دخولتسجيل الدخول

التعليق على مدارج السالكين 12 | التوبة من الذنوب

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فحياكم الله إخواني جميعاً وبياكم وسدد على طريق الخير خطاكم. نكمل التعليق على كتاب مدارج السالكين، ومعنا اليوم بإذن الله عدة وقفات مع هذا الورد الأخير من المجلد الأول.

الوقفة الأولى المتعلقة بالتعامل مع المنافقين. ذكرنا في اللقاء الماضي الحديث عن النفاق، وكيف أن الشخص قد يقع بالنفاق، ولماذا الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم خافوا النفاق، وعلامات المنافقين، وكذلك أقسام المنافقين، وكذلك كيف يعرف الشخص أو كيف يدرس الشخص هذه الظاهرة ظاهرة النفاق، لماذا كانت موجودة كذلك في مكة كما ذكر الله سبحانه وتعالى في سورة العنكبوت؟

ونختم هذا المبحث المهم جداً والكبير والعظيم والجليل بطريقة التعامل مع المنافقين. المنافق يختلف من حال إلى حال، فقد يكون منافق نفاق اعتقادي، فهذا الأصل في التعامل معه الشدة، يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 73]. هذا من حيث الأصل، ولكن قد يتم التعامل معه باللين ليس من أجله، إنما من أجل من يحسن الظن به، وهذا يكون إذا كان هذا الشخص صاحب مكانة أو مؤثر.

وإذا تم التعنيف عليه والشدة عليه، قد يظن أتباعه أن هذا فيه نوع تعدي عليه فيقعون بالفتنة. هنا يكون الرفق ليس لأجل هذا المنافق، إنما يكون الرفق من أجل حفظ قلوب أتباعه ونفوس أتباعه، وهذا الذي كان يفعله النبي عليه الصلاة والسلام. فكان النبي عليه الصلاة والسلام يتألف عبد الله بن أبي مع ما يقع منه أحياينا، وسبب ذلك أن عبد الله بن أبي معظم عند الخزرج، فلم يكن النبي عليه الصلاة والسلام يريد أن يثير حفيظة الخزرج، وقد قال عمر الفاروق رضي الله عنه وأرضاه للنبي عليه الصلاة والسلام: مر عباد بن بشر فليقتله. قال: «إذاً لاحمرت له أنوف». فلم يقبل النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، حتى وقعت حادثة الإفك وقال ما قال هذا المجرم الخبيث، وبان نفاقه عند من كان يعظمه، فلم تعد له تلك المكانة ولا تلك المنزلة.

فقال بعد ذلك النبي عليه الصلاة والسلام لعمر: لو أمرتهم الآن لقتلوه. فعلم عمر بأن رأي النبي عليه الصلاة والسلام وحكمة النبي عليه الصلاة والسلام وسياسة النبي عليه الصلاة والسلام هي الأمور الأعظم من سياسة، فقصة من ذلك أن مثل هذه النصوص لابد أن يكون عندنا فقه في طريقتها التطبيق، وإلا بالأصل المنافق يعنف لماذا؟ حتى ما يؤثر في الناس، وحتى تسقط قيمته عند الناس. هذا هو الأصل أن يتم الشدة على المنافقين وكذلك على الكفار حتى ما يتم تأثيرهم على الناس، لكن إذا كان هو بالاصل معظم عند الناس وبأصل له مكانة أي هذا المنافق، فهنا يقدر هذا الأمر بقدره. ولكن من حيث الأصل الشدة على المنافق وعدم اللين معه.

أما إذا كان المنافق نفاق عملي، وهذا الذي لا يكاد يسلم منه أحد، فهنا الأمر معه أوسع، والمقصود في الآية المنافق النفاق الاعتقادي أي أمثال عبد الله بن أبي، أما النفاق العملي الشخص الذي يقع منه الوصف هكذا، الذي به شبه للمنافقين، وهذا الذي لا يكاد تسلم منه إلا من سلم الله سبحانه وتعالى وحماه. آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان. فهذا التعامل معه يكون أوسع، وليس مثل التعامل مع المنافق الذي يضمر عداوة الدين ويضمر الكفر وهكذا.

إذاً، هذا ما يتعلق بالتعامل مع المنافقين. ثم بعد ذلك ننتقل إلى الحديث عن ورد اليوم. ابن القيم رحمه الله تعالى ختم هذا المجلد بذكر أنواع التوبة أو طريقة التوبة للأقسام التي ذكرها، فاختلف العلماء في بعض العصاه هل لهم توبة أو ما لهم توبة؟ وعامة العلماء بأن لهم توبة. وذكر في خاتمة هذا الكتاب بعض الصور التي اختلف العلماء فيها، ولكن كذلك ذكر صور عديدة في طريقة التوبة.

طريقة التوبة هذا الفصل الاخير هو فصل فقهي أكثر منه تزكوي إيماني، هو فصل فقهي يريد ابن القيم أن يبين لمن وقع في مثل هذه الأخطاء وهذه المعاصي طريقة العودة إلى الله سبحانه وتعالى. لودي أن أقف مع هذا الفصل عدة وقفات موجزة يسيرة. الوقفة الأولى المتعلقة بتوبة القاذف والسارق، وكذلك توبة من غصب أموالا وكان يستطيع أن يرد هذه الاموال. بين هنا ابن القيم بأن توبة القاذف والسارق والذي يغصب المال، أي الذي يستطيع أن يرد الحق إلى أهله، أنه لابد أن يرد الحق إلى أهله، فتوبة القاذف الذي يقذف لابد أن يبين بأنه كاذب فيما قذف فيه، ولا يصح أن يقول أن يتوب بينه وبين نفسه، هذه التوبة غير مقبولة له لماذا؟ لأن هذا شخص له حق، هذا يتم قذفه هذا له حق، فلا بد أن يبين للناس بأن قذفه لم يكن صواباً وأنه كان كاذباً في ذلك.

كذلك من يسرق إذا كانت نفس العين موجودة عنده، فلا يكفي بذلك قطع اليد بل لابد أن ترد هذه العين. ورجح هنا قول الإمام مالك رحمه الله تعالى إذا كانت العين موجودة، أما إذا لم تكن موجودة فلا يلزم منه أن يكون عنده، فإنه لا يضمن. كذلك ما يتعلق طبعا هذا إذا كان الشخص يستطيع أن يرد الحق، إذا كان الشخص يستطيع أن يرد الحق إلى أهله، فهنا التوبة ما تتم حتى يرد هذا الحق، سواء كان الحق معنوي أو كان الحق مادي. سواء كان الحق معنوي مثل ما ذكرنا في القذف في سب وشتم إلى آخره، فهذا كله لابد أن يكون اعتذاره بالعلن ولا بد أن يكون بيانه كذلك بالعلن، ولا يكون كما يفعل بعض الزنادقة يكفرون بالعلن ثم بعد ذلك يتوبون في السر، فهو يكفر وتنتشر عنه الكلمات المخالفة لنفس الدين، ثم بعد ذلك في السر يتوب ولا يتوب في العلن، هذه توبة ليست بمقبولة.

وكذلك الوقفة الثانية المتعلقة هنا بالمصطلحات. فابن القيم بين رحمه الله تعالى فرق بين الإثم والعدوان، وكذلك يتكلم عن الفسوق والمعاصي، والفرق بين المعصية والفسق، وكذلك بين الفحشاء والمنكر والإثم والعدوان وكذلك التعدي. فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فلا إثم عليه، فهذا بين كذلك حكم أكل الميته إلى آخره. القصة من ذلك أن هنا نفس المصطلحات الشرعية كيف ابن القيم كان يدرس هذه المصطلحات، وققبل ذلك كان قد ذكر السيئات والذنوب. وهذا يدل على عناية خاصة من ابن القيم رحمه الله تعالى لنفس هذه المصطلحات.

وهنا الذي ذكره الإمام رحمه الله تعالى دقيق جداً، وهذا معنى لابد أن نفقه ونحن نقرا مثل هذا الكتاب، فكثيرا ما نذكر الكلمات أو نعرف المعاني العامة والإجمالية للكلمات التي تذكر في القرآن الكريم، ولكن نفس المعاني التفصيلية قد تغيب عنا. مثل الفحشاء والمنكر، ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: 45]. ما الفرق بين الفحشاء وبين المنكر؟ وكذلك المعصية والفسق، متى يذكر الله سبحانه وتعالى الفسوق ومتى يذكر المعاصي؟ وهل هو أغلبي أو دائماً تذكر المعصية بهذا السياق والفسوق بهذا السياق وهكذا؟ هذا يحتاج إلى دراسة ويحتاج إلى عناية كبيرة في القرآن الكريم، ونظر في اطلاقات القرآن الكريم.

ابن القيم هنا يبين ويبرز هذه المعاني بناء على دراسته الخاصة واستيعابه لنفس هذه الاطلاقات، وهذا من المباحث الشريفه والمهمه أن يعيها الإنسان، ومن يفهم مثل هذه الاطلاقات يستوعب كثير من المعاني، لكن الذي لا يفهم مثل هذه الاطلاقات قد تخفى عنه، بل هي تخفى قطعا للكثير من المعاني. فبقدر عمل الأحفورات على هذه الاطلاقات والنظر فيها وفي سياقاتها والعلاقة فيما بينها عموما، ليس فقط ما ذكره هنا الإمام، بل عموما يكون الشخص قد أدرك شيء كبير. أضرب لكم هكذا أمثلة، مثلا لما يأتي شخص وينظر إلى كلمة الإحسان في القرآن الكريم وكذلك كلمة الصدق، ما العلاقة بين الإحسان وبين الصدق؟

هل يوجد بينهما ترابط أو تداخل؟ نعم لا شك، النبي عليه الصلاة والسلام لما ساله جبريل عليه السلام عن الإحسان قال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». إذاً هنا أن تعبد الله كأنك تراه هذا هو الصدق، وهذا الصدق العالي. هنا الآن هذا الشخص يصدق بعمل لدرجة أنه يتعامل مع الله كأنه يراه، لكن هل الإحسان مطابق للصدق؟ لا قطعا، وليس مطابق له، لكن بينهما أنواع تداخل. هذا المعنى، هذا مثال، طبعا الشخص إذا تعامل مع هذه الكلمات الكبيرة سيفهم مثل ما ذكرنا قبل ذلك في التوبة مع التقوى، ما العلاقة بين التوبة وبين التقوى؟ تقول: كيف، التوبة ليست لها بينها وبين التقوى أي علاقة؟ اقول لك: من قال لك ذلك؟ اليس تقوى معناها انك تعمل الطاعة على نور من الله سبحانه وتعالى ترجو ثوابه وتترك المعصية على نور من الله ترجو ثواب الله؟ تعمل الطاعة وتترك المعصية، والتوبة الرجوع من المعصية إلى الطاعة، فالتوبة شخص يتوب من المعصية إلى الطاعة. وكذلك لما يتوب هو من معصية إلى الطاعة سيمتثل الأمر، فيكون هو قد قام بفعل المامور وترك المحظور، إذاً هذه هي التقوى، فالتوبة الآن اصبحت مطابقه للتقوى، وهكذا.

فالقصة من ذلك نفس هذه الاطلاقات مهم جدا جدا أن يستوعبها الإنسان وأن يفهمها. وابن تيمية رحمه الله تعالى وقبله وابن تيمية وبعده تلميذه ابن القيم وكذلك الحافظ ابن رجب، هؤلاء الثلاثة مميزون حقيقة في هذا الأمر ميزة كبيرة. وأكثر ناس ربما يقرؤون مثل كلمات ابن القيم هنا وققبل ذلك ابن تيمية في كتبه من غير أن يستوعبونها، فيمرون عليها مروراً يظنُّون بأن هذه المباحث سهلة، هي ليست سهلة بهذه الطريقة، هو ربما طرحها بأسلوب سهل، لكن هو كيف وصل إلى هذا المعنى؟ وكيف حققه؟ مثل ما ذكرنا في الدروس الماضية في طريقة العبودية العلاقة بين الكبر وبين الشرك، الكبر والكفر، كيف ابن تيمية استطاع أن يصل إلى أن الكبر مطابق أو أو مقابل للايمان؟ الكبر يكون مقابل للإيمان: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر». وكذلك في النار: «لا يبقى في النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان». إذاً هنا الكبر أصبح مقابل الإيمان، بأي اعتبار؟ هذا مهم جدا أن يستوعب الإنسان وأن يعيش معه إذا أراد أن يصل إلى الحق، إذا أراد أن يصل ويستوعب الحقائق.

وهذا كثير مثل ما ذكرت، هذا كثير جدا، أكثر الناس لما يقرؤون كتب تفسير أو يقرؤون هكذا في المصطلحات، يأخذون هكذا عبارة عن قضية مصطلحية ليست لها معاني عميقة، إنما تعريف فقط، يدرس آجرومية أو يدرس هكذا كتاب من الكتب التي بها هذه المصطلحات، فيقولك: النفاق هو عبارة عن إظهار الكفر وإظهار الإيمان وإبطان الكفر، البدعه معناها كذا. هي ليست بهذه الطريقة، هذه كدراسة أولى ما فيها بأس، بس كنتيجة نهائية تريد أن تصل إلى فهم واستيعاب هذه الحقائق والإطلاقات القرآنية، وتصل إلى استيعاب الذي لا يستوعب أكثر ناس، حتى تفهم نفس النصوص الشرعية.

يعني مثلاً قول الله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: 31]. تاب عليهم ليتوبوا، هذه حتى في كتب التفسير حاول تفهم هذه الآية لن تستطيع أن تصل إلى فهمها، لكن اقرأ هنا كلام القيم رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية، تفهم كيف تفهم معنى هذه الآية، تفهم معنى هذه الآية. طيب لماذا ما فهمتها من كتب التفسير؟ لأنك لم تفهم معنى كلمة التوبة، لكن ما وصلت إلى تحقيق التوبة، أخذتها إجمالاً، لكن ما وصلت إلى عمق هذه الكلمة، عمق هذه الكلمة، وهكذا. هذا معنى مهم جداً يعني أن نأخذه، والذي يريد أن يستفيد وينتفع ليتعامل مع الكتب بهذه الطريقة، ثم هو ليجرب مع نفسه وليعرض الذي وصل إليه على من يستوعب مثل هذه الإطلاقات.

ثم بعد ذلك الوقفة التي تليها، سنتكلم بإذن الله عن القول على الله سبحانه وتعالى بغير علم. هنا ذكر الإمام رحمه الله تعالى خطورة القول على الله سبحانه وتعالى بغير علم، وأن الله سبحانه وتعالى جعل أعظم من الشرك: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33]. فجعل القول على الله سبحانه وتعالى بغير علم بعد الكفر به، لماذا؟ لأن في الكفر وزيادة، فهؤلاء لم يبطلوا فقط الكفر بل زادوا عليه بأن الله سبحانه وتعالى يقول كذا وكذا، فهم افتروا على الله سبحانه وتعالى الكذب. وهذا النوع من الذنوب والمعاصي نوع خطير جداً، وأكثر من يقع فيه هم شباب المتدينين، وسبب ذلك أن الناس ينظرون إليهم أنهم ممثلون الإسلام، والله والسعيد السعيد السعيد الذي لم توجد في صحيفته كلمة فيها القول على الله سبحانه وتعالى بغير علم، يعني ما تجرأ بسبب نظر الناس له أن يقول على الله سبحانه وتعالى أن يفتري على الله الكذب.

طالب علم أو بأنه ما يعرف، ثم بعد ذلك نظرة الناس تكون ثقيلة عليه؛ كيف أنت ما تعرف؟ فيقول كلمة هكذا، لا أنتبه. يروى في الترمذي بأن النبي عليه الصلاة والسلام قد قال: «من قال بالقران برأيه فأصاب فقد أخطأ»، كما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما، يعني حتى لو أصاب الإنسان هو أخطأ في حكم الله، لماذا؟ لأنه تجرأ وقال كلمة هو غير واعي ولا مدرك لها.

فمن المهم أن يحتاط الإنسان لدينه، وأن لا يتساهل في القول في دين الله سبحانه وتعالى. وكان الصحابه رضي الله عنهم يخافون، وكان ابن أبي ليلى يقول: أدركت المسجد عشرين ومائة من الأنصار، كانوا كلهم يتدفعون الفتيا وليس أحد منهم يقول بأني فقيه، حتى ترجع الفتيا وتعود إلى أولهم فالأول، يقول لا أدري اسأل فلان، والثاني يقول لا أدري اسأل فلان، يخافون حتى ترجع بعد ذلك إلى الرجل الأول. هذا كله من الخوف وتمكن الإيمان من قلوبهم رضي الله عنهم.

والوقفة التي تليها وقفة تارك الصلاة، وهذه الوقفة المتعلقة بتارك الصلاة: هل يعيد الصلاة أو لا يعيدها إذا ترك الصلاة عمداً بغير عذر؟ شخص جالس بين المغرب والعشاء وهو يسمع الأذان ويستطيع أن يقوم، لكن لم يصلي حتى خرج الوقت، ثم بعد ما خرج الوقت قال: الآن أريد أن أقوم وأصلي المغرب ثم أصلي العشاء. هذا الإنسان الذي ترك الصلاة عمداً ليس بعذر، ما عنده أي عذر؛ ليس نائم مثلاً أو أنه كان هكذا في عملية جراحية ما يستطيع، أو كان على سفر مثلاً لا، ليس عنده أي عذر. هذا الإنسان هل يعيد الصلاة أو ما يعيد؟ هذه مسألة شهيرة، هذه مسألة شهيرة والكثير من الناس يسأل عن هذا السؤال: شخص يترك الصلاة سنتين ثلاث سنوات ثم بعد ذلك يريد أن يصلي، هل يصلي أو ما يصلي؟ كيف تكون توبته؟ هو له توبة قطعا ولا يجوز إغلاق باب التوبة، ولكن كيف يتوب؟ هل يقضي الصلوات التي فاتته أو لا يقضيها؟

والعلماء على قول أول بأنه يقضيها، وذكر ابن القيم سدال وأطال، وذكر كذلك أطول منه في كتابه الصلاة شهير وطال نفسه كثيراً في الحديث على هذه المساله، ورجح هو وكذلك شيخه وكذلك ابن رجب بأنه لا يقضيها. لماذا لا يقضيها؟ لأن هذا الإنسان سقطت الصلاة في حقه فلعظم الجرم الذي وقع فيه لا يقضيها، وهذا يكون مثال الشخص الذي تاب من الكفر، كفر أي أسلم بعد كفره. وكذلك الصلاة، الذي يترك الصلاة عامداً ليس مثل الذي ينسى الصلاة، والذي يكون معذوراً. وهنا رد كذلك على جميع الأقيسة التي ذكرها المخالفون، هم أكثر العلماء بل هو مذهب الأئمة الأربعة، أي بأن الذي تارك الصلاة عمداً يقضيها، ويرون بأن هذا أولى من الذي يتركها نسياناً، أولى من الذي يتركها ناسياً كان الناس يقضيها فكيف الذي تركها عمدا؟ هم نظروا وانطلقوا منطلق مخالف للمنطلق الذي يراه الفريق الآخر. القصد من ذلك أن ابن القيم هنا يعقب هؤلاء يسمعهم، لا نص ولا إجماع، وجميع الأقيسة سيتم الرد عليها ورد على جميع الأقيسة التي ذكروها، ومثل ما ذكرت هذه المسألة من المسائل الشهيرة والتي يكثر السؤال عنها.

كذلك من ضمن الوقفات المهمة المتعلقة بهذا الورد: هل للقاتل توبة؟ هي ليست له توبة؟ المشهور عن ابن عباس رضي الله عنهما بأن القاتل ليست له توبة، ولكن كذلك صح وجاء عن ابن عباس بأنه رجع عن هذا القول، فاتفق قول السلف الصالح رضي الله عنهم وأرضاهم وكذلك الخلف بأن قاتل النفس له توبة. ابن عباس يرى بأنه لا توبة له، يرى ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه بأن أبيه بأنه لا توبة له، وهذا هو المشهور عنه وليس له ناصر من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، إنما هو رأي لابن عباس، واجتهد ابن عباس رضي الله عنهما في فهم آية النساء بأن قاتل النفس ليست له توبة. ولكن كذلك جاء عنه بأنه رجع، جاء عنه بأنه رجع عن هذا القول ووافق السلف وكذلك وافقه كذلك الخلف على أن قاتل النفس له توبة.

وجاء كذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما بأنه أتاه رجل وذكر له بأنه قتل، فقال له ابن عباس: لك أم؟ قال: لا. فقال: عليك خالة؟ فقال: نعم. أو قال له: اجتهد بالعمل ما استطعت. ثم انطلق الرجل فقال له أصحابه: لماذا سألت عن الأم؟ فقال: لا أعلم عملاً أحب إلى الله سبحانه وتعالى من بر الوالدة، لا أعلم عملاً أحب إلى الله سبحانه وتعالى من الوالدة. فالقصد من ذلك أن ابن عباس كان يميل وهذا من اجتهادات ابن عباس على افتراض أنه لم يرجع عن هذا القول وخالف في هذا جماهير السلف، بل جميع السلف وكذلك جميع الخلف، وليس لابن عباس ناصر إلا ما يروى عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى وقله قليلة، أما عامة العلماء من السلف والخلف على أن قاتل النفس له توبة، وليس القتل بأعظم من الكفر، فإذا كان الكفر له توبة فكذلك القتل. وكذلك بين الله سبحانه وتعالى بأن باب التوبة لا يغلق حتى تغرغر النفس أو تطلع الشمس من مغربها، فالتوبة لا تغلق إلا في حالتين اثنتين: الحالة الأولى أن يصل الشخص إلى غرغرة الروح، والحالة الثانية أن تطلع الشمس من مغربها، هنا يغلق هذا الباب، أما قبل ذلك فلا يغلق هذا الباب.

والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العظيم: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: 156]، ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53]. الله سبحانه وتعالى يغفر جميع الذنوب كائناً ما كان هذا الذنب. لكن كيف ستكون توبة هذا الشخص الذي قتل؟ ذكر ابن القيم في آخر هذا أنه يسلم نفسه، لكن هل يكفي أن يسلم نفسه؟ لا يكفي، هناك تترتب حقوق؛ حق لله سبحانه وتعالى هذا يكون بالتوبة والندم، وحق متعلق بالورثة فهذا يكون بتسليم نفسه إليهم، وحق ثالث متعلق بنفس المقتول، هذا الحق المتعلق بالمقتول إذا صدق هذا الانسان بتوبته يكرمه الله سبحانه وتعالى ويرضيه الله سبحانه وتعالى.

كذلك الإنسان هنا ذكر ابن القيم بعض الصور المتعلقة بغصب الأموال وعدم القدرة على ردها، أو الوقوع ببعض أو ارتكاب بعض الأخطاء على بعض الأشخاص ثم بعد ذلك عدم القدرة على رد هذه الحقوق لهم، فهنا ذكر ابن القيم أنه يتصدق عنهم بهذا المال، وكذلك ذكر بأنه يكثر من الطاعات، فيوم القيامة القصاص سيكون بالحسنات والسيئات. فالشخص إذا أخطأ على غيره ما دام هو يعيش فوق الأرض وذاك كذلك فوق الأرض، لابد أن يتوب ويرجع إليه، والتوبة مثل ما ذكرت متعلقة بحق آدمي لابد أن يرد له حقه.

وأذكر مرة سئل أحد المشايخ وهو الشيخ الطريفي فرج الله عنه، وقال بأن اتصلت عليه امرأة وقالت بأني سكبت الماء على امرأة حتى تشوهت فخذيها وأريد أن أتوب فماذا علي من التوبه؟ فقال: لابد أن تمكنيها من نفس الفعل. الآن هذا التشويه منعها من الزواج، فلما أعد أحد، يعني هي حرمتها ليس فقط الآن، ليس الأذى الآن فقط جسدي، بل تطور هذا الأذى عندها حتى لم يعد أحد يعني يقبل بها، هنا التوبة لابد أن تمكنها أن تفعل مثل الفعل، فلا شك أن التوبة صعبة وثقيلة، لكن بما أنك فعلت هذا الشيء فالتوبة تكون بهذه الطريقه. أما مجرد توبة أن الشخص يندم هكذا ابدا، وإذا كان حي ويرى بأنه أمامه لابد أن يفعل معه هذا الشيء، أما التوبة ما تكفي التي هي بمعنى الاستغفار إلى آخره من غير أن يعوض هذا الشخص حقه أو يمكنه من القصاص منه.

فالقصد من هذا أن لكن إذا مكنه وذاك لم يقبل هنا تكون المشكلة، فإذا مكن قال قبل بذلك، لكن هو يقول حتى لو فعل هذا الشيء هو ما الذي ستستفيده؟ هو أخذ حقه لكن خسر حياته، خسر فلاناً. بمجرد التمكين يكفي، الأمر يعني به اجتهاد، فالبعض يرى بأنه يكفي لأنه مكن وسلم من هذا الشيء، البعض الآخر يقول لا، إنه لا يكفي، لأن الضرر الواقع عليه ما الذي سيستفيده لو رد عليه نفس الضرر؟ فهنا يسكر الشخص.

وأصعب الأسئلة التي تأتي الشخص، والتي كذلك يذكرها الناس في يسألون بها المشايخ، المتعلقة بالتوبة: استحلال الميت، استحلال خاصة إذا كان قريب، خاصة إذا كان مثلاً أب أو أم أو قريب، هنا الأمر يكون أثقل بكثير ويحتاج شخص يعني إلى توبة ثقيلة ليست عادية. فشخص مثلاً والدته تموت بسبب عقوقه، أمر عظيماً، كلكم يعرف قصه محمد بن هارون البلخي، هذا رجل قتل والدته، وقصته ذكرها جماعة من العلماء، ذكرها ابن رجب وذكرها كذلك ابن الجوزي وجماعة من العلماء ذكروا هذه القصة الشهيرة، وهي باختصار أنه كان يذهب إلى الحج في كل سنة، فمرة من المرات حج وراه محمد بن المنكدر، أو كان محمد بن المنكدر موجود في الحج، ومحمد بن المنكدر فرأى في المنام بأن الله سبحانه وتعالى قد غفر لجميع أهل الموسم إلا لمحمد بن هارون البلخي هو من بلخ.

فتعجب محمد بن المنكدر وسأل عنه حتى ذهب إلى العراق، فقال له رجع ورحل حتى ذهب إلى بلخ وصل إلى بلخ، وهي من بلاد فارس، فلما وصل إلى بلخ سأل عنه فقالوا هو ذاك فذهب إليه، فإذا هو رجل شيخ كبير ظاهر الوقار والصلاح، فأضافه فمكث عنده ثلاثة أيام ويرى بأنه رجل عابد صالح يذكر الناس ودائماً كثير ذكر لله سبحانه وتعالى. تعجب محمد بن المنكدر كيف أن الله يغفر للجميع إلا لهذا، هذا رجل صالح وعابد، فذكر له مره فقال له: يعني منذ 30 سنة وأنا أحج وفي كل سنة يأتيني الرجل ويقول لي هذا الكلام، 30 سنة ويحج حتى ترك. فذكر له بعد ذلك جرمه، فقال: بأني أتيت في يوم من الأيام وكنت قد كنت شارباً للخمر فاقداً للوعي، وكانت عندها زوجته وأمه في المنزل، فخافت الزوجه ودخلت وغلقت عن نفسها وغضبت الأم منه، فحمل الأم وقذفها في تنور من غير وعي منه، يعني لم يكن قاصداً أن يقتل.

ثم بعد ذلك لما فاق وسأل زوجته عن أمها فقالت انظر، فنظر إلى التنور فإذا بها قد تفحمت. فندم وتاب وعاد إلى الله سبحانه وتعالى، ثم انطلق محمد بن المنكدر، فلما وصل إلى أطراف بلخ أتاه الخبر بأن محمد بن هارون البلخي مات، فنعم هو، أو قبل ليس مات إنما راه أنه اتى الخبر أنه قد مرض، ونام هو فرأى في المنام بأن النبي عليه الصلاة والسلام بأن الله سبحانه وتعالى يقول له: لا تقنط عبادي من رحمتي. فرجع إليه وبشره قبل أن يموت ثم مات.

فالقصد من هذا أن مثل هذا الجرم هذا عظيم جداً، يعني قتل أم، قتل أم! القتل مصيبة ثالثة يليه الكفر بالمرتبة، فكيف لما يكون الأم؟ أو يكون للأم، يعني أعظم الناس حقاً من الابن، أقرب الناس، فالحق يكون هنا عظيم جداً. القصد من هذا أن شخص لما يخطئ على شخص ثم يموت، يخطئ على شخص ثم يموت فهنا الأمر يكون صعباً، هنا ليس ثم ليس ثم إلا الحسنات والسيئات فقط، ما في يعني يتوب شخص من حق الله، يسقط حق الله سبحانه وتعالى، يسقط حق الله بالتوبة، لكن حق المخلوق هو إلى أن شخص لا هو حق ولا مكن أن يرد حقه، لا هذا ولا هذا، ولو رد له حقه انتهى الأمر أو مكن، يعني مكن من أن يرد حقه كذلك، لكن هو لا هذا ولا هذا ومات، طيب ما الحل هنا؟ لا يوجد حل إلا أن يلجأ العبد إلى الله سبحانه وتعالى ويكثر من دعائه أن الله يرضي عنه هذا الميت.

كما يعني جاء في الحديث أن الكافر لما يقتل المسلم ثم يتوب هذا الكافر فيأتي المؤمن يوم القيامة يقول: يا ربي، ورأسه يكون بيده، يقول: سل هذا فيم قتلني، فيذكر له بأنه قتلها أيام الكفر، فيأمر الله سبحانه وتعالى عبديه بأن ياخذا بايدي بعضهما ويدخلا بها الجنة ويدخلان الجنة. لماذا؟ هذا قتل وقت الكفر فأكرم الله سبحانه وتعالى هذا بالشهادة، ثم هذا تاب وأناب إلى الله سبحانه وتعالى.

فالقصد من هذا أن الله قد يرضي بعض عباده إذا صدقت التوبة، يعني إذا كملت التوبة الله سبحانه وتعالى يرضي هذا الإنسان ولا يأخذ من حسنات وسيئات، لكن هذه تحتاج إلى توبة صادقة، توبة نصوح، ليست توبة عادية، خاصة لما يكون حق كبير، خاصة يكون تدمير مستقبل شخص أو القضاء عليه، أو هكذا تسبيب عاهة مثلاً للإنسان دائمة تكون معه ثم يموت هذا الإنسان أو أنه ما يستطيع أن يصل إليه، هنا الأمر يكون شاقاً جداً وصعباً، فيحتاج إلى يعني توبة كبيرة ويحتاج إلى ذلك أكثر من حسنات، هذا ما تدري كم سيأخذ هذا؟ ممكن يأخذ منك عمل سنة كاملة.

القصد هذا كان كله الذي لم يبتلى بهذا النوع من الذنوب والمعاصي فلا يبتلى به، ومن ابتلي والذي أخطأ عليه ما زال حي يرزق فالاعتذار منه وتحلله والانكسار لله سبحانه.

وتعالى أولاً، ثم إثبات هكذا الرجوع عند هذا الشخص هذا أهون بكثير من الحسنات التي سيأخذها منك يوم القيامة، أو من السيئات التي سيلقيها على عاتقك يوم القيامة. نسأل الله سبحانه وتعالى السلامة والعافية والحفظ.

هذا كله غير الغيبة، ذكرنا فيما سبق كما تذكرون الغيبة، فالغيبة إذا كانت بحق شخص فلا يخبره، إنما يذكر بصفاته الحسنة، يذكر بصفاته الحسنة؛ لأن هنا الغيبة قد تضره وقد لا يقبل ولا تسمح نفسه بها، ولكن إذا كان في حق مادة أو كان في حق هكذا معنوي فهنا وهو وصل له هذا الشيء، يعني علم بذلك، علم بذلك هنا لابد أن يرجع بالعلن ويتوب ويمكن أن يقتص منه ويعتذر إليه.

إذا هذا بعض ما يتعلق بورد اليوم، والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.