دخولتسجيل الدخول

التعليق على مدارج السالكين 04 | حقيقة التوكل ومراتب العبودية

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، الصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد، فأحياكم الله إخواني جميعًا وبياكم، وسدد على طريق الخير خطانا جميعًا. نكمل مدارسة مدارج السالكين، وكنا قد توقفنا عند حديث ابن القيم رحمه الله تعالى عن الإلهام والتصديق، مرتبة التصديق، وكذلك الإلهام، وتكلمنا عن بعض ما يتعلق بحديث ابن القيم رحمه الله تعالى حول الإلهام، وبودي أن أزيد يعني أمر أتصور بأنه مهم لأن مثل هذه الأبواب من الصعب جدًا أن يفقهها الشخص إذا ما اقترب منها أو ما رآها.

بمعنى الآن لما تأتي عند باب الكرامة، قبل أن ننتقل إلى ورد اليوم، وتدخل في هذا الباب، باب الكرامة، تجد بأن الشخص لما يحكي لك كرامة معينة ممكن ما تصدقها، ولكن لما تقرأها في كتاب تصدقها. واضح؟ يعني الآن لما يقول مثلًا، يقال مثلًا بأن فلان الفلاني من الصالحين وقع معه كذا وكذا، ممكن تصدقها، ما عندك أي مشكلة، خاصة إذا تتابع العلماء على ذكرها، مثل خالد بن الوليد مثلًا لما شرب السم مثلًا وما مات. هذه قصة مشهورة عن خالد، وحكاها الذهبي، وكذلك ابن تيمية، وابن كثير، وجماعة كثيرة، وما أنكروها.

فأنت الآن لما تسمع مثل هذه، أو تقرأ، ما تتعجب، أو عادي عندك، لكن لما يكون شخص أمامك يشرب السم ولا يموت، الأمر يختلف. واضح؟ كذلك هذا باب الإلهام، يعني لما تقرأ مثلًا في سورة القصص: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: 7]، هنا أوحينا إلى أم موسى، ما هو هنا الوحي؟ هنا الوحي لأم موسى، إيش؟ جبريل نزل؟ لا، إذًا ماذا؟ أمر وقع في القلب، ثم فعلت أم موسى كذا وكذا، هذا الأمر الذي يقع في القلب، قد يكون من الرحمن، يكون من الملك، وقد يكون من الشيطان، وقد يكون مثل ما ذكر ابن القيم، حديث نفس الشخص يتصور شيء معين ثم ينعكس عنده. واضح؟

متى نقول بأن هذا الأمر من الله سبحانه وتعالى؟ لما يكون الشخص الأصل فيه ماذا؟ الاستقامة والصلاح. وكذلك أنه ما يبدي هذا الأمر، ذكرنا الشروط الأربعة، أو حال هذا الإنسان كيف يتعامل مع مثل هذا النوع من الكرامة. واضح؟ واضح. الآن ننتقل، لو أن شخصًا أمامك وجدته في هذا العصر يتكلم عن أمور تتعجب أنها تكون موجودة عنده، يعني مثلاً الآن في حرب وهذه وقعت، وأنا بنفسي دخلت في هذه القصة وهذه الحادثة أو رأيتها، هذه ما تفهم، يعني هذه لما الشخص مجرد أن يسمعها يقول هذا الكلام ما يمكن أن يكون، ابن القيم واعي ومدرك هذا الأمر.

يعني لما وقعت حرب في إحدى البلدان قبل سنوات، وكان هناك إطلاق نار، ومجموعة تريد الخروج من هذا المكان، فخلاص هم كلهم أيقنوا بأنهم سيموتون، أيقنوا بأنهم سيموتون، فكانت هناك امرأة صالحة جداً معهم، قالت لهم كلمة: إن الطريق الآن سالك، فسلكت هذه السيارة لوحدها، وفعلاً كان الطريق سالكًا وكانت هناك هدنة، وهم لا يعلمون بها، فقط هذه السيارة، كيف هذا الشيء؟ تقول: أتاني شيء يقول لي افعلي كذا، وهذا الأمر ليس مرة واحدة، إنما يتكرر معها دائماً، يتكرر معها.

طيب هذا كيف يتكرر دائماً؟ يعني هذا الأمر كيف يحدث؟ هذا أمر يفهم المقربون منها، ويفهم الذي يفهم كلام ابن القيم بس، أما عامة الناس ما يفهمون هذا الشيء، لأن هذا الباب باب غير خاضع للقواعد، ما تستطيع، يعني تريد أن تضع قواعد معينة تفهم ما هي، ليش بهذه الطريقة؟ هذا الباب يكون موجود عند من؟ عند السحرة، أو موجود كذلك عند الصالحين، وهذا فرق بين الأحوال الشيطانية وبين الكرامات الربانية، بعض الناس عنده كرامة، وهذه معها كرامة وكرامة، تقول العقل ما هي، ليست مرتبطة بالعقل، ما قال ابن القيم مرتبطة بالعقل، لكن هي تقع لأن في كثير من الأشياء لا تخضع للعقل، ولا يستطيع العقل أن يفسرها.

مثال ذلك؛ النوم، لما تنام وترى شخصًا قال عنك كذا وكذا، وحقيقة قال عنك كذا وكذا، هذا كيف تفسره؟ ما تعرف. واضح الأمر هذا، أنا لا أريد أن أطيل فيه لأني أحرص بأني قلت كلام، وحتى كلام هنا الإمام رحمه الله تعالى هو مستوعب هذا الشيء وهذه الحال، وهذا الشخص مثل ما ذكرت إذا ما رآها أو ما دخل في هذه الأبواب، ممكن ما يفهمها كثيرا، يعني لما عمر بن الخطاب يقول كذا، لما إن كان في أمتي محدثون، فعمر، وعمر أعلى المحدثين في هذه الأمة، هنا التحديث مع الإلهام، هذا كيف يكون؟ كيف يكون في نفس الإنسان؟ وهل هذا الباب يتفاخر فيه؟ ولا يتفاخر فيه؟ طيب هو كيف يقع في نفس الإنسان وجوف الإنسان؟

فأنت اقرأ قصة أم موسى في القرآن الكريم، وتنظر إلى هذا الوحي، وتنظر كذلك في إيه الكرامات التي تقع للصالحين، وقول عمر: يا سارية الجبل، كيف يقول سارية الجبل؟ وسارية بعيد عنه، كيف رأى عمر هذا الشيء؟ كيف وقع؟ واضح هذا الأمر؟ فالقسم هنا ابن القيم، طبعا هذا الباب مثل ما ذكرت إيه يعني مثل الصوفية مثلا كانوا يتفاخرون فيه، وقد يكون من الشيطان ليس من الله سبحانه وتعالى، فهنا الشيطان يدخل على الإنسان ويبدأ يضل الإنسان، الفيصل هو نفس علاقة الإنسان مع الله.

لذلك قال ابن تيمية: أعظم كرامة لزوم الاستقامة. وقال كما قيل، وقال: لزوم الكرامة، لزوم الاستقامة أعظم من ألف كرامة، ليست العبرة بالكرامة، إنما العبرة بنفس الاستقامة، الاستقامة هي نفس، الاستقامة هي أعلى الكرامة. وطبعا نحن الآن أو كثير من الناس ربما ما يكون في زمان أو في مكان إيه به من يتكلم عن الكرامات إلى آخره، فهو يكون بعيد، فلذلك هذه الأمور ما تشغله. أما شخص لما يكون في مكان يكثر فيه الحديث عن الكرامات خاصة من الصوفية، وكثير منها يكون من الشيطان، فهنا الأمر يكون مختلف مع هذا القسم من الناس، وهذا القسم يؤثر كثيرا على الناس.

يعني هذا القسم الذي يدعي الكرامة إلى آخره هذا يخص الصوفية والشيعة، هذا الأمر كثير، فيسلبون عقول الناس بالكرامات التي هي بالحقيقة أحوال شيطانية وليست كرامات، لذلك تجدون كلام ابن تيمية رحمه الله في الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، وكذلك كلام ابن القيم رحمه الله كثير في هذا الباب، كان الإمامين ابن تيمية وابن القيم يريدان ضبط هذا الباب وبيان بأن هذا الباب يتعامل معه بهذه الطريقة وهو لا ينفونه كما ينفيه كثير من المعاصرين.

يعني كثير من أتباع ابن تيمية وابن القيم ينفون هذا الباب بالتنظير يسلمون فيه، لكن بالتحقيق بالواقع ينفونه، لأن العلاقة ما بين نفس التنظير وما بين نفس الوجود ليست واضحة بالنسبة لهم، فلذلك هم مباشرة يستبعدون وينكرون هذا الشيء، لا قد يكون حقيقة وقع وحقيقة موجود، ولكن لا يشترط أن يكون من الله سبحانه وتعالى من الملك، إنما وحتى لو كان صاحب كرامة ما يبديها، إنما يخفيها. واضح هذا الأمر؟ وكذلك حتى لو كان عنده كرامة، لا يشترط أن يكون صاحب الكرامة أعظم من الشخص الذي ليست له كرامة، لا يشترط، يعني قد يكون شخص ما عنده كرامة، كرامة بالمعنى الذي ذكرته قبل قليل، ويكون هو أفضل عند الله سبحانه. لذلك ذكر ابن القيم أن حال الصديق أعلى، حال الصديق أعلى.

طيب أنا فقط أردت أن أبين بأن بعض الكلام لا يفهم إلا لما يدخل الشخص فيه، يعني لما يدخل الشخص في هذا الأمر ويرى هذا الشيء ويبدأ يحركه، هنا يفهم، أما قبل ذلك تكون القراءة نظرية صرفة، تكون قراءة نظرية صرفة.

طيب نبدأ بلقاء اليوم، عندنا أربع وقفات بإذن الله، الوقفة الأولى المتعلقة بالاستعانة بالله سبحانه وتعالى، والقصد من الاستعانة الآن في هذا السياق هو توكيل الله سبحانه وتعالى بكل شيء، توكيل الله سبحانه وتعالى في كل شيء، نقل ابن القيم كلام ابن تيمية قال: تأملت أنفع الدعاء فإذا هو سؤال الله العون على مرضاته. ثم قال: ثم رأيته في الفاتحة في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]. وذكر ابن القيم كلامًا طويلاً حول هذه الآية. ثم قال رحمه الله تعالى: فليتأمل العاقل هذا في نفسه وفي غيره، وليعلم أن إجابة الله لسائله ليست لكرامة كل سائل عليه.

الوقفة: أن الناس يسأل الله بشيء، يدعو الله سبحانه وتعالى بأمر فيستجيب الله له، وبعض الناس يدعو الله سبحانه وتعالى بشيء ولكن لا يستجيب الله له فيما يريده هو، أي الرجلين أعظم عند الله؟ هل بالضرورة يكون الأول؟ أبداً. قد يكون إيش؟ الثاني. لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى لحبه لهذا الشخص منعه من تحقيق الذي يريده. شوف ايش صار. التوكل له مراتب ودرجات، سقف التوكل والتوكل الحقيقي هو أن العبد يوكل الله في كل شيء ولا يتدخل في أي شيء، وهذا صعب جداً وشاق، ويحتاج من العبد مجاهدة حقيقية، هذه المجاهدة هي هذا العبد هو الذي يصطفى، هذا العبد هو الذي يختار.

تريد الزواج ونفسك متقطعة وأنت في حال نفسية صعبة وخلاص تريد الآن، ووجدت مثلاً المرأة صالحة لك، تستخير ولا تستخير؟ طبعا هذا كله ظاهر، هذا كله ايش؟ أنت ما تعرف الغيب، ما الذي سيكون؟ طيب كيف أنا أضمن الغيب؟ أقول بالاستخارة. واضح؟ إذا ما استخرت، هذه مشكلة كبيرة عندك في الاستعانة بالله سبحانه وتعالى، لأنك أنت الآن حكمت بناءً على ايش؟ على عقلك الضعيف، ونفسك هي التي حملتك، أنت ما وكلت الله سبحانه وتعالى.

رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فأتخذه وكيلا، أنت لم تتخذه وكيلاً بكل صراحة لأنك ما استخرت الله. طيب، شخص استخار، لكن هو ما استخار، لما استخار كيف استخار؟ اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تعلم ولا أعلم، كلام. طيب، وأنت تقول هذا الكلام هل عشت معه؟ هل نفسك حاضرة؟ واضح؟

بعض الناس يستخير ثم يتعجب، هذه ليست استخارة، الاستخارة الحقيقية هو أنك لما تريد شيئًا ونفسك متشبثة فيه وعقلك يرشدك إليه وتستخير وأنت لا تبالي إلا بنفسك ولا بعقلك، إذا استخرت وما حدث هذا الأمر، تسجد له شكر، حتى لو كنت تريده أو لا كنت تريده، لماذا؟ لأنك الآن اعترفت بأن الله سبحانه وتعالى هو المدبر، أنت الآن حقيقة توكلت على الله.

لذلك لما ترون الناس يعني يستخيرون ولا يوفقون، هذا لم يستخر حقيقة، هذا ما أعطى الاستخارة قدرها ولا تعامل مع الله تعامل العليم سبحانه وتعالى تعامل القدير، إنما هو هكذا فقط استخار من أجل أن يرضي ضميره، ولا يتعامل مع الله بهذه الطريقة، لذلك يعني دعوني أقرأ لكم كلام الإمام هنا رحمه الله تعالى.

قال: فليتأمل العاقل هذا في نفسه وفي غيره، وليعلم أن إجابة الله لسائله ليست لكرامة كل سائل عليه، بل يسأله عبده الحاجة فيقضيها له وفيها هلاكه وشقوته، ويكون قضاؤها له من هوانه عليه وسقوطه من عينه، ويكون منعه منها لكرامته عليه ومحبته له فيمنعه حماية وصيانة وحفظًا لا بخلاً، وهذا إنما يفعله بعبده الذي يريد كرامته ومحبته ويعامله بلطفه، فيظن بجهله أن ربه لا يجيبه ولا يكرمه، ويراه يقضي حوائج غيره فيسيء ظنه بربه، وهذا حشو قلبه ولا يشعر به، والمعصوم من عصمه الله، والإنسان على نفسه بصيرة.

وعلامة هذا حمله على الأقدار وعتابه الباطن لها، كما قيل: وعاجز الرأي مضياع لفرصته حتى إذا فات أمر عاتب القدر. فوالله لو كشف عن حاصله وسره لرأى هناك معاتبة القدر واتهامه، وانه قد كان ينبغي أن يكون كذا وكذا، ولكن ما حيلتي والأمر ليس لي، والالعاقل خصم نفسه والجاهل خصم أقدار ربه، فاحذر كل الحذر أن تسأل شيئًا معينًا خيرته وعاقبته مغيبة عنك. والله كلمة ذهبية من رجل فتح عليه في التعامل مع الله.

الآن تريد شيئًا وخلاص أنت تريد هذه السيارة، تريد هذا البيت، تريد الزواج، واستخرت وكل ذهب، تشعر بضجر لماذا هذا ما حدث؟ لكن الأمر ليس لي، هذا عبد لم يوكل الله. لما يقع هذا الأمر على خلاف مرادك، قم مسجد لله شكرا، واحمد الله سبحانه وتعالى، قل: يا ربي أنا لا أريد إلا الذي تريد، وقل حقيقة: يا رب وكلتك أمري، يا رب خيرتك، يا رب اختر لي ولا تخيرني، يا ربي يسر لي أموري. وتقولها حقيقة يوافق القول الاعتقاد.

نعم، لما يأتي الموقف أشخاص ممكن يضطرب، لكن لا ينبغي أن يضطرب، لماذا؟ لأن الله هو العليم، والله هو القدير، والله سبحانه وتعالى هو الرحيم، فلما تتخذ الله وكيل، أنت الآن تعترف بأن الله يعلم وأنت لا تعلم، وأنت تعترف بأن الله يقدر وأنت لا تقدر، وتعترف بأنه أرحم بك من نفسك، إذا لماذا تعارض وأنت ما تعرف؟

ثم قال هنا، قال: فاحذر كل الحذر أن تسأل شيئًا معينًا خيرته وعاقبته مغيبة عنك. يعني انتبه أن تقول: اريد كذا، وأنت ما تعرف العاقبة، أنت ما تعرف العاقبة ما الذي سيكون لما تطلب الله سبحانه وتعالى بأمر معين وأنت ما تعرف الغيب، إذا وكل الله، قل: يا رب اختر لي، يا رب إن كنت تعلم أن ذهابي إلى هذا المكان، أن سفري إلى هذه الدولة، أن عملي في هذا خير لي فيسره لي، وإن كنت تعلم أنه شر لي في ديني ودنياي.

وعاقبة أمري آجله وآجله، فاصرفه عني واصرفني عنه، وأنت طيب النفس، طيب الخاطر، راض بقضاء الله سبحانه وتعالى واختيار الله سبحانه وتعالى لك.

قال: وإذا لم تجد من سؤاله بدًا، يعني خلاص تسأل والأمر غلبك، قال: فعلّقه على شرط علمه تعالى فيه الخيرة، وقدم بين يدي سؤالك الاستخارة. ولا تكن استخارة باللسان بلا معرفة، بل استخارة من لا علم له بمصالحه، ولا قدرة له عليها، ولا اهتداء له إلى تفاصيلها، ولا يملك نفسه نفعًا ولا ضرًا، بل إن وُكِل إلى نفسه هلك كل الهلاك، وانفرط عليه أمره.

وإذا أعطاك ما أعطاك بلا سؤال، انظر الآن إلى الضبط، إذا الله سبحانه وتعالى أعطاك شيئاً وأنت ما سألته، قال: فسله أن يجعله عونًا على طاعته، وبلاغًا إلى مرضاته، ولا يجعله قاطعًا لك عنه، ولا مبعدًا عن مرضاته، ولا تظن أن عطاءه كلما أعطى لكرامة عبده عليه، ولا منعه كلما يمنعه لهوان عبده عليه، ولكن عطاءه ومنعه ابتلاء وامتحان يمتحن بهما عباده سبحانه وتعالى.

هنا أعطاك الله شيئاً، أعطاك مالاً، حصلت شيئاً، قل: يا رب، إن كنت تعلم أن في هذا المال خيراً لي، إن كنت تعلم أن هذه الوظيفة خير لي فيسرها لي، وإن كنت تعلم أنها شر فاصرفها عني. يعني لما تُعطى شيئاً، قد يكون استدراجاً، وقد يكون نعمة، طيب كيف تميز؟ لا تستطيع.

لذلك أسئلة كثيرة تأتي من الشباب: كيف أميز؟ أقول لك: لن تستطيع أن تميز، هذا باب تعامل مع الله، ليس باب حد وضوابط وموازين. هذا الباب باب فيه حسن تعامل العبد مع ربه، يأتيك الله بشيء قل: يا رب، لا تفتني بهذا المال، يا رب، لا تفتني بهذا الشيء، ثم بعد ذلك احمد الله سبحانه وتعالى، واسأله أن يعينك على صرف هذه النعمة فيما يحب الله سبحانه وتعالى، لأنه قد يكون استدراجاً. وكم من الناس كان من الصالحين بمجرد أن حصل المنصب أو الجاه أو المال كأنه شخص آخر، انقلب ورأى الكثير من الناس، لو ما حصل ما كان أفضل له، لو ما حصل المنصب كان أفضل له، لو ما تزوج وبقي طوال عمره من غير زواج كان أسلم لدينه، لكن الناس لا يعرفون، لذلك الله سبحانه وتعالى يمتحن العباد في هذه المواقف.

وهذا الموطن موطن شريف ينبغي للعبد أن يقف عنده كثيراً، ونتعامل مع الله بهذه الصورة. تستخير، جرد نفسك من هواها، تقول لي كيف؟ أقول لك: جاهد، أدري أنك لا تستطيع على كل شيء لكن جاهد، الله يريد منك المجاهدة، الله لا يكلف الإنسان فوق ما يطيق مستحيل، الله لا يطلب منك شيئاً أنت لا تستطيع أن تفعله، وهذا لا يمكن أن يكون، ولكن الله سبحانه وتعالى يريد منك أن تجاهد. أنت تريد كذا؟ خلاص نعم، خاصة لما تصل إلى لحظات الضعف الشديد، هنا الآن أثبت لله سبحانه، هذه المواطن اغتنمها في حياتك ولابد أن تقع معك كثيراً ليس قليلاً.

تشعر أنه خلاص لا يوجد مكان تستطيع من خلاله تحصل المال، هنا الله يريد منك ماذا؟ تأتي الآن عند وظيفة فيها حرام، اختبار إلهي وأنت محتاج لكن حرام، ترسل لشيخ؟ لا ترسل، لا ترسل، لأن رسالتك هذه ضعف، يعني هذه الرسالة حتى لو أجابك بالحرام واستجبت نزلت درجة، لأن لماذا أنك سألت؟ لو ما سألت من البداية وأنت تعلم أنه حرام، طبعا كلامي في هذا السياق ليس في أمر مشتبه، لا، تعلم أنه حرام لا تسأل، لا تسأل ولا ترجع لأحد، استفت قلبك، خلاص استفت قلبك أنه حرام، والحرام بين وواضح، تعامل مع الله سبحانه وتعالى بهذه الطريقة، تعامل مع الله بهذه الصورة، إلا إذا اشتبه الأمر نعم ممكن تسأله، وإن كان الأمر يجوز أو يكره أو مستحب أو مباح، دعك من، كن مع المستحب، لا تأخذ المكروه ولا تقترب من المكروه، ليكن تفكيرك كله: ما الذي يريد الله؟ الله يريد مني أفعل كذا أفعل كذا، والله مراده واحد في الموقف ليس أكثر من مراد.

يعني لما تأتيك هذه اللحظة الآن، الله يريد منك أن تقول كذا أو تفعل كذا، ما في أكثر من مراد، لذلك يقولون لك: واجبات كثيرة، صحيح بس ليس باللحظة هذه مستحيل، هذه اللحظة يريد مني كذا والتي تليها يريد مني كذا وفي هذه المرحلة يريد مني كذا، ما الذي يريد أفعله؟ وطن نفسك دائماً على الاستجابة وعلى توكيل الله سبحانه وتعالى، لأن بعض الناس سبحان الله يسأل واحداً كثيراً ما تأتيني أسئلة بهذا النوع، يسألك سؤالاً هو أصلا يريد منك أن تقدر له في أمر أصله خطأ، فترجع أنت الآن وتقول له، وممكن نفسه ما تقبل، لكن العبد الصالح لازم يقبل، لازم يقبل.

يعني شخص مثلاً يكون في وظيفة بها حرام، يسألك سؤال يقول لك: طيب أيهما، قال: حرام هذا ولا هذا؟ طيب هو كله حرام، الطريق هذا كله حرام أصلاً، أو شخص يكون هو أصلا عنده الشق المفضول مأخذ أكثر وقته، هو داخل في المفضول ويريد يسألك في ساعة أو ساعتين في اليوم هل يفعل هذه كذا كذا؟ طيب أنت خمس ساعات وست ساعات كلها مفضولة، فسؤالك عن الساعة وترك الست ساعات هذه مشكلة، فهذا تحتاج أن تعيده، هو غير قابل أن يفكر بست ساعات، لأنه خلاص هذا الأمر الذي ابتلي به منتهٍ وجازم فيه، لا، لماذا تجزم فيه؟

شوفوا يا شباب، كل من يوكل الله لابد أن يقع له على خلاف مراده، خذوها قاعدة، كل من يوكل الله سبحانه وتعالى ويرضى بالله سبحانه وتعالى أنه وكيل، رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو سبحانه وتعالى فاتخذه وكيلاً، كل من يتخذ الله وكيلاً لابد أن تكون أقدار الله عليه مخالفة لعقله ولنفسه، سواء كانت دينية أو دنيوية. يعني بعملِك الإصلاحي الدعوي لابد أن تقع عليك أمور كثيرة بل هي الغالبة مخالفة لما أنت تقدره، أو كذلك لما أنت تريده، ولو افترضنا أنك لا تريد ولا تقدر إلا التقدير الذي هكذا مفتوح للعبد أن يفكر فيه، ولكن لا يصر على التقدير والتقدير صح، لا، لأن القدر أقوى من التقدير ولابد.

كذلك في الأمور الدنيوية، تريد الزواج من كذا وكذا، لا، لن تتزوج إذا وكلت الله، تتزوج من بيت آخر، لأنك خلاص وكلته، بما أنك وكلته الله سيختار لك، هذا البيت الذي أنت كنت تريده لا، الله سيأتيك بشيء أفضل منه، لكن سيمتحنك، هذا الباب ما هو امتحان؟ ما في عبد يقول آمنا ولا يفتن، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون؟ كيف هذا الشيء؟ ولما تقع الفتنة لماذا وقع كذا؟ هذه هي، هذا هو الاختبار وهذه الآية.

لذلك يا شباب هذا الباب مهم جداً نحسن التعامل فيه مع الله سبحانه وتعالى، وطن نفسك على أنك تفعل كل ما يريد الله ولو كان تركك لكل شيء في الحياة، ولو كان، ولو كان هجرتك من بلدك تعيش فيها، يعني وطن نفسك الآن وأنت جالس تسمع هذا الكلام: الله يريد منك أن تهاجر إلى بلد آخر الآن، وطن نفسك أن هذا لو جاء الله يريد مني سأفعله، لأنك إذا ما وطنت نفسك على الاستجابة لن تفعل، سيأتيك المراد لكن ستتأول مباشرة لأن التوطين ليس قوي، التوطين النفسي ليس قوي، الاستعداد والقابلية ليست كبيرة، لذلك هذا ما يوفق هذا العبد، هذا القسم من الناس من العبيد ما يوفق كثيراً.

القسم الآخر، أن مثل هذا الأمر مثل ما ذكرت، الذي يعيش بهذا الطريق والذي وكل الله سبحانه وتعالى تعامل معه بهذه الصورة وجاهد نفسه على التطبيق، لابد أن يقع خلاف مراده دائماً، طيب لما يقع خلاف مراد؟ احمد الله، إياك أن تتضجر وأن تلوم القدر، نقول: ما حيلتي في هذا الأمر؟ هذا الأمر، لا، الله أجل هذا كله، يعني أنت يقع أن تكون أنت معك مجموعة وكلكم تقدمون أوراقكم في مكان معين وأنت أول واحد فيهم وأعلى واحد فيهم، وآخر واحد فيهم ينجز لك عملك، لماذا؟ أحياناً كثيرة ما تظهر الحكمة.

طيب وكلت الله ولا لا؟ يعني ارجع إلى نفسك، انظر إلى نفسك، هل استعنت بالله؟ هل استخرت الله؟ هل فعلت؟ هل دعوت الله ولا لا؟ كنت هكذا تريد من البشر هم الذين يفعلون لك هذا الشيء، لا، طيب لماذا تأخر؟ الله يريد أن يرفعك عنده، وهناك حكمة ما تعرفها، اختبار: هل تؤمن بحكمة الله البالغة؟ حكمة بالغة، فما تولون وجوهكم، هذه الحكمة البالغة، وصلت إليها، الله يريد أن يرقيك.

لذلك دائماً يقع، شوفوا يا شباب، لوط عليه السلام لما أتته الملائكة وأخبروه بأنهم ملائكة وأنهم سيقضون على قومه الصباح، ماذا قال لوط؟ قال: الآن. فقال الله: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: 81]. إن موعدهم الصبح. في فراغ بعدين أليس الصبح بقريب؟ طيب ما هو الفراغ؟ بين إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب، في كلام، ما هو الكلام؟ الآن، لكن لا، الله يريد الصبح، طيب لماذا؟ حتى يعظم أجرك، حتى ترتقي.

زكريا عليه السلام: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم: 5-6]. من الله عليه بيحيى، لكن هل ورث آل يعقوب أو مات قبل زكريا اللي هو يحيى؟ مات قبل، أو بينما في سورة الأنبياء استجاب الله له لأن ماذا قال في سورة الأنبياء؟ ربي لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين، فالله استجاب له، لم يجعله فرداً ومن عليه بالابن، لكن هل بقي بعده؟ لا، طيب لماذا؟ حتى يعظم أجر زكريا، فالله استجاب له بالولد لكن ما استجاب له بأن يكون بعد ذلك، لأن الله يريد أن يعظم أجر زكريا أكثر مما يريد زكريا بدعائه، هذا هو حفظ الله لأوليائه.

أنت تريد شيئاً لكن الله يريد لك ما هو أفضل لك عنده سبحانه وتعالى، هذا ليكون لمن؟ يكون لمن يحسن التعامل مع الله، يحسن التوكل على الله، لمن يدعو الله دائماً، والذي يقع يقع خلاص، وهو خلاص علاقته مع الله ليس مع البشر.

طيب، ما حدث هذا الشيء وإن كان خيرة، خيرة الحمد لله، الله يريد منك تقول الحمد لله حتى يكتب لك أجر الحمد، ويريد منك أن تصبر حتى تأخذ أجر الصبر، وأن ترضى، فالله يريد منك أن يعطيك كل هذه الأجور مع ما فيه خير من نفس القرار الذي ما تعرفه، لكن خيرة، ما، شوفوا كل شخص اتخذ قرارات من قبل نفسه كم مرة ندم؟ شيء لا يحصى، طيب لماذا؟ لأنه ما يعرف، ليتني ما فعلت وليتني لم أفعل، هذه ليتني لماذا قلتها؟ لأنك ما استعنت بالله، لكن لو استعنت بالله قطعا سيكون القرار خير لك والقدر خير لك وستمتحن وتختبر.

يعني هذا الكلام الذي يقال الآن معه امتحان واختبار في لحظات ضعفك، تريد المال بأي طريقة، ثم تستخير وما يقع الأمر، الآن الوظيفة خلاص موجودة، تقولون أصبروا أريد أن أستخير، تستخير، ترجع يقولون: لا نحن ما نريد خلاص، إيش هذا؟ إي، لأن الله لا يريد لك هذا الشيء، يريد شيئاً آخر، هذا ما تعرفه، هذه الأمور الدينية والدنيوية كلها يا شباب.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على تحقيق هذه العبادة له سبحانه وتعالى. طيب، هذه الوقفة الأولى.

الوقفة الثانية المتعلقة بمراتب البشر، ذكر هنا ابن القيم أن بعض الناس، طبعاً عن الصوفية، يرون بأن حق اليقين، ليس كل الصوفية، ليس كل الصوفية، إنما الغلاة من الصوفية، أن العبد عندهم يصل إلى حق اليقين، ولما يصل حق اليقين إيش؟ اعبد ربك حتى يأتيك اليقين، وصلت اليقين؟ ترك العبادة، هذا موجود.

اليقين المراد به هنا الموت، وذكر هنا ابن القيم رده على هؤلاء بأن هذا الأمر لا يمكن أن يكون، بل العبد إذا ارتقى بتحقيق العبودية يكون الواجب عليه أكبر أو أقل؟ أكبر. هل الواجب على أبي بكر الصديق مثل الواجب على الجارية السوداء التي كانت تكنس المسجد؟ أبداً.

جارية سوداء في زمان النبي عليه الصلاة والسلام كانت تكنس المسجد فماتت، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «دلوني على قبرها». قالوا: يا رسول الله، لما سأل عنها قالوا: ماتت. قال: «أفلا كنتم آذنتموني؟». قالوا: يا رسول الله، يعني هذه ليست أبو بكر وعمر، لكنها قامت بالواجب عليها. قال: «دلوني على قبرها». فذهب عليه الصلاة والسلام وصلى عليها.

طيب لو كان كل واحد يريد أن يكنس المسجد ولا يريد أن يدعو إلى الله، ولا يجاهد في سبيل الله، ولا يتصدق، هل هذا سيصلي عليه النبي عليه الصلاة والسلام بالضرورة؟ لماذا؟ لأنها قد تكون واجبات، هذه واجبها.

لكن شخص مثل أبي خيثمة لما رحل من المدينة إلى تبوك سبعمائة كيلو ورآه النبي عليه الصلاة والسلام، قال: «أبا خيثمة، أولى لك». يعني لو ما سافرت هذه المسافة كلها لهلكت. يعني سبعمائة كيلو كانت واجبة ولا مستحبة؟ واجبة. واضح الأمر؟

فالشخص لما يرتقي في تحقيق العبودية لله يكون الواجب عليه أكثر وليس أقل، فالذي يقول أن شخصاً يصل إلى درجة ثم تسقط عنه الواجبات.

هذا عجيب! عمر بن الخطاب في آخر حياته كان يسرد الصوم. شوف عمر الفاروق لما كمل به السن، وكلما، طبعًا هذه عبودية الأصفياء الأولياء. النبي عليه الصلاة والسلام لما أنزل الله عليه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: 1-3]. عبودية الآن استغفار وذكر أكثر، تسبيح وتحميد.

ففي آخر سنتين ونصف من حياته عليه الصلاة والسلام زاد عليه الصلاة والسلام. فهذا هو الطبيعي أن الشخص لما يرتقي يحتاج إلى أعمال أكثر، وليس يأتي شخص يقول لك الآن، هذا ما يعرف العبادة ولا يعرف من يعبد.

طيب، هذه الوقفة الثانية أحببت أن أذكر بها، لماذا؟ لأن الحمد لله اليوم يمكن ما في زماننا، خاصة من سيسمع هذا الكلام، أنه يفكر من سيترك العبادة لو وصل، لكن الذي يلاحظ أن الشخص يقلل. هذا أمر ظاهر؛ تجد الشخص يعبد الله بصورة معينة، ثم لما يكبر يكبر، العبادة عنده ايش؟ تقل! مع أن المفروض ايش؟ العبادة تكثر وتعظم، ما تقل.

الوقفة الثالثة المتعلقة بكلام الإمام رحمه الله تعالى عن أفضل العبادة؛ وذكر بأن العلماء لهم أربعة أقوال: منهم من يرى بأن أفضل العبادة هي التي يكون معها مجاهدة، معها مشقة، إنما أجرك على قدر تعبك أو نصبك. ومنهم من يرى بأن أفضل العبادة هي التي يكون بها اعتزال عن الناس، وجمع القلب، وعدم تشتيت القلب. ومنهم من يرى بأن أفضل العبادة المتعدية، لما فيها من أجر أكثر من العبادة الخاصة القاصرة.

ثم قال: والقول الصواب والصحيح هو الذي يعبد الله سبحانه وتعالى في كل لحظة كما يريد الله منه. وهنا وقفة؛ وهي: هل هذا الكلام سهل؟ لا، صعب! لماذا؟ لأن النفس تتطبّع على شيء. وركزوا بالله معي جيدًا فيما سأقوله.

الآن الإنسان يريد أن يعبد الله، ما هو الطريق الذي يسلكه في العبادة بعد الفرائض وبعد القيام بالواجبات؟ قسم من الناس يقول: خلاص أنا سأكون عالم، أطلب العلم وكل شيء، طلب علم وتعليم، طلب علم وتعليم. يأتي شخص يقول لي: اليوم عندنا عرس، عندنا وليمة، ولا يستجيب، يقول: والله أنا ما أذهب. الوليمة خاصة ولا عامة؟ هذا حال بعض المعاصرين، وهو متفاخراً أربعين سنة يقول: ما ذهبت إلى وليمة خاصة ولا عامة، أربعين سنة! طيب هل هذا هدي النبي عليه الصلاة والسلام؟ واضح؟ وبحجة ايش؟ أنه مشغول بالعلم. أليست هذه عبادة النبي عليه الصلاة والسلام؟

قسم آخر يقول لك: خلاص أنا مشغول في كذا. قسم ثالث يقول: أنا مشغول. يعني كل شخص يريد أن يجعل العبادة هو يختارها، ثم بعد ذلك يجعل هذه العبادة هي التي من خلالها يصل إلى الله. قسم آخر يقول: الأهم شيء العمل المتعدي، أهم شيء الدعوة إلى الله. طيب، صح، بس عندك صلاة؟ عندك وتر؟ ما عنده. طيب كيف؟

قسم آخر يقول: الأهم شيء أني أفعل هذا الشيء. يعني كل شخص يبدأ يكيف العبادة بناءً على مجاله هو الذي يريد أو تخصصه، ثم يأتي بالنصوص والآثار وتتضخم عنده، أما النصوص الأخرى فلا تكون حاضرة عنده. يعني شخص متخصص في العلم يكون عنده هذا الباب كبير، طيب الدعوة؟ مش موجود ولا حاضر. شخص ثاني عنده باب الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، طيب العلم؟ لا يكون ضامر عنده. شخص ثالث عنده باب، هكذا.

وذكر هنا ابن القيم أن القسم هذا الذي يريد أن يجمع قلبه يقول: كان الآن لما أجلس هكذا لوحدي وأكون منعزل عن الناس القلب يكون ايش حاضر، لكن لما أخرج وأذهب إلى كذا القلب يتشتت، تشتت لله أو للحظة نفسك؟ لله إذا أنت تفعل ما يريد الله. أنت عبد، لست أنت. شوفوا يا إخوان، لا يدخل العقل تقدير الإنسان البعيد عن مراد الله، ولا النفس في تحقيق العبادة، في تحديد العبادة التي يحبها الله سبحانه وتعالى.

أنت عبد، اعلم بأنك عبد، إذاً لازم تلتزم؛ الله يريد مني أفعل كذا أفعل كذا حتى لو هذا الأمر أثر على قلبي، لكن الله يريده خلاص أفعله، دام أن الله سبحانه يريد مني هذا الشيء أنا أفعله. لذلك هنا إذا فهمنا هذا المعنى، لابد أن نحرص على معرفة عبودية اللحظة.

أنت الآن جالس وعندك ورد، عندك ورد كل يوم تقرأ مثلاً من القرآن الكريم كذا، فجأة أتاك ضيف، أتاك زائر، إيش تسوي؟ هل تستقبله؟ أو تقول هو أتاك الآن، وإن لزورك عليك حقاً، إذاً الآن الله يريد منك، حتى لو قصرت حتى هذه العبادة. شوفوا يا شباب، كل لحظة لها عبادة معينة لست أنت الذي تريدها، إنما الله سبحانه وتعالى هو الذي يحددها.

وفارق كبير جداً ما بين الشخص الذي يحدد خطته التي من خلالها يعبد الله، وبين عوارض القدر التي تأتيك. لما تأتيك عوارض القدر، هذا القدر معه عبادة، خطتك هذه خلاص تلغى، ويوافق هذا القدر بالعبادة التي يحبها الله.

أنت الآن جالس تفعل كذا، دعتك والدتك، ما ترد عليها الآن: الوالدة اليوم أنا عندي كذا. طيب الآن بر الوالدين قد يكون واجب عليك، فكيف؟ واضح الأمر؛ لا تجعل أمنياتك وأهدافك وأحلامك إلى آخره أقوى من نفس تحقيق الذي يريد الله منك في اللحظة التي تطرأ عليك.

طبعاً هذا الأمر سهل ولا صعب؟ جداً صعب! جداً صعب، ولابد أن تقع كثيراً في فتنة المفضول، لابد، هذا ما يسلم من أحد. ولكن كم نسبة؟ يعني هل ستقع طول عمرك هكذا؟ ولا لا، بداية حياتك بداية شبابك ثم تدريجياً تبدأ تصلح؟

كيف؟ هذا الأمر الذي يغفل عنه كثير من الناس ويخطئون، لأنهم ما يتعاملون مع الله التعامل الصرف، إنما يكون لهم حظ حتى بالعبادة حتى لو كان بالإيمان، أنا ما أقول لهم حرام، قد يكون حراماً، بس ايش؟ مفضول، ليس بفضل. حتى الآن في موضوع الله الآن يريد منك أن تقوم بكذا، ما قمت بكذا لقصرت.

كل قدر يقع عليك معه عبادة موافقة له. إذا أحسنت التعامل مع الله سبحانه وتعالى، ووطنت نفسك على الاستجابة، ودعوة الله سبحانه وتعالى دائماً بين يديك وأن يعينك، وكذلك طلبت العلم، هنا تؤيد وتسدد بإذن الله. واضح هذا الأمر؟

في مع كل لحظة، يعني لما تكون في الحج الله يريد منك ماذا؟ أن تحج. لما تكون في رمضان الله يريد منك أن تصوم. لما تكون في كذا الله يريد منك... يعني في كل لحظة معها عبادة معينة الله سبحانه وتعالى يحبها منك.

هذا بقدر إصابتك للعبودية، عبودية اللحظة، عبودية الوقت؛ ما يكون تحقيقك للعبادة، ما يكون لزومك للصراط المستقيم: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الففاتحة: 6] وإدراكك لمراتب عالية في الجنة بإذن الله، لأنك أصبت العبودية الخاصة التي الآن يريدها الله سبحانه وتعالى منك.

هذا سهل؟ لا. هذا يحتاج إلى توطين نفس قوي بحيث أن الإنسان نفسه لا تتشبث إلا بمراد الله بس، ليس بصورة المراد الذي هو يشكلها. فرق كبير يا شباب، وأنا والله أعلم أنه صعب، لكن بقدر توطينك نفسك للاستجابة، بقدر ما بإذن الله تنال هذه المراتب العالية جداً.

طيب، هذه النقطة الأولى؛ النقطة الثانية: كيف نجمع بين هذا الكلام وبين من بورك له بشيء فلزمه؟ وبين قول الإمام مالك: ربما رجل فتح عليه بالصلاة ولم يفتح عليه بالصيام، وآخر فتح عليه بالصيام ولم يفتح عليه... وبين تنوع؟

أقول لك: فرق بين الوقت العام وبين اللحظة الخاصة. يعني قد يكون الشخص ثغرة، هذا الكلام الذي يقوله غير الثغور. الذي يسمع كلامي الآن شخص ثغرة، لا يكون ثغرة العلم، لكن الزيادة في ثغرة العلم، الزيادة في ثغرة الدعوة. شخص مفتوح عليه بالدعوة، خلاص هذا ثغرك، لكن ليس معنى هذا أن دائماً تتكلم، لابد أنك تعرف أن في نسبة يكون بها خطأ أو تكون واقع بالمفضول؛ الآن الله يريد منك تصلي ليس تدعو، لابد أن تفهم هذا الشيء.

شخص آخر الله سبحانه وتعالى فتح عليه مثلاً بالعبادة الخاصة؛ صح أنت بالعبادة الخاصة، لكن الله يريد منك الآن تكون تنكر المنكر. شخص ثالث الله فتح عليه في التربية، لكن الله يريد منك أن... يعني نفس الفتح هذا شيء، وتحقيق عبودية اللحظة شيء آخر.

عبودية اللحظة هي مرتبطة بالقدر المتعلق بها، مرتبطة بالقدر، بالوقت أو بالأمر الذي يقع المتعلق بها، هذا غير نفس الثغر الذي تتخصص فيه. حتى أقرب لكم الصورة، كل هذا من باب التقريب؛ الآن عندنا في اليوم أربع وعشرون ساعة، نفترض مثلاً أن شخصاً مثلاً وقته للدعوة أو العمل أو طلب العلم إلى عشر ساعات.

طيب هذه العشر ساعات كيف ستوزعها وتقسمها؟ أكثرها سيكون تقسيمك يسير بطريقة معينة؛ عندي وردي اليوم قرأت مثلاً خمسة أجزاء من القرآن الكريم، عندي كذا، عندي كذا، عندي كذا، هذا وردي اليومي، لكن أتتني الآن لحظات مخالفة لهذا، الآن لابد أن تغير.

طيب الآن سأخل بالورد؟ إذا كنت ستخل به مقابل عبودية اللحظة، ما في مشكلة. وليس معنى هذا أن الأمر... ليس معنى هذا أن الشخص يتساهل، ليس معنى هذا أن الشخص ماذا يتساهل؟ أو أنه يقصر بحجة أن الآن أتاني زائر، أو أن بعض الناس هكذا يكون بطال، فأربع وعشرون ساعة يقول: لا، أو خلاص لا، هذا ضعف. نحن نتكلم الآن عن الأمور الطبيعية التي تقع للإنسان.

الآن عندنا مثلًا شخص مريض، لماذا ما تعود ذكر قريب لك؟ عيادة المريض أفضل من جلوسك في هذا الوقت، لكن هل كل يوم أنت مطلوب منك تعود مريض؟ لا، ليس كل يوم، إلا إذا كان هذا تخصصك، واضح؟ يعني بعض الناس مثلًا ممكن يقول هذه العبادة من العبادات الثابتة عنده، خلاص جزاك الله خير.

ولكن شخص آخر هو عنده كذا، لكن الآن دعي إلى وليمة، الآن دعي إلى كذا، لا، نعم يقوم بهذا الشيء بالأصل إذا ما كان في مكروه. فما الفرق ما بين نفس التخصص؟ بعض الناس الله فتح عليه بالعبادة الخاصة، بعض الناس الله فتح عليه بطلب العلم، مثل الإمام مالك، فنفس التعليم هذا عبادة.

بعض الناس الله فتح عليه بكثرة الصلاة، بعض الناس الله فتح عليه بالصيام. ابن مسعود ما فتح عليه بالصيام، ابن مسعود ما فتح عليه بالصيام، كان يقول: إن الصوم يشغلني عن قراءة القرآن. لكن الله فتح عليه بإيش؟ قراءة القرآن، وكذلك فتح عليه بالصلاة، كان يقول كذلك الصوم يشغلني عن الصلاة، فكان يصوم بالشهر ثلاثة أيام، هذا هو اللي فتح عليه، كل شهر ثلاثة أيام، لكن ايش يصوم؟ لكن بالصلاة كان يصلي، وكذلك قراءة القرآن كان يقرأ كثيراً، فهو علم بأن الباب الذي فتح عليه فيه هو هذا.

بعض الناس الله يفتح عليه بالصيام، كما جاء في الحديث، كما في وصية النبي عليه الصلاة والسلام لأبي أمامة قال: «عليك بالصوم فإنه لا مثل له». فكان يصوم، كان يصوم حتى لا يرى في بيته نار، في ذروة بيته نار، قالوا: حل به ضيف، نزل به ضيف.

فهذا هو من بورك له في شيء فليلزمه؛ خلاص أنا أعرف أني فتح علي بهذا الباب، هذه العبادة ما أتركها، لكن أشارك في بقية العبادات. ثم لما تأتي اللحظة التي يريد الله مني أن أفعل شيئاً، هذا الشيء أفعله ولا أتأول، ولا أقول: لا، أنا عندي كذا، لا، أفعل الذي يريد الله مني.

يأتيك شخص يقول لك: أريد منك أن تشفع لي عند فلان، وأنت صليت أن تشفع له، لكن عندك جالس في المسجد، أنت متعود أنك تجلس في المسجد كل يوم من العصر إلى المغرب، فأتاك قال لك: الآن أريد منك أن تذهب معي، وأنت عندك قدرة، وسيكون في تفريج كربة، تذهب ولا ما تذهب؟ تقول: لا، أنا عندي ورد. إذا كنت ممكن أنك تذهب في وقت آخر، ما في بأس، بس إذا ما كان في، اذهب، هذا أفضل من جلوسك في المسجد. لكن هذا إيش؟ أمر عارض.

واضح يا إخوان هذا الأمر؟ فبهذه الطريقة يكون تحقيق العبادة لله سبحانه عز وجل، وهذا الذي يتعامل مع الله بهذه الطريقة هذا هو الذي يصيب. لماذا لا يصيب السنة في كل لحظة؟ يصيب السنة في كل لحظة، هذا قد يكون أقل من غيره عمل، ولكن أرفع عند الله سبحانه وتعالى مرتبة ومنزلة ودرجة.

إذاً، هذه وقفات ثلاث متعلقة بهذا الورد، باقي وقفة رابعة ممكن نرجئها إلى درس آخر، ابن القيم ستوسع إن شاء الله تعالى في الحديث عن هذه الوقفة رابعة، فنتكلم عنها إن شاء الله تعالى في دروس أخرى بإذن الله. هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على محمد.