد الله سبحانه وتعالى التي هي أعظم ما، الذي هو أعظم ما جاء به الدين. أعظم ما جاء به الدين هو إفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة، إفراد الله سبحانه وتعالى بما يستحق، ولا يجوز أن يصرف العمل لغير الله سبحانه وتعالى أو تصرف العبادة لغير الله. ولا نحتاج ونقول بأن هذا الأمر وجد من قرون ووقع هكذا الخلاف في هذه الأشياء، إذا خلاص مادام هذا الأمر موجوداً إذا نستقر عليه ونسكت ولا نبين هذا التوحيد. إذا سكتنا على التوحيد، وإذا لم نجتمع على التوحيد فعلى ماذا نجتمع؟ وإذا ما افترقنا على التوحيد فعلى ماذا نفترق؟
فهذا الأمر لابد أن يؤخذ كما هو في الدين، ووفق موازنات الإسلام. فنفس المتكلم ابن القيم وشيخه الإمام ابن تيمية هما أعظم من بين هذه المسائل في الزمان الذي عاش فيه وهما كذلك، لما جاءت المعارك مع التتار ومع المغول، شارك مع هؤلاء المخالفين، هذه هي الموازنة فلا نكفر من لم يكفر الله سبحانه وتعالى، ولكن لا نقول بأن نفس الفعل بكفر، بل نفي علو الله سبحانه وتعالى كفر بالاجماع، والاستغاثة بغير الله سبحانه وتعالى فيما لا يقدر عليه إلا الله كفر كذلك بالاجماع، وكذلك الذبح لغير الله والنذر لغير الله هذا كله كذلك من أصناف وأفراد الكفر.
فإذاً لا يجوز لنا أن نسكت بحجة، وبعض الناس يسكت ولا يعلم الناس التوحيد بحجة أن التوحيد قد يفرق؛ لا شك بأن هذا من مكر الشيطان ومن مكائد الشيطان. والتوحيد لابد أن يبين، وبعض الناس بسبب الصراع الواقعي يتزحزح المكان الديني أو المقام الذي يريد الله سبحانه وتعالى منه أن يقوم به حتى ما يخسر جماعة معينة. نعم، لا تخسرهم، لكن ليس على حساب الحق.
نعم، لابد أن نكون واعين ومدركين إلى النقطة التي يجب علينا أن نقف عندها، فلا نسكت عن بيان شيء يحب الله سبحانه وتعالى منا أن نبينه بحجة أن الناس لن يقبلوا أو الناس ينفرون لأنهم اعتادوا على مذاهب معينة محددة. الآن في الوقت الذي أتكلم فيه الآن، في هذه الأيام الآن، العديد من المصارعين للدين قد وكلوا جماعات معروفة، حتى وكذلك سيطروا على مجموعة على مجموعة من وزارات الأوقاف في العالم الإسلامي، بل العربي، ليس فقط إسلامي على سبيل العموم بل الدول العربية، وأمروا بأن هذه، بأن بوزاره، وكلوا على وزارة الأوقاف من.
يمنع أن من يوحد الله سبحانه وتعالى حتى لو كان من الطوائف التي عندها أخطاء، يعني حتى لو كان مثل ما ذكرت من المذاهب التي هي ليست من أهل الحديث، إنما تزعم أنها من الحديث، هذه تم دعمها في سياق تاريخ معين من أجل شيء معين محدد، وما زال الدعم في بلدان، لكن في بلدان أخرى لا يريدونها، لماذا؟ لأن هم يريدون أصلاً الصوفية، هم يريدون إغلاق الصوفية، ليس فقط الصوفية، يريدون هذا الدين الذي استقر عند المتأخرين، يريدون هذا الدين أن يكون موجوداً، ولا يريدون اسم ابن تيمية، هذا عليه إكس كبير عند الغرب. وفي 2016 في أمريكا وكذلك في 2018 في روسيا تم تشريح ابن تيمية، ووضع ابن تيمية على أ... وكذلك موت ابن تيمية، خلاص أعلنوا موت ابن تيمية رحمه الله تعالى بشتى أنواع هؤلاء المنتسبين لشيخ الإسلام، وإن كانوا هم مخالفون أحياناً في بعض الطرح، ولا شك هذا خطأ، ولا بد أن يبين بأنه خطأ حتى ما يفتن الشباب، لكن قصدي أريد أن أضبط الموازنة، أن نفس الحق لا يجوز أن نسكت عنه، والتوحيد أولاً، وأعظم كلمة هي كلمة التوحيد، ولا بد أن نبين التوحيد كما بينه القرآن الكريم، وألا نسكت عن بيان التوحيد بحجة أن الصراع اليوم مع الغرب، أو أن الصراع مع كذا وكذا وكذا، لا، لا بد أن يبين، لكن طريقة البيان تختلف، طريقة البيان تختلف، فلا نبين التوحيد على حساب، أو لا نقيم السنة على حساب مثلاً هكذا إقامة كفر، لا، لا يجوز هذا الشيء.
إذاً لا بد من التقدير، لكن مع الوضوح، التقدير في طريقة البيان مع الوضوح في البيان، وهذا هو الحق، وهذا هو الدين. أما أن نسكت بحجة أننا في واقع كذا صعب إلى آخره، فلا شك أن هذا ليس بصواب، وليس هذا هو القرآن الكريم. قسم من ذلك أن هنا الإمام رحمه الله تعالى يبين بأن أكثر الناس يقعون بالمخالفات بسبب ظنهم بأن هذه الآيات لا تنطبق عليهم، وضرب مثال هنا بالشفاعة، ضرب مثال هنا بالشفاعة، فالكفار الله سبحانه ما كفرهم بسبب طلبهم الشفاعة من آلهتهم، هو عين ما يفعل كثير من المتأخرين، إلا أن المتأخرين يقولون ويزعمون بأن لا نطلب هذه الشفاعة منهم مع اعتقاد أنهم يملكون، إنما نعتقد بأن الله سبحانه وتعالى هو الذي أعطاهم. لا يوجد أحد ممن يعظم الله سبحانه وتعالى يعتقد بأن معبوده يملك ما يملك الله سبحانه وتعالى، إنما عامة ما يكون الشرك بهؤلاء أنهم يعتقدون أو يعظمونهم تعظيم القلب والحب والخوف والرجاء وهكذا، لكن هو لما تأتيه وتسأله وتقول له هل تعظمه من دون الله سبحانه وتعالى؟ يقول لك: لا، حتى الكفار يقولون هذا الشيء، حتى الكفار إذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين.
فهنا لا بد أن نفهم التوحيد كما هو، كما بينه القرآن الكريم، وليس كما يخطر في بال الإنسان أنه خلاص، بما أني الآن أنا ما صرفت، هذه ليست عبادة التي تصرف إلى هؤلاء، لماذا ليست عبادة؟ لأني ما أزعم بأنهم يملكون هذا الشيء، إنما أزعم بأن الله سبحانه وتعالى هو الذي أعطاهم. إذاً هذا هو نفس زعم الكفار، الكفار لما اتخذوا هذه الآلهة عبدوها من دون الله، زعموا بأنها بنات الله سبحانه وتعالى، أو زعموا الملائكة بأنهم بنات الله سبحانه وتعالى، وصوروا هذه الأصنام على صورة الملائكة، ثم تقربوا إلى الأصنام حتى تقربهم الأصنام إلى الملائكة، والملائكة تشفع لهم عند الله سبحانه وتعالى، فهذه هي، فنفس الشيء. فهنا نفس الصرف هو نفس المقصود هنا، نفس صرف العبادة، نفس صرف العبادة.
فالقصد من ذلك أن التوحيد لا بد أن تفهم حقيقته، وليس فقط هكذا تأخذ كلمات عامة، إنما لا بد أن تفهم حقيقة التوحيد، ولا بد أن يجرد شخص التوحيد لله سبحانه وتعالى، وأن يفهم الجاهلية، والذي لا يفهم الجاهلية لا يمكن أن يفهم الإسلام، والذي لا يفهم الجاهلية لن يكون عنده من محاربة الجاهلية وأهلها كما عند أهل الحق والدين.
إذاً التوحيد ينقسم إلى أقسام على عدد من الاعتبارات، وحقيقة التوحيد هي إفراد الله سبحانه وتعالى بما يستحقه، فنفرد الله سبحانه وتعالى بالعبادة، نفرد الله سبحانه وتعالى بالربوبية، نفرد الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته، بمعنى نفرد الله سبحانه وتعالى بالصلاة، نفرد الله سبحانه وتعالى بالزكاة، نفرد الله سبحانه وتعالى بالصيام، نفرد الله سبحانه وتعالى بالذبح، نفرد الله سبحانه وتعالى بجميع العبادات التي ذكرها في كتابه العظيم وامرنا بها، فلا نعبد غير الله سبحانه وتعالى، أي لا نصرف هذه العبادة لغيره سبحانه وتعالى، إنما تكون عبادة خالصة وخاصة به سبحانه وتعالى.
كذلك نفرد سبحانه وتعالى بخصائصه، نفرد بالربوبية، نفرد بالخلق، نفرد بالملك بالتدبير، نفرد الله سبحانه وتعالى بالرزق، وهكذا. وكذلك نفرد بأسمائه وصفاته، ونفرد الله سبحانه وتعالى باسم الإهية وباسم كذلك الرحمن، وهكذا.
والذي يقابل التوحيد الشرك، والشرك معناه في اللغة المخالطة، وينقسم إلى قسمين: شرك أكبر وشرك أصغر. فالشرك الأكبر هو الذي يخلد صاحبه في النار، والشرك الاصغر هو الذي يحبط بعض الأعمال ولا يخلد صاحبه في النار، والشرك الأكبر هو الذي يحيط بجميع الأعمال الصالحة، وأحاطت به خطيئته، الخطيئة التي تحيط بجميع الأعمال الصالحة خطيئة الشرك، والشرك لا يغفر الله سبحانه وتعالى، ولا تدخل الشفاعة فيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 48]، فالشرك ما يدخل تحت المشيئة.
فالشرك بالله سبحانه وتعالى معناه هو صرف العبادة لغير الله سبحانه وتعالى، أو إشراك الله سبحانه وتعالى بغيره: ﴿تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * إِذ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: 97-98]، فالتسووية بين الله سبحانه وتعالى وبين المعبودات التي تعبد من دون الله سبحانه وتعالى بالحب والتعظيم والخوف والرجاء إلى آخره، فهذا كله من قبيل الشرك.
أما بالنسبة للشرك الأصغر فجاءت النصوص المبينة له، فمثلا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من حلف بغير الله فقد أشرك»، وكذلك الطيرة شرك، الطيرة شرك، وهكذا، هذا كله من قبيل الشرك الأصغر، وتفصيل هذا كله مذكور في كتاب الله سبحانه وتعالى، وهذا أولى ما ينبغي العبد أن يعتني به.
وكان أنبياء الله سبحانه وتعالى يخافون من الشرك، إراهيم عليه السلام الموحد لله سبحانه الكبير، الذي أمر الله سبحانه وتعالى نبيه الكريم بأن يتبع ملة إبراهيم عليه السلام، كان يقول: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: 35]. إبراهيم عليه السلام يخاف من الشرك؟ نعم، يخاف من الشرك! واليوم كما ذكر هنا ابن القيم أن شخصاً يعني يكون إيمانه يسير وبسيط، وإيمانه ما يتجاوز حنجرته، ويظن بأنه على إيمان جبريل وميكائيل! وكان رجل من الصحابه رضي الله عنهم ورضاهم كان يخاف النفاق على نفسه، حتى يسأل عمر بن الخطاب حذيفة بن اليمان ويقول: أنشدك الله، سماني رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنافقين؟ واليجي الواحد ما يخاف لا من الشرك ولا من النفاق.
إن الخوف من الشرك خطير، وعدم الخوف من الشرك خطير، وعدم الخوف من النفاق خطير، وتريد أن تعرف قوة إيمانك؟ انظر إلى خوفك من الشرك والنفاق، هذا معيار قوي يكشف لك هل حقاً الإيمان عندك غالي أو غير غالي، هل الإيمان عندك عظيم أو غير عظيم؟ فالقصد من ذلك أن الشرك ينقسم إلى شرك أكبر وشرك أصغر، وكذلك الكفر ينقسم إلى كفر أصغر وكفر أكبر، والكفر مراد به الجحود، الجحود أي جحد العبادة، والكفر ينقسم إلى أقسام: كفر التكذيب، وكذلك كفر الإعراض والشك إلى آخره، وذكرها الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى هنا، لذلك لا بد من العناية بهذا الباب، هذا المبحث لا بد من العناية الكبيرة به وليست القليلة، ولا بد أن يهتم الإنسان اهتماماً كبيراً بهذا المبحث.
وأختم التعليق على هذا المبحث المتعلق بهذا الزمان أن الكثير ممن يتكلم في هذه القضايا عنده أحد قصورين: أما أن يكون قصور بفهمها، وهذا كثير -أتكلم الآن الكلام موجه ليس للمخالفين لأهل الحديث، إنما من داخل منصة أهل الحديث، أما المخالفين فأمر بالنسبة لي واضح وأبين، وكما ذكرت لكم الآن في بعض البلدان تسعى سعياً حديثاً في تولية من يصارع هؤلاء، بل حتى من يكون، حتى من يكون موالياً للدولة، يعني موالياً للدولة التي يعيش بها، إذا كان يعتقد هذا الاعتقاد لا يريدونه، فاليوم المعركه مع الغرب وصلت إلى حد أبعد من لحد قبل عشر سنوات.
قبل عشر سنوات كان الصراع في أشياء معينة محددة، وكانت هناك موازنات عند الغرب، أما الآن الوضع لا، اختلف في كثير من البلدان، ليس في كل البلدان، إنما في كثير من البلدان، خلاص الغرب الآن قرر وانتصر للمذهب الصوفي، المذهب الصوفي، واستقر هذا الامر في بعض البلدان ولكن لم يستقر في بلدان أخرى، وبدأت المساجد يمنع منها هؤلاء وإن كانوا موالين للدولة. إذاً ما تقدم ما تقدم أهل الحديث، فالصراع قوي وكبير وسريع، وليس يعني كما يظن الناس صراع عادي، ذاك من الغفلة أن نخفل عن هذا النوع من الصراع، وأن نسكت عن هؤلاء بحجه أننا نتصارع مع غيرهم.
الأمر الآخر متعلق بأهل الحديث، هناك نوعين من القصور: القصور الأول هو أنك تجد ممن يشرح عنده قصور بالفهم، فهو لا يفهم التوحيد، وهو ياخذ الكلمات من نفس الكتب ولا يأخذها من نفس القرآن الكريم، فما تكون حقيقة التوحيد مستقرة عنده استقراراً كبيراً، فلذلك قد يكفر بأمر ليس مكفراً، يعني مثلاً: يا طيبة يا دو عيان، هذه الأنشودة الشهيرة، بعض المعاصرين يقول بأن هذا دعاء لغير الله سبحانه وتعالى! لماذا؟ لأنه طلب من طيبة، وطيبة لا تملك هذا. لا شك بأنه وجهل كبير جداً، لذلك هذا القسم من الناس، صاحب العقل الضعيف أو الذي ما يفهم، هذا لا يجوز له أن يشرح الكتب هذه، ولا، إنما يسأل هذا السؤال، ومثل هؤلاء لا يستمع لهم، ولا حتى لو شرحوا ما شرحوا بالكتب، هؤلاء لا يستمع لهم، لأن هؤلاء عندهم مشكلة بالفهم، هؤلاء عندهم مشكلة بفهم الكلام الذي يقرءونه.
النوع الثاني من القصور المتعلق بعدم الإحاطة بالواقع، وهذا كذلك موجود، قد يكون شخص جيد بالفهم إلى آخره واستفاد منه بفهمه، لكن ما تستفاد منه الموازنة بالطرح، بسبب عدم فهمه لطبيعة الصراع في الواقع، فهو قد يدخل في صراع كبير ومرير مع مخالفين له، ويترك صراع أقوى منه، أو لا يحسن البيان، فيكون مختزل الإسلام والتوحيد بنوع من الصراع، شرك القبور، لكن شرك القصور لا يدخل به الشرك العام المتعلق بنفس نقض مرجعية الإسلام وإحلال الكفر، ما كان الإسلام لا يلتفت إليه، إنما صراع فقط مع، يعني هذا الإنسان يعيش قبل قرنين من الزمان، ما يعيش في واقع ما الذي نعيش فيه مع الصراع الكبير الذي نعيش فيه، لكن يستفاد منه في تحقيق المسائل التي هو يفهمها ويستوعبها.
إذاً ذكرت بأن وقعنا فيه فتن كثيرة وليست قليلة، وأهم بأنه سيصيب الحق في عامة الأشياء، أو سيعرف نفس المراد من غير لا يبذل بذل كبير، من غير لا يقفز قفزة من يريد أن ينجو من الهلاك، قفزة من يريد أن ينجو من هلك، غير ذلك لا يمكن أن تنجو من الهلاك في هذا الواقع، هذا الواقع هو واقع حذيفة بن اليمان الذي ذكره بقوله: ياتينا زمان لا ينجو فيه إلا من دعا دعاء الغريق. هذا ليس واقعاً سهلاً ولا واقعاً بسيطاً، نحن لا نعيش في واقع من السهل أن الشخص يصيب به الحق، واقع صعب ومرركب، ويحتاج إلى صدق مع الله سبحانه وتعالى كبير، وإلى دعاء عظيم، وإلى بذل كذلك، ليس فقط دعاء، إنما إلى بذل واجتهاد، وإلى صدق في التعلم، وصدق في هكذا قراءة القرآن والعيش معه، ودخول دخول حقيقي إلى الإسلام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: 208]، حتى يأخذ الشخص بشموليته وبكماله وبموازناته وبتمامه، فيكون هو من عباد الله سبحانه وتعالى المختارين في هذا الزمان، كما اختار الله سبحانه وتعالى الإمام هنا ابن القيم رحمه الله تعالى.
وانظروا إلى مشاعر ابن القيم في كتابته لهذا المبحث، كيف أن يكتب وهو بروح قوية، ويشعر بغيرة كبيرة على الدين وعلى توحيد الله سبحانه وتعالى، ويكتب يرى بأن هذه المسائل واضحة وبينة وجلية، إلا أن المشكلة أن هؤلاء بينهم وبين القرآن حاجز، هذه المشكلة أن هؤلاء لما يقرؤون ما يعون بأن هذه الآيات المقصود بها هم، إنما يظنون بأن هذه أمم خلاص، قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وهؤلاء خلاص، أمم سالفة ماضية انتهت وانقرت، فيقرا شخص القرآن الكريم ويقرا هذه القصص كأنها عبارة عن قصص تاريخية مضت وسلفت وليست هي الآن موجودة ولها ورث في زماننا هذا الذي نعيش فيه.
ولا هؤلاء كفار قريش الذين كان يصارعهم النبي صلى الله عليه وسلم، والذي نزل القرآن بالأصل عليهم، هم هؤلاء كانوا يزعمون بأنهم اتباع إبراهيم عليه السلام، فهؤلاء كفار وهم يعظمون إبراهيم عليه السلام، كما أن النصارى كفار وهم يعظمون عيسى عليه السلام، وكما أن اليهود كفار وهم يعظمون موسى عليه السلام، فهنا الصراع ليس صراعاً مع ملاحدة أي أناس لا يعظمون أنبياء الله، بل يعظمون.
أنبياء الله، لكن المشكلة الكبيرة في فهم نفس هذه المعاني؛ في فهم نفس هذه المعاني. في شخص قد يقع والعياذ بالله بالشرك وقد يقع بالنفاق وهو يظن بأنه إيماناً على إيمان جبريل وميكائيل، وهذا الأمر يعني كما ذكر هنا ابن القيم رأيناه عياناً.
واتهمونا وقالوا عنا كذا وكذا، هذا والله الأمر يراه شخص يعني كثيراً وليس قليلاً، حتى من أشخاص ربما يكونون داخلين في هكذا العمل ويريدون أن يعملوا للإسلام، لكن هو بسبب ضغط معين عاش فيه أو في واقع معين عاش فيه يستعظم هذه المسائل ولا يريد أن يفتح عقله حتى يستوعب نفس هذه المعاني البينة والواضحَة التي أوضح بكثير من المسائل التي نتكلم عنها في قضايا الإصلاح. فممكن يستجيب لك في قضايا الإصلاح ويستمع إلى من يتكلم في هذه القضايا؛ قضايا الإصلاح التي هي أصلاً بالأصل معقدة وبالأصل مركبة وبالأصل هذه القضايا فيها شق كبير من الاجتهاد والتقدير وتحتاج إلى إيمان كبير حتى يكشف للشخص، يعني حتى ينظر إلى المكان الذي هو واقف فيه.
أما مسائل التوحيد هذه مسائل كفانا القرآن بيانها، وكفانا القرآن كل شيء، لكن البيان مراتب كما ذكر الإام الشافعي في مقدمة الرسالة. فهنا قضية التوحيد أو مسألة أو قضايا الإيمان والتوحيد وهذه المسائل، هذه من وضوح بجلاء، هذه مسائل بينة واضحة جلية، ولكن هو لأن هذه المسائل وقع بها خلاف في الأمة الإسلامية أو في التاريخ الإسلامي أو بين العلماء وبعضهم قد يكونون معظمين في الأمة وهم، ويعذرون بخطئهم، ويعذرون بالتاويل، ويعذرون بالجهل، لكن لا يجوز لنا أن نسكت وأن نقول بأن هذه المسألة بحجة أن فلان الفلاني المعظم من العلماء قال كذا وكذا.
هذه فتنة كما قال عمار بن ياسر، كما قال، كما قال نعم عمار بن ياسر رضي الله عنه وأرضاه لما خرجت أم عائشه مع طلحة والزبير في الجمل وقال: أما والله أنها زوجة نبيكم عليه الصلاة في الدنيا والآخرة، ولكن الله أراد أن يبتليكم بها هل تتبعونه أو هي؟ وهذه من عائشة ابنة أبي بكر. فكذلك قد يكون علماء أجلاء نحبهم ونعظمهم من علماء الإسلام الكبار، لكن يكون خطأ بين واضح، يعني ليس خطأ هكذا مسألة متعلقة بالاجتهاد، مثلاً نفي علو الله هذا كيف يأتي ويقول بأن هذه المسألة بها خلاف أو أن المخالف بها يكون الإنسان يعني خلاف بشيء يسير أو عادي؟ نعم، ممكن يكون معذور بسبب التلبيس، بسبب التأويل، بسبب التقليد، لكن هذا شيء وبيان الحق شيء آخر، وبيان الحق شيء آخر.
فالحق لابد أن يبين والحق لابد أن يبرز، والله بعث رسله حتى يبين للناس الدين الذي يتبع والذي لا يتبع. ليس عليك هداهم، هذا هداية الناس ليس بيد الدعاة، لكن الذي سيسأل عنه الدعاة يوم القيامة: ماذا أجبتم مرسلينا وماذا كنتم تعبدون؟ هل بلغتم رسالة؟ فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين، ليسأل الصادقين عن صدقهم؛ هل الحقيقة صدقتم مع الله أو كنتم تدعون إلى أنفسكم بحجه أن هذه موازين الإسلام؟ هذا كذلك يحتاج إلى تحقيق؛ أن بعض الناس يخاف أن يسقط مجموعة بحجه ألا يبين الحق كما يريد الله سبحانه وتعالى. البيان وفق مراد الله سبحانه وتعالى حتى لو كان أقرب الناس لم يقبل بهذا الشيء، أنا أريد أن أطبق حكم الله سبحانه وتعالى ويكفي أن الله سبحانه وتعالى يعلم.
طيب، هذا يتأول شخص؟ لا، أدخل إلى القرآن الكريم. لذلك قلت نحتاج إلى قفزة حقيقية حتى نصل إلى الحق، نحتاج إلى دخول حقيقي إلى القرآن الكريم والعيش معه وهكذا تثوير معانيه حتى نعرف الحق ونعرف كيف كذلك كيف نوصل الحق؛ كيف نوصل الحق لما نقرا في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وننظر في دعوة نبيه عليه الصلاة والسلام مع الكفار، كيف أن الضغط كان مستمر مع الكفار، كان ممكن يتأول تأول يسير، لكن هنا القرآن كان صريحاً، لا يجوز التأول إنما المراد منك البيان، خلاص.
كذلك المراد منا البيان، لا نسخط الناس بحجة كذا وكذا، لكن لابد أن يبين شخص يعرف نفس العجز ولا يستطيع؛ يا اخي لا تتصدر، لا تكون في موطن الصدارة، تعرف أنك ما عندك قدرة عقلية على الفهم ولا قدرة على استيعاب هذه التفاصيل، خلاص لا تكون في موطن الصدارة، كن في موطن الذي تستطيع أنك تؤثر فيه، فبين الحق وفق الدائرة التي تستطيع أنك تنشرها أو يكون النشر العام. وهكذا، أما فتنة الناس عن دينها فكذلك خطيرة في الدين.
إذاً، هذا الأمر الأول المتعلق بالحديث الإمام هنا عن الكفر والشرك وكذلك التوحيد، وتكلم كذلك عن الشفاعة وفصل بها لأن الصراع كان كبير في زمانه حول هذه القضية، وألف هو وكذلك هو تكلم هنا وكذلك في بعض كتبه وكذلك شيخ الإمام ابن تيمية مجموعة من الكتب؛ قاعدة في الوسيلة، قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة، وكذلك مجموعة من الرسائل في بيان الخلل الذي وقع عند الناس في هذه المساله والخلط بين التوسل وبين الشفاعة، وهذا محل كتب الاعتقاد وبها تفصيل طويل حول هذه المسألة، وكذلك إقامة الحجة ورد الشبهات.
وكذلك من ضمن الكلمات العظيمة هنا ناخذها كلام الإام، مثل ما ذكرت، الحائل بين القلوب من فهم القرآن، هذه لابد، هذه الصفحة 529، 530، هذه لابد أن تكون معنا في هذا الكتاب، يعني نقتطعها من هذا الكتاب ونعيش مع هذه الصفحة حتى نلقى الله سبحانه وتعالى؛ لأننا قد نقرا القرآن الكريم وما نفهمه، قد نقرا القرآن الكريم وتكون الآيات علينا ونحسب بأنها لنا لأننا لم نفهم نفس الحقيقة. فهذه الصفحة مهمة جداً، هذه الصفحة مهمة جداً.
وهنا الإام بعد ما رد وبين وجل هذه المسلة، كذلك بين السبب الذي يمنع الناس، وهذا هو الفقه العالي، هذا هو الفقه العالي فيكشف لكل المعنى ثم يقول لك سبب عدم وصولك لهذا المعنى وعدم وصول الناس مع حفظهم القرآن وتقريئهم للقرآن وكذلك عندهم هكذا الأسانيد، ما لم يقرؤوا القرآن كما قرأ الصحابة رضي الله عنهم وأرضاه ولم يفهموا الجاهلية، ففهم الجاهلية شرط لفهم الإسلام.
إذاً، هذا الشق الأول من هذا الورد. الشق الثاني تكلم عن النفاق، تكلم عن النفاق بكلام نفيس كذلك وعالي لعل يكون إن شاء الله تعالى في الدرس القادم، والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري