الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فحيياكم الله إخواني جميعاً وبياكم وسدد على طريق الخير خطاكم. نكمل التعليق على هذا الكتاب العظيم «مدارج السالكين» للإمام ابن قيم الجوزية. ومعنا اليوم بإذن الله الحديث عن الإخبات؛ عن منزلة الإخبات، ثم الزهد، ثم الورع بإذن الله.
منزلة الإخبات ذكرها الإمام بعد حديثه عن منزلة الخشوع والإشفاق والخوف من الله سبحانه وتعالى. والإخبات معناه القريب هو السكون والخضوع والطمأنينة والتواضع. ويختلف العلماء كثيراً في تفسير الكلمات، وليس القصد من الاختلاف هنا الاختلاف في الحقيقة، ولكن الاختلاف يكون من باب المثال أو من باب ذكر جزء المعنى. وهذا الكلام سهل لما يذكر بطريقة علمية معرفية، ولكنه صعب لما يراد الانتقال منه إلى الحديث عن الحقيقة التي يشملها هذا المصطلح وهذا المعنى.
فمن السهل أن تقول بأن المخبت هو المتواضع، أو الإخبات هي أول منازل الطمأنينة، والإخبات كذا وكذا. ولكن تريد أن تصل إلى حقيقة الإخبات، تريد أن تصل إلى أن تكون حقيقة من المخبتين؛ هذا يحتاج إلى جهد، ويحتاج إلى نظر في سير القوم ونظر في أفعالهم وأقوالهم حتى يفهم الإنسان معنى الإخبات الذي يباشر النفس، وليس فقط العلم والعقل والمعرفة، إنما الذي يباشر نفس الإنسان.
ولما نذكر الإخبات وأهل الإخبات، يظهر لنا جلياً صورة التابعي الجليل الربيع بن خثيم، الذي قال له الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، يقول: يا ربيع، ما رأيتك إلا ذكرت المخبتين، ما رأيتك إلا ذكرت المخبتين. والله يقول في كتابه العظيم: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج: 34]. ثم بعد ذلك وصف أهل الإخبات، ثم بعد ذلك وصف أهل الإخبات. دعونا ننظر في المخبتين، وصف الله سبحانه وتعالى للمخبتين، ثم دعونا ننظر إلى قول ابن مسعود في الربيع بن خثيم. يعني لما يأتي صحابي جليل مثل عبد الله بن مسعود، وهو من أعلم الناس -إن لم يكن أعلم الناس في زمانه- بالقرآن الكريم، ويصف ربيع بن خثيم بأنه من المخبتين، وأني ما رأيتك إلا ذكرت المخبتين.
من هم المخبتون؟ المخبتون هم المذكورون في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَا أَصَابَهُم وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الحج: 35]. الآن أربع أوصاف للمخبتين. دعونا ننظر الآن في سيرة الربيع بن خثيم؛ الربيع بن خثيم كان يمشي مرة مع عبد الله بن مسعود الصحابي الجليل رضي الله عنه وأرضاه، فمر على حداد، فنظر عبد الله بن مسعود إلى حداد وحد النار فتاثر، أما الربيع تمايل حتى سقط وأغمي عليه، وجلس على رأس عبد الله بن مسعود إلى الظهر ولم يفق، ثم إلى العصر فلم يفق، ثم إلى المغرب، ثم إلى العشاء، وفاق بالعشاء. لماذا أغمي عليه؟ لتذكر النار. لماذا أغمي عليه؟ لأن هذا القلب مملوء بالخوف من النار، مملوء بالخوف من الله سبحانه وتعالى، فأغشي عليه. هذا هو الذي جعل عبد الله بن مسعود يقول: ما رأيتك إلا ذكرت المخبتين. إذاً، هنا وجلت قلوبهم؛ هذه ظاهرة جداً في سيرة الربيع بن خثيم.
ثم ننظر بعد ذلك: والصابرين على ما أصابهم. الربيع بن خثيم مرة من المرات كان جالساً أمام بيته، فأصابه حجر فتصببت الدماء من وجهه، ثم دخل إلى المنزل ولم يعد إلى هذا المكان. أصيب بالفالج بعد ذلك بمرض وكان مقعداً، وكان يحمد الله سبحانه وتعالى ويشكره ويذهب إلى المسجد وهو في هذه الحال، فكان يقال له في ذلك إن الله قد عذرك، فيقول: نعم، ولكن من استطاع منكم أن يأتي المسجد فليأته ولو حبواً، ولو حبواً. وكان يذكر حديث ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه: ولقد رايتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق؛ الذي يستطيع أن يأتي المسجد فليأته ولو زحفاً ولو حبواً. إذاً، هذا يشمل الصبر على هذا البلاء.
وكذلك إقامة الصلاة؛ فالذي يتعامل مع الصلاة بهذه الطريقة، هذا لا شك بأن قلبه وصل إلى مرتبة عالية جداً في العيش مع هذه المعاني. كذلك الإنفاق؛ قال: ومما رزقناهم ينفقون. مرة من المرات اشتهى خبيصاً، فطلب من زوجته أن تصنع له الخبيص فصنعت له الخبيص، فجاء رجل لا يدري ولا يعقل، رجل مسكين به خبل، فأعطاه الخبيص، فقالت له: إن هذا لا يدري، فقال: ولكن الله يدري. وفي قصة أخرى أنه أعطاها الطعام، ثم قالت له زوجته: تكلفنا وصنعنا لو أعطيناها المال حتى يشتري به، فقال: أحسنتِ، هاتي المال. فأتته بالمال وهي فرحة، فأخذ المال والطعام وأعطاه هذا الرجل المسكين. هذا هو المخبت، هذا هو المخبت.
إذا ما نظرنا إلى صور المخبتين، لا نستطيع أن نفهم من هم المخبتون؛ ممكن نقرا كلام ابن القيم هنا، ونقرا كلام الهروي، ونقرا كلام السلف الذي نقله ابن القيم، لكن هل نصل بعد ذلك إلى حقيقة الإخبات؟ أو يكون الإخبات عبارة عن معرفة نظرية علمية فقط؟ أما في التطبيق العملي فلا يصل الشخص إلى حقيقة الإخبات، فلا يصل الشخص إلى حقيقة الإخبات. فالقصد أن بهذه الطريقه، ثم بعد ذلك يأتي فعل العبد، أي اجتهاد العبد ودعاء العبد ربه سبحانه وتعالى بأن يبلغ مرتبة المخبتين. كم مرة سالت الله سبحانه وتعالى وأنت تقرا سورة الحج وتمر على قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَا أَصَابَهُم وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الحج: 34-35]؟ توقفت وقلت: يا رب اجعلني من المخبتين، يا رب بلغني هذه المرتبه، يا رب منن علي بأن أكون ممن وصل إلى هذه الحال.
هذه مرتبة الصفوة والقله من البشر؛ هذه المرتبه ليست مرتبة العدد الكبير من الناس، فأهل الإيمان قلة بالناس، وأهل الإيمان قلة بين المسلمين، والمخبتون قلة، ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: 13]. أهل الإخبات والخشية والخوف العظيم وأهل المحبة، هؤلاء ليسوا كثرة، هؤلاء قلة، وحتى الخواص، حتى من يظن الناس بأنهم من الخواص، هؤلاء ليسوا كثير، هؤلاء قليل، وقليل ما هم. وهذا لا يصل إليه، لا يصل الشخص إلى هذه المراتب إذا ما كان دائماً يطرق الباب، دائماً يمر على هذه الآيات ولا يقراها ويهذها هِذّ الشعر، يكون همه فقط نهاية السورة، لا؛ هنا يقف، ممكن خلاص ما يكمل قراءة سورة الحج، ويجلس يدعو أربع دقائق، خمس دقائق، دقيقتين: يا رب اجعلني من المخبتين، يا رب بلغني درجة الإخبات. وهكذا يدعو الله حتى يأذن الله سبحانه وتعالى ببلوغ هذا الرجل هذه المراتب.
أما شخص يمر عليها ثم يقرا كلام ابن القيم هنا، ثم قد يكون كذلك يتكلم، وممكن يعقد المحاضرات إلى آخره، لكن هو نفسه ما يعيش مع الإخبات؛ هذا ما يستفيد، هذا ما يستفيد ولو ظن أنه يستفيد، وهذا الشيطان يدخل عليه من باب الايهام الكثير. فان هذا الآن يقرا، وهذا الإنسان يشرح، وهذا الإنسان يبين، ثم ينظر البقية أن ما عندهم هذا الشيء، فهو يقع في فتنة أكبر من فتنة الناس، كما قال كما نقل ابن القيم -تذكرون لما قرانا كلامه لما ذكر عن شيخ الاسلام رحمه الله تعالى قال: هؤلاء أي العامة في منزلة التوبة، قال: العامة عبدوا الله، وهؤلاء عبدوا أنفسهم-. انظروا إلى الكلمة الذهبية العالية. القصد أن هذه مرتبة الإخبات تحتاج إلى طرق كبير.
ومثل هذه المنازل العالية والكبيرة الشخص إذا ما تجرد من حظ نفسه ما يستطيع أن يستوعبها كثيراً ولا يفهمها كثيراً، إنما تقع عندها هكذا إشكالات كبيرة في فهم مثل هذه المنازل. وحتى هنا تقاسيم الهروي رحمه الله تعالى وتعليقات ابن القيم النفيسة والعالية هذه مهمة، لكن لو ما قرات هذه التقاسيم، لو ما قراتها، إذا سلكت الطريق ستصل إليها؛ حتى لو ما عرفت هذا الكلام، حتى لو ما عرفت كثير من هذا الكلام، بعض هذا الكلام مهم، بعض هذا الكلام مهم جداً، ولكن الكثير منه ممكن الشخص يصل إليه لما يسير على الطريق الذي نصبه الله سبحانه وتعالى. سيأتينا كلام ابن القيم النفيس جداً في الحديث عن هذا المعنى العالي المنيف والرفيع.
لذلك يا شباب، من يريد أن يصل؟ نحن الآن في قراءة هذا الكتاب، نحن الآن في الدرس رقم عشرين، المجلس الـ... وسننتهي إن شاء الله تعالى منه، لا ندري ممكن سبعون، ثمانون مجلس، الله أعلم، يعني لكن هذا تقديري، يكون ربما أقل، ستون مجلس، يعني هكذا، سنقرا هذا الكتاب إن شاء الله تعالى أربع مجلدات، لكن لا تخرج من هذا الكتاب إلا ومعك ألف دعوة؛ لأن ممكن تقرا بس ما تدعو، تتلذذ صح بقراءه، لكن ترى ما تصل، التلذذ شيء والوصول شيء آخر. التلذذ إيش؟ تقرا الكلام وتعجب به وتستحلي الكلام، تستحلي الكلام ثم يذهب هذا الكلام، خلاص قراته ثم تنساه، ويصبح هذا الكلام هباء منثوراً. ممكن تحفظ الكلام، تختصر هذا الكلام، وتجلس في المجالس وتحتج به، لكن أنت في وادي وابن القيم في وادي. تقول: كيف وأنا قرات؟ أقول لك: نعم، وأنت قرات؛ لأن هذا الباب ليس بهذه الطريقه، هذا الباب لابد أن تدعو الله سبحانه وتعالى وأن تقول له دائماً وكل يوم: يا رب بلغني، يا رب أوصلني. ثم لما تاتي المواقف، يكون همك بأي موقف يمر عليك بالحياة أن تحقق العبودية التي يحبها الله سبحانه وتعالى، حتى لو كان مجلس يسير، حتى لو كان مجلس عارض، حتى لو كان في كل موقف؛ في كل موقف تكون هكذا حريصاً أن الله ما ينظر إليك وقد خالفت الذي يحب منك سبحانه وتعالى، وأنك ما تفتن، أنك ما تفتن لا بشيء كبير ولا بشيء قليل، في كل شيء، بكل شيء.
الذي يتعامل مع الله بهذه الطريقة هذا مختلف، هذا هو الربيع بن خثيم، هذا هو الرجل العالي، هذا هو الذي يختاره الله سبحانه وتعالى؛ هم ليسوا كثرة، هؤلاء دائماً ينظرون إلى الأمام ما يتفتون إلى الناس كثيراً. القصد أن الإخبات هذه مرتبة عالية، والربيع بن خثيم ممن حقق هذا في نظر ابن مسعود الصحابي الجليل رضي الله عنه وأرضاه. إذاً، الوصول إلى درجة الإخبات، وهي أول منازل الطمأنينة، هي بهذه الطريقة، أن شخص يخاف الله سبحانه وتعالى، ثم هذه التعليقات في بيان المنازل أو بيان المراتب والدرجات، إخبات العامة، إخبات الخاصة، إخبات خاصة الخاصة، هذا ياتي بعد ذلك، هذا ياتي بعد ذلك.
ثم بعد ذلك ننتقل إلى المنزلة التي تليها، منزلة الزهد. وأطنب ابن القيم هنا وأكثر من الحديث عن الزهد لكثره النصوص فيه، وكذلك لكثره كلام السلف رضي الله عنهم ورحمهم فيه، وكذلك لتصنيف الأئمة؛ فالإمام أحمد أصنف كتاباً بعنوان الزهد، وكذلك عبد الله بن المبارك، وكذلك هنا السري وجماعة صنفوا في الحديث عن هذه المنزلة. ومنزلة الزهد منزلة عالية جداً، والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العظيم: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَيدُ ۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: 96]، ويقول: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 26-27]، ويقول: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْر لمنِ اتَّقَىٰ﴾ [النساء: 77]. والآيات الكثيرة جداً الوارده في التزهيد من الدنيا.
المشكلة في تحقيق الزهد هو حضور القلب والنفس من أجل الدنيا. الإنسان مخلوق له أطماع، الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان، وهذا الإنسان يتاثر بما زينه الله سبحانه وتعالى في الدنيا، ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ [آل عمران: 14]. فالإنسان يتاثر بهذه الشهوات، يتاثر بهذه الشهوات وهذه الشهوات تتمكن منه تلتصق به، والنفس مثل المغناطيس، والنفس مثل المغناطيس؛ فلما تاتي هذه الشهوة المحببة للإنسان تلتصق بها. لما تلتصق بها هذا الإنسان يريد أن يفعل أي شيء حتى يحققها، حتى يشبع هو نفسه، وهو مخلوق أصلاً بهذه الطريقة. وهذا هو الفارق بين خلق الإنسان وخلق الملائكة؛ الملائكة ما عندهم هذه الشهوة، الملائكة ما عندهم هذه الشهوة، لكن الإنس عندهم هذه الشهوة.
طيب، هذا الإنسان يريد أن يصل إلى أن يزهد؛ يحتاج إلى أن يهذب نفسه، أي يضعف هذا المغناطيس فيها. إذا ضاعف هذا المغناطيس فيها، هذا الشيء المزين ما تاثر به، ولو تاثر به ما يصل إلى أن يجعل هذا الإنسان يخالف أمر الله. ركزوا معي بارك الله فيكم في هذا الحديث الذي يجمع كلام العلماء وحقيقة الزهد؛ الزهد أن الإنسان ما يصل إليه أي شيء من أمور الدنيا إلى قلبه، لا يصل أي شيء من أمور الدنيا إلى قلبه، أي شهوة من شهوات الدنيا. والشهوات تنقسم إلى قسمين كبيرين: شهوة متعلقه باصل خلق الله للإنسان -يعني هذا الإنسان عنده شهوة تميل إلى كذا وكذا وكذا- وشهوة خاصة بهذا الإنسان، شهوة خاصة بهذا الإنسان؛ فبعض البشر يميل إلى شيء أكثر من شيء، وتكون عنده شهوة في تحقيق هذا الأمر أكثر من غيره.
كما كان يحدثني بعض الصالحين يقول: أنا ما أفتن بالمال، يقول: سبحان الله، مع أن هو رجل دخل في الأموال كثيراً، ويقول: سبحان الله، أنا ما تاثر به، لكن أنا أفتن بكذا. وكان يقول سعيد بن المسيب إنه ليس شيء أخاف عليه، أخوف عليه من ديني من كذا، قالوا: على حين كبر سنك يا أبا محمد؟ قال: هو ما أقول لكم. فهذه الشهوة المختلفة، هذه الشهوة مختلفة، فبعض الناس يفتن بكذا، بعض الناس يفتن بكذا، بعض الناس يكون قوي أمام هذا الشيء ولكنه ضعيف جداً أمام هذا الأمر.
واضح هذا الأمر؟ الآن لما تاتي عند الزهد، الزهد أنك... أنك تترك كل ما ينفع بالاخره، كل ما لا ينفع بالاخره، يعني كل شيء لا ينفعك يوم
القيامة لا تبالي به ولا تلتفت إليه. هذه حقيقة الزهد، فكل ما لا ينفع في الآخرة تتركه خلاص؛ هذا ما ينفع تترك، هذا ما ينفع تتركه. طيب، هذا الذي لا ينفع في الآخرة كيف أتركه ونفسي تحبه؟ الآن تحتاج إلى تهذيب النفس، هذه هي المشكلة. الآن نرجع مرة أخرى إلى النفس، فالنفس هذه لابد أن تهذب.
إذا هذبت النفس، تبقى شهوة النفس غير قاطعة على الوصول إلى الله. تقول لي فسر، أقول لك: النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء». الطيب شهوة وكذلك النساء، «وجعلت قرة عيني بالصلاة». يعني هنا الطيب والنساء هذه شهوة موجودة عند الإنسان طبيعي، الله خلق الإنسان يميل هذا الميلان، لكن هذه الشهوة ما تقطع.
تقول: إذا الزهد الذي عبارة عن لبس المخرق من الثياب ولبس الثياب العادية وهكذا، الابتعاد عن الناس إلى آخره، ليس هذا هو الزهد المقصود؟ أقول لك: هذه صورة وليست حقيقة، فرق بين الصورة وبين الحقيقة. تقول يعني كيف؟ أقول لك: إن هذا الإنسان الذي زهد ولبس هذه الملابس العادية إلى آخره هذا معناه أنه غير ملتفت للدنيا، صورة هذه صورة. طيب، الذي لبس، الذي لبس قد يكون قصه هو إظهار منة الله عليه، فهنا نفس لبس الداني من الثياب البذاذة من الإيمان يؤجر الإنسان عليه، ونفس لبس العالي من الثياب كذلك يؤجر عليه، لكن متى؟ لما يكون قصده من عدم لبس العالي أي لبس النازل أو العادي من الثياب هو عدم التفاته، إنما انكسار لله سبحانه وتعالى هكذا، وليس قصده أنه يعلو على الآخرين، أو يريد أن يتكلف الزهد لا، أو يتكلف الزهد.
وكذلك في الطرف المقابل؛ شخص يلبس اللباس العادي أو اللباس العالي، وليست اللباس العادية، هذا الإنسان، هذا الإنسان يكون قصده من ذلك أنه يظهر نعمة الله عليه، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث لمالك بن نضرة قال: أتيت النبي عليه الصلاة والسلام في ثوب دون، فقال: «هل عندك من المال؟» قال: نعم، قال: «ما عندك من المال؟» قال: من الإبل والبقر والخيل والغنم، قال: «إذا آتاك الله مالاً فليرَ أثر نعمة الله عليك». فيلبس الشخص العالي وليس قصد التكبر على الناس، لكن إذا كان قصد التكبر هذا ليس من باب إظهار النعمة.
تقول لي: طيب أحياناً شخص يريد أن يلبس العالي ومن باب إظهار النعمة ولكن هو مشتبه عليه الأمر، أو يكون متكبراً، يقول لك: لا يلبس؛ لأن هذا ليس من باب إظهار النعمة. طيب الآن ما الحل؟ الحل أنك تخالف نفسك، هذا هو الحل، هذا هو الحل حتى تخرج من هذا المأزق؛ لأن هذا مأزق نفسي، هذا مأزق نفسي، شخص عنده أموال ويريد أن يلبس عالي الثياب لكنه غير قاصد لإظهار النعمة أو قد يعني يقصد هذا من باب الحديث، لكن بالحقيقه هو في باطنه لا يريد الناس يقولون كذا، يقول لك: لا، انتبه لا تلبس هذا، لا تفعل هذا، خلاص، لماذا؟ لأنك أنت الآن لست قادراً على نفسك، لست قادراً على نفسك هكذا. الشخص يسوس نفسه، وإذا ما فهم شخص نفسه ما يستطيع يسوسها.
عموماً، الآن لما نأتي عند الزهد؛ في الزهد حقيقة الزهد هي أن الإنسان لا تكون الدنيا في قلبه، إنما تكون بيده. هذا الإنسان قد يكون غنياً، قد يكون فقيراً، هذا الإنسان قد يكون صاحب هكذا متزوج من ثلاث، أربع من النساء، وقد لا يكون متزوجاً إلا واحدة، هذا الإنسان قد تكون عنده بيوت، قد لا تكون عنده بيوت، هذا الإنسان قد.. ليس هذا المعيار، إنما المعيار هو: هل الدنيا الآن في قلبك ولا في يدك؟ هذا هو المعيار. أنت الآن مستعد أن تتخلى عن كل ما عندك من الدنيا من أجل الله سبحانه وتعالى؟ هل هذا ولا لا؟ إذا كنت كذا نعم.
والذي يفهم هذا الكلام يعرف لماذا هذا الصحابي الجليل أبو الدرداء ترك التجارة، ولماذا عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام إلى آخره من الصحابة الكبار ما تركوا التجارة، ما تركوا التجارة. لماذا هنا يترك وهنا لا يترك؟ هنا استدلال عام خطأ، وهذا كثير عند الناس. أبو الدرداء ترك التجارة لأنه شعر بأنها بدأت تؤثر عليه، وهو عنده الإيمان أعظم، خلاص لا نريد التجارة، هذا مال لا أريده، لماذا؟ لأن المال هذا ما قلبي ما.. ما خرج من قلبي أو بدأ يؤثر علي. هذا كل الإنسان أنه يسوس نفسه بهذه الطريقة، يعني الإنسان يفهم هذه المعاني ثم هو يسوس نفسه، هو ينظر هل أنا أتاثر بكذا أو ما أتاثر بكذا؟ لأنه لا يوجد أحد أعلم منك من نفسك، لا يوجد أحد أعلم بك من نفسك، لكن المشكلة أنك إذا ما فهمت هذه المعاني نفسك تلعب بك وتتأول عليك كثيراً، وتبدأ النفس تعبث بك، والشيطان من وراء النفس، والشيطان من وراء النفس، هذه الخطورة، هذه الخطورة.
إذاً هنا الزهد، طبيعة الزهد تكون بهذه الطريقة. طيب، شخص يقول: أنا في أمر واجب، لكني أتأثر به، أقول لك: لا، هذا الزهد؛ لأن الزهد ليس بهذه الطريقة. تقول لي: طيب أنا أتأثر، أقول: قاوم، اجتهد، «لا تتمنوا لقاء العدو، فإذا لقيتموهم فاصبروا». هذا ما له علاقة، أنت بتدخل في هذه الأبواب، يعني هذه الأبواب لا بد أنك تضبطها بضابط العلم وليس بضابط النفس فقط، النفس تالية للعلم وليست سابقة عليه.
أتمنى يكون المعنى واضحاً. الآن لما تاتي تريد أن تزهد في شيء، هذا الشيء أنت متعلق به ولا لا؟ ليس متعلق به، طيب هل أنت مستعد أن تتركه؟ نعم، مستعد أني أتركه، خلاص عادي، هذا ليس مؤثراً عليك، لكن لست مستعداً أن تتركه، أقول لك: لا، هذا الآن في قلبك، انتبه، جاهد نفسك وازهد به حتى تستقيم معك نفسك، وهكذا.
طيب الآن يأتي الشخص يقول: أنا أحب هذا الشيء وإذا ما فعلت هذا سيؤثر علي، أقول لك: هذا مباح أو غير مباح؟ مباح، لا باس أنك تأخذ حظاً من المباح، وهذا الحظ من المباح يقربك إلى الله سبحانه وتعالى، ليس مصاباً أنك تترك جميع المباح، وهذا وهذا معنى كلام ابن القيم النفيس والعالي؛ أن الشخص قد يكون في حال أكل وشربه وهكذا حتى إتيان زوجته يكون في حال أرقى، هذا شيء عالي، لكن ابن القيم رحمه الله تعالى يفهم هذه المعاني وهو قطعاً واصل إليها؛ لأن هذا الكلام ما يكتب إلا من وصل إليه، هذا كلام ما يكتبه ولا يستطيع أصلاً أن يكتبه؛ لأن هذا ليس معرفي، هذا الكلام ليس عبارة عن معلومات يقرأها ثم يركبها، ثم ليست بهذه الطريقة قطعان، إنما هذا أمر وصل إليه، يعني وصل لهذه الحالة، ثم ذاك هو يحاول يقرب وينزل ينزل ينزل حتى يصل إلى فهم القارئ إلى حد يقف، خلاص هذا لابد أن القارئ يرتقي، يعني هذا القارئ لابد أنه يطبق حتى يرتقي ويصل يقول: صدق ابن القيم. ثم ابن القيم يأخذ معه ويرقيه، لكن قبل ذلك ابن القيم..
مثال ذلك ابن القيم، أنا أنظر إلى ابن القيم أنه مثال؛ مثال الشخص اللي جالس على جبل ومعه حبل، وابن القيم آتاه الله سبحانه وتعالى موهبة البيان، موهبة البيان، لكن تبقى هذه الموهبة لها حد؛ لأن عقل الإنسان كذلك له حد في التلقي، والمبلغ له حد في النزول، إذا نزل أكثر تذهب الحقيقة، لم يعد خلاص هناك كلام، فابن القيم مثال، مثال الشخص الذي رمى بهذا الحبل، هو جالس على رأس الجبل، والمتلقي هذا القارئ يريد ينظر إلى ابن القيم وهو فوق بعيد، طيب كيف يصل إليه؟ فابن القيم رمى الحبل، هذا الإنسان هل وصلت يده إلى الحبل؟ أو يحتاج أن يرتقي حتى يمسك الحبل؟ لابد أن يرتقي قليلاً حتى يأخذ هذا الحبل، إذا مسك الحبل يبدأ الآن يقرأ كلام القيم ويطبق ويقرأ ويطبق حتى يرتقي يرتقي ويصل إلى النقطة التي يفتح الله سبحانه وتعالى عليه بها، هكذا هو ابن القيم يعني في نظري في هذا الكتاب، هو يصل إلى حد في البيان ثم بعد ذلك لا يستطيع.
وأحياناً أن الشخص إذا قرأ الكلام هذا من غير لا ينظر لأشخاص طبقوه ما يفهم، يعني أحياناً سبحان الله يقدر الله على الإنسان يجتمع أناساً يقول له كلام عفوي لكن هم وصلوا إليه من عباد من الصالحين في هذا الزمان، فيفهم كلام القيم، ربما ما هذا الشخص نفسه الذي يقول هذا الكلام ما قرأ ابن القيم.
وأذكر كان حديث أحد الأشخاص تزوج كثيراً و.. وشهوات الدنيا هذه ما ترك منها شيء، ما ترك منها شيء، بس هو كان صاحب مال، يعني الدنيا يعني.. كما يقال أنه يعني طوفها، طوف البلدان وسافر وراى وفعل كل ما يعني نفسه تشتهيه، ثم بعد ذلك التزم، يقول: والله لا شهوات الدنيا هذه كلها التي يعني حصلتها في هذه الحياة مثالها مثال علبة، كانت علبة شراب موجودة أمامه، يقول: ولذة الإيمان، يقول: لذة الأنس بالله، هذا الأنس.. هو الله أوصل إلى هذا الباب، يعني هو هو وصل إلى درجة الأنس بالله ولا يصل إليها إلا قلة، لكن سبحان الله هي هذا فضل الله يؤتي من يشاء، يقول: والله إن لذة الأنس، هذا الأنس بالله سبحانه وتعالى مثال مثال البحر، انظروا إلى المثال الجميل، يقول: وكل شهوات الدنيا التي نلتها وحصلت لي، هذه الشهوات التي يعني حصل عليها يقول: مثالها مثال العلبة، هذه العلبة اليسيرة، لكن هذا الأنس بالله، هذا الذي.. لما يقول عروة.. لما يسأل أبا سفيان ويقول: أيرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يرجع، بعد أن يدخل فيه؟ فقال: لا. لماذا؟ قال: هذه حلاوة الإيمان، هذه بشاشة الإيمان، إذا خالط القلوب، لما يخالط هذه البشاشة القلب، ما هو الآن يعيش هذه اللذة، يعيش هذه السعادة، فما يترك، ما يترك دينه دينه بعد ما.. ويعرض عليه عجيب، يعني يعرض عليه المال وتعرض عليه، وهو قد لا يكون قوياً أصلاً في المجتمع، يعني هو إنسان عادي، لكن هو ليس يعني.. هو لم يعتقد الدين من أجل ضعفه وافتقاره لا، إنما اعتقد الدين لأنه هو الصواب، وممكن يقتل، مثل ما قتل ياسر، قتلت سمية رضي الله عنهما.
فالقصد أن الزهد هنا أن الدنيا كلها بإجماعها تكون باليد، ما تصل إلى القلب، إذا وصلت إلى القلب وقع الشخص في مشكلة، لذلك القرآن الكريم كثيراً ما يكرر التزيين في الدنيا، وأن الدنيا لا قيمة لها، وأن الدنيا زائلة، وسمي الدنيا دنيا: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: 77]، والآخرة هي الأصل: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 64]. ثم ننظر في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام؛ تزهيد مستمر بالدنيا، مستمر تزهيد فعلي وقولي، يعني هو بقوله: «أيكم يشتري هذا بدرهم؟» جدي أسك، أسك الأذن يعني مقطوع الأذن وقصير الأذن، وهو ميت، قال: يا رسول الله، لو كان حياً لكان عيباً فيه، فكيف وهو ميت؟ فقال: «الدنيا أهون على الله من هذا عليكم». ثم يمر على أصحابه ويصلحون جدار بيتهم، قد وهى، فيقول: «ما أرى الأمر إلا أسرع من هذا». هكذا يزهد.
ثم لما يأتيه المال في التطبيق العملي؛ يصرف هذا المال ولا يبالي ولا يبقي له شيئاً عليه الصلاة والسلام: «لو كان عندي مثل أحد ذهباً ما يسرني أن تمر علي ثلاث وعندي منه شيء». انظروا، يعني تطبيق عملي مع تزهيد قولي مستمر. ثم يجلس عليه الصلاة والسلام ويضع هكذا ويرسم خطاً طويلاً في الأرض، ثم يضع مثل المربع على هذا الخط، ثم يقول: «هذا الإنسان وهذا أمله»، هذا الخط الطويل هو الأمل وهذا الخط المعترض هو الأجل، هذا الأجل، هكذا يبدأ يطبق.
مرة يقول ويزهد الصحابة بالدنيا بالتذكير بالآخرة، مرة من خلال الرسم، مرة من خلال ضرب المثال، مرة من خلال النصيحة المباشرة، وهكذا حتى تخرج الدنيا من القلب، وخرجت، فكان الواحد منهم إذا حصل المال يبكي، يبكي خباب بن الأرت لما يؤتى بالطعام ويتذكر مصعب بن عمير، يبكي، تبكي هو؛ لأن هو هؤلاء وصلوا، هؤلاء وصلوا لدرجة طلحة بن عبيد الله، يأتي مال كثير، يتململ، كيف عندي هذا المال كثير؟ فزوجته تقول له: مالك يا مالك يا طلحة؟ هل وجدت علينا شيئاً؟ هل أذيناك بشيء؟ قال: لا، نعم البالة أنت، نعم الزوجة أنت. قال: لكن عندي هذا المال، ما ظن عبد بربه يلقى الله وعنده هذا المال يبيت، وعنده هذا المال؟ فقالت له: أين أنت عن بعض أخلاقك؟ أين أنت عن بعض أخلاقك؟ فقال: وما ذاك؟ قال: اقسم هذا المال. قالت: لو أقسم هذا المال في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على قدر منازلهم. قال: والله لقد علمت أنك موفقة بنت موفق. من هذه المرأة؟ هذه أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق، أبوها سيد الزاهدين بعد النبي عليه الصلاة والسلام، ثم قام رضي الله عنه وأرضاه ووزع هذا المال.
القصد من ذلك أن هؤلاء وصلوا، هؤلاء وصلوا، والنبي عليه الصلاة والسلام صنع هؤلاء بهذه الطريقة، لذلك من المهم جداً أن ننظر إلى طريقة.. لأن هذا الكلام ممكن نقرأ بجلسة واحدة هكذا، يعني هذه مرتبة الزهد ممكن تقرأها بنصف ساعة، بساعة تقرأها وتنتهي، يعني ليس صعباً، لكن هل هذه الساعة أثمرت عندك الوصول إلى هذه المرتبه هذه المنزلة، ولا مجرد قراءة؟ ليس مع هذا الكلام عدم قراءة، القراءة مهمة لكن.
مع القراءة لابد أن نتفحص هذه الكلمات وهذه المعاني، وننظر إلى طريقة وصول الزاهدين إلى هذه المرتبة؛ كيف أن النبي عليه الصلاة والسلام يزهد في الدنيا كلها؟ ولما يأتيه جبريل ويخخيره بين الخلد في الدنيا وزهرتها، ويخخيره: أتريد أن تكون ملكاً مثل سليمان، مثل داوود، أو عبداً رسولاً؟ فيختار أن يكون عبداً رسولاً، ويقول: «آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد» عليه الصلاة والسلام.
هو يخير؛ يعني ممكن الآن يصبح مالك الرسول وتبقى منزلة النبوة له، لكن هو يريد الأعلى، هو يريد الأعلى. ثم كذلك زوجات النبي عليه الصلاة والسلام؛ كيف القرآن الكريم ربّى زوجات النبي عليه الصلاة والسلام على الزهد: ﴿تُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَاصَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِن كُنتُنَّ تُرِيدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 28-29].
ما الذي تريدونه؟ ما الذي تريد؟ هذه الصناعة؛ فهنا صنعت زوجات النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الطريقة؛ بيوت النبي عليه الصلاة والسلام أصبحت هي بيوت الزاهدين، هي العليا. ثم ننظر إلى أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام؛ نجد بهذه الطريقة النبي عليه الصلاة والسلام صنع الصحابة، والقران كان يتنزل ويزهّد الصحابة في الدنيا، ويزهّدهم فيما عند الناس، ويزهّدهم في هذه الأشياء كلها، وليس هذا أنهم ليسوا تجاراً؛ تاجر، بس انظروا كيف يضحي بالمال هذا كله، كيف يضحي.
ذاك هنا قال لما سُئِل عن الرجل هل يكون زاهداً عند ألف دينار؟ قال: نعم، لكن ما يفرح إذا زاد، ولا يحزن إذا نقص؛ لأن إذا فرح وحزن معنى هذا أنه ليس بقلبه، ليس بيده، أسف إنه بقلبه الآن. شيء بيدك ما تحزن ولا تفرح، لكن لما يكون بقلبك الحزن والفرح -محل القلب ليس الجوارح- فلما يزيد هذا العدد، أو لما يزيد هذا المال تفرح، ولما يقل تحزن، إذاً ما زلت إلى الآن متعلقاً بالدنيا بنسبة معينة تقل أو تكثر، ما وصلت إلى درجة زهد الكبير.
أما هؤلاء، لا؛ هؤلاء وصلوا إلى درجة ما، يعني عادي؛ يكون إنسان فقير هو أعلى واحد فيهم، ولا يرى هو بينه وبين نفسه يرى بأن المعيار التقوى بس: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]. أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا؛ هكذا معيار عندهم. بخلاف من لم يصل إلى الآن إلى شيء من هذه المنازل؛ هو لا، عند الدنيا، وعنده يعني تبدأ الحسبة عنده مختلفة.
سعيد بن المسيب يأتيه عبد الملك بن مروان يريد أن يخطب ابنته لولي العهد الذي يصبح أمير المؤمنين بعد ذلك الوليد، فيرد رد عجيباً يقول: إذا كانت الدنيا لا تسوى عند الله سبحانه وتعالى جناح بعوضة، فكم سيقسم لي منها إن جاءتك الدنيا بحذافيرها؟ انظروا إلى هذا الرجل المسكين ينقل هذا الكلام، وإلى هذا الرجل الشريف العالم العابد الصالح؛ فيزوج ابنته من ابن أبي وداعة؛ طالب يحضر عنده فقير، ما عنده قوت يومه. لكن هؤلاء هم زاهدون، هؤلاء هم الزاهدون، هؤلاء الذين بلغوا.
والدنيا لابد أنها ما تؤثر أبداً؛ يعني الإنسان أحياناً يجلس مع نفسه ويستحي أن يظهر شيء معين عنده يكون قليل في الدنيا، يقول: الناس ينظرون إليه فيخفيه؛ هذا ليس بزهد، إلى الآن أنت عندك معيار مضروب شوي، إلى الآن في تعلق بالدنيا، إلى الآن لأن إلى الآن المعيار ما صفى عندك، ما صفى نفسياً، ما صفى ممكن عقلياً، صفى لكن نفسياً ما صفى. تذهب تجلس مع ناس يخوضون في الدنيا، فتتريد أن تصبح مثلهم، وتريد أن لا تظهر لهم شيء حتى ما تريد، يعني تعامل معهم بناء على معيارهم؛ لا، إلى الآن هذا الأمر ما، إلى الآن لست قويّاً.
قس نفسك دائماً؛ شوف يا شباب، هذه المنازل أو هذه المعاني لازم الواحد دائماً يقيسها مع نفسه: أنا الآن في السابق كنت أتأثر بكذا، الآن الحمد لله ما أتأثر، أو أتأثر أقل، في ارتقاء. تجلس الآن شخص يسألك عن كذا وكذا، لا تحب أن أحد يعرفك هنا، يعرف أني أنا فلان الفلاني؛ لا، هذه مشكلة في المستقبل، هذا قيسه مع نفسك دائماً. يعني أنت الآن وصلت لدرجة: لا، ما أحد يعرفني، الحمد لله؛ تدخل مكان ما في احد يعرفك، يا سلام، لا، لا اريد أن شخص أنت فلان الذي لا، لست فلاناً، ويا ليتني لا أكون فلاناً؛ بينك وبين نفسك حقيقة تكون بهذه الطريقة أحياناً.
في البداية لا، لكن تبدأ تحاسب نفسك: تقاوم ولا ما تقاوم؟ ها، بدأت زهدت بالشهرة الحمد لله، فزت؛ زهدت بالمال، زهدت بالإعلام، زهدت بأن أظهر نفسي، حتى أحياناً يعني انظر للحافظ ابن رجب؛ الحافظ ابن رجب هذا العالم الكبير الذي لا نظير له في زمانه رحمه الله تعالى لما جلس في مجلس علماء، كلهم يتكلمون، وتكلموا عن مسألة كان الحافظ قد حققها لطلابه، فنظر بعض طلابه إليه، ولم يتكلم، يقول: ولم يأتوا بما ذكره الحافظ رحمه الله تعالى حتى سكتوا وخرجوا على ما ذكروا، ولم يتكلم ابن رجب.
فقال له هذا التلميذ: لما لم تتكلم؟ فقال: يا بني، تلك الكلمات التي كانت لكم كانت لله، أما هذه ليست هذه، أنا مع مشايخ ومع طلاب علم، فأريد أن أظهر علو مقامي عندهم، لا هنا لا أريد، أنا أريد أن أكون جالس مستمع بس عادي، لا أحد يقول هذا فلان شيخ؛ ولا، هو مع نفسه متناسق مع نفسه، يعني هذا ما هو متكلف هذا الباب، ليس هذا في البداية ممكن يكون متكلف، لكن بعد ذلك ما يكون متكلفاً، إنما يكون أحب إليه.
لماذا أحب إلى هذا القسم من الناس التعامل بهذه الطريقه في كل شيء بالحياة؟ لماذا؟ حتى ما يدخل في صراع مع نفسه، يقول: العمل الخالص لله أحب إليّ من عمل بعضه لي وبعضه لله، أو عمل لا أستطيع أن أجرد التجريد التام والكامل. القصد أن الزهد في الدنيا هو أن يكون الإنسان بهذه الطريقة، أن الإنسان لا يبالي بالدنيا أياً كانت نوع هذه الشهوة.
وكل قسم من الناس له شهوة معينة محددة، والشهوات منها شهوات متفق عليها، لكن يختلف الناس بقوتها عندهم، ومنها شهوات متعلقة بطبيعة هذا الإنسان أو تخصص هذا الإنسان وثغره؛ فهذا الإنسان الذي يكون في ثغر كذا عنده فتنة في كذا وشهوة في كذا يصعب عليه أن يزهد فيها، هذا عنده في كذا فيصعب عليه أن يزهد فيها، وهكذا وهكذا.
لكن من صفت نفسه على مقام، واصبح هذا الإنسان لا يريد إلا ما عند الله، وخرجت الدنيا بكل ما فيها من قلبه، تصبح كلها بيده؛ خلاص، هذا إنسان زاهد، ولو كان عنده ما عنده من الأموال، ولو كان عنده ما عنده من الدنيا، لماذا؟ لأن هذا كله باليد، يعني هو ما عنده مشكلة أن يتنازل عنه كله بلحظه واحدة؛ عادي، الآن يكتب شيك يتنازل عن هذا كله ويتصدق به كامل، ما عنده مشكلة بهذا الشيء.
أي نعم، الآن الدنيا ليست في قلبك إنما في يدك وأنت الآن زاهد. والشخص ما يزهد في الشيء إلا لما يحصله؛ يعني يصعب الإنسان يزهد بشيء هو ما حصله، نعم هنا ممكن الآن يدعي الزهد أو يظن بأنه زاهد، لكن إذا ما حصل صعب.
ذاك لما قيل لسفيان الثوري رحمه الله تعالى قيل له: أيها الزاهد؟ قال: الزاهد عمر بن عبد العزيز؛ الزاهد عمر. أما نحن ما وصلنا إلى الزهد، لماذا؟ قال: الزاهد عمر بن عبد العزيز، قال: إن عمر أصبح خليفة وزهد بالخلافة، زهد بالإمارة، زهد بالسلطان، وهذا آخر شيء يخرج من قلوب الناس؛ يعني الإنسان يبذل المال من أجل السلطان، يبذل المال من أجل الجاه، أصحاب الجاه لماذا يريدون المال؟ حتى يحصلوا الجاه وحتى يثبتوا الجاه، فالجاه أغلى والشرف أغلى.
يعني هذا «ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه»، الشرف هذا المنزلة الجاه هذه أغلى عند هؤلاء من المال عند أكثر الناس من المال، فممكن شخص يتنازل عن المال، لكن يتنازل عن الشرف صعب، عن المقام صعب، عن ما حد يعرفني صعب. هذه مرتبة عالية بالزهد، هذه مرتبة عالية بالزهد، لذلك قال أيوب: ذكرت ولا أحب أن أذكر.
وقال الإمام أحمد لما قيل: ماذا تشتهي؟ قال: أشتهي أن أذكر أو أن أكون في مكان لا يوجد به أحد، وهو أحمد بن حنبل! لماذا؟ خلاص، الآن لا، هذا كله لا يريده، هو يريد ما عند الله سبحانه وتعالى؛ يكفيه الحلاوة الحلاوة التي يجدها في قلبه، يكفيه السعادة التي يعيشها مع الله سبحانه وتعالى، أما هذه ما يراها سعادة كبيرة، فقد تكون مفسدة، هكذا هو يتعامل، لأنه وصل.
فالقصد من ذلك أن الزهد في الدنيا يكون بهذه الطريقة، الزهد في الدنيا يكون في هذه الطريقة، فالإنسان يحتاج أن يجاهد نفسه حتى تخرج الدنيا من قلبه، فإذا خرجت الدنيا من قلبه زهد؛ إذا خرجت الدنيا من قلبه زهد، وهذه منزلة، مثل ما ذكرت، يحتاج الشخص إلى أن يقرر حقائق الإيمان في قلبه، يكثر العيش مع القرآن الكريم وقراءة كتاب الله سبحانه وتعالى، والنظر في آيات القرآن الكريم وكذلك في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام.
ثم التطبيق العملي الكبير؛ هكذا المجاهده حتى يزاد، حتى تخرج -لأن الدنيا تخرج تباعاً، تخرج من قلبه تباعاً- فتخرج، يخرج قسم، ثم يخرج قسم آخر، ثم ثم ثم، حتى خلاص، ما يبقى عند الإنسان من الدنيا في قلبه شيء، إنما تكون بيدنا، تبقى عند شهوته الطبيعية الموجودة عند كل انسان التي هي «حبب إليّ من دنياكم»؛ ما في مشكلة، لكن هذه ما تصل إلى يعني، هذه الشهوة لن تفتنه، هذا القصد، أن هذه الشهوة ما تفتنه، ويفعل ما يريد الله، ولا تقوى هذه الشهوة التي هو يميل إليها على نفس مراد الله سبحانه وتعالى وأمر الله سبحانه وتعالى، بل هذا في منزلة وهذا في منزلة.
هكذا، هذا هو المقصود. والحديث عن الزهد يعني طويل، ولم يزل العلماء يعني يوصون طلابهم وأصحابهم بالحديث بالزهد والحديث عن الزهد. وكان يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبوك». وكذلك جاء في الحديث: «اتق المحارم تكن أعبَد الناس»، وهذا في الورع بعد ذلك.
لكن القصد أن هذا هو هذا هو الزهد. ثم ذكر بعد ذلك ابن القيم كلام الهروي رحمه الله تعالى في تقسيم هذه المنزلة إلى ثلاثة أقسام ودرجات. ثم بعد ذلك انتقل إلى الحديث عن الورع؛ انتقل بعد ذلك الحديث عن الورع. والورع هو أن يترك الإنسان ما يخاف منه ضرر، أن يترك الإنسان ما يخشى ضرراً في الآخرة.
فالورع هو أن الإنسان إذا نظر إلى هذا الأمر، قد يكون به مضرة فيتركه: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»؛ شيء يعني هكذا شك الإنسان به يتركه، اتقى الشبهات، «فقد استبرأ لدينه وعرضه»؛ هذا هو الورع. الناس يتورع عن هذا الأكل، يتورع عن هذا الفعل؛ لماذا؟ يقول: احتمال أن يكون به شبهة، احتمال أنه يكون حرام، احتمال؛ فيتركه، هذا هو الورع. والورع لا شك أن هو مرتبة عالية كذلك، ومنزلة منيفة، ولا يتورع إلا صالح، لا يتورع إلا صالح.
فالناس ممكن يتساهلون في بعض الأمور، وخاصة في زمن يعني زمن الفتوى السريعة الذي نعيش فيه، فممكن يتساهلون الناس، لكن هو يمنع ورعُه، يمنع ورعُه؛ يقول: هذا الأمر لا، لا أريده، إلا إذا جزم بأنه يجوز شرعاً، أما إذا ما جزم فهنا الأصل الورع، الأصل أن الشخص يتورع. «والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك»؛ ويقول ابن مسعود: الإثم حزاز القلوب، حزاز القلوب.
فشخص هنا يترك الأمر لما يخاف منه ويشك، يتركه ولا يقدم عليه، ولا يقدم عليه، هذا هو الورع. وجمع النبي عليه الصلاة والسلام الورع كله كما يقول القيم في كلمة واحدة: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»؛ شيء لا يعنيك تتركه، هذا هذا هو الورع. الناس يتورع عن كلام عن الناس، يتورع عن هكذا الحديث عن الآخرين؛ فيحمل الورع على حفظ الدين وعلى عدم الدخول في الدائرة التي يخشى منها الإثم.
وكان السلف الصالح رضي الله عنهم يتركون تسعة أعشار المباح، وكان يقول بشر الحافي: لن تذوق، لن يذوق عبد حلاوة الإيمان حتى يجعل بينه وبين الشهوات حائطاً من حديد؛ حائطاً من حديد، حديد؛ فهذا الحائط يكون من حديد أو من فولاذ، يحمي الإنسان، يحمي دين الإنسان. فالشخص يتورع عن هذا الفعل، أو هذا القول، أو هذا المال، ولا حتى لما يكون عنده مال: هل هذا المال يجوز أو ما يجوز؟ يشك فيه، والشيخ يقول يجوز، شيخ ما يقول ما يجوز؛ يخرج ورعاً، يخرج ورعاً، يخرج ورعاً.
ولما قدم معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه وهذا إمام العلماء الكبير من اليمن، وكانت عنده، وكان عنده بعض هكذا العبيد الذين حصلهم من عمله في اليمن، فالنبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يجبره لما كان عليه دين، وأخذ اليهود دينه أخذوا ماله، فبعثه إلى اليمن حتى يكون جابياً وقاضياً إلى آخره وحتى يجبره، وتعرفون العاملين عليها.
لهم سهم من الزكاة، فهو أخذ من هذا السهم واشترى، فلما جاء إلى مكة وكان معه مجموعة من الأعبد، فنظر عمر بن الخطاب إلى هذا المال فقال: من أين هذا؟ قال: من اليمن.
فرد عمر -ورع عمر بن الخطاب بل هو الذروة، هو على رأس الهرم رضي الله عنه وأرضاه-: فقال عمر بن الخطاب: إني أرى أن تعرض هذا على أبي بكر، فإن أجازك، وإلا رد إلى بيت المال.
فرد معاذ بن جبل يقول: هذا حقي، والنبي عليه الصلاة والسلام بعثني حتى يجبرني فلماذا أعرض؟ قال: هذا رأيي أنك تعرض، يعني انظروا، انظر إلى ورع هذا إلى هذا الرجل العظيم عمر الفاروق رضي الله عنه وأرضاه.
فنام معاذ بن جبل ورأى في المنام بأنه يساق به إلى النار -نسأل الله السلامة والعافية- وعمر بن الخطاب آخذ بحجزته، فاستيقظ وهو خائف، فذهب إلى عمر وأخذ بالذي رآه، ثم بعد ذلك ذهب إلى الصديق وعرض عليه هذا المال، فأجازها أبو بكر.
لكن لما أجاز معاذ ما اطمئن ما أرتاح، فنظر إليهم وهم يصلون فقال: تصلون لمن؟ قالوا: لله. فاعتقهم، اعتق كل هؤلاء! انظروا لتعامل الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، والصحابة كان ينصح بعضهم بعضا بهذا الأمر، ولم يزل الصحابة ولم يزل الصالحون يتورثون هذه النصيحة، أي الورع.
لذلك يقول هنا ابن القيم إن ابن تيمية راني في شيء من المباح، يقول: راني ابن تيمية في شيء من المباح فقال: ليس ترك هذا من شروط النجاة، ولكن هذا لا ينبغي لأصحاب المنازل العالية. وان لم يكن تركه من شروط النجاة، انظروا كيف كان يربيه! وهذا الأمر متواتر عنه العلماء، أي العلماء كانوا يزهدوا بعضهم بعضا بهذا.
فكان عمر بن الخطاب لما رأى جابر بن عبد الله ذاهب إلى السوق ويقول: اشتيت لحما. فقال له: وكلما اشتهيت اشتريت؟ ما تخش أن تدخل في قوله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا﴾ [الأحقاف: 20]؟
ثم بعد ذلك لما دعا ابن عمر الصحابة ومنهم أبو أيوب الأنصاري إلى بيته، فلما حضر أبو أيوب ونظر إلى ستار المنزل -نظر إلى جدار المنزل قد وضع عليه ستار- فقال: ما هذا؟ فقال ابن عمر واستحيا، قال: غلبنا النساء. فقال: من كنت أخشى عليه فلم يكن أخشى عليك. ثم قام ولم يجلس.
لماذا هنا قام بهذه الطريقة؟ لأن ابن عمر مقام عالي. وهكذا كان الصحابة، وهكذا كان الصحابة كان ينصح بعضهم بعضا في مثل هذه الأمور، وهذا الإنسان يفعل مع نفسه وينصح به من يقوى عليه، أما شخص يكون هو معتاد على الحرام وواقع بالكبائر يعني ما يحدث بهذه الطريقة، إنما يحدث بترك الحرام.
أما الزهد والورع فهذه منازل من المنازل الخاصة، فالزهد هو أن يترك الانسان ما لا ينفع في الآخرة وهذه المنزله لمن يريد، هذه ليست كل هذه منزلة لمن يريد، لكن ليس من الصواب أن تأتي عند شخص هو أصلا متعلق بالدنيا وواقع بكبائر وتتحدث معه عن الزهد، هذا تكلم معه عن جهنم، هذا حذره من دخول النار وحذره من العقوبة، وقل له: أنت الآن واقع في كبائر، لا يتكلم مع كل شخص بحسبه.
فشخص ما يتورع، يعني ممكن، أعطيكم مثال معاصر الآن: الأكل الذي يأتي من الغرب اليوم، الغرب الآن يذبحون بالصعق ويجرمون من يذبح الذبح الشرعي، طيب هذه ميتة، هذه ميتة! وذهبت كثير من اللجان الإسلامية ونظروا إلى الطعام الذي يأتي من الغرب، فوجدوا بأن هذا الطعام يذبح بطريقة غير شرعية، ثم لما يدخل إلى بلداننا يكتب عليه حلال من التجار! وحلال أيسر ما يكون عند هؤلاء، وهذا الطعام أقل ما فيه أنه شبهة، هذا أقل ما فيه أنه شبهة، يعني أقل ما أن، طبعا أنا بالنسبة لي أنا أميل أنه حرام، لكن إذا شخص ما مال أنه حرام؛ شبهة شبهة تورع عنه، ما يتورع عنه؟ يقول: لا قل بسم الله وكل، ثم يستدل بنصوص أو بآثار العلماء التي لا تنطبق على هذه الحال التي لا تنطبق على هذه الحال.
فأنت الآن تعلم بأن هذا الأصل فيه ليس الحلال، بخلاف ما لو كان شخص في بلد فيه إسلام ثم ياتي يريد أن هكذا أن يبالغ بالسؤال! خطأ، صح، أنت لما تكون بلد الأصل مسلمين والذبح عندهم إسلامي ليس من الصواب أنك هكذا تبدا تفتش، هذا التنطع، هذا التنطع! شخص من إخوانك قدم لك طعام وتعلم أن هذا بالأصل أن مال حلال، ما تاتي تقول من أين أتيت بهذا المال؟ هذا تنطع، هذا غلو، هذا تكلف.
لكن لا، أنت الآن في زمان الأصل فيه أن الذبائح لا تذبح بطريقة شرعية، وهذا الطعام يأتي من الخارج وهم كفار، طيب أهل الكتاب؟ ليسوا أهل الكتاب، هؤلاء كانوا أهل الكتاب، أما الآن هم ملاحدة وإن كانوا يزعمون الإيمان العام لكن هم بالذبح لا يذبحون بطريقة أهل الكتاب، هذا مجرم عندهم ممنوع، فلما يأتي طعام من هذه البلدان الذي به ذبح الأصل الشخص يتورع إذا ما كان مقتنع بمن يقول بأنه حرام وذهب ونظر، يتورع عنه لا يتورع عنه؟
والصديق بلغ وراعه إلى درجة أنه لما أكل الطعام الذي أصبح حلال -طبعا هذه منازل عالية- آتاه أحد غلمانه بطعام فقال: أتدرى من أين أتيت به؟ قال: من كهانة كنت قد تكهنت بها بالجاهلية. فأخرجه الصديق وادخل اصبعه في حلقه حتى أخرج الطعام، فقال له فقيل له في ذلك فقال: والله لأخرجنّه ولو خرجت معه روحي! لماذا؟ لو خرجت روحي مع هذا الطعام سأخرج، مع أن هذا المال تحول، هذا المال كان حرام أصبح حلال لكن هو غير متقبل هذا الشيء، هذه مرتبة عالية، هذه مرتبة عالية.
وكان أحد العلماء فيما أذكر الآن هو ابن القاسم المالكي أنه كان في سفر في طريق سفر ونام في أحد المساجد وأوتي بطعام، وراى في المنام بأنه أوتي بطعام، ولما كشف عن هذا الطعام فإذا رأس خنزير.
فأيقظ من النوم وكان في المسجد وأتى هكذا شخص بطعام وكشف عنه ابن القاسم فوجد بأنه مما يجوز أكله لحم أو دجاج فلم ياكل، فتعجب شخص قال: لما؟ فساله، قال: هذا الطعام من أتى به؟ فلم يزل به حتى أخبره بأنه أتى بهذا الطعام من كذا وكذا مما لا يجوز أو ما يتورع عنه الإنسان فلم يأكل.
طيب، هذه طبعا هذه منزلة عالية، هذه منزلة عالية، وكذلك هذه كرامات. لكن هنا التكلف له حد، التكلف، مثلا لما كان عمر بن الخطاب مع عمرو بن العاص ومرا على ميزاب فقال له عمرو: حدثنا، هل السباع ترد على مائك؟ فقال: يا صاحب الميزاب، لا تخبرنا فاننا نرد على السباع وترد علينا.
هل هنا يستفاد أن سؤر السباع، أو يستفاد من هذا الأثر بأن التكلف خطأ؟ نعم، هذا، وهذا، ولكن إذا لم يكن بهذه الطريقة، وأن الأصل أن الأمر يظهر منه أنه حرام أو أن شخص يتورع في شبهة لا يختلف، فالتكلف شيء وتكلف السؤال شيء، وهذا من تنطع، وهلك المتنطعون.
وتعامل مع هذه المسألة بما إذا كانت مشتبهه، أو إذا كان الإنسان ظهر له بأن هذا المال قد يكون حرام، إلى آخره، فهذا شيء آخر، هذا شيء آخر؛ فلا بد من التفريق بين الصورتين، والناس يخلطون كثيرا، وأظن هذا الكلام إن شاء الله تعالى جامع لمن يقرأ في هذه المسائل يفهم طبيعة هذه المسألة وطبيعة الكلام الذي كان يطلقه العلماء؛ لأن هذا أمر فيه اشتباه أحيانا يقع عند الناس.
القسم من ذلك أن الورع يكون بهذه الصورة، الورع يكون بأن شخص يترك ما يخاف منه، ما يخشى منه شيء تخاف إنه يكون محرم شبهة، تتركه وتبتعد عنه ورعا، تبتعد عنه ورعا، وفسر ابن القيم وذكر تفاصيل ما ذكره هنا الهروي إلى آخره، ثم قال بعد ذلك: أريد أن أقف عند هذه الكلمه النفيسة والعالية للإمام رحمه الله تعالى قال:
فصل: الخوف يثمر الورع والاستقامة وقصر الأمل، وقوة الإيمان باللقاء تثمر الزهد، والمعرفة تثمر المحبة والخوف والرجاء، والقناعة تثمر الرضا، والذكر يثمر حياة القلب، والإيمان بالقدر يثمر التوكل، ودوام تأمل الأسماء والصفات يثمر المعرفة، والورع يثمر الزهد أيضا -يعني الورع يوصلك إلى الزهد- والتوبة تثمر المحبة أيضا ودوام الذكر يثمرها، والرضا يثمر الشكر.
هذه طبعا منزلة تتلوها منزلة، منزلة تتبعها منزلة، فالورع أقل من الزهد الزهد أعلى، فإذا كان شخص ورع لم يزل به الورع حتى يوصله إلى الزهد، أما شخص يصل إلى الزهد وغير ورع هذا مستحيل، ودوام الذكر يثمر المحبة، وذكرنا هذا في كثير من المجالس، والرضا يثمر الشكر -الرضا أقل من الشكر، فعندنا صبر ثم رضا ثم شكر- الذي يداوم على الرضا ويكون راضي عن الله سبحانه وتعالى وأقدار الله سبحانه وتعالى المؤلمة هذا يثمر أن يصل إلى مرتبة ومنزلة الشكر.
والعزيمة والصبر يثمران جميع الأحوال والمقامات. لماذا؟ لأن العزيمة هي البداية، والصبر البداية، فالشخص إذا لم يزل صابر يوصل الصبر إلى الرضا، ثم الرضا إلى الشكر، وأصل هذا الصبر، وكذلك العزيمة أي صاحب الهمة الذي يريد أن يصل، هذا الإنسان لما يكون بهذه الصورة وهذه الطريقة لم يزل يعمل ويعمل ويكدح ينتقل من منزلة إلى منزلة، ومن منزلة إلى منزلة ومن حال إلى حال وهكذا، أما إذا ما كانت عنده عزيمة ولا عنده صبر لن يصل إلى أي منزلة من هذه المنازل.
ثم قال: والاخلاص والصدق كل منهما يثمر الآخر ويقتضيه، والمعرفة تثمر حسن الخلق، والفكرة تثمر العزيمة، والمراقبة تثمر عماره الوقت وحفظ الأيام والحياة، والحياء والخشية والإنابة وإماتة النفس واذلالها وكسرها يوجب حياة القلب وعزه وجبره، ومعرفه النفس ومقتها يثمر الحياء من الله تعالى، واستكثار ما منه واستقلال ما منك من الطاعات ومحو اثر الدعوة من القلب واللسان.
الله أكبر، هذه كلمة عظيمة!
ثم قال: وصحة البصيره تثمر اليقين، وحسن التأمل لما ترى وتسمع من الآيات المشهوده والمتلوه يثمر صحه البصيره، وحسن التأمل لما ترى وتسمع من الآيات المشهوده والمتلوه يثمن صحه البصيره.
هذه كلمة كذلك نفيسة. ثم قال: هذا كله يحتاج إلى شرح، هذا الكلام كله يحتاج إلى شرح، لكن الوقت لا يسع أن نتكلم في كل شيء، لكن خلاصه ذلك: وملاك ذلك كله أمران، أحدهما: أن تنقل قلبك من وطن الدنيا فتسكنه في وطن الآخرة، ثم تقبل به كله على معاني القرآن واستجلائها وتدبرها وفهم ما يراد منه، وما نزل لأجله، وأخذ نصيبك وحظك من كل آية من آياته، وتنزيلها على أدواء قلبك.
فهذه طريق مختصرة، قريبة، سهلة، موصلة إلى الرفيق الأعلى، آمنة، لا يلحق سالكها خوف ولا عطب، ولا فيها آفة من آفات سائر الطرق البتة، وعليها من الله حارس وحافظ السالكين فيها ويحميهم، ويكلأ السالكين فيها ويحميهم ويدفع عنهم، ولا يعرف قدر هذه الطريق إلا من عرف طرق الناس وغوائلها وقطاعها.
والله المستعان.
هذه خلاصة كلام ابن القيم الذي ينقل قلبه من الدنيا إلى الآخرة ثم يقبل بقلبه على الله سبحانه وتعالى من خلال العيش مع القرآن الكريم، ينظر إلى هذه الآية ثم التي تليها، ويعيش مع القرآن الكريم وسيرة النبي عليه الصلاة والسلام، يوصل هذا الطريق إلى الله ويفهم هذه التفاصيل ويفهم هذه المعاني، ويذلل الله سبحانه وتعالى له الطريق، أما الذي يقرأ هذا الكلام ولا يقرأ القرآن ولا يعيش معه، ويكتفي بكتب السلوك كالمعاصرة وغير المعاصرة من غير العيش مع كتاب الله سبحانه وتعالى لن يفهم هذا الكلام وسيكون حظه منه فقط التنظير.
نسأل الله سبحانه وتعالى لهم التوفيق والسداد. هذا والله أعلى وأعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وجزاكم الله خيرا.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري