دخولتسجيل الدخول

التعليق على مدارج السالكين 24 | منزلة التصفية ومنزلة الاستقامة

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، الصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فأحييكم إخواني جميعاً وبياكم، وسدد على طريق الخير خطاي وخطاكم. نكمل مدارسة كتاب مدارج السالكين. ومعنا اليوم بإذن الله الحديث عن منزلتين عظيمتين من منازل السائرين؛ المنزلة الأولى: منزلة التصفية والتهذيب، والمنزلة الثانية: منزلة الاستقامة.

والحديث عن مثل هذه المنازل له مبتدأ ومنتهى. أما المبتدأ فهو الحديث عن المعنى العام والإجمالي. أما المنتهى فهو الذي يصل إليه الإنسان بعد فتح الله سبحانه وتعالى عليه، وكل إنسان له نهاية. يعني كل إنسان من الناس يصل إلى درجة معينة بالاستقامة، ثم قد يقبض عليها، أو قد يرجع، نسأل الله ألا نكون يا رب من هؤلاء. لذلك من سعادة الإنسان أن يقبض في أفضل حال. والناس يتفاوتون في هذا الباب تفاوتاً كبيراً.

ولكن تحقيق العبادة في هذه الأبواب وهذه المنازل نهايتها هي للنبي عليه الصلاة والسلام. أما كل من سواه، فهو يسعى جاهدًا للوصول إلى أعلى درجة ممكنة يستطيع أن يصل إليها بإذن الله. المقصود من ذلك أن اليوم معنا منزلتين عظيمتين: منزلة التهذيب والتصفية، ومنزلة الاستقامة. وسأتكلم عن المنزلة الأولى بعدة وقفات؛ الوقفة الأولى: أن الإنسان لابد أن يسعى جاهدًا لتهذيب نفسه، وواهم من ظن بأنه بلغ الغاية في التهذيب.

الإنسان يظن كثيرًا بأنه وصل إلى درجة عالية جدًا في تهذيب النفس، لكن هذا الإنسان لما يختبر يصدم. فالإنسان يحتاج دائماً أن يهذب نفسه، ودائمًا أن يؤدب نفسه، ودائمًا أن يروض نفسه. وذكرنا تذكرون في منزلة الرياضة شيئًا من هذا المعنى، وهو رياضة النفس وتعويدها. الناس سلكوا في التهذيب طرقاً؛ بعض الناس تقشف بالتهذيب، فأخذ يتعامل مع نفسه التعامل المؤذي لها أو الكاسر لها. وهذه الطريقة في التعامل ما تنفع الإنسان، حتى لو هذب نفسه؛ لماذا؟ لأن النفس تنقلب عليه في الإرادة، فسيفعل المراد النفسي بالطريقة المقلوبة.

أضرب لكم مثالاً أقرب به الصورة: الآن إنسان معتاد على خلطة الناس، على الاجتماع بالناس، إلى آخره. والله سبحانه وتعالى يريد منه الآن ألا يخالط، أو يريد منه أن يقرأ قرآن، أو أن يبر والديه مثلاً. هذا الإنسان بالعادة ماذا يفعل؟ يفعل الذي اعتادت النفس عليه؛ فإذا كانت النفس اعتادت على قراءة القرآن سيقرأ القرآن، وإذا اعتادت على بر الوالدين سيفعل بر الوالدين. يعني هو في النهاية يدور مع ماذا؟ مع نفسه، وليس مع مراد الله سبحانه وتعالى. وهذا الأمر صعب وشاق.

فالإنسان ممكن يعتاد على الدروس وعلى المجالس، فخلاص كل يوم عنده درس. فبعد فترة من الزمن يشق عليه أن يترك هذه المجالس. لكن هذا الإنسان نفسه لو طلب منه أمر يخالف هوى نفسه ما يفعله، ثم يتأول بالمخالفة إيش؟ أن هذا أفضل. طيب هذا التأول ما سببه؟ هل سببه العلم؟ هل سببه المعرفة؟ هل سببه الدين؟ أبداً، إنما سببه حضور نفس الإنسان؛ يعني تهذيب النفس هنا لم يصل إلى الدرجة العالية.

لذلك لما ننظر في تهذيب النبي عليه الصلاة والسلام لنفوس الصحابة الأجلاء رضي الله عنهم وأرضاهم، نجد بأن التهذيب كان صادماً. يعني التهذيب يكون معه كلام وعمل، وليس مجرد كلام. يعني الآن الله لا يريد منك أن تفعل هذا؛ طيب أنا نفسي تريده. كما قال سهل بن حنيف: اتهموا رأيكم، فلقد رأيتني لو كنت أستطيع أن أرد رأي النبي عليه الصلاة والسلام وقول النبي عليه الصلاة والسلام يوم الحديبية لرددته. انظر كيف يقول سهل، يقول: أنا لا أستطيع أن أغير قرار النبي عليه الصلاة والسلام هنا، فلا غيرته.

لكن هنا لماذا يكون الاختبار بهذا الثقل؟ صعب جداً، والسبب هو أن يصل الناس إلى التزكية النفسية العالية. لذلك السلف يقولون: إذا دعتك نفسك إلى فعل شيء فلا تفعله، وإذا نفسك لم تدعك لفعله فافعله. هذه إحدى المرجحات التي تفيد الإنسان كثيراً في معرفة العبادة التي يحبها الله سبحانه وتعالى والتي لا يحبها، وكذلك معرفة هل هذه العبادة خالصة لله أو بها حظ مدخول فيها.

والإنسان يحتاج إلى تهذيب كما ذكرت كثيراً، والذي ينجو هو الذي يخالف هواه ونفسه أياً كان هذا الهوى. طبعا هذا كله يكون خاضعاً للعلم والمعرفة والدين وليس خاضعاً لنفس الهوى النفسي المجرد. فالإنسان لما تدعوه نفسه لفعل هذا الشيء لا تفعله، دعتك نفسك للكلام فلا تتكلم، اسكت.

لذلك لما دخل ابن رجب رحمه الله تعالى في مجلس واجتمع مع جماعة من العلماء، وتحدثوا في مسألة من المسائل، تكلموا ولم يأتوا بقريب مما جاء به ابن رجب في تحقيق المسألة. فنظر أحد أصحاب ابن رجب إليه ينتظر منه أن يتكلم حتى يبهر الجلوس بما عنده من العلم. فسكت ولم يتكلم حتى خرجوا. فلما خرجوا قال له: ألم تكن تكلم؟ هذا مجلس الآن علم ومعرفة. فقال: يا بني، تلك كانت لله، لما كنت معكم أتكلم كنت أتكلم من أجل الوصول إلى مراد الله، أما الآن سيكون الحديث من أجل أن أبين عقلي أو علمي أو معرفتي، هذه ليست لله سبحانه وتعالى، والإنسان لما يراجع نفسه يلاحظ بأن نفسه دخلت كثيراً.

تريد أن تعرف هذا؟ انظر لما تكون في مجلس ويتكلم شخص أقل منك. انظر لما تكون عندك معرفة خاصة في شيء معين، ويوجد شخص يتكلم في أمر الناس يحتاجون إلى هذا فقط، ما يحتاجون لمعرفتك الخاصة، كيف تتعامل معه؟ انظر لما يأتيك شخص وينصحك وهو أقل منك سناً وعمراً وربما حتى علماً ومعرفة، كيف تتقبل هذه النصيحة؟ هذا يكشف لك المرتبة التي وصلت إليها في تهذيب النفس والتصفية. وهذا الباب مثل ما ذكرت نهايته النبي عليه الصلاة والسلام.

لذلك الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم إلى صلح الحديبية إلى الآن ما وصلوا إلى هذا الحد من التهذيب. يعني الحديبية نفسها، لما تأخذها بحسبة عقلية مادية تقول: هذا لماذا يكون؟ يعني لما تريد الآن تدخل عقلك في مثل هذا تقول: كيف لا نخرج؟ نحن لا، النبي عليه الصلاة والسلام قائد. وتعرفون القائد يحسب ثواني وقته، وعموماً المهموم بشيء يشق عليه أن يضيع ساعة من وقته.

طيب الآن نخرج من المدينة إلى الحديبية، هذا كم يوم؟ ثم كم يوم نجلس في الحديبية؟ ثم لما نرجع بعد ذلك إلى المدينة. يعني إذا دعك الآن من الشروط، دعك الآن من الشروط والصلح الذي وقع، خاصّة الشرط الذي فيه أن الذي يأتي من مكة إلى المدينة هذا لا يقبل، والذي يأتي من المدينة إلى مكة هذا يقبله أهل مكة. يعني دعك من هذا الشرط الذي كان الصحابة يشعرون بأن هذا فيه ذل وعدم قدرة على تحمله، دعك من هذا كله، الوقت! الآن الوقت هذا الذي ذهبنا فيه إلى الحديبية ثم رجعنا ولم نفعل أي شيء، هذا لماذا؟ لماذا أنفقناه؟ لماذا ضاع منا هذا الوقت؟ لماذا؟

هنا الآن الله يربي الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم على التسليم. التسليم ليس كلمة سهلة، الله يقول: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]. التسليم يعني النفس ما تكون حاضرة، ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: 24]. هذا يحتاج من الإنسان مجاهدة. فلما ننظر إلى طريقة تربية النبي عليه الصلاة والسلام وتهذيبه للصحابة، نجد بأن هناك كلاماً ثم يأتي عمل يصل بالنفس إلى الذروة.

يعني لماذا صلح الحديبية يتأخر؟ لماذا ما كان في مكة؟ لماذا ما كان في أول الهجرة إلى المدينة؟ لماذا تأخرت مرحلة صلح الحديبية؟ يعني هذا المشهد، هذا الموقف، لماذا جاء بعد بدر وبعد أحد وبعد الأحزاب؟ لماذا تأخر؟ لماذا ما كان هذا قبل ذلك؟ لو كان قبل ذلك ممكن النفوس ما تحتمل. هي ما احتملت، لكن أصبحت هناك إيش؟ مقاومة. ومع هذه المقاومة الآن، الذي استجاب لله سبحانه وتعالى ولرسوله عليه الصلاة والسلام في صلح الحديبية، هل إيمانه وتزكيته وعقله ونفسه مثلها قبله؟

إذن هذا هو المقصود، يعني هذه العشر أيام والعشرين يوم التي ذهبت هي ما ذهبت، هذه لن تصل إليها بالصلاة. هذه التزكية الإيمانية وتربية النفس لن نصل إليها بالدروس العلمية، لن نصل إليها بالقراءة، لن نصل إليها بالذكر. هذه لا بد أن يكون معها عمل يخالف النفس، يخالف النفس، فتزكو نفس الإنسان، تصفو نفس الإنسان.

فلما تزكو وتصفو، يرتقي الإنسان في مدارج العبودية حتى يصل إلى آخر نقطة يصل إليها: أن يتعامل مع الله بلا خلق، ومع الخلق بلا نفس. خلاص، عادي ما عنده مشكلة يكون قائد كبير وخبير، ويكون جندي عند واحد ما يستحق، إذا كان في هذا مصلحة الإسلام ما يتذمر. لذلك تجدون الناس يسقطون، لما تقرؤون في كتب مثلاً المتعلقة بالأعمال والجماعات والكثير منهم يسقط في هذا الاختبار، لأن التزكية النفسية ليست عالية. هو صح دخل، وصح أصبحت عنده خبرة، لكن يرى لنفسه شيئاً، وهذه "يرى لنفسه" هي التي تسقطه.

فهنا الحديث عن منزلة التزكية والتصفية والتهذيب، هذا لابد أن نفقه كيف يكون. هذا ما لا نهاية، يعني هذا ليس مثل الصلاة أنك تعتاد على الصلاة ثم خلاص الصلاة تستقيم معك، لا، هذه مستمرة مستمرة، حتى تصل إلى أبعد نقطة ممكن تصل إليها. وإلا الإنسان كثيراً ما يلبس هواه الدين. هو عنده نقص، يبدأ ماذا؟ نقص هذا يظهره من خلال الدروس، يظهره من خلال البثوث، يظهره من خلال طلب الناس الحضور عنده. ثم بعد ذلك يقول لك إن هذا هو الدين وأنتم ما تحضرون وأنتم فيكم. هو كل هذا نفسه! كل هذا أنت يعني جعلت الدين لقضائك، بدليل أنك ما تستطيع تفعل فعلاً يخالف هوى نفسك وأنت تعلم أن الله سبحانه وتعالى يريده؛ لماذا؟ لأن هنا نفسك حاضرة. أما هناك نفسك غير حاضرة، فأنت تسعى خلف نفسك، تطلب رضا نفسك، وهو هوى نفس. وهذا الأمر مثل ما قلت يحتاج إلى مجاهدة كبيرة والله وليست قليلة.

ويحتاج إلى مجاهدة عملية، يعني هذا الكلام الذي أقوله الآن شق منه متعلق بالإيمان والتزكية أو الإيمان والتنظير والمعرفة، وشق ثانٍ لما يأتيك الموقف تفعل. الآن لما يأتيك الموقف يقع الموقف تفعل. ابن القيم لما مات ابن مخلوف المالكي وهو عدو من أعداء شيخ الإسلام رحمه الله وكان يعاديه، وهنا سهل جداً أن تتأول أن هذا إيش؟ مبتدع، ضال، مخالف لأهل السنة والجماعة. هذا سهل في هذا الموطن.

فابن القيم مباشرة ذهب لابن تيمية وقال: أبشرك بموت ابن مخلوف، مات الذي كان يؤذيك، هذا المبتدع. صح؟ ماذا فعل ابن تيمية؟ زجر ابن القيم، طيب لماذا زجره؟ ثم قال: تبشروني بموت مسلم؟ ثم ذهب وانطلق إلى أهله. لماذا استعمل هذه الطريقة في التعامل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى؟ حتى ما يكون لنفسه حظ. أنا سأرد على هؤلاء المبتدعة والضلال وسأسقط هذا المذهب، هذا حق الله. لكن حقي أنا الخاص أنه يعاديني أنا، هذا لا نفعله، لا نأخذ بحقي.

لذلك لما جاء الوالي وقال لشيخ الإسلام: انظر إلى فتاواهم في قتلك، انظر كيف هم أفتوا الآن بقتلك وذبحك. رفع من شأن هؤلاء؛ لماذا؟ حتى ما يكون في حظ نفسي داخل في هذا. هذا الأمر ليس متعلقاً بحق الله سبحانه وتعالى، فلذلك هو لا يدخل حقه. ولما كذلك اعترض له جماعة من الناس وضربوه وكانوا يعتقدون ضلال شيخ الإسلام، فلما ضربوه أتى أتباع ابن تيمية يريدون يضربونهم، فابن تيمية قال: الحق إما لله أو لي أو لكم؛ إن كان لله فالله سبحانه وتعالى يقتص من عباده، وإن كان لي أنا تنازلت عن حقي، وإن كان لكم فافعلوا الذي تريدون. طيب هو ليس لهم، هو لله سبحانه وتعالى أو لشيخ الإسلام رحمه الله تعالى.

القصد من ذلك أن الإنسان هنا يفرق، والتفرقة هذه صعبة على الإنسان ليست سهلة، تحتاج الإنسان مجاهدة كبيرة وتضحية وبذل وتزكية تطبيقية عملية تكشف للإنسان المرتبة التي يصل إليها. إذاً هذه المنزلة الأولى: منزلة التصفية والتهذيب، ولا ينجو في هذه المنزلة إلا مسلم، إلا موفق، إلا عبد يعرف أن الله سبحانه وتعالى يريد منه كذا وكذا، إلا عبد فقط يريد ما عند الله سبحانه وتعالى.

المنزلة الثانية: منزلة الاستقامة. الاستقامة الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العظيم: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: 112]. وهذه الآية يقول جماعة من العلماء هي الآية التي شيبت النبي عليه الصلاة والسلام من سورة هود: شيبتني هود وأخواتها. هي نفس جماعة من العلماء أن هذه الآية هي التي شيبت النبي عليه الصلاة والسلام. لماذا؟ لأن هنا يراد بالنبي عليه الصلاة والسلام أن يستقيم على أمر الله سبحانه وتعالى. الاستقامة على الأمر صعبة الدائمة. لماذا؟ لأنها تتطلب من الإنسان عدم التدخل في هذا الأمر. طيب الإنسان ممكن ما يدخل في لحظة معينة، لكن في لحظات تضعف نفسه، يتضخم عنده الأمر، والإنسان كان ضعيفاً، فطبيعي أحياناً يتدخل، وهذا التدخل الله ما

يريده. لذلك الله قال فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا. لا تتجاوزوا الحد. إنه بما تعملون بصير. ولا تركنوا. لا تركنوا للذين ظلموا فتمسكم النار. وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون.

لا تركن ولا تطغى. الاستقامة بين حدين؛ بين الطغيان وبين الركون. هذه الاستقامة الإنسان يسعى جاهدًا للوصول إليها. ومع ذلك لن يصيب استقامة دائماً. لماذا؟ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «استقيموا ولن تحصوا». لن تطيقوا. سددوا وقاربوا. يعني أنت الآن في حياتك بين حالين، بين حال التسديد إصابة الحق دائماً أو كثيراً، وبين إذا ما أصبت أقارب.

يعني أقترب كثيراً من الحق، الذي يتعامل في حياته بهذه الطريقة هذا يكون أقرب الناس للاستقامة. من الذي ما يصيب الاستقامة؟ الذي ما يجرد نفسه من هواها، والذي ما يتعامل دائماً على أن الآن الله يريد شيء، هذا الذي يريد الله أن أفعله ولو أخطأت فيه أكون على الأقل قربت.

فهو يتعامل في حياته ما بين الاستقامة وما بين المقاربة، والاستقامة هي أعظم الكرامة، كما ينص شيخ الإسلام: أعظم الكرامة لزوم الاستقامة. كثير ناس يطلب الكرامة. يطلب الكرامة، الكرامات الحسية المادية هذه ليست دليل كبير على استقامة الإنسان، كبيرة هي نعم دليل خير الإنسان إذا ما كانت من الشياطين، لكن ليس بالضرورة أن صاحب هذه الكرامة أفضل ممن لا توجد عنده هذه الكرامة، لكثرة الكرامات في التابعين أكثر من الصحابة.

فالقصد أن الاستقامة هذه تحتاج من الإنسان مجاهدة، وتحتاج من الإنسان دائماً يكون حريصاً على تنفيذ الأمر، حريصاً على تنفيذ الأمر مع دعاء الله سبحانه وتعالى. ذكر في عمر الفاروقي: والله استقاموا ولم يروغوا روغان الثعلب. استقاموا على الأمر ولم يروغوا روغان الثعلب. فمثل ما ذكرت هذه الاستقامة تحتاج من الإنسان علم، وكذلك بذل وإثبات لله سبحانه وتعالى أنه يريده.

فيقول: يا ربي لا تفتني، يا ربي لا تتركني، يا ربي أنا أريد الذي تريد. ثم هو يثبت هذا في التطبيق العملي، فكل ما استجاب هذا الإنسان وطبق مراد الله سبحانه وتعالى يهدى إلى هذه الاستقامة ويوفق إليها. هذا كان من تعليم النبي عليه الصلاة والسلام لعلي رضي الله عنه وأرضاه لما بعث إلى اليمن قال: «قل اللهم اهدني وسددني».

أذكر بالهدى هداية الطريق والسداد سداد السهم. فقل اللهم اهدني وسددني قبل أن تفعل شيء. قل اللهم اهدني وسددني، اللهم وفقني، اللهم وجهني، اللهم إني أبرأ إليك من حولي وقوتي، اللهم بك أصاب وبك أحاول وبك أقاتل. هذا إذا تعاملت مع أفعالك كلها، كل يوم تتعامل مع الله سبحانه وتعالى بهذه الطريقة بعد مدة من الزمن ستكون هذه العبارات مع حضور القلب تحضر من غير استحضار من كبير.

لكن في البداية لازم تجاهد. لازم تجاهد على الاستقامة. ثم تسأل. ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69]. يعني تبذل كل الذي تستطيعه حتى تصيب بإذن الله أمر الله سبحانه وتعالى. بهذه الطريقة تصيب. أما لما تحضر نفسك ويحضر هواك، وأنت تعرف بنفسك الحاضرة هنا تخالف الأمر أو ما تنفذ، أقول لك لن تهدى. لن تهدى.

فإصابة الاستقامة هذه تحتاج من الإنسان إلى تجرد من هواه، تجرد حقيقي وليس تجرد مزيف وتجرد عام. النفوس ما أكثر ما تفعله ظانة بأنها تفعله لله كما يقول ابن تيمية، لكن تفعله لنفسها لمحض هواها. والإنسان مثل ما ذكرت لكم قد يكون عنده يحتاج إلى مجاهدة في الاستقامة على شيء، ثم لما يستقيم على هذا الأمر يكون المراد ليس هذا، إنما أمر آخر.

أضربكم مثالاً: الآن شخص يريد أن يطلب العلم، طبيعي جداً أنه في بداية حياته لابد أن ينكفئ عن الناس كثيراً. ليس دائماً، لكن كثيراً حتى يحصل أكبر كم ممكن له. ثم بعد ذلك لما يأتي وقت العطاء طبيعي أنه مطلوب منه أن يخالط الناس كثيراً. المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم.

هو في المرحلة الأولى هذه ممكن يجاهد نفسه حتى تستقيم على العزلة. ثم بعد ذلك لما يأتي وقت العطاء يجاهد نفسه حتى تستقيم على الخلطة. هو في كلا الحالتين كان مخالف لهوى نفسه. مخالف لهوى نفسه. الإنسان ممكن يجاهد نفسه على الأولى لكن ما يستمر بالثانية. ممكن ما يجاهد على الأولى متأولاً، فما يصل إلى الذي يستطيع أن يصل إليه من تحقيق الاستقامة وتحقيق العبودية لله سبحانه وتعالى كما يريد الله سبحانه وتعالى منه أن يفعل.

القصد من ذلك، وهذا خلاصة الكلام، أن تحقيق الاستقامة يحتاج من العبد صدق. يتطلب من العبد صدق في الإرادة. يعني يا ربي أنا أريد أن أستقيم لأمرك. ويكون هذا هم عنده؛ هم حقيقي. أن العبد يقول: يا رب أريد أن أستقيم، يا رب اهدني، يا رب وفقني، يا رب اهدني وسددني. وهكذا يبدأ يدعو الله دعاء الشخص الذي ليس عنده هدف أعظم من هذا الهدف.

أما الإنسان إذا ما تعامل مع حديث النبي عليه الصلاة والسلام تعامل لائق بها، فأنا أقول لك لن تهدى ولن تستقيم. وإن بحثت عن الاستقامة والهداية في الكتب، وإن بحثت عنها بأي طريق آخر لن تصل إليها، لأنك ما قدرت الله سبحانه وتعالى. لما يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة».

لما يقول: «إنه لن ينجي أحدكم عمله»، قال: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته. سددوا وقاربوا وأبشروا، واعلموا بأنه لن يدخل أحدكم عمله الجنة». يعني هنا التسديد والمقاربة لا تتعلق بنفس التطبيق، لا، تجرد من هذا، تجرد من هذا.

فالإنسان هنا إذا تعامل هكذا؛ تعامل الشخص الذي يريد أن يصل إلى الله، وتكون حياته بهذه الطريقة: يا ربي أنا أريد أن أصل إليك، يا ربي أنا أريد أن أنفذ ما تريد مني، يا ربي أعني حتى لو هواي ونفسي لا تريد، أعني على أن أفعل. هكذا، هذا هو الذي يهدى بإذن الله، هذا هو الذي يوفق، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]. هذا هو الذي يصيب بإذن الله المراتب العالية المنيفة.

هذا بعض ما يتعلق بهذه المنزلة؛ منزلة الاستقامة. والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.