الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد.
فأحياكم الله إخواني جميعاً وبياكم، وأسدد على طريق الخير خطاي خطاكم. نكمل التعليق على كتاب مدارج السالكين للإمام ابن قيم الجوزية. كنا قد توقفنا في اللقاء الماضي عن الحديث عن الشرك وأقسامه وكذلك عن التوحيد وكلمة كذلك الإيمان، ثم وصلنا إلى الحديث عن النفاق.
أطنب الإمام ابن القيم في الحديث عن النفاق، وبين خطورة المنافقين وخطورة هذا القسم الكثير في الناس، كما يقول هو رحمه الله تعالى. ووددت أن تكون هذه الكلمة متعلقة بالنفاق، ووددت أن تكون هذه الكلمة خالصة وخاصة بالحديث عن النفاق لخطورة هذا المرض، ولظن الكثير من الناس بأنه سالم من النفاق، مع أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يخافون من النفاق خوفاً كبيراً رضي الله عنهم وأرضاهم، حتى كان عمر بن الخطاب يقول لحذيفة: أنشدك الله! أسماني رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنافقين؟ فقال: لا، ولا أزكي أحداً بعدك أبداً.
ولم يكتفي عمر بذلك، بل كذلك سأل قريبته من جهة أمه وهي أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وقال لها: هل سماني رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنافقين؟ فذكرت أنه لم يذكرك من المنافقين. القصد من ذلك أن الصحابة الأجلاء كانوا يخافون من هذا المرض، أي مرض النفاق. لماذا كل هذا الخوف من الصحابة؟ ولماذا في القرآن الكريم ينزل الله سبحانه وتعالى سورة باسم سورة المنافقون، وسورة التوبـة تتكلم عن المنافقين ومنهم ومنهم حتى كادت تفضح بل هي السورة الفاضحة، وكذلك المقشقشة؟
وكذلك في سورة النساء وفي كثير من سور القرآن الكريم، بل كذلك في سورة العَنْكَبُوت وهي سورة مكية، ذكر الله سبحانه وتعالى النفاق. لماذا هذا الأمر كله؟ لماذا الحديث عن المنافقين في سورة كذلك الأحزاب، وفي سورة كذلك النور حديث كبير وكثير عن المنافقين؟ أنزل الله سبحانه وتعالى في هذا القسم من الناس ثلاثمائة آية؛ ثلاثمائة آية! القرآن 6236 آية على اختلاف العد، في المنافقين فقط ثلاثمائة آية! ثلاثمائة آية فقط في هذا القسم الذي يظنه الناس بأنه قليل. دعونا هكذا نعيش مع هذا الاسم وهذا المضمون الكبير في الدين، والله أسأل أن يمن علينا بالوصول إلى إيصال حقيقة النفاق.
النفاق ينقسم إلى قسمين كبار: القسم الأول النفاق الاعتقادي، والثاني النفاق العملي. النفاق الاعتقادي هو أن شخصاً يُمِطْن الكفر ويظهر الإيمان. هذا واضح وبين وجلي، ومن الخطا قبل أن نكمل قسمه وتفصيله أن يتعامل شخص مع هذه الأسماء الكبرى تعامل سطحي. التعامل السطحي يجعل الشخص لا يفهم الذي كان يفهم الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، كما ذكرنا فيما يتعلق بالتوحيد، توحيد الألوهية وعلاقته مع العبادة وكلمة الإيمان إلى آخره. كذلك هنا، لما تأتي عند كلمة النفاق، الشخص قد يكون منافقاً نفاقاً اعتقادياً؛ هذا يعلم بأنه منافق أو لا؟ قطعا يعلم! هذا يعلم بأنه هو المقصود من الآيات النازلة على المنافقين.
لأن نفاق اعتقادي؛ أي هذا الشخص لا يوجد في قلبه تعظيم للإسلام ولا جلال لله سبحانه وتعالى ولا محبة للدين. هذا النوع من الناس أعمالهم كلها من أجل الناس، ويحاكمون الناس بناء على هذا المنطلق: ما فعل هذا إلا رئاء، وأن الله عن صدقه هذا لغني. هذا فعل المنافقين، هذا ما يفعل المؤمنين، إنما يفعل من أهل النفاق. لماذا هو حكم بهذه الطريقه؟ لأن هذا هو ينظر إلى الناس بالعين التي يحكم بها على نفسه، فهو يحكم بهذه الطريقة، يتعامل مع الناس بهذه الصورة ويتعامل مع نفسه بهذه الطريقة. فينظر إلى الناس لأن حسبته الدنيوية ليست دينية؛ يعني هو ما عنده نور إيماني يجعله يفهم حقائق الدين، ويفهم بأن هذه الصدقة القليلة عند الله عظيمة، لأن ليست العبرة بتأثير المال فقط، إنما بتقديم الشخص لله سبحانه وتعالى هذا القربان. هو ما يفهم هذا الشيء، هو يفهم لأنه يحسب الأمور كلها حساب دنيوي صرف محض.
لكن يقول: هذا مستحيل يعطي مال كثير من غير أن يكون الناس، أنه يريد من الناس الثناء عليه، لماذا ينفق ماله؟ هل يوجد عاقل ينفق ماله من غير أن يطلب محموداً من الناس؟ هو هكذا؛ لأنه هو هكذا هو يحكم هكذا، لأنه هو هكذا. والقسم الثاني يقول لك: بأن أو القسم الثاني ينفق المال القليل، يقول لك: لماذا ينفق هذا يعني في عقلك ذلك شيء؟ لماذا ينفق هذا المال اليسير الذي لن يصنع شيئاً؟ لن يجهز غازياً ولن يفعل. هذا فعل المنافقين! هذا الفعل هو بعض أفعال المنافقين. الشخص لما لا يقوى عنده الإيمان والتعظيم، قد يفعل فعل المنافقين ويكون به شبه بالمنافقين. عرفتم الآن الخطر؟ كيف أن الآن الشخص قد يفعل فعل المنافقين من غير أن يظن بأنه فعل فعل المنافقين، لكن هو الآن بدأ يشابه المنافقين بالأفعال!
القصد من ذلك أن الذي نفاق اعتقادي، الذي هو في باطنه لا يوجد أي تعظيم ولا محبة لله سبحانه وتعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام، فهذا يعلم بأنه منافق. لما يقول المجرم الخبيث عبد الله بن أُبيّ: ﴿لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: 8]، هذا نفاق اعتقادي! هذا يقوله الشخص الذي لا يوجد في قلبه ذرة من التعظيم والمحبه للدين. هذا نفاق اعتقادي، هذا القسم الأول من المنافقين.
هؤلاء يظهرون الإيمان، لماذا يظهرون الإيمان؟ لماذا إذا دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم يحلفون بالله جهد أيمانهم أنهم لمعكم؟ لماذا اتخذوا أيمانهم جنة؟ اتخذوا أيمانهم جنة؛ يعني هم يحلفون حتى تحميهم هذه الأيمان من أن تسفك دماؤهم أو تؤخذ أموالهم، أي يعاملون معاملة الكفار، وهم اتخذوا هذا الإيمان جنة وقاية حماية لمصالحهم الدنيوية وخوفاً على أنفسهم، وليس من أجل الله سبحانه وتعالى أو من أجل النبي أو من أجل الإسلام.
القسم الثاني من المنافقين، القسم الثاني من المنافقين هو النفاق العملي. هذا لا يكاد يسلم منه أحد وهذا خطر! يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان». وفي حديث هذا حديث أبي هريرة، في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها». ذكر الثلاثة وزاد عليه الصلاة والسلام: «وإذا خاصم فجر»، وفي رواية: «وإذا عاهد غدر».
هذا الشخص إذا كانت به كل هذه الصفات فهذا منافق خالص، وإذا لم تكن به هذه الصفات أو خصلة واحدة، فيه خصلة من النفاق؛ يعني النفاق يتبعض، فقد يكون عند الشخص إيمان وعنده نفاق، وهذا حال أكثر الناس! هذا حال أكثر الناس؛ عنده مادة من الإيمان ومادة من النفاق. وأخبر الخبير بالفتن والخبير كذلك بالمنافقين، وهو حذيفه بن اليمان كاتب سر النبي صلى الله عليه وسلم، بأن القلوب أربعة: منها قلب له مادتان؛ هذا القلب إذا له مادتان، هذا قلب منافق، لكن أي نفاق؟ نفاق عملي! فعنده إيمان، عنده محبة، عنده تعظيم، وعنده هوى نفس.
يتصارع هوى نفس الإنسان هذا الذي ما تجرد التجرد التام والكامل للدين مع محبته وتعظيمه، فأحياناً يغلب هذا وأحياناً يغلب هذا. المنافق النفاق العملي هذا ليس خالصاً بالنفاق، وهذا القسم مذكور كثيراً في القرآن الكريم كذلك. يعني مثلاً، الله سبحانه وتعالى يقول في سورة الأحزاب عن قسم من الناس: يقولون: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب: 13]. ولما يقول الله سبحانه وتعالى مثلاً قسم آخر كما في سورة الحجرات: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ۖ قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم ۖ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: 17].
هنا ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾، على قول من أقوال العلماء في تفسير هذه الآية بأن هؤلاء عندهم هم إيمان، لكن إيمانهم ما كان قوي جداً وعالي: يمنون عليك إسلامهم. يقول: لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين. وكذلك ولما يقول الله سبحانه وتعالى عن قسم آخر لما قالوا: ما رأينا مثل قرّائنا هؤلاء، أرغب بطوناً ولا أكذب ألسناً ولا أجبن عند اللقاء! فانزل الله سبحانه وتعالى قوله: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: 66]. هناك أحد القولين عند العلماء بأن هؤلاء كانوا مؤمنين، ولكن إيمانهم كان ضعيف؛ يعني في نفاق، لم يكونوا منافقين نفاقاً خالصاً، فلما جاءت هذه الحادثة ونطقوا بهذا الأمر، سقط الإيمان وبقي النفاق فكفروا، نسأل الله السلامة والعافية. واضح هذا الأمر؟
فهنا الحديث عن المنافقين متبعض. القسم الثاني هذا من نفاق النفاق العملي، إذا استمر عند الانسان يوصل إلى الاعتقادي، وهذا هو الخطر! كيف صاحب الإيمان العملي يصل إلى اعتقادي؟ يعني شخص الآن عنده هوى نفس، وعنده صار خصلة من خصال النفاق، ويفعل بعض أفعال المنافقين الكثيرة المذكورة في القرآن الكريم، وإن لم يكن منطلقه بالأساس نفاقاً صرفاً، لكن عنده ضعف، عنده هوى، فهذا يحمل على المشابهة في بعض الأفعال وبعض الأقوال. هذا الشخص الذي عنده مشابهة، وإذا هو يتكلم كلام إيماني، إذا كان الأمر ليس متعلقاً به هو؛ يعني الضغط ليس عليه، لكن لما يكون الضغط عليه هو، هنا يظهر منه النفاق! فلما يكون على غيره يكون كلام إيماني، لما يكون عليه هو يكون لماذا؟ لأن هناك حظ نفس، إلى أن ما تجرد.
هذا يتبعض؛ مرة كذا ومرة كذا على حسب الحال. هذا إذا مات على حال هذا الذي هو فيه من غير أن يختبر اختباراً يظهر النفاق الكامل، أو يجعل الإيمان يسقط ويبقى فقط النفاق، يكون مصيره إلى الجنة بإذن الله، لكن معه شيء من النفاق، لكن إيمانه مجمل، إيمانه هذا مجمل. لماذا تاتي الفتن والبلاءات؟ تاتي الفتن والبلاءات حتى تظهر إيمان ونفاق، هذا هو القصد النهائي منها: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا في قُلُوبِكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: 154]. لماذا الله ينزل هذه البلاءات حتى يظهر؟ ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: 3]، حتى يعلم الله المؤمنين ويعلم كذلك المنافقين، فيظهر البلاء الشديد حتى يظهر أهل النفاق وحتى يظهر المتزعزع وحتى يظهر المؤمن.
هذا البلاء قبل أن يقع هذا البلاء، قبل أن تقع هذه الفتنة، الجمهور من الناس إيمانهم مجمل، يدخل الجنة. بعد ما يقع هذا البلاء والفتنة، الكثير من هذا الجمهور سيصبح مؤمناً خالصاً، والكثير من هذا الجمهور سيصبح منافقاً خالصاً، سيقول أقوال المنافقين وسيفعل، بل سيجعل اعتقادات المنافقين. قبل هذا البلاء ممكن ما يفعل هذا الشيء، لذلك لما ننظر الآن مثلاً في غزوة الأحزاب، قبل أن تأتي الغزوة هذه والحصار الشديد والخير نقر، هذا القسم كانوا قد واعدوا، أخذوا العهد والميثاق على أنفسهم وأعطوا الله سبحانه وتعالى كذلك العهد والميثاق بأنهم لن يفعلوا ما فعلوا يوم أحد، لكن لما جاء الموقف ماذا قالوا؟ قالوا: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب: 13]! والله يقول: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ ۚ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ [الأحزاب: 15].
إذاً، هؤلاء كان عندهم إيمان، لكن لما جاء الموقف، الله سبحانه وتعالى جعلهم في صف المنافقين وليسوا في صف المؤمنين! انظر! فهنا لما ياتي الموقف، قسم من هذا الجمهور والعياذ بالله سيظهر، هذا هو الخطر، هذا هو الخوف، هذا هو الخطر هو الإنسان يخاف؛ لأنه ما يدري، هو قد تكون عنده مادة من النفاق تظهر والعياذ بالله لما يأتي الموقف. لذلك كان أهل الخير والصلاح من الصحابة الأجلاء رضي الله عنهم وأرضاهم، كانوا يخافون خوفاً كبيراً من هذا المرض؛ لأن هو قد تكون عنده شيء من الذنوب والمعاصي، فيأتي الموقف فينفجر الذنب فيقع الشخص في موقف ويسقط عند أهل الإيمان.
فهم يخافون، لذلك كان يقول الصحابة، كان يقول مسعود وأنس بن مالك رضي الله عنهم، كان يكثر منهم هذا الكلام: لعل من أسباب ذلك أنهم ما كانوا في العراق، إنكم تعملون أعمالاً هي في أعينكم أدق من الشعر، كنا نعدها على زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات. طيب، لماذا هذا التحرز الكبير من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم؟ خوف من الذنب ومن عاقبة الذنب، لأنهم يعرفون بأنه في يوم واحد الشيطان استطاع أن يسقط البعض، ويوقع بكبيرة بسبب الذنوب القديمة، لكن الله سبحانه وتعالى تاب عليهم وتجاوز سبحانه وتعالى عنهم، فهذا الأمر ممكن يتكرر.
هم تربوا هذه التربية الإيمانية العظيمة التي جعلتهم يخافون من الذنوب الخوف الكبير، وهذه الذنوب هي سلم، هي هي هي النهر الذي يوصل بالله الشخص إلى الوقوع في بحر النفاق، نسأل الله السلامة والعافية. لذلك الواحد يتجدد دائماً، يجدد إيمانه دائماً، تجددوا إيمانكم، أكثروا من قول لا إله إلا الله، صحح الإيمان عندك دائماً حتى ما حتى تبتعد من هذه الدائرة، حتى تبتعد من هذه من هذه الدائرة.
وهذا هنا معنى كلام حذيفه بن اليمان، لما قال حذيفه لما سمع بعضهم يدعو على المنافقين: لو أهلك الله المنافقين لاستوحشتهم، ولاخلت الطرقات ولا ما بقي إلا العدد القليل. فهنا ليس المقصود النفاق الاعتقادي، لكن المقصود أن الشخص الذي إذا وضع عليه، إذا وقع عليه البلاء، أو وقعت عنده منازعة نفسية، سيميل إلى نفسه وليس إلى الإيمان، وهذا هو حال عامة الناس.
بخلاف لما يكون شيء على غيره، لما يكون الأمر على غيره ما يقع، لكن لما يكون الأمر عليه ممكن العياذ بالله إيش يقع في هذا الأمر؟
فهنا الحديث؛ المنافقون المقصود بهم هذا النوع، المقصود به هذا النوع، وليس المقصود به أن القسم الذي يقع في النفاق الاعتقادي، لأن الذي يقبل على النفاق الاعتقادي ليس كثير، لكن المشكلة كلها في النفاق العملي.
هل ممكن أن شخصاً حبه للصالحين يوقعه بالنفاق؟ أقول لك: نعم، هذا كذلك من خطر النفاق، النفاق خطير، مرض فتاك ليس عادي، تقول لي: كيف؟ أقول لك: كيف غلا الناس في علي رضي الله عنه وأرضاه؟ يعني الآن سيدنا علي رضي الله عنه وأرضاه من زمان سيدنا علي إلى زماننا هذا الذي نعيش فيه، أناس يزعمون الإسلام ويغلون في سيدنا علي رضي الله عنه وأرضاه، هذا الغلو في هذا الرجل الصالح العظيم أوصل هؤلاء إلى ماذا؟ إلى الكفر وهم يظهرون الإيمان.
إذاً، هنا الغلو قد يوقع الشخص، تقول لي: كيف يوقع الغلو الشخص في هذا الأمر؟ أقول لك: يجعل محبة هذا الرجل الصالح عند هذا الإنسان أعظم من الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، فهنا يكون إيش؟ فعل فعل الكفار وإن كان يظهر الإيمان، وإن كان يزعم بأنه من أهل الإيمان، ثم يحمل هذا على فعل الشركيات والأقوال والأفعال، تنقاد إلى نفس الطلب بالقلب نفس تشرب النفس.
فهنا لا يفهم شخص النصوص، وقد يؤول النصوص، ويحرف النصوص، بل قد يرد النصوص رد صريح بسبب الغلو الموجود عنده، وهذا هو الخطر، هذا هو الخطر، لذلك الرجل الصالح ينبغي أن لا يتشبث إلا بمحبه الله سبحانه وتعالى ولنبيه صلى الله عليه وسلم والاسلام، يعني الصالحين حبهم إلى حد، ومحبه الصالحين إيمان، لكن إلى حد، إذا زدت ترى ممكن يقع عليك بلاء في هذا الرجل، ويكون خطر عليك.
لذلك تعرفون من رؤوس المنافقين إذا كانوا في المدينة؛ عبد الله بن أبي بن سلول، هذا سبب نفاقه ما هو؟ يعني لماذا عبد الله بن أبي بلغ به الحقد على النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا الحد؟ تشبث في الدنيا، يريد المنصب، يريد الجاه، شعر بأن النبي صلى الله عليه وسلم اخذ منه هذا المقام، فشرق بها.
في المقابل في الأوس كان هناك رجل عابد يقال له أبو عامر، أبو عامر هذا كان يلقب بالراهب، لماذا كان يلقب بالراهب؟ لكثرة عبادته وكان مبجل معظم عند الأوس، لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم وأتى إلى المدينة وانتقل بابي أمي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة وهاجر إليها، آمن الأنصار به، أبو عامر الراهب لم يؤمن، وذهب إلى مكة وقاتل مع الكفار في يوم أحد، وقال لا عليكم من الأوس، لا عليكم من الأوس، وكان يظن بأن مقامه عند الأوس ما زال هو نفس مقامه.
فذهب هذا الرجل أبو عامر الراهب وكلم الأوس وذكر الأوس وأخبر الأوس بمقامهم عنده وذكرهم بذلك، وأمرهم بأن يتركوا النبي صلى الله عليه وسلم فسبوه ولم يقبلوا منه، وسمي بالفاسق، وسمي بالفاسق، وهو الذي حفر الحفرة للنبي صلى الله عليه وسلم التي وقع بها عليه الصلاة والسلام يوم أحد.
طيب هذا الرجل إذا كان عابد راهب، لماذا أصبح من رؤوس المنافقين؟ لأنه كانت العبادة ليست في ذات العبادة، إنما معها يريد إيش؟ الشرف، إذاً التعلق بالشرف قد يوقعك بالنفاق، الشرف الذي هو المقام والجاه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما ذئبان جائعان أرسلا بغنم بأפסد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه»، يعني حرصك على المال وكذلك على الشرف، على الشرف قد يسقط دينك ويجعلك تكون من المنافقين.
تقول: الناس الذين يحبون أن يسمعونه، وتلعب بدين الله سبحانه وتعالى، وتتنازل عن دين الله سبحانه وتعالى، ولو كان ظاهرك بأنك من أهل الخير والصلاح، لماذا هذا كله؟ لأن في باطنك تريد، فوقعت بالنفاق فأنت في باطنك تريد شيء وفي ظاهرك تريد شيء آخر عند الناس، طبعاً.
لذلك أول من تسعر به النار ثلاثة كلهم منافقين، أول من تسعر بهم النار ثلاثة كلهم من أهل النفاق، تقول لي: كيف؟ يقول لك: عالم ومجاهد ومتصدق، هؤلاء الذين تسعر أول ما تسعر بالنار، أظهروا للناس أنهم يعلمون الناس العلم ويقرءونهم القرآن وكذلك يتصدقون من أجل الله سبحانه وتعالى، يجاهدون في سبيل الله، لكن في الحقيقة في الباطن هم كانوا يريدون جواداً، يريدون عالماً، يريدون قارئاً، يريدون شجاعاً.
وإذا ما تجرد الشخص التجرد التام الكامل بحيث إن الإنسان يغالب نفسه ولا يعطي نفسه حظها التي تريده على حساب الدين، لابد أن يكون فيه شيء من النفاق، ذاك خطر، ذاك الصحابة كانوا يفعلون الأفعال التي تعجب الشخص منها، لماذا؟ حتى يبعد عن نفسه هذا النفاق، عادي شخص صحابي يكون هو صحابي ومن عشرة مبشرين بالجنة ويكون جندي بالجيش ولا يبالي في هذا كله، عادي صحابي يكون من عشرة مبشرين بالجنة ويعتزل المشهد كله ويأتون الناس ويقول: أعوذ بالله من شر هذا الراكب، وهو الآن صاحب مقام عظيم على مستوى العالم، وبعد ذلك يعتزل الناس.
لماذا كله؟ يخاف أن يفعل شيئاً أو أن يقع في أمر لا يحب الله سبحانه وتعالى منه، فيتحرز، فيتحرز ويخاف على دينه ويعوذ دينه، بخلاف الشخص الذي ما يكون عنده كذا الحماية للدين عظيمة، وممكن من أجل أن يبقى مقامه عند الناس، من أجل أن يذكر الناس فلان، من أجل أن يبقى عنده، يقول كلاماً أو يفعل أفعالاً لا يريدها الله سبحانه وتعالى منه، هذه الأفعال ليست لله، هذه أفعال المنافقين ليست أفعال المؤمنين، هذا هو الخطر بالنفاق، هذا هو الخطر الكبير جداً.
والذي يفهم هذا الكلام على وجهه يعرف لماذا الصحابة كانوا يخافون خوفاً كبيراً من النفاق، ويعرف بأن النفاق كبير وثقيل ودقيق في الأمة، كما ذكر هنا الإامم رحمه الله تعالى؛ النفاق دقيق، دقيق، يعني قد يدخل عليك النفاق وانت لا تشعر، فتتجاوز في حد معين، وهذا الحد يتجاوز فيه، تتشبث نفسك فيه، فلما تتشبث النفس هنا الإنسان قد يقع.
تقول: طيب، هذا الكلام كله مخيف، وهذا الكلام قد يكون يعني يجعل الناس يخافون، أقول لك: نعم لابد أنك تخاف، إذا ما خفت من النفاق هذا أصلاً خطر، إبراهيم عليه السلام يقول: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: 35]، إبراهيم عليه السلام هذا إمام الموحدين، الخليل، كان يخاف على نفسه من الكفر والشرك، دقيق في هذه الأمة، والشرك دقيق في هذه الأمة، فقد يقع شخص بشرك خفي ولا يعرف، وسبب هذا أن هو غير متحرز، فيقول كلمات ويطلق عبارات وهي قد تكون عند الله سبحانه وتعالى من قبيل الشرك الخفي.
لولا البطلة سرقنا، لولا فلان لحدث كذا، لولا هذه كلمة لولا كيف قلتها؟ كيف قلتها؟ هل نسبت الفضل لله أولاً؟ وهل قلتها بناء على نص شرعي يجيز لك أن تقول هذا الأمر؟ ولا هذا من قبيل الشرك الأصغر، من قبيل الشرك الأصغر الذي قد يخفى على الناس إلى آخره، فالقصد من ذلك أن الإنسان هنا قد يقع، لذلك حري بالعيش مع هذا الباب ويتوسع فيه، ويفهم كيف الله سبحانه وتعالى ذكر المنافقين في كتابه العظيم.
ليس كل المنافقين مثل عبد الله بن أبي، يعني ليس جميع المنافقين هم بالأصل لا يحبون الدين، لا، بعض المنافقين قد تكون عندها مادة إيمان، لكن يأتي موقف يتساهل فيه فيقولها، وبعض أهل الإيمان يستمع المنافقين وكثرة هذا الاستماع قد يوقعه بالنفاق من حيث لا يشعر، وقد يكون الشخص عنده هوى هكذا كبير وعالي، فياتي موقف، الموقف هذا يسحبه إلى دائرة بعيدة.
وأضرب لكم يعني هكذا أمثلة أو مثال مثال ظاهر جداً وقع عندنا، وأمر خطير والله الواحد يخاف منه، لما وقعت المشكلة مع فرنسا لما سبوا النبي عليه الصلاة والسلام، عليهم الله سبحانه وتعالى وعلى كل من سب النبي صلى الله عليه وسلم وكل من لم يدافع عن النبي عليه الصلاة والسلام، قسم من الناس أصبح أصبحت هكذا يشد شدة كبيرة جداً على بعض الجماعات التي يخالفها ويتكلم عن المقاطعة، ففي قسم الناس تتكلم عن المقاطعة وهمية المقاطعة.
قسم آخر من هؤلاء الذين ما تجدهم في مقامات في المقام العام، يكونون مع الأمة دائماً ضد الأمة، بحجة أن هذا لا يجوز، وبحجة أن هذا كذا وكذا وكذا، وهي تجد يدافع التلميذ هذا أو طالب عن هذا النوع من المشايخ أكثر من دفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون حنقه وحرارته الدفاع عن هذا الشيخ الذي تم ثلب عرضه بسبب هو يستحقه أكثر من دفاع عن النبي عليه الصلاة والسلام.
تجد هكذا في التغريدات الآن في سب للنبي صلى الله عليه وسلم لا يكتب ولا شيء، إنما الكلام كله حول فلان وفلان، وتد الجماعة الفلانية، هذا هذا نفاق، هذا نفاق، وكثير من الناس قد يوقع طلابه أو اتباعه بهذا المرض نسأل الله السلامة والعافية من حيث لا يشعر، تجد يقف مع المجرمين ومع أعداء الدين ومع الذين يستبعدون شريعة الله سبحانه وتعالى ويغيرونها ويبدلونها، ثم هذا كله يغطى غطاء المصلحة ولا تجد يعني ولا تجد نفرة مثلاً أو كره مثلاً لهؤلاء إنما دائماً معهم، وهذا كله تحت قطاع المصلحة.
هنا يسحبك هذا الشخص إلى والعياذ بالله هذه الدائرة، والشخص ما يعذر إذا وصل إلى، ممكن يعذر في الأمور الأولى التي ما ينظر إليها الشخص، لكن بعد ذلك ما يعذر إذا دخل في دائرة الإيمان ودخل في التعظيم ودخل في الحب لمن يعادي ويبغض الله سبحانه وتعالى ومن يتعمد إسقاط دين الله سبحانه وتعالى في الأرض، هنا هذا أمر ظاهر وبين في الدين، والله يقول: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: 113].
هكذا، فالقصة من ذلك أن النفاق مرض خطير، وشخص لابد أن يسوس نفسه وأن يحفظ دينه، وأن يكون دعاؤه الكثير بأن يهديه الله سبحانه وتعالى لما يحبه منه، وأن الله سبحانه وتعالى يثبته على هذا الدين حتى ما يقع بالنفاق، وكذلك يجرد نفسه من هواها، يجرد نفسه من هواها حتى ما يأتي الموقف الذي يظهر هذا النفاق.
وفي آخر الزمان مثل الزمان الذي نعيش فيه والأزمنة القادمة ستكثر الفتن، والفتن هذه مقصودة في آخر الزمان حتى ينقسم الناس إلى فسطاطين، تكون فتن كقطع الليل المظلم يقول النبي صلى الله عليه وسلم: وفي آخر الزمان تاتي الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، هذه مهلكتي، تكون فتن يرقق بعضها بعضاً أو قال يدقق بعضها بعضاً، فتن عظيمة كبيرة تأتي فتنة يقول المؤمن من شدة الخوف من الفتن هذا المؤمن الذي ما يخاف من الفتن ليس بصاحب إيمان قوي، لأنه يتعامل الفتنة كأنها شيء عادي، هذه الفتنة قد تسقطك، فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، هذه مهلكتي، يعني هو يفزع إلى الله سبحانه وتعالى بأن يحميه من الفتنة فتجتاز الفتنة فتأتي فتنة أخرى ترقق الأولى فتكون الأولى بالنسبة لها شيء.
وهذا الأمر الذي يفهمها مثل ما ذكرت على وجهه باب الفتن، سيفهم شيئاً كبيراً من باب هذا النفاق، وباذن الله يعني ينجو الذي يتعامل مع الله سبحانه وتعالى كما تعامل الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم.
إذاً هذا بعض ما يتعلق بهذا الأمر المهم والكبير، الله أسأل أن يحمينا وإياكم من شر النفاق وأن يعظم الإيمان في قلوبنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، هذا والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري