الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد وآله وصحبه ومن ولاه، ثم أما بعد؛ فحياكم الله إخواني جميعاً وبياكم، وسدد على طريق الخير خطاكم. لكم التعليق على هذا الكتاب العظيم «مدارج السالكين»، ومعنا اليوم بإذن الله مجلس متعلق بالحديث عن منزلة الإخلاص.
هذه المنزلة من أشرف منازل الدين، والله سبحانه وتعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً لوجهه الكريم. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5]. وكذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه عز وجل: «أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه».
والله سبحانه وتعالى فضل هذه الأمة على غيرها بحسن العمل. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك: 2]، ولم يقل أكثر عملاً. وكان يقول جماعة من السلف: لو أعلم بأن الله سبحانه وتعالى تقبل لي عملاً لاتكلت. لماذا؟ لأن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27]. وقليل العمل مع حسن النية أعظم من كثير العمل من غير حسن النية.
لذلك الناس يتفاوتون عند الله سبحانه وتعالى تفاضلاً وتعظيماً بتجريد الإخلاص. والإخلاص ليس سهلاً إنما هو شاق على النفس، لماذا؟ لأن النفس كما يقول سهل التسري ليس لها منه نصيب. فالإنسان يريد أن يخلص لكن النفس تقلب عليه تقلب كثير وعظيم وعجيب، فالإنسان يتعب مع نفسه، لذلك كان يقول بعض السلف: كل ما ظهر من عملك فلا تعده، كل ما ظهر من عملك فلا تعده.
وهذه كلمة يعرفها من يعرف الإنسان، يعرفها من يعرف الدين، يعرفها من يعرف الإيمان. فالإنسان يصعب عليه أن يتجرد من حظ نفسه، لذلك يقول ابن تيمية: ما أكثر ما تفعل النفوس ما تهوى وتظن أنها تفعله لله. فالإنسان يفعل ما يميل إليه ويظن بأن هذا العمل لله سبحانه وتعالى.
وكثيراً ما تأتيه الأسئلة، ويسأل الإنسان: كيف أخلص؟ ما السبيل إلى الإخلاص؟ إلى آخر هذه الأسئلة الكثيرة، والإجابات تكون متنوعة ومتعددة، ولكن أقول اختصاراً: الإخلاص يحتاج إلى توفيق إلهي. حتى لا تتعب ولا تقرا كثيراً ولا تسأل كثيراً، الإخلاص يحتاج إلى توفيق إلهي، أي أن الععبد إذا ما طلب من الله سبحانه وتعالى أن يعينه على نفسه لم يفهم إلى الآن معنى الإخلاص. هذا باختصار، تقول لي كيف؟ يعني أقول لك: الآن تريد أن تعمل هذا العمل وتخلص فيه؟ نعم. طيب ما الحل؟ ما السبيل؟ ما الطريق؟ لابد أن تطلب من الله سبحانه وتعالى أن يعينك على الإخلاص كما يعينك على العمل.
الكثير من الناس يستعين بالله سبحانه وتعالى في العمل، فيقول: يا رب أعني على القيام بهذا المشروع، يا رب أعني على الزواج، يا رب أعني على إلى آخره من مطالب الإنسان. لكن كم مرة قلت: اللهم أعني على نفسي؟ كم مرة قلت: اللهم إني أسألك الإخلاص؟ كم مرة قلت: اللهم وفقني للإخلاص؟
ومن سبحان الله من الأمور الغريبة التي تقع عند الناس كثيراً، يغفلون عن معنى الاستعانة بالإخلاص مع استعانتهم بغير الإخلاص. يعني هو لما يأتي عند مبحث الإخلاص يتعامل معه تعامل البطل بقوته هكذا بقدرته، لكن لما يأتي عند الأعمال الأخرى يتعامل معها تعامل العبد. لكن لما يأتي عند الإخلاص هو بنفسه يريد أن يجرد نفسه، لا تستطيع. تقول لي: ما في أسباب؟ أقول لك: نعم توجد أسباب، لكن قبل هذه الأسباب كلها لابد أن تسأل الله سبحانه وتعالى أن يعينك. ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]، لا نعبد إلا أنت ولا نستعين إلا بك.
قبل أن تبدأ، قبل أن تبدأ بالحديث عن هذا الأمر والبحث في الأسباب وعمل السر يطهر العمل وإلى آخره، أنا أقول لك: قبل هذا كله افتقر إلى الله. أقول: يا رب أعني على نفسي، يا رب أنا لا استطيع، لأن هذا الإخلاص عطية إلهية. الإخلاص عطية إلهية، لذلك هنا ذكر في بعض الآثار عن ابن القيم أن الإخلاص هو سري أودعه من أشاء، أودعه من أشاء من عبادي. فالاخلاص عطية إلهية، الإنسان يعمل عمل ولا يلتفت للعادة، الإنسان يلتفت لماذا؟ لأن الإنسان من حيث هو انسان يحب هذا الشيء، النفس لها حظ، وتجريد النفس من حظها ليس سهلاً. فالإنسان إذا ما كان دائم الاستعانه بالله سبحانه وتعالى ما يستطيع، ما يستطيع، فلا بد أن يدعو العبد ربه كثيراً وليس قليلاً، ويسال الله سبحانه وتعالى دائماً دائماً.
تكون هذه الأسئلة هي التي ينبغي أن يسأل الله سبحانه وتعالى فيها الأكثر من غيرها. الله يسأل في كل شيء سبحانه وتعالى، لكن هذه الأسئلة هي التي ينبغي أن تغلب بنا، أن تكون غالبة علينا: اللهم أعني على نفسي، اللهم جردني، اللهم وصلني إليك، اللهم اخلص عملي، اللهم تقبل مني هذا العمل، اللهم إنك تعلم أني ما استطيع إلا على هذا، اللهم إن لم تعني نفسي تتقلب علي نفسي، تلتفت، أنا ما استطيع عليها.
ألقي الآن هذه المحاضره وفي نفسي نوايا كثيره؛ أريد أن أبلغ الدين، ومع إرادتي تبليغ الدين هناك نفس أني أحضر أن الناس يعرفون بأني مهتم بالعلم، أن الناس يعلمون بأني أنا ما أفوت في دروس، أن الناس هكذا. نوايا كثيرة مقاصد كثيرة وتتقلب على الإنسان، يسلم الإنسان يوم القيامة فهو يظن بأن عمل لله لكن هو ليس لله. طيب ما الحل؟ يا رب أعني. هذا أول شيء، هذا أول سبب، أنك تستعين بالله سبحانه وتعالى وتقول: يا رب يا رب اجعل أعمالي خالصة، اللهم اجعل عملي خالص لك، يا رب اجعل عملي صالحاً ولوجهك خالصاً، أنا ما استطيع يا ربي، اللهم أعني، اللهم جردني من نفسي، اللهم إنك تعلم أني لا أريد إلا أنت ولكن نفسي تغلبني.
هكذا هذا التملق هو الأصل، هذا الباب إذا فهم الإنسان فهو فهم مبحث الإخلاص. إذا فهمت هذه النقطة بالذات فهمت معنى الإخلاص؛ الله سبحانه وتعالى يسلط على عبده كثير من الأمور التي يريد منه من خلالها أن يفتقر إليه، الله يريد أن تعرف انك ضعيف، فلما يطلب منك الإخلاص هو يطلب منك أن تطلب منه أن يعينك على أن تخلص. افهم هذا المعنى أيها العبد، افهم الإخلاص ما تستطيع عليه إذا ما أعانك الله سبحانه وتعالى.
يعني إذا اردت أن تتعامل مع هذه المباحث تعامل مادي؛ أنا سأفعل كذا وسأفعل كذا وسأفعل كذا ثم بعد ذلك سأخلص، أقول لك: لن تصل، لن تصل! لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى ما أعطاك إلى الآن، الله سبحانه وتعالى ما أذن لك. تقول لي: طيب ما الحل؟ أقول لك: ادعو الله، لا تفرح كثيراً بأعمالك، لا تفرح، افرح بالعمل، العمل الذي ليس لنفسك فيه نصيب افرح في العمل الذي تجد لذة إيمانية؛ لأن هذه قرينة وعلامة على قبول الله سبحانه وتعالى لهذا القربان.
لكن العمل الذي أخذ عندي من الطلاب كذا وكذا، وعندي من البرامج كذا وكذا، وعندي وعندي وعندي، هذا لا تفرح فيه كثيراً. وإذا كنت مشهوراً أو قدر الله بأن تكون مشهوراً؛ كل ما يظهر من أعمالك من مشاهدات، من انتشار كتب، من إلى آخره، كثرة الطلاب إلى آخره، لا تفرح به. ليس معنى هذا أن لا تفرح أن توقف، أعوذ بالله أن يكون هذا القصد، هذا من الشيطان. كذلك الإخلاص أنك ما تترك العمل من أجل الناس ولا تعمل من أجل الناس، لا هذا ولا هذا، أن يعافيك الله منهما من هذين البلائين.
لكن لما تكون هكذا العملك الخاص ما هو؟ هل أنت مع نفسك؟ مع نفسك محب لله؟ تشعر هكذا بالانس بالله سبحانه وتعالى؟ أنت على خير. هل عندك أعمال سر؟ أنت على خير. هل محافظ على الصلوات الخمس تنافس الناس بنعم؟ أنت على خير. عندك بر بالوالدين؟ أنت على خير. لكن كل أعمالك ظاهرة وكلها أمام الناس لا يفتنونك، لا يفتنونك هؤلاء، يريدون أن يأخذوا حظهم منك، لكن أنت أعلم بنفسك، انتبه، انتبه أن تلتفت إلى ما يقوله لك هؤلاء، تخسر خسارة كبيرة.
القصد من ذلك أن الإنسان إذا أراد أن يخلص لابد أن يدعو الله سبحانه وتعالى، هذا الأمر الأول. الأمر الثاني: أن يكون عنده عمل سر. كل من يشتكي من الرياء أو من غلبه النفس عليه ليس بينه وبين الله سبحانه وتعالى علاقة خاصة. كل من يشتكي، كل من يشتكي من الرياء الغالب عليه وتقلب النفس، ليس بينه وبين الله سبحانه وتعالى عمل خاص، لو كان بينك وبين العمل الخاص لما سعيت أن تنظر إلى المخلوقين. لكن لان العمل الخاص هذا غير موجود هنا يسعى الإنسان ويريد أن يعرف ماذا يقول الناس، انظروا إلي إلى آخره. إذاً لا بد أن يكون بينك وبين الله سبحانه وتعالى أعمال خاصة كثيرة، أعمال سر، هذا عمل السر يثبت الإنسان ويعين الإنسان بإذن الله على الإخلاص.
كذلك من ضمن الأمور المعينة على الإخلاص مصاحبة المخلصين، مصاحبة من دائماً يذكرك بالله سبحانه وتعالى. ولا أتكلم عن عامة المتدينين لأن هذه فتنة، أنا أتكلم عن خاصة المتدينين والذين موجودون في كل مكان، الذين يغضبون إذا نسب العمل إليهم، الذين يغضبون، الذين لا يردون إلا إلى الله سبحانه وتعالى، وهؤلاء تستفيد منهم بأفعالهم أكثر من أقوالهم، يعني تنظر إلى تطبيقهم العملي تنتفع كثيراً بتطبيقهم العملي لأن هؤلاء يردونك عن هوى نفسك الغالب، النفس لها هواً لها حظ، لما تشاهد هؤلاء تتعلم منهم، تتعلم منهم فيعينونك بإذن الله.
كذلك من ضمن الأمور المعينة على الإخلاص قراءة قصص هؤلاء المخلصين، اقرأ أول شيء قصص الأنبياء ثم بعد ذلك الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، ثم بعد ذلك أئمة الإسلام. انظر إلى كيف كان تعاملهم، الواحد منهم لا يحب أن يذكر، ذكرت ولا أحب أن أذكر. وكان إذا حضر عنده اثنان يجلس يعلم، إذا زاد العدد يدخل ويترك المجلس. ثم يأتي رجل ويشتكي إلى آخر من أصحابه كلهم من السلف، بشر بن منصور مع عبد الرحمن بن مهدي يقول: لي مجلس كل جمعه إذا زاد العدد فرحت وإذا قل حزنت. شوف هذا السؤال، تقول لأحد من المعاصرين أو كثير من المعاصرين يقول لك: بالعكس كثرة العدد محمودة. السلف ما يفهمون بهذه الطريقه، قال: هذا ذاك مجلس سوء فلا تعود إليه! لماذا؟ لأنك علقت الآن عملك على العدد، ما علقت على ما بينك وبين الله سبحانه وتعالى.
لذلك الشخص إذا لم يبتلى بالشهرة هذا في نعيم عظيم عظيم عظيم، وليس معنى هذا أن شخص ما يعمل لتبليغ الرسالة، لكن لا يبتلى، وفارق كبير بين هذا وبين هذا. وهذه الأسباب تفهم كما هي، لا يجعل نفسه تطغى عليه، لا يجعل نفسه تغلبه حتى ما يخسر، والعمل الظاهر يصعب أن يكون معه إخلاص، قد يكون واجب عليك استعن بالله. إذاً لما كان واجب عليك فهنا قدر الأمر، هل هو هل هو من المستحبات؟ هل هو من الأمور السنن المؤكدة؟ وإذا ما كانت بهذه الطريقه والله السر لا يعد شيئاً، لا يعد شيئاً إذا كان هذا العمل غير واجب عليك وغير مستحب استحباب ظاهر أنا أقول لك: السر لا يعدله شيء، لأن عمل ظاهر صعب تخلص فيه، صعب أن تتكلم أمام الناس وناس تنظر إليك، صعب.
عموماً هذا الباب الحديث عنه طويل وكبير، لكن أنا لا أريد أن أتوسع فيه التوسع الذي ما يثمر التطبيق العملي، أو ما يثمر فهم هذا الباب. الإخلاص هو أنك ما تلتفت إلا إلى الله، وأن عملك لا تريد به أحد إلا الله سبحانه وتعالى. ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: 108]، دعوتي خالصة له هو سبحانه وتعالى، ليس لي أنا إنما له سبحانه وتعالى. ولما دعا موسى فرعون قال: ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ﴾ [النازعات: 19]، ليس لي أنا، إلى ربك، أنا دليل أدلك على الله سبحانه وتعالى فتخشى، أما أنا أجري على الله: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: 24].
هذا هو المخلص، ما ينتظر ما ينتظر أن الطالب يقول له: جزاك الله خيراً، أو الشخص يقول له: جزاك الله، أبداً أبداً، إنما هو إنما هو وجهه وقلبه وكيانه كله معلق بالله سبحانه، هل رضيت يا ربي؟ هذا هو المخلص.
لذلك التفاتي إلى غير الله سبحانه وتعالى هذه علامه على أن الإنسان إلى ما وصل، ولكن من يصلي لله سبحانه وتعالى يكون عالم الشهاده الذي هو يعيش فيه ضعيف بالنسبة له، الأكثر عند عالم الغيب يكون ما يتاثر كثيراً بعالم الشهادة ولا يلتفت كثيراً له، لماذا؟ لأنه هو يريد ما عند الله سبحانه وتعالى ويكون همه: كيف أنافس المخلصين؟ كيف أصيب الدرجات العالية بالإخلاص؟
وهذا يكون لما يستحضر العبد من هو الله؟ ويعرف من هو الله سبحانه وتعالى، يعني الععبد كلما تعمق بمعرفة أسماء الله سبحانه وتعالى وصفاته وأفعاله كان أقدر على تحقيق الإخلاص، لماذا؟ يستحي من الله، يستحي أن ينسب العمل لنفسه، الله هو الذي أعطاك، الله هو الذي هداك، الله لو أراد ما كنت بهذه الطريقه، لو أراد أنك ما تحضر هذا المجلس ولا يعينونك، فكل شيء يرجع إليه بالأصل، فلماذا أنت تمن على الله؟ ﴿يَمُنُونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ [الحج: 17]، وبعض الكلمات تبعد العبد كثيراً عن الله سبحانه وتعالى من غير لا يشعر يقولها، فانتبه، انتبه الكلمات وانسب الفضل كله له.
وهذا الباب باب استشعار، فكل ما تعمق العبد فيه في العيش مع أسماء الله وصفاته وأفعاله والعيش مع القرآن الكريم، كان أقدر على تطبيق هذا وعرف من هو الله سبحانه وتعالى، ولذلك أهل الإخلاص ما يحبون يجلسون مع
أكثر الناس لا يحبون المخلص حقيقة. هذا يعيش دائماً ما يستطيع يجلس مع أناس يتحدثون، وما ثقيل عليه، ثقيل أن يتحدث، يعني شخص يتحدث عن عمله إلى آخره، ما يحب دائماً أن يجلس مع أناس يعرفون الله سبحانه وتعالى، يعني هكذا يسعد مع هؤلاء.
وهذا تجده يعني انظر مثلاً في سفيان الثوري مع الفضيل بن عياض، الفضيل ما يجلس مع أحد كثيراً، كذلك سفيان، سفيان يعلم خاصة، فلما يجلس الفضيل مع سفيان هذا مجلس هكذا فخم فخم عالي، الفضيل مع سفيان، لماذا؟ لأن هؤلاء وصلوا درجة عالية. عبد الله بن المبارك ما يجلس مع طلاب العلم كثيراً، فيقولون والطلاب يقولون له وأصحابه المحدثون: ألا تجلس معنا؟ قال: أنتم تختابون الناس، أما أنا أجلس مع النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة والتابعين. انظر!
هذه النوعية من الناس مختلفة، هذه النوعية تخاف، تخاف على عملها كثيراً، فتخاف أن يخرب من العمل، بل تخاف أن يظهر عمل ذلك. هذه النوعية من الناس تكتم العمل، ذاك كان يقول بعضهم: من لم يكن في عمله أكيس من ساحر -يعني أخفى من ساحر- فقد نافق، كما يقول هذا بشر الحافي أو غيره. فتكون في عملك هكذا أكيساً، تخفي عملك أكثر مما يخفي ساحر عمله. انظر! هذا هو المخلص، هذا هو المخلص، المخلص ما يظهر عمله الذي لا ينبغي له أن يظهره.
ركزوا معي جيداً، هذا الباب خطير، وله حافتان؛ حافة كبيرة يقع بها أكثر الناس، وهي حافة النظر إلى المخلوقين، هذه أكثر الناس يقعون فيها ولهم والشيطان له نصيب. والحافة المقابلة هي الحافة التي يدخل الشيطان عليها من خلال الإنسان فيمنعه أن يقوم بالواجب عليه بحجه أن الناس يقولون: فلان فعل، انظر! فلا انتبه من هذا ومن هذا.
إذا كان العمل واجباً عليك فاستعن بالله وافعله وسيعينك الله سبحانه وتعالى؛ لا تتمنوا لقاء العدو، ولكن إذا لقيتموه فاصبروا، سيعينك الله. لكن إذا لم يكن بهذه الطريقة انتبه، أغفل العمل، يعني العمل لا تظهره إلا لما ينبغي إظهاره، والذي ينبغي إظهاره واجب الواجبات، وكذلك الأمور التي فيها منفعة عامة للمسلمين؛ فياتي الشخص ويدعو الناس إلى الصدقة، ما يقوم أحد، يقوم الأول يتصدق من أجل أن يتصدق الناس، هذا عمل إظهاره أولى من إخفائه، لكن بالأصل الإخفاء أولى.
لذلك السنن الرواتب في البيت أفضل، صلاة الرجل في منزله أفضل من صلاته في المسجد إلا الفرائض، أما السنن في المنزل أفضل، لماذا؟ لأن معها إخلاصاً، حتى ما يقول الناس: انظر إلى فلان، انظر! فالعمل كلما كان العمل خفياً أعظم عند الله سبحانه وتعالى من حيث الأصل.
ياتي الرجل فيسأل الناس بالله ليس بقرابه بينه وبينه، ما يسألهم بقرابه، فيتخلف رجل بإعطائهم سرا، فيعطيه سرا لا يعلم بعطيته إلا الله الذي أعطاه. انظر لماذا؟ لأنه يريد ما عند الله سبحانه. رجل ذكر الله خالياً ففاضت عينه، وهكذا.
فالقصة من أن هذا الباب باب الإخلاص باب عزيز، والله سبحانه وتعالى يودع قلوب من يشاء من العباد، والمخلصون درجات ليسوا بدرجة واحدة. سقف الإخلاص هو النبي عليه الصلاة والسلام، يعني لا يظن العبد أن هذه الابواب لها نهايات، هذه الابواب ليست لها نهايات.
يعني هذا مخلص وهذا مخلص، لكن هل إخلاص هذا مثل إخلاص هذا؟ لا، هذا إخلاص أعظم من هذا، هذا اسمه راء وهذا اسمه راء، ولكن هذا إخلاصه عالي وهذا إخلاصه عادي. هذا إخلاصه ما يبي أحد يثني عليه مثلاً أو لا يريد، يعني عمله غير ملتفت، أما هذا إخلاصه مع استحضار ومع شكر لله بأن الله أعانه، هكذا استحضار معه، يعني استحضار عظيم، هذا مختلف، هذا مختلف.
ولا يزال العبد الصالح المحب لله سبحانه وتعالى الذي يحب الله ينتقل في هذه الأبواب من مرحلة إلى مرحلة، من مرحلة حتى يموت عند المرحلة التي يكتب الله سبحانه وتعالى له فيها الإخلاص العالي. فالإخلاص ليس على مرتبة واحدة، الإخلاص مراتب، والنفس البشرية تظهر بحالات معينة. متى تظهر؟ لما تضغط هنا يظهر الإخلاص، يعني لما نفسك تحضر وانت تقاومها وما تسمح لها، هذا يدل على إخلاصك. انظر!
وهذه عبادات الخاصة انظر، يعني الآن لما تكون انت الآن عندك عمل وعندك قرين لك، تقرأهم وتقرأهم، تحضر معهم النفوس ومع ذلك تثني على قرينك ثناء ليس لأجل أن يقول الناس: انظروا إليه، ثني لا، إنما تثني حقيقة بينك هكذا وبينك وبين نفسك من غير الناس، تدعو له وبينك وبين نفسك من غير الناس هكذا، يعني تتمنى له الخير، هذا دليل على أنك موفق توفيقاً عظيماً، هذه ما يفعلها إلا قليل من الناس، أكثر الناس ليسوا بهذه الطريقة، إنما يقع منهم.
لذلك الإمام أحمد لما أتاه بعض أصحابه وقال: من أين أقبلتم؟ قالوا: من أبي كريب محمد بن العلاء. فقال: إنه رجل صالح. قال: إنه يطعن عليك! يقول: إنه رجل صالح، فاكتبوا عنه، اخذوا منه العلم. فقالوا له: إنه يطعن عليك ويتكلم فيك! قال: شيخ صالح بلي بي. انظر! هذا هو الذي رفع أحمد بن حنبل، هذا هو هذا التعامل، لأنه خلاص لم يعد لنفسه حظ، هو يريد ما يريد الله سبحانه وتعالى فيقدم حق الله على حقه، ولم يكن عنده حق، خلاص حقه يلغيه. ذاك يقول العارف بالله: لا يطالب ولا يعاتب، ويتعامل الناس بناء على الدين ليس بناء على هوى نفسه.
إذاً هذا الباب يحتاج إلى دعاء، استعانة بالله، تجرد له سبحانه وتعالى، يحتاج إلى افتقار، افتقار؛ يا رب أعني على نفسي، يا رب ارزقني إخلاصاً، يا رب من علي بالإخلاص، يا... هكذا يتعامل. العبد الذي يطرق الباب يفتح له، لكن الذي ما يطرق الباب ما يفتح له.
ثم إذا أراد أن يرتقي هذا فتح الباب، هذا فتح الباب، لكن إذا أراد أن يرتقي فلا بد أن يعرف من هو الله. يوسف عليه السلام يدخل السجن من أجل الله سبحانه وتعالى، ثم لما يخرج من السجن يقول: ﴿قَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ [يوسف: 100]. لماذا؟ يعرف من هو الله ويعرف من هو. والعبد لما يعرف من هو الله سبحانه ويعرف من هو، هنا يرتقي في هذه المقامات.
إذا ما عرف من هو العبد، يعني ما عرف أنه هو انسان ضعيف مسكين حقيقة، ليس كلاماً، أكثر الناس يقولون هذا كلام، بس يقولون كلام: أنا عبد ضعيف، صح ضعيف، لكن إيش يعني ضعيف؟ تعيش ضعفك والضعف هكذا كلمة تقال فقط! وكذلك يعرف من هو الرب سبحانه، من هو الملك، من هو العزيز، من هو العظيم سبحانه وتعالى. ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ۖ قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ ۖ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: 17]. الله هو الذي هدى، يعطيك الإيمان وتمون عليه! الله يعطيك طلب العلم وتمون عليه! الله يعطيك التبليغ، التبليغ شرف عظيم، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33]، وتمن عليه! الله يعطيك هذه الهدية، هذه العطية التي ما يعطيها إلا القليل من البشر ثم تتعامل معها بالمن! عليه طبيعي تسب الإخلاص! طبيعي ما انت خلاص ما تعمل من أجل نفسك!
وهذه ترى عقوبة، هذه عقوبة الشخص لما يتكلم ويتكلم ويتكلم ويبلغ من غير إخلاص، هذه عقوبة، لماذا؟ ما قدرت هذه النعمة، ما تعاملت معها تعامل العبد. الله يعطيك ويكرمك ثم تنظر إلى أهل الدنيا بأنهم أعظم منك، يعني ما عندهم الدنيا أعظم منك. الله يعطيك ويكرمك ثم بعد ذلك تنسب العمل لنفسك. الله يعطيك ويكرمك ثم بعد ذلك تحب أن تظهر!
كيف تعاملت مع هذه النعمة العظيمة التي مآلها إلى الجنة الفردوس؟ الله يعطيك ما أعطى الأنبياء من البيان والبلاغ والدفاع عن الدين، ثم هذا كله تحول إلى المخلوقين! تنظر إلى المخلوقين! لماذا؟ لماذا لماذا لم يكن نظر الله عندك أعظم من نظر المخلوقين؟ لماذا؟ لأن الإخلاص ما عندك ليس قويّاً. لماذا؟ لأن التعظيم لم يكن كبيراً. لماذا؟ لأنك أنت لأنك لم تعرف من هو الله سبحانه وتعالى.
إذاً الإخلاص هو إفراد الله سبحانه وتعالى بالعمل، لا تريد من هذا العمل إلا هو سبحانه وتعالى، وهذا الطريق الموصل إليه، هذا هو الطريق الموصل إليه. فمن أراد إخلاصاً فليسأل الله سبحانه وتعالى أن يمن عليه به، وقبل أن تبدأ العمل ادع الله سبحانه وتعالى، قبل أن تبدأ الدرس أو تحضره قل: اللهم أعني، اللهم ارزقني إخلاصاً، اللهم وفقني، اللهم بارك لي فيه. ثم بعد ما تنتهي قل: اللهم تقبله مني، اللهم تقبل مني هذا الحضور، اللهم تقبل مني هذا اللقاء، اللهم انك تعلم أني ما استطيع. وهكذا تتعامل معه دائماً، ليس مرة ومرة، لا، دائماً. هنا تعان بإذن الله، هنا تعان وترزق الإخلاص.
إذاً هذا بعض ما يتعلق بهذه المنزله العظيمة الشريفه المنيفة، وكان الحديث عنها موافقاً لحديث الإمام، فالإمام لم يطول ولم يطيل في الحديث في هذه المنزلة، فلذلك الحديث عن هذه المنزلة بهذه الكمية أظنها كافي. لماذا؟ لأن كثرة الحديث قد أحيانا يعيق، أحيانا يعيق عن التطبيق والعمل.
لكن من فهم هذا الكلام وعرف الباب كيف يفتحه، وعرف كيف ينتقل في هذه المنزلة من درجة إلى درجة، من منزلة إلى منزلة، سيوفق بإذن الله بشرط أن يطبق هذا الكلام الذي قيل ويكثر من عمل السر مثل ما ذكرت.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يمن علينا جميعاً بالإخلاص وأن يهدينا وأن يوفقنا وأن يسددنا، ونحن في زمان صعب فيه الإخلاص؛ فالشهادات تمنع الإخلاص، والاعلام يمنع من الإخلاص، فالاخلاص اليوم في النفس اليوم في معركة صعبة.
والسلف الصالح كانوا يفرون من القضاء، وكانوا يقولون: من ولي القضاء نحر من غير سكين. واليوم الناس يتنافسون على حضور النفس، يتنافسون على نحر الإخلاص! والله العظيم إخلاص في معركة صعبة، لكن الناس سبحان الله ما أدري هذا الباب يعني لماذا يتعاملوا معه بهذه الطريقه، لا أدري! هناك جنة، هناك نار، هناك يوم قيامة، هناك سؤال.
والله العظيم والله العظيم أن هذا الزمان الذي نعيش فيه لولا أن هناك واجبات شرعية وأوامر العبد يلزم فيها في تبليغ الرسالة وأنه إذا ما بلغ يكون في خطر عظيم، لكان والله العظيم الاعتزال عن الناس أولى من الحضور مع الناس. يعني لولا أن هناك أوامر صارمة ومخيفة ومرعبة في عدم تبليغ الرسالة وترك البيان والبلاغ للناس والتعليم إلى آخره، ويجوز للإنسان أن يعتزل وأن يبتعد عن المشهد، لكان حفظ إخلاصه أولى من مساهمته في الحضور التي يظن المسكين بأن هذه لله سبحانه وتعالى.
لا تفرح، لا تفرح بأعدادك ولا بجمهورك ولا ببرامجك، هذا كله افعله إذا كنت صادقاً مخلصاً، افعله فقط حتى ما تسأل يوم القيامة بأنك ما فعلت، لكن لا تحسب هذا عملك! لا تحسب هذا عملك! هذا كله ليس عملاً. عملك هو الذي يكون بينك وبينه هو سبحانه وتعالى، عملك هو الذي تقوله له سبحانه وتعالى لما تكون فقط أنت معه سبحانه وتعالى، عملك لما تكون مضطجعاً على فراشك، عملك لما تكون لوحدك لا يعلم الناس ماذا تفعل الآن، هذا هو عملك! هذا هو الذي بإذن الله يبقى لك.
أما أعمالك هذه العامة إلى آخره هذه افعلها حتى تسقط الحرج، حتى يعني حتى ما تسأل، حتى ما تسأل سؤال العتاب العقوبة؛ لماذا ما بلغت الرسالة؟ لماذا ما... تي تقول: يا ربي أنا خفت على الإخلاص! لا، هذا ليس هذه ليست الحجة، هذا من الشيطان! هذا هو.
فالإنسان ما الإنسان يدخل هذه الأبواب ليس دخول الشخص الذي يعد أعماله، لا، ادخل دخول هذه الأبواب دخول الشخص الذي يريد أن يسقط عنا السؤال، يريد أن يسقط عنا السؤال؛ يا ربي أني أنا فعلت حتى ما... ويا رب تقبلها مني، أعنّي عليها. ثم أنت مع نفسك انشغل في تحقيق العبادة بينك وبينه سبحانه وتعالى في الأمور التي ما يعرفها إلا هو سبحانه وتعالى، وأنت أعرف بنفسك وكل إنسان أعلم بنفسه وأدرى بحاله.
إذاً هذا ما يتعلق بهذه الكلمة والله أعلَى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري