الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله على نبينا وقائدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فحياكم الله إخواني جميعاً وبياكم وسدد على طريق الخير خطاكم. نكمل التعليق على هذا الكتاب العظيم، كتاب مدارج السالكين للإمام ابن القيم الجوزية، وكنا قد توقفنا في اللقاء الماضي عند الحديث عن منزلة الرعاية، ثم بعد ذلك انتقل المصنف إلى الحديث عن منزلة المراقبة.
والمراقبة هي منزلة قريبة، بل هي مطابقة لمنزلة الإحسان؛ أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فانه يراك. وهنا المقصود من هذه المراقبة أن العبد يراقب نظر الله سبحانه وتعالى إليه واطلاع الله سبحانه وتعالى عليه، فهو لما يعمل، ولما يدعو، ولما يتكلم، ولما يقول، ولما يصلي، ولما يفعل أي فعل يفعله، يستحضر نظر الله سبحانه وتعالى إليه. فالله سبحانه وتعالى من أسمائه الرقيب، فالله سبحانه وتعالى ينظر إلى الإنسان.
والعبد لما يعيش مع هذه الأسماء -وأحسن ابن القيم هنا، وهذا دليل على فتح كبير من الله سبحانه وتعالى على هذا الإمام- لما تكلم أن هذه المنزلة لا يستطيع شخص أن يطبقها إلا لما يتعبد الله سبحانه وتعالى بهذه الأسماء: الرقيب، والعليم، والخبير، والسميع، والبصير. الكل يقرأ القرآن ويعرف أن الله سبحانه وتعالى سميع وأن الله سبحانه وتعالى بصير، ولكن القليل من الناس من يعيش مع هذه الأسماء. وهذه الأسماء لا شك بأن العيش معها فتح من الله وكرامة، يمن بها الله سبحانه وتعالى من يشاء من عباده.
فلا يظن الشخص الآن بقراءته لهذا الكلام، لكلام ابن قيم رحمه الله تعالى، بأنه مباشرة سيعيش مع منزلة المراقبة أو سيطبق ما ذكره الإمام، بل هذا فتح وكرامة، ولكن العبد يجاهد، والعبد يطرق الباب ويسعى جاهدًا للوصول إلى الله سبحانه وتعالى. وأقول هنا كلمة جامعة مختصرة، من أحسن فهمها ثم تطبيقها سيعان بإذن الله على الوصول حقيقة إلى تطبيق هذه المقامات والوصول إلى هذه المنازل والدرجات، أما من لم يطبقها فلن يصل ويقرأ كل ما ألف علماء الإسلام بالسلوك والتزكية.
فبعض الناس لم يقرأ لابن القيم أي كتاب ومع ذلك يصل إلى استحضار نظر الله سبحانه وتعالى إليه، وبعض الناس يقرأ لكن مع ذلك ما يصل، يعرف لكن مع ذلك ما يصل، ممكن يعقد المحاضرات والدروس والتوجيهات لكن هو لا يستشعر هذا أبداً، إنما هو يتكلم كأن هذا الكلام عبارة عن كلام قرأه بالكتب ثم بعد ذلك يبلغه هكذا. لما يتكلم عن لذة المناجاة، هذه لذة المناجاة هذه تستشعر، هذه يعيش الإنسان معها، وليس هي كلمات تقال.
لذلك هنا ابن القيم هذا الكتاب مليء بالفوائد لما يأتي ويذكر كلام أئمة السلوك علماء الإسلام في شرح هذه المنزلة أو بيان طبيعة هذا الشيء، ثم يذكر أن هؤلاء يذكرون بناءً على الذوق، بناءً على هكذا عبارات تقرب ما في نفوسهم. والشخص لا يستطيع أن يطلق هذه العبارات إلا بعد ما يستشعر، ثم تاتي العبارات، هذه العبارات ممكن تقراها وتحفظها، لكن فرق كبير بين العيش مع العبارة وبين سبك العبارة، سبك العبارة سهل، شخص ممكن يجود هكذا عبارة، جلس وينظر، لكن العبارة لما تخرج من قلب شخص عاش مع المعنى، الأمر يكون مختلفاً.
هؤلاء الذين ينقل عنهم ابن القيم، هؤلاء عاشوا، يعني لما ينقل عن وهيب بن الورد ولا ينقل عن سفيان الثوري، عن الجنيد، عن فضيل بن عياض، عن أحمد بن حنبل إلى آخره، هؤلاء عاشوا مع هذه المعاني، هؤلاء وصلوا إليها ذاقوها. وسبحان الله، مرات أجلس بيني وبين نفسي وأقول: إلى أي حد يصل الإنسان في هذه المعاني؟ يعني هذه المعاني الشخص ممكن يعيش في نسبة معينة، أحياناً هكذا لذة لما تمر عليه هكذا لحظة سكينة، لحظة هكذا استشعار. طيب، هذا الاستشعار هو كم كان عند أبي بكر الصديق؟ يعني إذا كان الشخص أحياناً يشعر بروحانية في رمضان، وكل مسلم يشعر بنوع من الروحانية، هذه الروحانية تشعرها في رمضان لما تصلي في صلاة التراويح مثلاً، أحياناً تصيبك روحانية هكذا، نسمات من نسمات الإيمان، هذه النسمة تشعر هكذا كأنك خرجت من هذا العالم.
طيب، الصديق رضي الله عنه وأرضاه هذا الباب كيف كان عنده؟ أبو بكر رضي الله عنه هذا الباب، باب الاستشعار، إلى أي مرتبة وصل إليها؟ انبياء الله سبحانه وتعالى، أنبياء الله لما يقول شعيب عليه السلام: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِن أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: 88]. لما يقول أنبياء الله مثل هذه الكلمات: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ [نوح: 13-14] وهكذا، هم في نفوسهم كم كانت كمية الإيمان الموجودة؟ كمية الاستشعار؟ عظم الاستشعار هذا كيف كان عندهم؟
القصد من ذلك أن هذه كلمات تقال، لكن وصول شخص إلى العيش معها هذا يحتاج إلى طرق، ليس إلى قراءة. القراءة ممكن تاخذ شيئاً يسيراً من الوقت، لا أريد أن أعطي نسبة، لأن نسبة القراءة مقارنة بطرق الباب وحسن تعبد الله سبحانه وتعالى لا شيء، لا شيء حقيقة. قد يقرا شخص هذه الكتب لكن ما يصل، وشخص آخر لا يقرا هذه الكتب ومع ذلك يكون عظيماً في هذا الباب، عنده استشعار عظيم، وعنده عيش مع أسماء الله سبحانه وتعالى. لماذا هذا سالك الطريق وهذا لم يسلك الطريق؟
لكن ابن القيم هنا يبين ويبين ويبين، ثم بعد ذلك يقول لك: الطريق السهل الواضح هو أنك تعيش مع القرآن الكريم، هو أنك تقرا هذا الكتاب قراءة صحيحة، تتعامل معه تعاملاً صحيحاً، هذا هو الذي سيوصلك إلى كل ما قاله ابن القيم هنا، وكل ما قاله الهروي هنا، وستحسن الفهم ثم تححسن التطبيق. أما إذا لم يكن هذا الباب حاضراً عند الإنسان، فأقول لك: أنت تبحث عن العلاج في غير موطنه، تبحث عن الدواء في غير مكانه، القلب لما يكون مصاباً ما تعالج القدم، إنما المشكلة بالقلب، عالج القلب ثم بعد ذلك أنظر إلى بقية الآثار.
الشخص الآن لما يأتي شخص الآن عندنا مصاب بعدد من الأمراض، لابد أن نبحث عن موطن الأصل، أين هو؟ لماذا هذا مصاب بجميع هذه الأمراض؟ شخص عنده مشكلة بالأمانة، شخص عنده مشكلة بتقصير بالصلاة، عنده مشكلة بالإخلاص، عنده مشكلة في كذا، أين هو الخلل؟ لأن هذه ليست مشكلة واحدة. شوف يا شباب، يعني الآن لما يعمر الإيمان في القلب ثم بعد ذلك تقع المشكلات، تعالج المشكلات العارضة، لكن لما يكون نفس الإيمان مخروماً، علاج المشكلات العارضة عبث ماضٍ على الأوقات.
شخص مصاب بقلبه، في موطن الاستشعار، موطن الإيمان، ثم تأتي وتعالج نظره، تعالج يده، تعالج قدمه، هذه مشكلة، هذه مشكلة كبيرة بطريقة العلاج. فالقصد من ذلك أن شخصاً هنا لما يأتي ويقول لك: أنا ما أشعر بكذا، أنا ما أعرف كذا، أنا لا استطيع كذا، أنا مقصر في كذا، أنا عندي، هذه كلها تدل على أن هناك خللاً حقيقياً، خللاً بالإيمان. هذا الحديث هنا عن المراقبة هذا ليس حديثاً علمياً صرفاً، إنما استشعار: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
هذا كيف أصل إليها؟ هل من خلال قراءة كلام ابن القيم هنا؟ أقول لك: لا يكفي، لن تستطيع أن تصل من خلال قراءة كلام ابن القيم، وإن كان هو مفيداً لكن هو لا يكفي. طيب، ما هي الطريقة؟ أن تعيش مع القرآن الكريم. الطريقة أن تطرق الباب، تقرع الباب، تقرع الباب، تقرع الباب: يا رب، يا رب. يعني الآن اليوم عندنا منزلة المراقبة، لما قرأنا الآن هذه المنزلة، هل لما قرأتها، قبل أن تقرأ قلت: يا رب، يا رب افتح علي؟ ثم لما قرأت قلت: يا رب بلغني هذا الاستشعار؟
لما تمر على كلمة فلان وكلمة فلان وكلمة فلان، لما تمر وتقراها تقف عندها، لا تتذوقها، قبل أن تتذوقها وتعيش هكذا لذتها قل: يا رب بلغني ما بلغت هؤلاء، يا رب لا تحرمني، يا رب افتح علي هذا الباب، يا رب لا تجعلني أشقَى الخلق، وهكذا، يعني تعامل مع الله سبحانه وتعالى تعامل العبد الذي حقيقة يريد الوصول إليه، ليس تعامل العبد الذي يصور الصورة ثم ينشرها. هذا جعل آخر شيء، نفعك للاخرين لابد منه، لكن هذا تالٍ لعيشك أنت، ليس سابقاً.
نحن اليوم في زمان فتنة كبيرة في هذا الباب، باب النشر، شخص يريد أن ينشر، ينشر وهو آخر واحد يعيش مع الكلام اللي قرأه، آخر واحد يقول، ثم بعد ذلك سمعت كما سمعت من بعضهم يقول: لعل أحد يتاثر وآخذ أنا أجره. طيب، وأنت هذا باب متعلق بالأيمان، هذا ليس باباً متعلقاً بنوافل الأعمال. بالله عليك ركز بكلامي جيداً، أنا ما أتكلم الآن عن باب شخص مثلاً مقصر في بعض النوافل بالصدقات مثلاً، أو مقصر ببعض الأعمال النافلة، فينشره بين الناس لعل وعسى أحد يطبق، وهو يكسب الأجر وهو كذلك يسعد مع نفسه.
هذا الباب مختلف، هذا الباب ليس بهذه الطريقة، هذا الباب نفس عيشك مع الله أعظم من هداية الناس. قد لا يلتزم أحد، قد لا يهتدي أحد، قد لا يتأدب أحد، لكن إيمانك هذا لما يوضع في الميزان أعظم من إيمان هذا الشخص الذي أسلم على يديه مئة ألف، لأن العبرة كلها بالإيمان. أعظم من إيمان هذا الشخص الذي علم الناس الدين طيلة عمره. لماذا؟ لأن هذا هو، إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم.
ويذكرني هذا الرجل، ما له حديث واحد في كتب السنن، ومع ذلك هو أفضل من سعيد بن المسيب، أفضل من الحسن البصري، أفضل من محمد بن سيرين. لماذا؟ الإيمان، الإيمان، الإيمان ثقيل جداً، وهم كذلك أصحاب إيمان، لكن هذا إيمانه مختلف. أنبياء يأتون يوم القيامة ما عندهم ولا واحد التزم على أيديهم ولا اهتدى على أيديهم، ومع ذلك هؤلاء أفضل من كل من جاء بعد الأنبياء والمرسلين، كيف هذا؟ أقول لك: الإيمان، الإيمان هو العبرة كلها بالإيمان، ثم هذا الإيمان يثمر التطبيق العملي.
وهذا هو السر في فوز كثير من العالمين بامر الله على الكثير من العالمين. فوز كثير من العالمين بالله على الكثير من العالمين بامر الله. قد يكون شخص عالماً بامر الله وعنده علم بالله، ليس مثل هذا، فهذا يفوز. تقول لي: كيف هذا، هذا أعلم بالدين؟ أقول لك: أعلم بالدين ومبلغ أكثر، لكن هذا عنده استحضار أقوى، هذا عنده استشعار، هذا عنده تعلق بالله أقوى، فهذا قد يصيب السنة بالتطبيق من غير حضور قلب قوي، والثاني قد لا يصيب السنة ليش واقع بالبدعة؟ لكن هو واقع بعمل مفضول لكن النية تكون قوية، فالعمل الصغير هذا بالنية يعظم أجره، يعظم أثره، والثاني العمل الكبير بالنية يصغر أجره. ليس معنى القول بالبدعة إنما بما هو أقل، بما هو أقل، لكن لما يكون شخص جامع بين الأمرين لا شك بان هذا هو الأعلى والأفضل، وهذا هو طريق الأنبياء وهذا هو نهج الأنبياء.
هذه خلاصه الحديث عن هذه الأبواب، فهنا لما نتكلم عن منزلة المراقبة، منزلة المراقبة ليست سهلة وليست متكلفة، هي ليست متكلفة، إنما هي أمر يقع بالقلب، إنما هو أمر يقع بالقلب، فيستعظم صاحب هذا المقام الذي وصل إليه أن يفعل ما يخالف أمر الله، هكذا هذه خلاصتها. شخص يعرف الآن أن الله ما يحب مني أن أفعل هذا الشيء، وقد أحياناً نفسه تريده، لكن الله ما يريده، هنا هذا الاستحضار يمنعه بينه وبين نفسه من غير أن يعرف أحد، من غير أن يدري أحد، وربما يلام أصلاً من أقرب الناس إليه، وربما الناس ما هو ما يبالون به كله أصلاً، ما ينظر إليهم.
من يبلغ النهاية أو قرب النهاية في هذه الأبواب، واحنا والله ما بلغناها ولا وصلنا إلى شيء منها، لكن أقول: هذا هذا الفهم، لكن ليس هذا التطبيق أو هذا أمر بعيد بعيد جداً، لكن هؤلاء ما ينظرون إلى أحد، هؤلاء ما ينظرون إلى أحد، هذا ما ينظر إلى لوم القريب ولا البعيد، هذا ينظر إلى نظر الله بس فقط، هذا ينظر إلى نظر الله الذي يريد مني، كيف الآن الآن أتعامل مع الله سبحانه وتعالى؟
يأتي والده أقرب الناس له يقول: يا بني خطا، يا بني لأجلك، هو ما يستطيع، لا، أنا خلاص أريد ما عند الله. يأتي والد الصديق إلى الصديق: يا بني لو اشتريت رجالاً أقوياء يمنعونك، أبو بكر ما يفكر بهذه الطريقه، أبو بكر يفكر بنظر الله: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل: 17-21]. وهكذا تاتي الأم الرحيمة تقول لابنها: يا بني لعلك قتلت أحداً؟ قال: نعم يا أمي، قتلت نفسي، قتلت نفسي.
هذا صاحب المراقبة، هذا الذي يعيش هذا، بلغ مرتبة الإحسان، هذا ما يستطيع، ما يستطيع، يصعب عليه المخالفة، وهذا الله يعينه، يعني هذا الله يقذف في قلبه شيئاً عظيماً من النور الإلهي ومن البصيرة ومن المحبة ومن الاستحضار، بحيث أن هذا الإنسان حقيقة ينظر إلى نظر الله الغيبي أقوى من نظر من هو جالس أمامه. وهو الآن جالس هذا الشخص أمامه وهذا شخص طبيعي في المشاهدة يكون التأثير أقوى من التأثير البعيد، هذا أمر طبيعي، هذا هو الإنسان من حيث هو انسان، لكن هذا في لحظة الجلوس هذا الإنسان يجلس.
أمامه ويكمِّل وياتيه ويقلب يمنى ويسرى، وياتيه من أبواب كثيرة، ومع هذا؛ في قلبه، في وجدانه، نظر أقوى من نظره إلى هذا الشخص. هذا يتكلم، لكن كلامه يدخل في أذن ويخرج من الأذن الأخرى. ياتي حنبل بن إسحاق، عم الإام أحمد، عم إسحاق، ياتيه ويقول: يا أحمد، قلها كما قالها أقرانك، كما قالها العلماء. وهو في موطن صعب، في موطن القيود في يديه ومسجون، سجين، وقد يقتل بعد خروج عمه. يعني هو الآن في موطن اضطراب، موطن تحرك النفس، وياتي هو ويسهل عليه، لكن هو ينظر، الإمام أحمد ما ينظر إلى هذا، ينظر إلى نظر الله.
طيب، هو كيف شخص في هذه اللحظة، في هذه الحالة الصعبة، يكون نظره لنظر الله سبحانه وتعالى أقوى من هذا؟ هذا هو مقام هذا كله، هذا معنى المراقبة، هذا معنى المراقبة. تقول لي كيف؟ أقول لك أقول لك هذا حسن تعبد مع الله، هذا ما في كيف، هذا الله سبحانه وتعالى العبد يحبه، فوضع عليه حماية ما يستطيع البشر عليه، ما يستطيع الشيطان عليه، ودائماً يستحضر نظر الله. يقول هذه الكلمة؟ يقول: لا، الله سبحانه وتعالى ما يحب مني أن أقول هذا. ليس طيب الكل يريد منك أنك تقولها؟ لا، هو ما يقولها؛ لأن الله سبحانه وتعالى ما يحب مني الآن أن أقولها، أو أنا نيتي غير خالصة.
وكل إنسان يعلم بنفسه وأعلم بنيته، فأحياناً النفس تنقلب على الإنسان وتتقلب عليه فلا يستطيع، فقد يقول بالظاهر شيء الكل يؤيده، لكن هو يعرف بينه وبين نفسه أن الله سبحانه وتعالى العظيم اطلع إلى قلبه، وأن قلبه ما كانت كلمة خالصة، فممكن يسكت ما يقولها والكل يلومه، وهو ما يبالي بهذا. وهذا الباب غير متكلف مثل ما ذكرت، هذا الباب غير هذا باب بين العبد وبين ربه سبحانه وتعالى: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. هذا هو العيش مع اسم الله الرقيب، يراقب خطراته، يراقب كلماته، يراقب أفعاله: هل الله يحبني؟ هذا لا، ما يحبه. طيب هذا الله ما يحبه؟ خلاص، ما يفعل حتى لو كان غيره، وهذا الباب لا شك أنه ليس باباً يعني سهل، لكن لما يقوى نظر العبد لربه سبحانه وتعالى واستحضار هذا المقام والعيش حقيقة مع اسم الله السميع، مع اسم الله البصير، مع اسم الله العليم، مع اسم الله الخبير، هكذا يعيش مع أسماء الله سبحانه وتعالى، هذا الذي يصل.
طيب، هذا كيف يكون؟ مثل ما ذكرت، يكون بقرع الباب. لما تاتي الآن في منزلة المراقبة وتقرأ هذه الصفحات، لا تقرأها بعشر دقائق، يعني مو معنى هذا أنك تجلس معها لا، لكن قصدي أنك لما تقرأها قف عند الكلمات وقل: يا رب، أنا أريد أن أصبح مثل هؤلاء الذين فتح على فلان وفلان وفلان. سيفتح عليك، لكن اطرق الباب. أما أنك تاخذ ورقة وقلم وتدون، أو مباشرة وتصور الصفحة وترسلها، أقول لك: أنت بعيد بعيد بعيد جداً إلى ما وصلت، إلى ما فهمت، إلى الآن ما فهمت طريقة التعامل مع الله سبحانه وتعالى، إلى الآن ما فهمت كيف هؤلاء تعاملوا مع الله.
قبل أن تنشر، قبل أن تختصر، قبل أن تحفظ، قبل أن تكتب، قبل أن تفكر، ليكن همك: أصل إلى هذا؟ كيف أصل إلى هؤلاء؟ همك: كيف كيف ما تفوتني الدعوة؟ كيف أن هذا الكتاب ما يخلص وأنتهي منه إلا ومعي ألف دعوة؟ كيف أني بين الأذان والإقامة في هذا اليوم أقول: يا رب المراقبة، يا رب بلغني هذه المرتبة، يا رب أعني، يا رب أعطني؟ هذا هو الذي يفتح عليه، وغيره والله ما يفتح عليه لو قرأ كل ما ألف علماء الإسلام في التزكية والسلوك والله لا يفتح عليه، وواهم من ظن خلاف ذلك. وكل من وصل إلى الله سبحانه وتعالى هو تعامل معه بهذه الطريقة، كل من وصل إلى الله سبحانه وتعالى هو تعامل معه بهذه الطريقة، أما غيره هذا لا يوصل.
ولا تقرا كتباً كثيرة، يكفي مدارج السالكين يعني للتزكية والسلوك، لا تقرأ كتاباً آخر، خلاص يكفي هذا الكتاب، هذا الكتاب كافي، لكن أحسن التعامل مع الله سبحانه وتعالى في قراءتك لهذا الكتاب، فتُقرا فتطرق الباب. ثم لما تأتي الآن عند أسماء الله سبحانه وتعالى لابد أنك تعيش معها، ما يصير لما تقرأ القرآن الكريم ما تلتفت إلى أسماء الله الحسنى، عيش معها مع السياق، يعني هو السميع البصير وهو العليم الخبير. وأنظر إلى سياق الآية، وأنظر إلى المقصود هنا بالعلم، ما المراد بالعلم؟ التواب الرحيم، التواب الحكيم، لماذا قال التواب الرحيم؟ لماذا هنا قال التواب الحكيم؟ لماذا قال هنا ختم الآية بالعزيز الحكيم؟ لماذا هنا ختمها بكذا؟ لماذا؟ قف، لن تختم القرآن الكريم ختمة واحدة بهذه الطريقة إلا وأنت إنسان آخر تماماً.
ثم لما تنتهي من هذه الختمة للقرآن الكريم اقرأ مدارج السالكين، ستفهم ما لا تفهم الآن، وأعظم ما يؤخذ من مدارج السالكين لهذا القسم من الناس، ليس لعامة الناس، لعامة القراء الذين نحن منهم لا نتكلم عن القسم الواصل إلى الله سبحانه وتعالى، أعظم ما يؤخذ من مدارج السالكين هو ضبط الباب؛ لأن ابن القيم عالم جامع بين العلم بالله والعلم بأمره، فالشخص قد يكون عنده العلم بالله لكن ما يضبط هذا الباب، فيتوسع عنده، فيتوسع عنده أحياناً يخالف، أحياناً يشطح، أحياناً يخطئ إلى آخره، بسبب عدم الضبط بأحكام الإسلام بشرع الله سبحانه وتعالى.
ابن القيم واعي لذلك، هو لما ينتتقد الهروي ينتتقد بعلم، ولما يعترض على الهروي يعترض عليه بعلم. الهروي مفتوح عليه في هذا الباب، أي العلم بالله سبحانه وتعالى، ولكن المشكله والنقص عند الهروي في نظر ابن القيم هو ضبط بامر الله. هذا الثاني الذي يضبط هذا الباب، هذا الهروي ما ضبطه، ما ضبطه مئة بالمئة. ابن القيم يضبط هذا الباب، ابن القيم يضبط هذا الباب، يبين الخطأ الذي وجد عند أبي إسماعيل رحمه الله تعالى.
فالمقصود من ذلك أن هذا الكتاب ينتفع فيه من وصل إلى الله سبحانه وتعالى بهذا الباب، ينتفع انتفاعاً عظيماً وليس يسيراً، ويكشف له أبواب ربما ما تكشف له في البداية، ما تكشف له في البداية، وابن القيم عالي. فالقصد أن في القصد أن هذه المنزلة، منزلة المراقبة، من أراد أن يصيب هذه المراتب الثلاث وأن يصل إلى أعلى الدرجات فليتعامل مع الله سبحانه وتعالى تعامل أولياء الله. أولياء الله يتعاملون معه بهذه الطريقة: إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، وهكذا. هذا هو الذي يصل، أما إذا لم يكن بهذه الطريقة لن يستطيع، الذي يطرق الباب ويدعو الله سبحانه وتعالى كثيراً ويعيش مع أسماء الله سبحانه وتعالى الحسنى، هذا هو الذي يفتح عليه بإذن الله.
أما إذا لم يكن بهذه الطريقة فمثل ما ذكرت لن يحصل إلا المعلومات العامة، إلا المعرفة العامة، ثم سيقضي عمره ويمضي وقته وهو يدور حول الكلام العام، حول العبارات العامة، بخلاف من يصل. والعمر قصير يا شباب، والنسان إذا من الغبن والله أن يموت الإنسان ولم يصل إلى الله سبحانه وتعالى وهو يظن بأنه وصل إلى الله سبحانه وتعالى. إذا هذا الحديث عن هذا الحديث عن المنزلة الأولى.
ثم هنا في هذه المنزلة ابن القيم رحمه الله تعالى ناقش هؤلاء المخالفين، وبين أن بعض الناس يتوسع عند هذا الباب، رد على الطوائف الكثيرة المختلفة والمتعارضة، وهذا من فقه الإمام رحمه الله تعالى، وذكرت لكم في عدد كبير من المجالس بأن الأمة انقسمت: فقسم سلك طريق التعبد، وقسم سلك طريق العلم، وقسم قدم السياسة على الشريعة، وهكذا. فكل قسم نصب له طاغوت أخذ يتعامل معه على أنه هو الذي من خلاله يتحاكم إليه أو يرجع إليه في فهم نصوص شرعية.
فعلماء الكلام توسعوا كثيراً بعلم الكلام، حتى إذا واحد منهم أخذ يتعامل مع هذا العلم تعامل عقلي صرف وضمر عنده الباب الوجداني والعلمي، لذلك هذا القسم من الناس الذي يكون مثقف، مفكر، صاحب عقل كبير وقراءة واسعة إلى آخره، هذا ما يستطيع يعيش مع هذه الابواب، بالعكس، أصلاً هو يستنكرها ويستبعدها ولا يفهمها ولا يفهمها.
ثم هذا القسم كثير منه كذلك ينكر الأمور البينة الواضحة عند القسم المقابل له، بل عند القسم الذي يكون هو من عامة الناس مع أنه هو من الأذكياء، لكن مع ذلك ما ما يصيب. أتوا علوماً وما أتوا فهوماً، أتوا ذكاء وما أتوا ذكاء، عنده ذكاء، لكن ما عنده ذكاء فيتعامل هكذا تعامل علمي يصرف، هذا ما يوفق، هذا أصلاً ما يهدى ولا يعرف الطريقة الذي يصل من خلاله الله سبحانه وتعالى.
القسم المقابل له هو القسم الذي أسقط العلم واكتفى بالعبارات واكتفى بالعبارات وعاش مع أئمة السلوك، وشطح الشيطان به شطحاً بعيداً حتى أنه أسقط دعاء الله سبحانه وتعالى بالجنة، سؤال الله الجنة والاستعاذة به من النار، وكان هو أصبح الآن في مقام أعلى من الأنبياء. والورع من هؤلاء أو المتأول من هؤلاء من يقول بأن الأنبياء يفعلون هذا هكذا للعامة؛ لأن عامة الناس ما يستجيبون إلا بهذه الطريقة، وهكذا. ولا شك هذا كله مدخل من مداخل الشيطان ومن تلاعب الشيطان بهؤلاء.
والشخص لما يبتعد عن العلم والقرآن الكريم والعيش معه تصيب هذه تصيب هذه الأمراض وهذه الأدواء الشيطانية، والسعيد من كان نور القرآن الكريم مصاحب له ودائماً معه ويدور معه حيثما أدار، فهذا يحمى بإذن فهذا يحمى بإذن الله. أما يقول الشخص: اللهم إني أعبدك لا طلباً لجنتك ولا خوفاً من نارك، فهذا كأنه يعترض، فهذا كأنه يريد الناس طريق ما سلكه الأنبياء، ثم بعد ذلك يتأول التأويلات البعيدة في أفعال الأنبياء عليهم السلام.
الشخص لما يشطح، الشخص لما يبتعد عن العلم يشطح، ثم هذا الشطح يسحب إلى مواطن بعيدة ويظن هذا الإنسان بأن هذا كله مبني على معرفة، وما هي إلا جهالات وما هي إلا تأويلات شيطانية يلقاها الشيطان في روعه. لذلك الجمع بين العلم والعمل والعبادة والدعوة هذه كلها مهمة جداً حتى يحمى الإنسان من الشطح. الإنسان إذا اكتفى بأحد هذه عن البقية لابد أن يصيب هذا المرض، والفتنة هنا تعظم بقدر المخالفة وتضمر الفتنة وتقل وتحصر بقدر الموافقة، بقدر الموافقة حتى يكون الإنسان هذه الفتنة ما تصيبة إلا بالمفضول فاضل فقط، ما تصيبه الفتنة في التأويل البعيد عن الدين، لكن لما لا يكون بهذه الطريقة لابد أن تصيبه، لابد أن تصيبه.
تقل هذه الفتنة أو تعظم، لماذا؟ لأن هذا الإنسان ما قدر نهج الأنبياء وما عرف طبيعة دعوة الأنبياء وما عرف كيف الأنبياء تعاملوا مع الله سبحانه وتعالى، فهذا كثير في الناس، كثير في الناس، وما ينجو إلا مسلم، خاصة في الأزمنة المتاخرة.
ثم بعد ذلك ننتقل للمنزلة التي تليها، منزلة تعظيم حرمات الله سبحانه وتعالى. تعظيم حرمات الله سبحانه وتعالى، الله يقول في كتابه: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]. ويقول كذلك: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ رَبِّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ [الحج: 30]. ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه.
فتعظيم الحرمات أن شخص يستعظم أن يعصى الله سبحانه وتعالى ويستحضر أن ينظر إلى المعاصي والذنوب، والناس يتفاوتون في هذا الباب بقدر ما في قلوبهم من إيمان، والمرجع كل الإيمان. الإيمان إذا ما وجد هذا الباب ما يعظم، الإيمان إذا ما وجد هذا الباب ما يعظم. ونحن اليوم في زمان انتشرت فيه المنكرات، وانتشار المنكرات معناه قله الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر من جهة، ومعنى أو ضريبته عدم الإنكار بالقلب، وهذا هو الخطر الكبير.
يعني الشخص لما يعتاد على المنكر هذا الإنسان هذه مشكلة الإنسان لما يعتاد على المنكر يضمر في قلبه، يعني ما يستحضر أن هذا منكر، لذلك هنا بين هذه المنزلة عظيمة جداً، أن الشخص يستعظم بالمنكر، هذا الاستعظام القلبي والاستنكار هذا دليل الإيمان. شوفوا يا شباب، نحن كل يوم ننظر إلى منكرات، كل يوم كل يوم ننظر، نسمع الموسيقى وننظر إلى من يعصى الله سبحانه وتعالى، هذا يومي في وسائل التواصل وفي الواقع المشاهد الذي نعيش فيه في الحياة العملية التي نعيشها. أحياناً الإنسان ما يقوى على الإنكار باللسان أو أحياناً الإنسان تتنكر على نفسه فما ينكر باللسان، طيب القلب؟ هل كل منكر مر عليك كرهته بقلبك؟ هذا هو ضابط الإنكار القلبي.
هل لما تمر على بنك ربوي يتمعر وجهك وقلبك يتغير هكذا، تشعر بكره لهذا المنكر أو لا؟ بالنسبة لك الأمر هذا عادي؟ هذا خطير، هذا خطير جداً. إذا كان شخص اعتاد المنكر، هذا الإنسان في عنده مشكلة ترى بالإيمان.
سبحان الله من الأمور العجيبة يعني بالسيرة النبوية وهي رؤية الكفر كل يوم، يعني احنا في زمان ما نرى الكفر كل يوم بالعاده طبعا، لكن الصحابه كانوا كل يوم يرون الكفر، كل يوم يرون الأصنام، يعني في مكة اللي اسلم فيها 13 عاماً بالبداية، أسلم من البداية، ينظر إلى الأصنام حول بيت الله المعظم. تصوروا الآن معي، تصوروا معي هذا المشهد بالله عليكم، الآن شخص ينظر إلى منكر يومي، طبيعي أنه يعتاد، الآن شخص يدخن كل يوم، شرب دخان، خلاص أنت اعتادت، ما يعني، مرة بعد مرة بعد مرة بعد مرة حسب يكون قريب منك، خلاص تعتاد المنكر، تعتاد، ممكن ما تنكر باللسان وقلبك يعتاد كأنه ما يفعل شيئاً بالله أصلاً، ممكن إذا طلب منك يعني تعطيه هكذا الدخان ممكن تعطيه، نسأل الله السلامة والعافية.
فالشخص يعتاد هنا الشخص يعتاد؛ لماذا؟ الإنسان طبيعته إذا إذا لامس الشيء يبرد.
عنده هذا طبيعي بالإنسان، إذا ما استحضر أن هذا خطر، وأحاط قلبه بسياج من فولاذ يمنعه من تقبل المنكرات، لابد أن يستمرها. لابد، هذا هو الإنسان. تنظر إلى النساء المتبرجات كل يوم، خلاص، يصبح عندك الأمر عادي، ثم هذا لما يصل إلى أقاربك يكون عادي. لماذا؟ تقول الناس كلهم هكذا. هذا الناس كلهم هكذا دليل أنك أنت بردت.
أنا أقول لك، لو كنت، قد يكون حالك مثل حال لوط عليه السلام؛ ما يوجد أحد مؤمن إلا هو وابنته فقط. هنا لابد أن تحافظ على عرضك وعلى شرفك، وأن تغار، وأن تبقى الغيرة هذه الموجودة عندك. صعب، أقول لك: صعب. لكن صاحب الإيمان ليس عليه هذا، المصاحب لأن هو صاحب إيمان، والذي يلامس المنكر هذا يكون عادي.
انظر الآن الذي يعيش في المدن الغربية، الأمر عنده جداً عادي، ما يستحضر أن هذا منكر كبير. وإذا استحضره هو يستحضره بتكلف، لكن هو في داخله خلاص اخترق هذا المنكر، ذلك من يعظم حرمات الله. هذه الحرمات خطيرة، إذا ما عظم العبد أوامر الله سبحانه وتعالى وعظم نواهي الله سبحانه وتعالى، إذا ما عظم هذا مشكلة عند العبد. عادي، الناس ما يصلون، عادي جداً، ما يستحضر أن هذا أمر خطير، ما يستحضر أن هذا أمر كبير جداً. القصد أن المنكر يخترق القلب.
المنكر يخترق القلب، هذا القلب كيف يخترق؟ يخترق لما يضعف الإيمان، وكذلك يخترق لما يلامس شخص المنكر كثيراً. لذلك العلماء يقولون: الناس يستعظمون الفطر في رمضان، وما يستعظمون ترك الصلاة. لماذا؟ لماذا لما تمشي في رمضان وتنظر إلى أحد يأكل في نهار رمضان، تستعظم هذا المنكر ويكون عندك كبير جداً، بينما لو كان شخص لا يصلي ما تستعظمه كثيراً، مع أن ترك الصلاة أعظم من الفطر في رمضان؟
السبب هو الألفة، أن الإنسان ألف ترك الصلاة والعياذ بالله. وكان أحد العلماء يدرس كتاب من كتب التوحيد، وكلما انتهى منه أعاده، فقال له بعض طلابه: لو غيرنا الكتاب، يعني شرحنا شيء غير التوحيد؟ فسكت هذا الشيخ ثم أتاهم بعد ذلك وقال لهم: بأن وقع منكر كذا وكذا، هو في الذبح لغير الله، مر على شخص يذبح لغير الله سبحانه وتعالى، فتاثروا وتمقعت وجوههم، وقالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون، هذا منكر، وهكذا، يعني تاثرهم كان تاثر عادي ليس كبير.
ثم أتاهم بعد ذلك وقال بأني سمعت بأن في قريتنا شخص وطأ أمه، وقع على أمه أي ارتكب جريمة الزنا، فثارت الدماء فيهم وفارت، فقال لهم: لما قلت لكم الشرك ما تاثرتم كثيراً، ولما تكلمت عن كبيرة، كذبت كبيرة، تاثرتم أكثر من التاثر بالشرك، لماذا؟ نعيد هذا الكتاب.
والقصد من ذلك، طبعاً ليس مع هذا الكلام شخص ما يتاثر بهذا، طبيعي لأن هذا يخالف، لكن القصد أن الألفة خطير، أنا هذا الذي أريد أن أصل إليه الآن: أن الألفة خطير. شخص لما يألف المعصية يعتاد عليها، ثم لما يعتاد عليها ما يعظم محرومات الله سبحانه وتعالى، خلاص تضمر عنده، فيكون هذا الإنسان يتعامل مع المنكر أنه عادي. فرق بين التأثر القلبي والتعامل مع المنكر لما يعم.
تقول لي كيف يعني؟ أقول لك: القلب لابد يتاثر، انتبه. الحرارة الإيمانية هذه تذهب، لأنها إذا ذهبت دليل على عدم وجود الإيمان. ومن درر ابن الجوزي رحمه الله تعالى قوله: إذا حزنت بعد معصية الله سبحانه وتعالى فافرح.
طيب كيف الشخص يحزن على المعصية؟ يقول: ليس بالمعصية، لكن لو لم تكن مؤمن لما حزنت. يعني لو لم يكن في قلبك إيمان لما حزنت، لكن الشخص الذي يفعل معصية ولا يحزن، أو يريد أن يقتل ضميره، وهذا خطأ أنك تقتل هذا الضمير الذي يؤنبك، هذا دليل الإيمان، لماذا تقتله؟ هذا داعي الإيمان، هذا واعظ الإيمان في قلبك.
لما تقع في معصية ثم ضميرك يؤنبك هذا أمر حسن، لا تبحث عن الفتاوى التي تجيز لك هذا الفعل، انتبه. لماذا تقتل تب... هذا الضمير الآن الذي أنبك، هذا دليل على أنك محب لله ورسوله، دليل على أنك تعظم الله، دليل على أن في قلبك محبة للإيمان، محبة للإسلام، أنه في قلبك دين، في قلبك إيمان، لكن نفسك قويت عليك فتحتاج أن تقوي الإيمان هذا حتى يقوى النفس، ما تاتي وتقتل هذا الضمير، ما تاتي وتذهب عمن يفتي بجواز سماع الموسيقى، أو من يفتي بجواز هذا المنكر، أو من يسهل خطر وخطأ والجريمة تعود عليك أنت.
فالقصد من ذلك أن هنا الألف يؤثر بالإنسان، يؤثر بالإنسان. كذلك الإنسان نفسه لما يعتاد على المعصية تضمر عنده، لذلك حتى لو كنت تفعل معصية كل يوم، حتى لو كنت تفعل معصية كل يوم، ليبقى في قلبك كره لها ولا تتساهل في هذا.
تقول لي طيب هذا يؤذيني، أقول لك: ليؤذِك، ليؤذِك، استثمر هذا، هذه الأذية النفسية أو هذا الحمل النفسي بالإكثار من الطاعات ولا تتساهل. لا تجعل، يعني لا تعتد على المعصية، لا، لا تسمح للمعصية بأن تسكن قلبك. دعها تكون في جوارحك إذا كنت مبتلى فيها، أياً كان نوع هذه المعصية، دعها تكون في الجارحة مبتلى بالنظر، مبتلى بالسمع، مبتلى بكذا وكذا من المعاصي، دعها يكون في الجارحة، لكن لا يصل إلى القلب.
اجعل القلب هكذا، يعني مع فعلك هذه المعصية وأنا أقول لك: لا تفعلها، واسعَ جاهداً أن تتركها، لكن إذا كنت مبتلى بها مع هذا الفعل، أحمي القلب وعظم الإيمان، وقل: يا ربي والله إني أحبك وإني لا أريد معصيتك ولكن نفسي تغلبني. هكذا تعامل مع الله سبحانه وتعالى.
كان في زمان النبي عليه الصلاة والسلام رجل يشرب الخمر، والخمر كبيرة من كبار الذنوب ليست صغيرة، حتى وكان يكثر من شرب الخمر يكثر، يعني لا يشرب مرة ولا مرتين ثم يرجع، لا يشرب ثم يجلد، يشرب ثم يجلد، يشرب ثم يجلد، حتى قال مرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه: لعنه الله، ما أكثر ما يؤتى به! النبي عليه الصلاة والسلام رد رداً صادماً عجيباً، قال: لا تلعنه، فانه يحب الله ورسوله.
يعني هذه المعصية التي وقع هذا الإنسان بها لم تصل إلى القلب. طيب كيف يكون إيمان ويحب الله ورسوله ويقع في هذه المعصية؟ النفس تشبثت بها المعصية لكن القلب يحب الله ورسوله، النفس مبتلى، رجل مبتلى، لكن هو مع هذا البلاء، الابتلاء هذا الكبير اللي وقع عليه بالوقوع بكبيرة، وليس هذا أمر سهل، لكن هو ما سامح لهذا البلاء بأن يقول بأن الخمر حلال، أو يشرب الخمر ولا يبكي، لا. هذا يقاوم نفسه قبل شرب الخمر، يقاوم نفسه لا يريد، ثم لما يشرب الخمر ما يشرب إلى حد ال... هكذا الحد الذي تطلب النفس الكامل، إنما ممكن يشرب إلى حد يضعف أثر النفس ثم الإيمان يقوى على النفس ويصرعها.
وهكذا، يعني هو صراع بهذه الطريقة. كذلك الشخص الذي يقع بالمنكر، كذلك الشخص الذي يقع بالمنكر لا تسمح للمنكر بأن يسكن قلبك، حتى لو وقعت فيه مئة مرة، لو كل يوم تقع فيه لا تسمح له بأن يسكن قلبك. حتى لما تفعل المنكر، في حال فعلك المنكر وأنت ضعيف الآن في لحظة المنكر يكون ضعيف، لما تتشبث المعصية من الإنسان وتمكنه تمكناً قويًّا، الإنسان هنا ما يقوى أحياناً حتى لما تكون بهذه الحال.
تكون المعصية مثالها مثال الرجل الضخم القوي الذي الذي هكذا يكتف الإنسان ويسيطر عليه، أحياناً تستأسد على الإنسان، حتى في هذا الحال وأنت في هذا الحال، قل: يا رب والله إني أحبك، يا رب لا أريد أن أعصي، يا رب إني أُغلب على نفسي، وقلها بقلب صادق، لا تقولها كلام لساني، لا، قلها من قلب شخص مبتلى بهذا الأمر، هنا تعان.
بل حتى لو لم ترتفع منك المعصية، تاتي يوم القيامة مع هذا الإيمان، الله سبحانه وتعالى، لعل الله سبحانه وتعالى، ولا تلع على الله، لكن لعل الله سبحانه وتعالى يتجاوز عنك لما في قلبك من محبة له.
تعرفون قصة الرجل الذي رواه الإمام البخاري ومسلم من حديث حذيفة وكذلك أبي هريرة، الذي حضرته الوفاة، فلما حضرت الوفاة أمر أبناءه، وقال: يا أبنائي أي أب لكم؟ فأثنوا عليه خيراً، فقال: إن أنا مت فاسحقوني ثم ذروني في يوم عاصف، وفي رواية ضعوا نصفي في البر ونصفي في البحر، والله لئن قدر الله عليّ ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحد من العالمين، وكما قال.
فلما مات هذا الرجل أحرق أبناءه وأخذوا، وأخذوا رفات الأب وانتظروا اليوم العاصف، وألقوا بعضاً في البر وبعضاً في البحر، فأمر الله سبحانه وتعالى هذا الرفات بأن يجتمع، فإذا هو واقف أمامه، فقال: قال يا عبدي ما حملك على هذا؟ انظروا ماذا قال، والله هذا حديث أذكره كثيراً علماء العقيده في باب العذر بالجهل، لكن هذا الحديث القصد منه ليس فقط هذا، ليس هذا القصد الأولي، إنما القصد منه الحديث عن نفس العمل الإيماني الذي هذا الإنسان كان متمكن منه.
فقال: يا عبدي ما حملك على هذا؟ فقال: خشيتك يا رب. يعني هذا الإنسان يخاف الله ويعظم الله سبحانه وتعالى، ويعرف أنه صاحب الذنوب، يعني هو مع ذنوبه التي كان يرتكبها، لكن هو في قلبه محبة لله وتعظيم له وخشية منه سبحانه وتعالى، فلما فعل هذا هو فعلاً خوفاً من الله، خوفاً من الله وتعظيماً له سبحانه وتعالى، فغفر الله له لما في قلبه من تعظيم، لما في قلبه من إجلال.
الشخص قد يقع بالمعصية ولا يسلم شخص بالمعصية، وقد يقع بها كثيراً حتى ليس قليلاً، وقد أحياناً يبتلى الإنسان بمعصية سبحان الله تتمكن منه، فيحاول جاهدًا في حياتها كلها أن يتركها ويعجز عن تركها، كما يروى في الحديث: ما من مؤمن إلا وله ذنب يتعاهده الفينة بعد الفينة.
هكذا الذنب متمكن منه، وقد يكون صالحاً هذا الإنسان، وقد يكون هذا الإنسان، يعني فيه خير، لكن هذا الإنسان ما يسمح لهذا الذنب أن يكبر، يعني هذا الإنسان لما يقع بهذا الذنب هو لا يسمح له بأن يدخل قلبه، لا يستحله ولا ينشره، ويجاهد نفسه على تركه، ويتوب إلى الله سبحانه وتعالى منه، ويكون هذا الذنب الملازم له هو الذي يوصله إلى الفردوس الأعلى.
تقول لي: كيف ذنب يلازم الإنسان يوصله؟ أقول لك: هذا الذنب الذي يقع فيه يكون دائماً مذكراً لله سبح، بالله سبحانه وتعالى، فيكون هذا الذنب دائماً يمنح الإنسان من العجب، يعني هذا الذنب يسلطه الله على هذا العبد حتى ما يقع بالعجب، حتى ما يقع بالكبر، حتى ما يقع بالرياء، حتى لما يثني الناس عليه، يتذكر الذنب الملازم له فيستحي بينه وبين نفسه أن ما يستطيع يتعامل مع الناس أنه الآن هو الذي يدعو، لا، أنت عندك ذنب وذنب، تذكر أنك فعلت كذا وتذكر، فالذنب يكون هذا كذا محصور فيه، حتى دائماً يعيش مع اسم الله الحفيظ، يعني تعبد الله سبحانه وتعالى بهذه الأسماء العظيمة، وليس مع هذا الناس يتساهل.
معاذ الله أن يفهم هذا الكلام أن العبد يتساهل بالذنب، الذنب عظيم، لا تنظر إلى صغر المعصية، لكن انظر إلى من عصيت. لكن القصد هو فهم هذا الكلام بسياقه، فهم هذا الكلام بسياقه.
فالإنسان قد يقع بالذنب وقد هكذا يفعل الذنب كثيراً، الخطر هنا ليس بالذنب فقط، بل الذنب قد لا يكون خطراً كبيراً، لكن الخطر الكبير جداً هو أن العبد يستمرئ الذنب، فلا يكون لأمر الله سبحانه وتعالى عنده كبير قدر في قلبه، لما الله سبحانه ينهى عن كذا هو يفعل هذا الشيء، لكن هو ما يبقى في قلبه أن هذا كبير، الله نهى عنه، يعني هذا الاستشعار القلبي، هذا، هذا الإيمان يضمر، يضمر عنده.
ولو بقي هذا الإيمان عنده، ولو كان فاعلاً لهذا الذنب بسبب ضعف الإنسان، لكان أفضل بكثير ممن لا يفعل هذا الذنب ولا يعظم أمر الله سبحانه وتعالى. انظر، يعني ممكن ما يفعل شخص، ما يفعل هكذا نفسه ما تميل إليه، لكن فارق كبير بين شخص ما يفعل الذنب لأن نفسه ما تميل إليه من غير تعظيم، وبين الشخص الذي ما يفعل الذنب لأنه معظم لله سبحانه وتعالى: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ ۚ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الحجرات: 3].
وقد يكون الذي الواقع بالذنب هذا مع تعظيمه لله ومجاهدته الكبيرة، قد يكون أعظم ممن لا يفعل الذنب الذي ما يكون عنده تعظيم محرمات الله سبحانه وتعالى. تقول لي كيف تعظيم المحرمات؟ أقول لك: هذا هو المعنى، خذ الكلام بجملته، بشموليته، بجميع التفاصيل التي ذكرت، لا تأخذ شك وتترك البقية، حتى تفهم الصورة الكاملة، حتى تفهم الصورة الكاملة.
لذلك ابن القيم يقول: أتظن بأن الصالحين بلا ذنوب؟ الصالحين عندهم ذنوب، لكن ما أصروا. والذي ولا توبة ولا معصية، لا، لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار. شخص يستغفر ويتوب تذهب الكبيرة، لكن شخص يفعل الصغيرة ولا يتوب تصبح كبيرة في حقه، لماذا؟ ما عنده تعظيم حرمات، ما عنده إيمان في قلبه.
فالقصد الخطر الكبير هو في هذا السياق الحديث عن الاعتياد. متى الشخص لا يعظم الحرمات؟ في سياقين الاثنين، أو في حالتين الإثنتين: الحالة الأولى لما ما يكون عنده إيمان، الحالة الأولى لما يكون أصلاً هو إيمان ضعيف، فعادي عنده المنكر، عادي عنده المعصية، عادي عنده الربا، عادي عنده هكذا، الكلام مع النساء، الحديث مع النساء حديث النساء عادي جداً، هكذا، ما عنده إيمان، ما عنده إيمان.
الحالة الثانية: لما يعتاد المعصية، سواء كان بنفسه أو مع غيره. لذلك الشخص لما لا ينظر إلى المعصية إلا مرة بالسنة مثلاً أو لا ينظر إليها، هنا يكون معظم لها، مستعظم لها، لكن لما كل يوم ينظر لهذه المعصية، كل يوم ينظر إلى هذا النوع من المعصية، خلاص يعتاد عليه، يعتاد، فلما يعتاد ما يكون معظم للحرمات، ما يكون معظم حرمات الله سبحانه وتعالى.
فالقصد أن العبد يسعى جاهدًا لحماية القلب؛ القلب هذا لا تجعل المعصية تخترقه، لا تجعل الألفاظ تخترقه، دائماً عظم، عظم الأمر في قلبك، عظم الشعيرة في قلبك. يأتي يوم العيد، لا تتعامل مع العيد مثل ما يتعامل بعض الناس -ليس بعضهم الصالحين- كأنه يوم عادي! لا، هذا يوم الله، تعظمه كما عظم الله، حتى لو تكلفت في تعظيمه، حتى لو تكلفت، حتى لو ما كانت من عادتك تفعل هذا الشيء، ما تفعل مثل ما يفعل بعض طلاب العلم، جاء يوم العيد يكتب هكذا بعض الرسائل التي بها تأسي وتلوم، وبأي حال عدت يا عيد إلى آخره، وينام يوم العيد! إيش هذا؟ هذا رجل معظم حرمات الله؟ هذا رجل معظم شعائر الله؟ هذا الرجل يعيش مع قصة إسماعيل مع إبراهيم عليهما السلام؟ هذا الرجل يعيش مع حديث النبي عليه الصلاة والسلام أن الله قد أبدلكما خيراً منهما؟ التعظيم، التعظيم هذا هو الذي يبلغ بالعبد.
لما قيل مرة للإمام الشافعي: أتأخذ بهذا الحديث؟ فأحمر وجه الشافعي رحمه الله تعالى غضب وقال: ويحك! أتارني خارجاً من كنيسة؟ أتارني لابساً النار حتى لا أخذ بحديث النبي عليه الصلاة والسلام؟ هذا هو التعظيم، هذا هو التعظيم، كيف لا تأخذ بهذا الحديث؟ أحسن حتى العبارات لما تتكلم عن أوامر الله سبحانه وتعالى ونواهيه وعن ما يقوله النبي عليه الصلاة والسلام كله تعظيم. لما تسمع واحد يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، اسكت لا تتكلم، تعظيم للإمام عليه الصلاة والسلام. القصد أن هذا الباب هكذا يتعامل معه.
إذاً، هنا الاعتياد خطير، اعتياد الذنب خطير، هذا كله شق متعلق بالقلب. أما الشق الثاني المتعلق بالإنكار، فمنكر هنا لما تعم البلوى به، طريقة الإنكار تختلف، لكن التعظيم ما يختلف، لا نخلط بين حالتين: المنكر لما يعم وينتشر طريقة إنكاره تختلف عن المنكر الذي لم ينتشر، وهذا له تفصيل ليس هذا محله، لكن قصدي الآن فقط البيان، التعظيم القلبي هذا ما يتغير، يبقى الأمر عظيماً، يبقى أن هذا منكر، يبقى أن هذا معروف، فتتعامل معه كما أمر الله وفق ميزان الإسلام وتسعى جاهدًا لحماية القلب بأن لا يخترق؛ لست لأنك تعيش كل يوم بالجامعة تذهب وتنظر إلى المنكرات وتنظر إلى فتنة الاختلاط، خلاص يكون عندك هذا الأمر عادي، ما تخرج من الجامعة إلا أنت إنسان منسلخ عن دينك ومنسلخ عن مبادئك، والتعظيم عندك يسير، ولما تتكلم تتكلم كلام بارد كأن هذا الأمر عادي! لا، انتبه.
وأنا أقول لك والله الذي يحب الله ويخاف من الله سبحانه وتعالى قد يترك كثيراً من أمور الدنيا خوفاً من هذا الاختراق، يعني يترك كثيراً -أنا أقول كثيراً ولا أقول الكل- أقول كثيراً، قد ما يذهب أحياناً إلى بعض الأماكن يقول: أنا أعرف أني لن أنكر بلساني، فأنا استعظم أن أفعل هذا الشيء، أنا استعظم أن أكون في مكان فيه منكر ولن أنكر، ما أذهب حتى أحمي قلبي على الأقل، قلبي ما يذهب على الأقل، على الأقل قلبي. وممكن خلاص، ممكن أحياناً يدفع أموالاً أكثر إذا أراد يشتري مثلاً هكذا بضاعة معينة في مكان فيه منكر ومكان آخر لا يوجد به منكر، يذهب مكان آخر حتى يحمي قلبه وهو يعرف أنه لن ينكر إذا ذهب إلى هذا المكان.
أقول لك: قويت على الإنكار؟ نعم، لكن إذا لم تقوى على الإنكار، فإذا رايت المنكر مشكلة وستتاثر، والإنسان المشكلة لما يرى المنكر ثم لا ينكره هنا ما يرجع قلبه، يعني ما يرجع قلبه! فلازم يعوض العبد، يعني رأيت منكراً ما فعلتها، ترى قلبك ليس الآن قلبك مثل قلبك الأول، لقد تغير، وإذا ما شعرت هذا دليل على ضعف إيمانك، إذا ما شعرت بأنك أنت تغيرت هذا دليل على ضعف إيمانك.
لذلك كان يقول سفيان الثوري لعلمه بهذا الباب العظيم تعظيم الحرمات، يقول: إني أنظر إلى المنكر ولا أغيره فأبول دماً! لأن القلب ما يرجع. أنت سمعت هذا الحديث فيبكي أبو إسحاق الفزاري. فالقصد من ذلك أن الإنسان ما يرجع إليه قلبه كما كان حتى يتوب ويرجع وينكر هذا المنكر، حتى يكون همه فقط أن يعود قلبه، أن يعود قلبه مثل ما كان، وليس أفضل مما كان، لا، يعود على الأقل المرتبه التي كان عليها.
كل واحد منا الآن وصل قلبه إلى مرتبة معينة من التعظيم لأنه مسلم، ولا يوجد مسلم ما عنده تعظيم مستحيل، لأن التعظيم هذا عمل قلبي يدخل في أعمال القلوب التي يثبت فيها أصل الإيمان، لكن التعظيم يتفاوت الناس فيه، يتفاوت الناس فيه. أصل التعظيم أنك تعظم الله سبحانه وتعالى، تعظم القرآن، تعظم النبي عليه الصلاة والسلام، هذا الأصل.
فما تتعامل أن تنظر إلى أحد يحرق المصحف مثلاً أو يركل المصحف، هنا حتى المسلم ضعيف الإيمان يثور، لكن إلى أي حد يكون هذا التعظيم في قلبه؟ كل واحد منا في قلبه نوع تعظيم، حد معين بالتعظيم، الذي لا يوجد تعظيم أبداً هذا كافر ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّه وقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ [نوح: 13-14]. لكن أي مرتبة أنت واصلها بالتعظيم؟ وأي مرتبة ستصل قبل أن تلقى الله سبحانه وتعالى بهذا؟ هذا هو الميزان، هذا هو الميزان.
استحضار نظر الله سبحانه وتعالى، تعظيم الحرمات، تعظيم شعائر الله سبحانه، تعظيم ما يعظم الله سبحانه وتعالى، هذا هو الميزان، هذا أثقل ما يوضع، هذا أثقل من كل شيء، والله من كل شيء، من كل ما يظن الناس ثقيل وفرحون الناس به كثيراً. أحياناً الشخص يفرح كثيراً بفضائل الأعمال، وليس هذا الفرح مذموماً، لا، لكن هذا لما يكون حساب الإيمان، هذا خطر أو خطأ، هذا فرح ممكن عامة المسلمين، لكن هذا ليس فرح العارفين، هذا ليس فرح الصادقين، الصادق ليس بهذه الطريقة.
هو يفرح بفضائل الأعمال، لكن فرح بالأنس بالله أكبر بكثير، فرحه بحسن تعبد الله، فرحه بمراقبة الله له، فرحه بالصلاة بالخشوع، هذا يكون أعلى بكثير، وليس مع هذا أنه ما يفرح ببقية الأعمال، لا، لكن الميزان، القصد كله هنا الميزان؛ لأنه في كتاب ثقيل. وابن القيم يفهم هذا الكلام، وهو نفسه هو نفسه معظم لأعمال القلوب، لذلك لما ابن تيمية في المنام يقول: ذكرت له عمل من أعمال القلوب وعظمته، فقال فاطرق ثم قال: أما أنا فحالي هو الفرح بالله والسرور به يقول، وهكذا كانت حاله في حياته رحمه الله تعالى.
سبحان الله، عجيب ابن القيم حتى في المنام ينظر، يعني مثل هذه المنامات، وكم مرة رأى ابن تيمية في المنام يوجه شيخ الإسلام وينظر، هذا سبحان الله دليل على كذلك على يعني هذا يدل على أن القيم هذه الأبواب كانت كبيرة بالنسبة له وليست عادية، وهذه فتوح إلهية، هذه عطايا ربانية. هذا الباب هذا الباب ليس متكلفاً مثل ما ذكرت، إنما هذه من عطايا الله سبحانه وتعالى لمن يحسن التعامل معه من عباده.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يكرمنا يا رب العالمين، وأن يفتح علينا، وأن لا يميتنا إلا وقد بلغنا مراتب الصادقين والمحسنين والعارفين، إنه ولي ذلك والقادر عليه. طيب، نقف عند هذا ونكمل إن شاء الله تعالى في الدرس القادم، نبدأ بالحديث عن الإخلاص بإذن الله، هذا والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري