دخولتسجيل الدخول

التعليق على مدارج السالكين 21 | منزلة التبتل - الرجاء - الرغبة - الرعاية

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله على نبينا قائدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد؛ فحياكم الله إخواني جميعاً وبياكم، وأسدد على طريق الخير خطايا وخطاكم. نكمل التعليق على هذا الكتاب؛ كتاب مدارج السالكين، ومعنا اليوم بإذن الله عدة وقفات مع بعض المنازل التي ذكرها الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى رحمة واسعة.

فمعنا المنزلة الأولى؛ منزلة التبتل، منزلة التبتل. وبتل الانقطاع. الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العظيم: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: 8]، رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلاً. هذه الآية نزلت على النبي عليه الصلاة والسلام في مكة، ومن أوائل ما نزل على النبي عليه الصلاة والسلام في سورة المزمل.

والله سبحانه وتعالى هنا يوجه النبي عليه الصلاة والسلام في هذه السورة إلى التعلق به سبحانه وتعالى، وذكر له في مطلع هذه السورة أهمية الصلاة: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: 1-6].

فالله سبحانه وتعالى أراد بالنبي عليه الصلاة والسلام أن ينقطع إليه، والانقطاع إلى الله سبحانه وتعالى يحتاج إلى مجاهدة، يحتاج إلى بذل، يحتاج إلى تضحية. فالله يريد من نبيه أن يكون قلبه منصرفاً إليه، وذكر هنا الإمام بأن الانقطاع ينقسم أو له ثلاث مراتب:

الأولى: انقطاع من الخلق إلى الرب سبحانه وتعالى، فلا يأنس بالغلق كما يأنس بالله سبحانه وتعالى.

والانقطاع الثاني، وهو أعلى من الأول: هو الانقطاع عن مرادات النفس، والنفس لها حظوظ كثيرة؛ فالإنسان ممكن يتجرد من الأول، وهذا كثير في العباد -وأقصد من العباد أي العباد، فالعباد الصالحون كثير منهم يتبتل إلى الله سبحانه وتعالى وينقطع من الناس إلى الله سبحانه وتعالى فيأنس بالله-.

ولكن المرتبة الثانية صعبة؛ وهي أن الإنسان ما ينقاد إلى نفسه، إنما يتجرد من حظوظه، فينقطع إلى الله سبحانه وتعالى ولا يميل إلى ما تميل نفسه إليه، وهذا صعب، هذا أصعب من الأول. صعب، الإنسان مدني بطبع يحب الخلطة، ولكن الثاني أصعب، لماذا أصعب؟ لأن الإنسان هنا لما يرتقي وينتقل من الحالة الأولى، في الحالة الثانية يريد فقط مراد نفسه، يريد فقط مراد نفسه، فهو يظن بأن هذا مراد الله سبحانه وتعالى، لكن هذا بالحقيقة هو مراده هو!

فلما يكون هكذا جالس يقرأ القرآن مثلاً أو جالس يصلي والله يريد منه الآن أن يفعل شيئاً معيناً محدداً؛ أن يدعو إلى الله مثلاً، أو أن يذهب إلى مريض ويعود ويزوره أو إلى كذا ونفسه لا تعطيه! ونفسه لا تعطيه! فالآن يبدأ يتأول، فما ينقطع الانقطاع الثاني، يعني ما يصل إلى هذه المرتبه، المرتبة الثانية. نعم، الأولى ممكن يصل إليها، لكن يقف عند الثانية وينقطع عندها.

ثم بعد ذلك ينتقل من الثانية إلى المرتبة الثالثة، ويكون هذا الإنسان لا يريد إلا الذي يريد الله سبحانه وتعالى، فينقطع إلى الله سبحانه وتعالى انقطاعاً تاماً وكاملاً. وهذا الأمر مثل ما ذكرت كذلك أمر صعب وشاق، ومن ينظر في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام وياخذ هذه المنازل وينزلها على حياة النبي عليه الصلاة والسلام -وهذا أنفع ما يكون في فهم هذه المنازل، فهذه المنازل كثير منها متداخله أو المعاني كثير منها متداخله-.

فلما ينظر الشخص إلى سيرة النبي عليه الصلاة والسلام وكيف أن النبي عليه الصلاة والسلام كان منقطعاً إلى الله سبحانه وتعالى في كل شيء؛ فالله يريد منه أن يهاجر يهاجر، الله يريد منه أن يجاهد يجاهد، الله يريد منه أن يفعل كذا يفعل كذا وهكذا، فلا يفعل الذي يريده هو، إنما يفعل الذي يريد الله سبحانه وتعالى منه، فينقطع إلى الله سبحانه وتعالى انقطاعاً تاماً وكاملاً فلا يكون عنده إرادة، إنما إرادته هي إرادة الله سبحانه وتعالى.

والمقصود هنا بهذا الكلام حتى ما يختلط -وذكر ابن القيم شيئاً من هذا-: لا أُريد إلا الذي تريد، أي أن الإنسان يفنى عن مراده في مراد الله سبحانه وتعالى، فهو لا يريد إلا الذي يريد الله سبحانه وتعالى. وهذا الانقطاع إلى أن يكون مراده فقط هو مراد الله سبحانه وتعالى، هذا أمر صعب جداً وشاق على الإنسان، شاق جداً. لكن هذا يحتاج إلى دربة، والإنسان يصل إليه مع الأيام والليالي؛ فشخص ممكن يقف عمره وتنتهي رحلته إلى الله سبحانه وتعالى بوصوله إلى المرتبة الثانية، فهو يجتاز المرتبه الأولى ويصل إلى الثانية ويقف عندها، وقد يمن الله عليه ويستمر في طريقه إلى الله حتى يصيب الدرجة الثالثة.

والناس في هذا يتفاوتون تفاوتاً كبيراً، والطريق الذي يوصل الإنسان إلى تحقيق هذه المراتب هو وجود صدق صدق الامتثال، فلما يصدق العبد في امتثاله ويحاول جاهداً أن يضع في كل قدر العبادة التي يريد الله سبحانه وتعالى منه ويسعى جاهداً أن يجعل قلبه يحضر هذا، يرتقي بسرعة! هذا يرتقي بسرعة ويصل إلى ما لا يصل إليه الذي لا يتعامل مع الله بهذه الطريقة.

فعندنا الناس ثلاثة في طريقهم إلى الله سبحانه وتعالى: قسم لا يجعل اليوم يمر عليه -بل ليس اليوم، بل اللحظة تمر عليه- إلا بتحقيق المراد، تحقيق المراد بالفعل وكذلك بالقلب، بالفعل وبالقلب. هو حتى الآن في إحضار قلبه هذه الدرجة خلاص هو يحضر قلبه بنسبة كذا، هو لا يستطيع أكثر من هذا لأن ما هو ما أكثر من هذا هو عطية إلهية هو ما وصل إليها إلى الآن، لكن هو يستطيع أن يفعل كذا.

أضرب مثلاً بالصلاة؛ عندنا الآن ثلاثة يصلون: الأول لما يصلي يصلي وهو قبل أن يصلي يطرق الباب ويقرع الباب، ثم لما يصلي هو يجاهد نفسه أنه ما هكذا ما ينصرف عن الصلاة، إنما يكون هكذا مع الآيات مع الأذكار، هو لا يستطيع أكثر من هذا، هو لا يستطيع الآن أن يصل إلى درجة الذي بمجرد أن يدخل في الصلاة ينسى كل شيء، هذا هو ما وصل هذه المرتبه هو إلى الآن، هو لا يستطيع أن يصل إليها الآن أو ما وصل إليها الآن، فهذا حد طاقته الآن هو أن يفعل هذا؛ أنه يجاهد نفسه على أن يحضر قلبه في الصلاة، وهو يستطيع على هذه.

هذا الأول. الثاني: يجاهد نفسه بعض المجاهدة، يعني أحياناً يجاهد وأحياناً ما يجاهد، أحياناً يجاهد وأحياناً خلاص يعني يذهب مع نفسه ما يكون هكذا مستحضر، ولا إلى الآن هو ما يعني الهمة والعزم عنده، وليس القدرة وليس القدرة -نتكلم عن الهمة والعزم والإرادة وليس القدرة، ليست مثل الأولى، ليست مثل الشخص الأول-.

أما الثالث: فهو الذي لا يبالي، هو يريد أن يخشع لكن إرادة كاذبة ليست صادقة. الأول يرتقي بسرعة، الأول يرتقي (يعني اليوم يصلي صلاة الفجر بهذه الطريقه، صلاة الظهر سيصليها بطريقة مختلفة بنسبة معينة طبعا)، فبسرعة هو يرتقي، لماذا؟ لأن هذا الإنسان حريص وهذا الإنسان باذل كل الذي يستطيعه، والله يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، هذا الوسع بذل كله.

أما الثاني بذل بعض وسعه ليس كل وسعه، فيرتقي لكن يرتقي ببطء. فالأول مثال مثال الذي يقطع بالساعة 100 كيلو، أما الثاني مثال الذي يقطع بالساعة ممكن 5 كيلو، 10 كيلو، على حسب مجاهدته، أما الثالث يبقى في مكانه 20 سنة 30 سنة يصلي بهذه الطريقة من قبل أن يبلغ إلى أن يموت عمره 60 و 70 سنة لا يخشع بالصلاة ولا يعرف الخشوع، بل ربما يرى بأن الخشوع في الصلاه هذا عباره عن كلام فقط يقال أو ذهب اربابه ذهب اصحابه فقط، هؤلاء هذه مرتبة للانبياء وللسلف الصالح، أما في زماننا هذا ما في احد يخشع هذا كلام غير صحيح، هذا كلام غير صحيح ابدا.

لكن القصد من ذلك أن هكذا هم الناس؛ فكذلك هنا لما يأتي عند التبتل والانقطاع إلى الله سبحانه وتعالى بعض الناس ينقطع عن الخلق (يعني يقوى على الانقطاع عن الخلق ويأنس بالله سبحانه وتعالى)، لكن لما يصل إلى مراده هو ما يستطيع، وهذا كثير في طلاب العلم الذين ينههمكون في العلم أو الذين يفتح عليهم باب العلم، تجد هذا الإنسان حريص أنه ما يجلس مع أحد، بل حتى بعضهم كان يقول بأني ما ذهبت إلى وليمة عامة ولا خاصة منذ 40 سنة! ويقولها مفتخراً!

يقولها مفتخراً! ربما هذا الإنسان قرأ كلام ابن القيم في مدارج السالكين وقرأ جميع كتب ابن القيم، لكن مع ذلك لم يفهم كلام الإمام، لأن ليست هذه العبادة، إنما العبادة تطبق في كل لحظة بالذي يريد الله سبحانه وتعالى منك في هذه اللحظة مع إحضار قلبك. تقول لي كيف صعب؟ أقول لك هذه نعم هو صعب، هي مراتب، هذا الباب ليس الكل في مرتبة واحدة، فيه، بل هذا الإنسان في هذه اللحظة يفعل كذا.

لذلك لما قال عبد الله بن المبارك للفضيل بن عياض لما أشيء أو لما اخذ الناس يذكرون عبادة الفضيل وتعرفون الفضيل وعبادة الفضيل وديانة الفضيل -رحم الله تعالى رحمة واسعة-، لكن الفضيل لم يجاهد في سبيل الله إنما كان منصرفاً إلى العبادة والعبادة الخاصة في مكة وكذلك في المدينة، ذاك هو كان يلقب بعابد الحرمين.

عبد الله بن مبارك لم يكن بهذه الطريقة، إنما كان عبد الله بن مبارك أعلى من الفضيل؛ فكان يجاهد وكان يعلم وكان كذلك حاضر القلب، حاضر القلب! هذه مرتبة أعلى، الذي يجمع بين العلم بالله والعلم بأمره.

فكان عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى لما سمع من المجاهدين ذكر عبادة الفضيل ومنزلة الفضيل خشي على المجاهد بأن يفتن، فقال: يا عابد الحرمين لو أبصرتَنَا لعلمتَ أنك بالعبادة تلعبُ. مَن كان يخضب خدَّه بدموعه، فنحورنا بدمائنا تتخضبُ. ريحُ العبير لكم، ونحن عبيرنا رهج السنابك والغبار وأطيبُ.

فبلغت هذه الابيات الفضيل فبكى وقال: صدق أبو عبد الرحمن، صدق أبو عبد الرحمن. يعني اللي كان يفعل هو ومن كان معه أعلى مما كان يفعله الفضيل، لماذا؟ لأن الفضيل لزم عبادة معينة محددة، أما هؤلاء فأصبحوا يوافقون القدر بالشرع، هؤلاء جعلوا القدر الذي يقع عليهم يقابلونه بشرع الله سبحانه وتعالى.

وهذه العبادة الشمولية -هل هكذا، الإشكال هنا بهذه العبادة الشمولية- أن كثيراً ما يحضر قلب الإنسان فيها فما يفوز كثيراً، وهذا كلام الله ثقيل، يعني شخص ممكن يفعل لكن هو ما يحضر قلبه لماذا؟ عنده مشكلة في العبادة، لأن هذا الإنسان ما وجد لهذه العبادة طعم ولا لذة، لأن العبادة فيها شيء مدخول قطعاً، فهناك حضور نفس، الآن نفسه ما تجردت!

لما يجاهد خلاص الآن يرى بأنه أعلى من غيره، لما يطلب العلم يرى بأنه أعلى من غيره، هكذا. هذا العام تجرد، وهذا هو سر وصول هؤلاء إلى العلم بالله أكثر من وصول أولئك إلى العلم بالله، لكن هل هذا الكمال؟ لا، إنما الكمال هو أن تجمع بين الامرين، فمرتبه أحمد وعبد الله بن المبارك وسفيان الثوري إلى آخره أعلى من مرتبة بشر الحافي والفضيل بن عياض ومن كان يعني من هؤلاء، لكن هي مراتب.

فالقصد من ذلك أن هنا الإمام يتكلم عن الانقطاع إلى الله سبحانه وتعالى. نحن الآن في سورة المزمل: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: 8]، وسورة المزمل نزلت مع سورة المدثر مقارنة، سورة المدثر ففي المدثر: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِر﴾ [المدثر: 1-2]، وفي المزمل: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: 2] وانقطع إليه بالعبادة.

قبل ذلك لم يكن الناس ينقطعون، النبي عليه الصلاة والسلام كان يتخلى في غار حراء، فكان يخلو في غار حراء الليالي ذوات العدد، هذا انقطاع، هذا قبل البعثة: حبب إليه الخلاء عليه الصلاة والسلام. لما أنزل الله بعد ذلك سورة المزمل الآن انقطاع إلى الله سبحانه وتعالى ليس منفصلاً عن القيام بأمر الله سبحانه وتعالى بالدعوة إلى الله، إنما انقطع إليه في جزء من اليوم، والمراد بالانقطاع هنا الانقطاع عن الخلق، ثم بعد ذلك عندك واجب آخر وهو واجب البلاغ والبيان والتوجيه للناس والانذار.

فالقصد أن هنا الانقطاع إلى الله سبحانه وتعالى يحتاج هكذا إلى مجاهدة. والانقطاع مثل ما ذكرت مراتب؛ يعني بعض الناس ينقطع مثل ما ذكرت عن الخلق، خلاص هو لا يحب كثير الجلوس مع الناس، وهذا عادةً يكون إما عابد أو طالب علم، عابد أو طالب علم هؤلاء ينقطعون كثيراً عن الناس، يعني الذي يفتح عليه في طلب العلم كثيراً ويقرا كثيراً هذا ما يحب يغلط أحد، دائماً يحب يجلس هكذا لوحده في المنزل مع المكتبة مع الكتب، دائماً حديثه عن الكتب إلى آخره.

العابد كذلك لا يحب أن يجلس مع الناس، دائماً يحب يجلس لوحده يصلي يقرأ القرآن ويكون يومه كله بهذه الطريقة، يومه كله بهذه الطريقة عبارة عن قراءه عبارة عن كذا وتسبيح وذكر، لكن ما يكون عنده دخول مع الناس إلى آخره، ثم هو قد يرى بأنه أعلى، وهو قد هذا الإنسان تجرد من الخلق لكن ما تجرد من حظ النفس!

ما تجرد من حظ النفس كثيراً، لماذا؟ لأن النفس لها حظ، ومشكله النفس ما تتقلب معك. يعني أنت الآن في بداية حياتك قبل أن تطلب العلم تحب تخالط الناس، لما تدخل في طلب العلم وتنههمك فيه يصل بعض الناس إلى درجة لا يريد الناس، هو كان يريد، فمجاهدته الأولى أنه ينعزل عن الناس ومجاهدته الثانية أن يخالط الناس، هذه الصعوبة! فقد ينجو شخص من الأولى مع الدربة مع المجاهدة ينقطع عن الناس، لكن من الثانية ما يستطيع، لماذا؟ لأن هنا التقلب صعب، تعب، والنفس.

تشبث. فهذا الإنسان دائما هذا الإنسان، دائما نفسه يحتاج أن يروضها، أن يروضها، أن يروضها، حتى النفس تصل لدرجة الاستقامة. وهذا هذه مرتبة الأنبياء والعليا من أصحاب الأنبياء.

لذلك لما ننظر في حياة النبي عليه الصلاة والسلام نجد هذا الأمر ظاهر ظاهر جداً؛ في وقت الصلاة يصلي، في وقت الدعوة يدعو، في وقت خلطة الناس يخالط الناس ببدنه لكن قلبه معلق بالله سبحانه وتعالى ولا يلتفت إلى، لأن لماذا انقطع؟ انقطع إلى الله، انقطع إلى مراد الله سبحانه وتعالى، هو لم يعد يريد إلا ما يريد الله سبحانه وتعالى منه.

لذلك أحياناً كان يقوم ويترك حب الناس إليه، وهي عائشة رضي الله عنها، يقوم ويصلي ويبكي، مع أن عائشة كانت لها ليلة من تسع ليال، ومع ذلك يترك أحياناً هذه الليلة ويقوم ويصلي عليه الصلاة والسلام، يقول: «يا عائشة، ذريني ليلة أتعبد لربي». لماذا؟ انقطاع إلى الله. ثم بعد ما يفعل هذا كله يقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلومني فيما تملك ولا أملك، يعني يا ربي هذا كل الذي أستطيع، وهذا سيد البشر عليه الصلاة والسلام هكذا يتعامل مع الرب سبحانه وتعالى.

وهكذا كان إبراهيم عليه السلام الخليل. لذلك وصل إبراهيم وقبله النبي عليه الصلاة والسلام في المرتبة طبعاً إلى مرتبة الخلة العالية، التي ما يصل إليها ولم يصل إليها إلا نبينا محمد عليه الصلاة والسلام وإبراهيم الخليل عليه السلام، لأن هذه المرتبة ليست سهلة.

فقصد أن هذه المرتبة مرتبة الإحسان؛ أن تبتل إلى الله حتى يصل الشخص إلى كأن الله سبحانه وتعالى يراه، فيسعى جاهداً لإحسان عمله، لإتقان عمله، ولموافقة شرع الله سبحانه، وموافقة قدر الله سبحانه وتعالى بشرعه، ولتجرد من حظ النفس، ولتجرد من خلطة الناس إلا الخلطة التي، إلا الخلطة مع من يرفع العبد في هذه المقامات، وهؤلاء ليسوا كثرة.

لذلك الشخص في بداية حياته ممكن أن يخالط كثير من طلاب العلم، لكن بعد ما يرتقي ويفتح عليه في شيء من هذه الأبواب يبتعد، يبدأ يبتعد يبتعد، حتى في النهاية ممكن يخالط فقط العباد ممن هكذا يظهر منهم حب الله وتعظيم الله سبحانه وتعالى، ولا يخالط الكثير من ممن يتساهل في الكلام مثلاً أو يتساهل حتى في المباحات كثيراً.

خلاص، هو يريد فقط هؤلاء، لأن هؤلاء يحيون قلبه؛ مثل ما كان سفيان الثوري مع الفضيل بن عياض، مثل ما كان أحمد بن حنبل يجلس مع بشر الحافي. وهكذا، فقصد أن التبتل هي بهذه الطريقة، وتبتل التبتل هذا يحتاج إلى مجاهد، يحتاج إلى دربة، يحتاج إلى مقاومة، يحتاج إلى بذل، يحتاج إلى مثل ما ذكرت فعل الذي يريد الله مع إحضار القلب بغاية الوسع والإمكان، بغاية الوسع والإمكان.

فهو الآن، خلاص، الآن الله يريد مني أفعل كذا، أفعل الفعل ما أحضر قلبي بغاية ما استطيع، الله ما يكلفني فوق ما أطيق، أنا الآن أستطيع أن أحضر قلبي بهذه النسبة، هذه المجاهده هي التي ترقيك ترقيك حتى تصل بسنة أو سنتين إلى مرتبة المقربين. وهذا سر وصول أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام بسرعة؛ كيف أن صحابي مدة إسلامه فقط ثلاث سنوات أو سنتين ويصل إلى أن يكون من العليا، كيف ولماذا؟ آخر عشرين ثلاثين أربعين سنة ما يصل! هذا هو الفرق؛ أن هذا كان سريع، هذه السنة كان يقطع بها المفاوز، أما ذاك ما كان يقطع المفاوز.

لذلك: خير الناس من طال عمره وحسن عمله. خير الناس من طال عمره وحسن عمله. لماذا؟ لأن هؤلاء يصلون، هؤلاء يقطعون الفيافي والمفاوز بالمدة اليسيرة، فكيف لما تطول المدة كم يقطعون بالمسافات إلى الله سبحانه وتعالى الشيء الكبير والعظيم جداً!

إذا، هذا ما يتعلق بمنزلة التبتل. ومريم البتول هي المنقطعة عن الناس فلم تتزوج، وليس معنى هذا أن المرأة لا تتزوج، لكن القصد من ذلك أن مريم والدتها كانت قد حررتها لخدمة المنزل لخدمة، أسف، بيت الله سبحانه وتعالى، بيت المقدس: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [آل عمران: 35]. ثم الله من عليها بأن تكفل عيسى عليه السلام، وأن تقوم برعايته والعناية به، وهي كذلك كانت منقطعة إلى الله سبحانه وتعالى بالعبادة: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: 43]. فكانت كثيرة العبادة، كثيرة العبادة، هذا من التبتل، هذا من التبتل.

والقصد أن الإنسان أول ما يدخل في هذه المرتبه هو أنه يأنس بالله سبحانه وتعالى أكثر من أنسه بالناس، أكثر من أنسه بالناس. فلما يجلس هكذا ويدعو الله ويقرأ القرآن يشعر بسعادة كبيرة، هذه بداية الدخول ونهاية كذلك، لكن البداية هو أنك تشعر بهذه الروحانية، هذه اللذة. ثم بعد ذلك تبدا هكذا وتنتقل وتنتقل حتى تفعل فقط الذي يريده هو سبحانه وتعالى، ولا تدخل نفسك ولا يدخل تقديرك العقلي إلى آخره غيره في تنفيذ المراد.

إذا، هذه المنزلة الأولى. المنزلة الثانية: منزلة الرجاء. الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العظيم: ﴿يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ﴾ [الإسراء: 57]، أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة يرجون رحمته. ويقول كذلك ما لكم عن نوح عليه السلام: ﴿لَّا تَرْجُونَ لِلَّّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ [نوح: 13-14]. ويقول كذلك: ﴿مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ [العنكبوت: 5]. ويقول كذلك: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110].

هذه المرتبة مرتبة أو منزلة رجاء ابن القيم اعترض فيها على الهروي رحمه الله تعالى عليهما. والرجاء هو أحد أاركان العبادة الثلاث. أركان العبادة ثلاث: حب ورجاء وخوف. الحب أعلى هذه الثلاث، الحب أعلى هذه الثلاث. والرجاء هو الحادي الذي يحث الإنسان، والخوف هو مثاله مثال السور الذي يمنع الإنسان من الخروج عن الطريق.

فلما يغلب الرجاء على الإنسان ولا يكون عنده خوف، يدخل الرجاء في الأمن مكر الله. ولما يغلب عليه الخوف ولا يكن عنده رجاء، يدخل الخوف بالقنوط من رحمة الله. ولما يكون عنده فقط الحب ولا يكون عنده رجاء ولا خوف، هذا الحب قد يوقع بالكثير من المخالفات ويوقع بالغرور.

فالقصد أن هذه الثلاث أركان العبادة؛ أعلاها وأقواها الحب ومثاله مثال الرأس للطائر والجناحان هما الرجاء والخوف، والجناحان هما الرجاء والخوف. والإنسان من حيث هو إنسان يحتاج إلى محفزات، فالإنسان لما تأتيه فقط وتتعامل معه بالخوف يجزع ويقنط، والدين ليس بهذه الطريقة والاسلام ليس بهذه الصورة، إنما الإسلام دين شمولي، فيه رجاء وفيه خوف، فيه رحمة وفيه شدة، فيه النظر إلى الناس بعين الشفقة والرحمة ومراعاة الناس، وكذلك فيه القيام بأمر الله سبحانه وتعالى وعدم الخوف من أحد من البشر وأن نقول كلمة حق ما كنا لا نخاف، نخاف الله، لومة لائم هكذا.

فالإسلام فيه هذا وفيه هذا وفيه هذا. طيب، كيف نجمع الآن بين هذا كله؟ أقولك: الجمع هو نفس الإسلام، فالشخص في علاقته بين الرجاء والخوف لابد أن يكون كالتالي؛ أول شيء، بعض الناس من طبعه أن الرجاء يصلح أكثر من الخوف، فبعض البشر ضعيف، وإذا تم فتح باب الخوف عليه بقوة ممكن يقنط بسرعة، سريع القنوط. وبعض الناس عنده العكس، باب الرجاء إذا فتح له بسرعة يأمن بمكر الله، فهذا يحتاج إلى تخويف أكثر وهكذا.

أكثر البشر لذلك قال العلماء، أو أكثر العلماء يقولون بأن الإنسان ينبغي عليه أن يغلب الخوف أكثر من الرجاء إلا في حال المرض أو الضعف أو الموت، فيغلب الرجاء أكثر من الخوف. فالإنسان هنا يكون بين الخوف والرجاء، الإنسان يكون بين الخوف والرجاء، فيغلب حال الخوف بسياق وحال الرجاء بسياق. وكل إنسان بصير بنفسه، وكل إنسان بصير بنفسه وبحاله، فلما يكون هذا الإنسان الآن في مسير إلى الله سبحانه وتعالى إذا غلب عليها الرجاء زاد الخوف حتى يعتدل عند المسير، وإذا غلب عليه الخوف زاد الرجاء حتى يعتدل عند المسير، وهكذا مع وجود الحب مع وجود، مع وجود الحب عند هذا الإنسان.

الهروي رأى بأن هذه المنزلة هي أنزل المنازل وأدون المنازل، فابن القيم اعترض عليه باعتراضات طويلة وبين بأن هذه المنزلة هي التي تلقي صاحبها على أعلى المقامات أو توصل إلى أعلى المقامات، وهو مقام الشكر. وكذلك هذه المنزلة هي مقدمة الحب، فالذي يرجو يحب.

وذكر هنا رحمه الله تعالى لأن رجاء يقوى لما يتذكر الإنسان ويعرف العبد من هو الله سبحانه وتعالى، فلما يعرف العبد بأن الله سبحانه وتعالى شكور، لما يعرف بأن الله سبحانه وتعالى غفور، لما يعرف العبد بأن الله سبحانه وتعالى حليم، لما يعرف العبد بأن الله سبحانه وتعالى رحيم، هكذا لما يعيش مع هذه الأسماء هنا يعظم عندها الرجاء: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الحجر: 49]. ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الحجر: 49].

الرجاء المحمود هو أن يعمل العبد العمل الصالح ويعلم بأن الله سبحانه وتعالى شكور يجزي على القليل بالكثير. وكذلك الرجاء المحمود يكون لما يذنب العبد ثم يتوب إلى توبة صادقة، فهذا كذلك رجاء، رجاء محمود. وفي الحديث: «أنا عند ظن عبدي بي، فليظن عبدي بي ما شاء». فالعبد يظن بالله سبحانه وتعالى الخير ويفعل الخير.

متى يكون الرجاء مذموم؟ لما العبد يسرف على نفسه بالذنوب والمعاصي ويقول بأن الله غفور رحيم، هذا رجاء مذموم ليس محمود، هذا مكر، هذا أمن مكر الله. وكذلك لما العبد يتكئ على عمله: «اعلموا أنه لن يدخل أحدكم عمله الجنة». قال: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته». إلا أن يتغمدني الله برحمته.

فالعبد إذا علم بأن الله سبحانه وتعالى لن يدخل العبد الجنة إلا برحمته هنا يرجو الله سبحانه وتعالى ما يتعلق بعمله لكن يتعلق بعمله هذا تعلق مذموم، هذا التعلق مذموم.

والناس في هذا مراتب؛ يعني الناس في الرجاء منهم من لا يعد أعمال الظاهرة، لماذا؟ يقول أن هذه الأعمال كلها يعتريها ما يعتريها، ما يعتري البشر، فلا يعدها ولا يحسبها، إنما يعمل أو يكثر من الأعمال الباطنة وهذه الأعمال الظاهرة كلها ما يعتبرها، لماذا؟ حتى يحافظ على عمله. ستاتينا، سياتينا الحديث عن منزلة الرعاية كذلك.

وعلى فكرة هذه المنازل بها كثير من التفاصيل متداخله؛ يعني ما تستطيع أن تفصل الفصل الكلي، يعني عن فصل المنازل بعضها عن بعض، إنما بينها تداخل كبير، بينها تداخل كبير.

فقصد أن هنا الرجاء يكون بهذه الصورة، الرجاء يكون بهذه الصورة وهذه الطريقة. ولما اعترض ابن القيم على الهروي وأطال رحمه الله تعالى نفسه في بيان ما يراه صواباً ويرى بأن الهروي أخطأ فيه وبين منزلة الهروي، وهذا الفصل بالذات يؤخذ منه أدب العالم مع العالم؛ يعني هذا الفصل هو من أفضل الفصول التي نستطيع معرفة طريقة التعامل مع العلماء وتصويب الأخطاء. فابن القيم هنا لما صوب أخطاء الهروي صوب الأخطاء مع الأدب، وسعى جاهداً لحمل كلامه على أفضل المحامل، ثم بعد ذلك بين الحق وقال: شيخ الإسلام حبيب إلينا، والحق أحب إلينا منه. والمقصود هنا بشيخ الإسلام أي الهروي ليس ابن تيمية. والحق أحب إلينا منه، فهنا حفظ حق العلم، وحق العلم أعظم من حق الشخص مع التأدب معه بغاية الوسع، كان مع التأدب معه بغاية الوسع. فهو تأدب معه، ثم بعد ذلك لما انتهى من ذكر اعتراضاته واستدل بالقرآن الكريم وقال بين الهدهد اعترض على سليمان وقال: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ [النمل: 22]، وأين سليمان من الهدهد؟ أين علم سليمان من علم الهدهد؟ فكذلك يقول هو أن الهروي ليس أفضل من نبي الله سليمان، والمعترض يقصد نفسه ليس باقل من الهدهد.

وابن قيم يرى حقيقة بأن الهروي أعلى منه وهو يعبر عن، وهو استفاد من الهروي كثيراً وانتفع منه، ولكن كذلك انتفع من شيخ الإسلام، ولكن كذلك انتفع من شيخ الإسلام. هذا الباب، باب أعمال القلوب أصله أخذ ابن القيم من الهروي وأمثال الهروي، ولكن الكثير منهم كذلك أخذ من ابن تيمية، وتمام هذا هو الفتح من الله سبحانه وتعالى.

فأنا هكذا وأنا أقرأ أشعر بأن ابن القيم يرى بأن الهروي أعلى منه في هذا الباب، أعلى منه وله السبق فيه، ولكن ابن القيم يرى بأن الفتح الذي أعطاه الله إياه هو الذي يهدوه إلى أن يقول ما يقوله، يعني لو كان الأمر مجرد أو معلق فقط بالعلم لكان الهروي أعلى، لكن مع الفتح ابن القيم أعلى.

تقول كيف يعني؟ ماذا تقصد بهذا الكلام؟ أقول: الآن الشخص لما يطلب العلم، أي علم من العلوم، العلم له مرتبتان؛ مرتبة يأخذها الشخص بالجد، بالجد والبذل والتعب والكد إلى آخره، ومرتبة ما يأخذها الإنسان بقراءة، إنما بفتح من الله وعطاء من الله سبحانه وتعالى.

لذلك يقولون: العلم أحياناً يكون كرامة، ليس كل العلم عبارة عن أسباب، بل العلم يكون كرامة؛ كيف أن الإنسان أحياناً هكذا تكون عنده بعض الكرامات؛ مثل كيف أن ينزل الماء من السماء وتشرب أم أيمن منه، كيف أن عمران بن الحسين تسلم عليه الملائكة؟ هذه كرامات. العلم كذلك قد يكون كرامة؛ يعني ما يكون علم قائم على نفس التعلم، نعم ممكن شخص يأخذ شيء من هذه الأسباب أو يبذل هذه الأسباب، لكن المرتبة التي أصل إليها هي كرامة، هي كرامة. ابن القيم هذا الباب معه كرامة، فيه كرامة. فأصل التعلم الهروي أعلى، لذلك تقسيم الهروي، تقسيم الهروي، يعني ذاك الآن من تعليقات ابن القيم أنظر إلى تقسيم الهروي للأبواب أو المنازل كيف يقسم.

المنزلة ثلاث منازل، ثم كل منزلة كيف يعبر، أن منزلة العامة هي بكذا، والخاصة هي كذا، وخاصة الخاصة هي كذا. ابن القيم هذا تعلمه، هذا تعلم ابن القيم وأخذ من أمثال الهروي، والهروي هو أعلى من تكلم في هذا، وذاك كتابه أصبح عمدة، كتابه منازل السائرين أصبح عمدة عند علماء السلوك، فجاء ابن القيم ورأى بأنه قد فتح عليه في هذا الباب بعد التعلم، فالتعلم مرتبة، لكن الفتح هذه لا شك أنها مرتبة أعلى، فاعتراض ابن القيم هنا اعتراض مبني على علم زائد، مبني على فتح، مبني على طاعة، مثل ما ذكرنا في مقدمة الحديث عن مدارج السالكين.

فابن القيم يرى هنا بأن دوره هو التصويب في هذا الباب، وأن الهروي أخطأ في هذه المسائل. طبعا اعتراض ابن القيم على الهروي المستمع في الكتاب في الفناء هذا واضح بين، لكن اعتراضه هنا في مثل هذه المنازل هذا كذلك فيه زيادة، إن صحت العبارة، ليست يعني الهروي كان يرى بأن الفناء في شهود ربوبية الرب سبحانه وتعالى أن هذه أعلى المراتب على الإطلاق، ابن القيم يقول: لا، هناك مرتبة أعلى، هناك مرتبة أعلى وهي أن الشخص يفعل مراد الله سبحانه، ويفنى عن سوى مراد الله سبحانه وتعالى، فقط يفعل الذي يريد الله سبحانه وتعالى، سواء كان في مقام الجمع أو التفرقة، يعني جمع قلبه على هذا الفعل، أو فرق نفسه من أجل أن يطبق حتى لو ما كان حضور قلبي في التفرقة مثل حضور في الجمع.

هنا التفرقة هي التي يريد الله سبحانه وتعالى ونحن عبيد الله سبحانه وتعالى، والناس هنا مراتب ودرجات. وذكر ابن القيم هنا أن قسم الصوفية يكون بهذه الطريقة، مثل وقسم لا يكون أعلى أو يكون أسوأ، يعني يصل إلى درجة أنه يلغي الرجاء، وانه لا يريد، يريد فقط إلا الذي يريد الله، حتى لو كان على خلاف مراد الله سبحانه وتعالى، فيقول: يا رب أنا لا أحبك طمعا لجنتك، هذا الطمع لجنتك هذا الرجاء، ولا خوف من نارك هذا الخوف، إذا لماذا؟ فقط تحبك بذاتك، صح؟ والجنة هذه التي ذكرها الله سبحانه وتعالى والتي كانت من هدية النبي عليه الصلاة والسلام الجنة؟ وسؤال النبي عليه الصلاة والسلام العفو والعافية، وتعليمه للصديق الاستغفار، وتعليمه للعباس العافية، وتعليمه أمي عائشة أن الله سبحانه وتعالى العفو.

هذا كله لماذا؟ ولهم العلية، والمعلم هو خير البشر، هل أنتم أفضل؟ هنا تكون المشكلة لماذا؟ لأن هؤلاء ما ضبطوا بضابط العلم، فأوصل لهم هذا الباب إلى، وابن القيم كذلك هنا يلتمس لهم العذر، يعني يقول: هؤلاء ممكن يقول الواحد في حال سكرة، أحيانا الإنسان لما يدخل في باب وتعمق فيه وتعمق يغلب عليه هذا الباب، فما يخرج عنه، فيقول ويطلق مثل هذه العبارات التي هو ما يقصد أن يعارض الدين، وإن كانت هي معارضة للدين، لكن هو ما يقصد ذات المعارضة، يعني هذا ليس زنديق، هذا قصدي، يعني هذا ليس متعمد أن يسقط الإسلام، أو ليس هو لا يؤمن بأن النبي عليه الصلاة والسلام هو أعلى الناس مرتبة.

لا، لكن هو لما دخل في هذا وتعمق فيه تضخم عنده هذا الباب، فأصبح يطلق إطلاقات مبنية على نفس تعلق نفسه في هذا الأمر، وليس على نفس العلم الذي يحد الإنسان، الذي يحد الإنسان إذا كنا ذكر كلام الجنيد وذهبت تلك تلك العبارات وسقطت تلك الإشارات ولم يبق عندنا إلا كذا وكذا، فهذه هي الصناعة الشمولية للإسلام، هذه الصناعة الشمولية للإسلام، كيف أن الشخص يصنع صناعة شمولية، ما يغلب جانب على جانب، لأن أي جانب تغلبه لابد أنك تغلو فيه ولابد أنك تخطئ في جانب آخر، لابد إذا غلبت هذا سينقص عندك في باب آخر، لكن ابن القيم هنا من علمه وبسطة وفتح الله عليه قال: خذ من كل أحد الذي أحسن فيه.

لماذا؟ يعني ابن القيم هنا الآن يتكلم في مدارج السالكين، انتقل معه إلى إعلام الموقعين، تجد إنسان آخر، يعني هذا نفس المؤلف هنا في مدارج السالكين هو نفس مؤلف إعلام الموقعين، المؤلف هناك يختلف عن المؤلف هنا، والأسماء التي تذكر هناك عاده أي من الفقهاء إلى آخره ليست من الأسماء التي تذكر هنا، لماذا؟ لأن هذا له أربابه وذاك له أربابه. طيب، هل الإسلام هكذا مفرق ممزق؟ لا، ولكن الجمع بين هذا كله هذا صعب، يعني جمع أن شخص يكون عالي هنا وعالي هنا هذه عطاء إلهي يقسمها الله سبحانه وتعالى لمن يشاء من عباده.

والقصد أن العبد يسير في طريق الله حتى يصل إلى أعلى مرتبة ممكن يصل إليها، فالقصد أن هنا اعتراض ابن القيم على الهروي اعتراض معه بيان أو استشعار من ابن القيم، وكذلك ابن القيم كأنه كان حريص أن يوصل هذا الكتاب، لذلك اختار كتاب الهروي، وكتاب الهروي كان منتشر وفاشي وله ظهور كبير أعلى من مدارج السالكين، مدارج السالكين بعد ذلك أصبح له الظهور، لكن الهروي كاسم وكسكتاب كان له ظهور كبير عند ارباب الطريقة والسلوك، فابن القيم أراد أن يشرحها بالطريقة السنية؛ لأنه رأى بأن الصوفية الغلاة استحوذوا على الكتاب، وذكرت هذا في المقدمة.

فابن القيم هنا لما اعترض على الهروي خشي أن من يقرأ هذا الكتاب وهو يعظم الهروي يستنكر انتقاد ابن القيم، وليس كل من يقرأ ابن القيم هو معظم ابن القيم، نحن الآن نقرأ ابن القيم وبعد ظهور ابن القيم ووصول ابن القيم إلى مرتبة معينة في أذهاننا، لكن لما يأتي شخص الآن ويقرأ ابن القيم وهو لا ينظر إلى ابن القيم أنما ينظر إليه أنه عالم يشرح كتاب الهروي، الهروي أعلى منه، يعني الآن الذي يدخل إلى مدارج السالكين وفي ذهنه ونفسه بأن الهروي أعلى بكثير من ابن القيم، هذا كيف سيقرا كلام ابن القيم لما يعترض؟ ليس مثل الشخص الذي يقرأ كلام ابن القيم وهو مبجل لابن القيم، وأن ابن القيم تلميذ ابن تيمية، وابن القيم هو من هو في العلم والمعرفة إلى آخره والديانة، لا، الأمر مختلف.

لذلك ابن القيم هنا لما يكتب وما يستحضر أن الذي قال له الآن هو هذا طالب من طلابه، أو معظم له، أو شخص يعني هكذا يرى ابن القيم، لا، إنما هو مستحضر أن هذا الكتاب الهروي له ظهور كبير، ولم يكن يعلم ابن القيم بأن كتاب مدارج السالكين سيصبح ظهوره في زماننا هذا أعلم من ظهور منازل السائرين بكثير، وسبحان هذه من تقلبات الزمان، بل من اختيارات الله سبحانه وتعالى، فأحيانا شخص في زمانه يكتب بطريقة معينة، ثم بعد ذلك الله سبحانه يختار كتابه ويختار كتبه فتصبح أعلى عند الناس بكثير من كتب من كان في زمانه أعلى منه، طبعا هذا كله في حكم الناس، هذا كله في حكم الناس، ففي هذا الزمان هذا أعلى من هذا، لكن في الزمان الذي يصبح هذا العالم أعلى من الثاني هذه امور ما يستطيع البشر يدخلون فيها.

والقصد ابن القيم هنا ضرب أروع الأمثلة في طريقة الاعتراض على من يرجى أو على من يعلم منه الخير، على من يعرف منه الخير، والهروي، الهروي كان رجل شجاع في قول كلمة الحق، وهذه المنزلة من العلماء له مزية، الهروي عرض على السيف خمس مرات، خمس مرات يعرض على السيف ليس لأن يقول الباطل، لكن حتى لا يقول الحق، وهو لا يعرض سيف حتى يقول كلمة الكفر أو يقول الباطل، لا، لكن حتى يسكت عن قول الحق، ومع ذلك ما كان يرعوي ولا ينزجر إنما كان ثابت، هذه المقامات هي التي جعلت الهروي له المكان العالي عند ابن القيم وكذلك عند ابن تيمية.

وهذا هو الذي جعل كذلك ابن أبي ذئب له المكان العالي عند أحمد، وكان يشبه بسعيد بن المسيب، طيب، وأبو جعفر، أبو جعفر يقول ابن أبي ذئب لأبي جعفر المنصور: الظلم ببابك فاش. والامام أحمد يقول: أبو جعفر، أبو جعفر، من يستطيع أن يقول هذه الكلمة لأبي جعفر المنصور؟ فكان هذا معيار عالي وقوي، وابن القيم يعرف أن الهروي كان صادق، كان صادق في سيره وكان صادق في بذله، وهو ذكر هنا قال: لكن شمر له هذا العلم وظن بأن هذا العلم أو هذه المنزلة هي الفناء في الربوبية انها أعلى المنازل، أعلى المنازل، فلذلك لم يكن تأخذ في الله لومة لائم في بيان هذا، لكن ابن القيم يقول: إن هناك أعلى منها أبين الأعلى القسم.

هذا الكلام كله أن ابن القيم رحمه الله هنا اعتراضه على الهروي اعتراض العالم على العالم الذي تكون غالب حياته على استقامة، ويعلم منه بمواقفه والقرائن في حياته التي تدل على أنه صادق في محبته وصادق في تعظيمه وانه يريد أن ينصر الدين، لكن يخطئ، هذا ليس من الصواب أن يتم التعامل معه مثل ما يتم التعامل مع الشخص الذي لا توجد عنده مواقف، والذي يظهر من حاله عدم العناية بالعلم وعدم الاهتمام بالعمل للإسلام إلى آخره، ففارق كبير بين هذا وبين هذا، هنا ابن القيم يعلمنا طريقة التعامل مع هذا القسم العالي من الناس، وإلا لو كل إنسان أخطأ تم إسقاطه ما بقي عندنا أحد، لو كل إنسان يخطئ في خطأ معين ثم ناتي ونسقطه ثم نسخطه ما يبقى عندك ولا أحد، لن يبقى عندك أي انسان، الكل يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر عليه الصلاة والسلام، كما يقول الإمام الإمام مالك.

القصد أن ابن القيم هنا اعترض على الهروي وطال النفس في بيان عظم منزلة الرجاء، عظم منزلة الرجاء، الرجاء يدل على محبة العبد لربه سبحانه وتعالى، ودعوني دعوني أذكر هذه المنزلة بطريقة مختلفة، دعوني أقول مثلا بأن الآن أسماء الله سبحانه وتعالى هي الأصل أن نتعبد إلى الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى، هذه غاية العبادة، يعني اتفقنا بأن الله خلقنا من أجل العبادة، والعبادة أخص العبادة هو تعبد الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، هذه الأسماء الحسنى والصفات تنقسم إلى قسمين: صفات جمال أو أسماء جمال، وكذلك جلال. ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ﴾ [الحجر: 49-50].

إذا عندنا رحمة وعندنا غضب، عندنا الغفور الرحيم وعندنا شديد العقاب، عندنا العذاب الأليم. الغفور الرحيم، لما تعيش مع أسماء الله سبحانه وتعالى باسم الله سبحانه وتعالى مثلا الأكرم، اسم الله سبحانه وتعالى الرحيم، اسم الله الحليم، اسم الله سبحانه وتعالى الغفور، اسم الله التواب، اسم الله سبحانه وتعالى الجميل، هكذا تعيش مع هذه الأسماء. لما تعيش مع هذه الأسماء، هذه الأسماء تعظم عندك الرجاء، تعظم عندك الرجاء، فلما تقع بذنب، إذا ما كان عندك رجاء ممكن يدخلك الذنب هذا بالقنوط من رحمة الله، فهنا تتوب إلى الله، يحب التوابين ويحب المتطهرين وأنت من التوابين، يعني تتعامل مع الله هكذا.

لما يقول النبي عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه عز وجل: «يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي»، فتبدا هنا تتملق الله سبحانه وتعالى وترجو وتعلم بأنه سبحانه وتعالى حليم وتعلم بأنه رحيم، وأن تكون صادق، يعني عملك موافق الذي تقوله، يعني ما يكون ادعاء، إنما يكون تطبيق حقيقي، هذا الله يحبه، هذه منزلة عالية، بل مثل ما ذكرت العبادة هي عبارة عن ثلاث أركان منها هذا الركن، فإذا تم إسقاط باب الرجاء أو عدم، يعني عدم الاهتمام به وجعل هذه المنزلة منزلة عادية، هذا الباب من الأسماء الحسنى لم ولن يتم التعبد به التعبد الصحيح، لن يتم التعبد به التعبد الصحيح، إنما العبد يرجو الله سبحانه وتعالى ما يجعل الذنوب تسقطه.

ولو أغلقنا هذا الضرب أو ضعفناه نكون عظمنا من باب الخوف الذي قد يحملنا كثيرا على سوء الظن بالله والعياذ بالله، يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية، ينظرون الطعن في حكمة الله، الطعن في قدرة الله سبحانه وتعالى، وقد يدخل الشخص هنا ويقنط من رحمة الله ويسيء الظن بالله. طيب، الله سبحانه وتعالى حليم، وروي بعض العلماء في المنام بعد موته فقيل له، فقال الله له: لماذا يا عبدي كنت تخافني كل هذا الخوف؟ ألم تعلم بأني كذا وكذا؟ يعني فتح له باب الرجاء.

وكان بعض الأطباء لما رأى بول أحد العلماء قال: هذا رجل فتت الخوف قلبه، فتت الخوف قلبه، فالله يريد منا أن نوازن، الله يريد منا أن نوازن بين هذا وبين هذا، نعم نخاف ونغلب الخوف كثيرا ولكن لابد من وجود الرجاء، لابد من وجود هذا، كذا الاشتياق إلى الله سبحانه وتعالى، أما فقط الخوف، ليست هذه العبادة الكاملة، وليس معنى هذا أن الخوف ليس من المنازل، هو من أعظم وأشرف المنازل، ولكن القصد هو ترتيب هذه المنازل.

فالعبد هنا إذا أساء وأخطأ يعود إلى الله ويرجو الله سبحانه وتعالى ويعيش مع أسماء الله سبحانه وتعالى ويعيش مع رجاء الله سبحانه وتعالى، ويعيش مع عظم رحمة الله سبحانه وسعة الرحمة، ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: 156]، يعيش مع سعة الرحمة، يعيش مع الرحمن الرحيم، هكذا يعني يبدا يعيش مع الله سبحانه وتعالى حتى ما يغلب هذا الجانب، فيبدأ يوازن، والله يحب من عبدا أن يتعبد، الله يحب من عبده أن يتعبد وأن يعبد بهذه الصورة وهذه الطريقة، وأعظم الرجاء على الإطلاق هو الشوق إلى لقاء الله سبحانه وتعالى.

الدنيا ألذ من اشتياق العبد، الرحمن يشتاق إلى الله سبحانه وتعالى. أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك. هنا الرجاء مع الحب، هنا الرجاء مع الخوف. هكذا، هكذا هي العبادة.

ثم ننتقل بعد ذلك للحديث عن. نعم، هناك قبل أن ننتهي، قبل أن نغلق الحديث عن هذه المنزلة، هنا الله يقول: ﴿مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّه فَإِنَّ أَجْلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾. علم الله سبحانه وتعالى بأن قلوب المشتاقين قلوب العارفين تكاد تقطع شوقاً؛ فالله سبحانه وتعالى خفف عنهم وسلى عنهم بأن أجل الله سيأتي، وأجل الله سبحانه وتعالى قريب.

طبعا هذا، تعرفون الآن لو أن الآن عندنا أم فقدت ابنها من عشرين سنة، وهي مشتاقة للقيا هذا الابن، هي كيف ستعيش؟ كيف ستعيش؟ ثم لما تعلم بأن ابنها اقترب، هل تبقى في مكانها أو تسعى جاهدة للقائه وتخرج؟ طبعا هذا مثال والله سبحانه وتعالى المثل الأعلى.

أحياناً أو بعض البشر يوصل إلى الله إلى درجة أنه ما يآنس بأحد، خلاص، ما يآنس إلا بالله سبحانه وتعالى، بس اللهم يسألك أنس بقربك، ولا ما قلبه سبحان الله ما يرتاح إلا مع الله سبحانه وتعالى ولا يسعد إلا لما يرفع يديه، إلا لما يذكر الله سبحانه وتعالى، يشعر هكذا بلذة بروحانية. وكان حدثني أحد الأشخاص يقول: أنا من عشرين سنة أو قريب من ذلك يقول: ما ذهبت إلى المجالس العامة. طبعا الآن غير التبتل ذكرناه قبل قليل، إنما أذكر المعنى الذي أريد أن أوصله الآن، وهو أن هذا الإنسان يقول: إني ما أنس إلا بالله، ما أنس إلا بالله. يقول: هذه لذة الأنس بالله، لذة الأنس بالله هذا ليس كلام عام يقال، إنما هذه حقيقه يصل إليها بعض البشر، ويسأب الله سبحانه وتعالى من يشاء من عباده فيحبون الله ويرجون الله؛ فمن كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت.

وكذلك الله يقول: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110].

ثم بعد ذلك انتقل الإمام إلى منزلة الرغبة، والرغبة هي ثمره الرجاء، ثمره الرجاء، والله يقول في كتابه العظيم: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: 90]. ويقول ابن القيم: والرغبة من الرجاء كالهرب من الخوف، فهي ثمرة الرجاء؛ فالعبد لما يرجو، أي لما يطمع، يرغب فيطلب؛ فالعبد يرجو الجنة، يرجو رحمة الله، هذا الطمع القلبي، الرجاء القلبي، ثم بعد ذلك يأتي إيش؟ يأتي الطلب، يأتي الطلب، وضرب مثال هنا مقيم تقريبي بأن الرغبة من الرجاء كالهرب من الخوف؛ كيف الشخص لما يخاف يهرب، الخوف قلبي والهرب فعلي، كذلك ها هنا، كذلك هنا، فهذا الإنسان الذي يرجو الله يعمل، الذي يرجو الله يرغب. فالقصة من ذلك أن الإنسان يرغب إلى الله سبحانه وتعالى بالأعمال الصالحة، يرغب إلى الله سبحانه وتعالى بفعل كل ما يستطيعه، والرجاء يحدوه، والرجاء هو الذي يحمل على هذه الأفعال؛ فالرغبة ثمرة، وإذا أردت أن تعرف قوة الرجاء في قلبك فانظر إلى أعمالك، انظر إلى فعلك، هذا كله كاشف، هذا كله كاشف عما في قلبك من الرجاء. لذلك الله هنا قال: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾، يعبدوننا راغبين بما عندنا، راغبين بما عندنا.

ثم بعد ذلك انتقل الإمام إلى منزلة الرعاية، والرعاية المقصود بها هنا المحافظة؛ أي شخص يعمل العمل ثم بعد ذلك يرعى ويصون هذا العمل، ويحافظ هذا العمل، ويخشى من أن يخرم هذا العمل، من أن يخرم هذا العمل؛ فالعبد يقرب الله سبحانه وتعالى هذه الأعمال، في حال تقريبه للعمل هو يسعى أن يجوده، أن يتقنه، ثم بعد ما ينتهي من العمل يحوط العمل ويخاف أن يخرم هذا العمل. طيب كيف تكون الحياطة؟ تكون الحياطة للعمل بالدعاء؛ أن العبد يدعو الله سبحانه وتعالى بأن يتقبل منه هذا العمل، تكون حياطة في حياة العمل بعدم النظر اليه وعدم امتداد هذا العمل، بل اتهام الإنسان لنفسه واستغفار الله سبحانه وتعالى بعد العمل. بعد العمل يستغفر، نعم يستغفر، بعد الصلاة: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله. يعني هذه الصلاة ما تليق يا ربي بك، لكن هذه غاية وسعه، فهو بالصلاة يسعى جاهدا أن يتقن الصلاة، وبعد ما ينتهي يستغفر الله سبحانه وتعالى. لذلك علم النبي عليه الصلاة والسلام الصديق لما قال: علمني دعاء أدعو به في صلاتي، علمه الاستغفار، لماذا؟ لأن مهما عملت هذا العمل لا شيء بالنسبة لله سبحانه وتعالى، ولو جودته لو أتقنته، لكن أسعى جاهدوا ثم أستغفر الله سبحانه وتعالى، وهو هنا هكذا يحوط العمل، ما ينظر إلى عمله: أنا عملت كذا، أنا فعلت كذا، أنا لقيت كذا، أنا درست، أنا طلبت العلم، أنا... لا، ما ينظر إلى هذا كله، إلى هذا كله، ممكن ما يقبل، إنما يتعلق بالله سبحانه وتعالى ويحوط عمله.

كذلك من ضمن الطرق في حماية الأعمال أن العمل لما يكون عمل السر لا يظهره؛ يعني لما تعمل عمل خفي لا تظهره، ولا يزال الشيطان بالإنسان حتى ينقل عمله من عمل السر إلى عمل العلانية، لماذا؟ حتى يكتب في ديوان العلانية وديوان السر مختلف، ديوان السر صافي نقي بخلاف ديوان العلانية، فعمل السر أعظم بكثير من عمل العلانية بالأسصل، بالأسصل. ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، هذا عمل سر. لذلك جاء عن أبي موسى الأشعري لما ذكر غزوة ذات الرقاع وذكر بأن أقدامهم قد نقبت، ثم بعد ذلك ندم بأنه قال هذا الشيء، ويقول ابنه: خشي أو كره أنه أظهر بعض عمله، أظهر بعض العمل، ما كان بود أن يكون العمل يظهر هذا العمل لو سكتنا. ولكن أحياناً سبحان الله، يعني شخص ينطق ببعض الأشياء حتى يظهر الله عمله، حتى يعرف الناس بمنزلته بدرجته وتضحيته، ولكن الأصل هو شخص يخفي عمله، والشيطان لا يزال بالإنسان حتى ينقل عمله من عمل السر إلى عمل العلانية فيظهر هذا العمل، فهنا ما راعى هذا العمل، ما حفظ هذا العمل. والله يقول في كتابه العظيم: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: 27]. فالقصد أن هؤلاء ابتدعوا الرهبانية وما رعوها، يعني ما حفظوا، يعني هم ابتدعوا قربة ولم يداوموا عليها والله لم يكتبها عليهم، ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾.

كيف الذي يبدأ بعمل أو يلزم نفسه بعمل ثم بعد ذلك يتركه ولا يبالي به؟ كيف بشخص الذي يلتزم في مشروع معين ثم يخرج منه؟ هذا ما راعى، هذا ما حفظ العمل، هذا ما صان العمل، هذا متذوق. وعلى هذا فليقس، وعلى هذا فليقس. فالقصد أن من المنازل رعاية الأعمال، ورعاية العمل يكون باستمرار بالعمل وحفظ العمل من خوارم العمل، وكذلك عدم إاظهار العمل الذي لا ينبغي إظهاره، واتقان العمل، والاجتهاد في حفظ هذا العمل، وكذلك عدم الالتفات إلى العمل، إنما الالتفات إلى الله سبحانه وتعالى، وكذلك الاستغفار بعد العمل أنه قصر في هذا العمل وأنه ما قام بهذا العمل كما ينبغي، وهكذا، والناس في هذا يتفاوتون تفاوت كبير وعظيم.

إذا، هذا بعض ما يتعلق في هذه المنزله، ونقف عند هذا، والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.