دخولتسجيل الدخول

التعليق على مدارج السالكين 03 | الهدايات الخاصة

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، الصلاة والسلام على خير خلق الله على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فحياكم الله إخواني جميعاً وبياكم، وسدد على طريق الخير خطانا جميعاً.

نكمل مدارسة هذا الكتاب، كتاب مدارج السالكين للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى رحمة واسعة. وكنا قد توقفنا في اللقاء الماضي عن الحديث عن المقدمة مع شيء مما ذكره الإمام في تفسيره لسورة الفاتحة. وذكرنا ما يتعلق بتفسير ابن القيم للقرآن الكريم، وتميز ابن القيم وتفرده، وكذلك ذكرنا ما يتعلق بفقه الأسماء والصفات عند ابن القيم وطريقة عيش ابن القيم، وكذلك بيان ابن القيم لاختيار الأنبياء لهذه الأسماء في حال دعائهم لله سبحانه وتعالى، في حال كذلك ابتهالهم إلى الله سبحانه وتعالى.

اليوم إن شاء الله تعالى سنتكلم عن معنى مهم جداً متعلق بالهدايات الخاصة التي ذكرها ابن القيم، ذكر فصل الهدايات العامة والخاصة، ثم ذكر رحمه الله تعالى عشر مراتب للهداية، ثم بعد ذلك أخذ يفصل رحمه الله تعالى ويذكر سر هذه السورة وعظمة سورة الفاتحة وأنها شفاء، واستطرد على عادته رحمه الله تعالى في الحديث عن المسائل التي قد يغفل الكثير من طلاب العلم الحديث عنها أو العيش معها، ويتوسع كثير من العباد فيها. ومعنا عدة وقفات اليوم، الوقفة الأولى المتعلقة بما ذكر حول مرتبة التحديث والإلهام.

التحديث والإلهام، النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إنه كان فيما كان قبلكم محدثون». ففي الأمم السالفة والماضية كثير من الصالحين يكون محدث، أي من أتباع الأنبياء يكونون محدثون، وفي أمتنا قليل، هذا القسم من الناس ليس كثير في أمتنا. ومنهم عمر بن الخطاب، فالسكينة تنطق على لسان عمر. ابن القيم عقد مقارنة بين مرتبة التحديث ومرتبة الصديقية، وقال بأن مرتبة أبي بكر الصديق أعلى من مرتبة عمر بن الخطاب. أعلى الصديقين على الإطلاق هو أبو بكر، وأعلى المحدثين على الإطلاق هو عمر بن الخطاب، ولا شك بأن عمر يلي الصديق في المنزلة والمرتبة. لا يأتي شخص ويقول لي أنا الآن في مرتبة الصديقية إذاً سأكون مثلاً أو شخص سيصل لدرجة يكون أعلى من عمر، لا، لكن قصد الآن هنا فقط ابن القيم يريد أن يبين بأن الصديق بلغ الذروة في هذا، فلم يعد الصديق يحتاج إلى تحديث. يعني ابن القيم يرد الآن على من؟ أو يخاطب من في عقله؟ يخاطب الصوفية، الذين توسع عندهم هذا المبحث حتى أصبح غلاتهم يقولون: حدثني قلبي عن ربي.

هذه حدثني قلبي عن ربي، والكلام الذي سأقوله دقيق جداً، وابن القيم لما ذكر هذا الكلام في آخره ختم بأن هذا المعنى إذا فهمه شخص انحلت له إشكالات كثيرة. وهذا المعنى يعني هو خطر، هو خطر ولا يستطيع شخص أن ينفيه ولكن هو حق موجود، بمعنى: أنت الآن تريد أن تعمل الدين وتنصر الإسلام، فتشعر بأن العمل هذا أفضل من هذا، هذه كلمة تشعر. قول السلف: من بورك له في شيء فليلزمه. قول النبي عليه الصلاة والسلام قبل ذلك: استفت قلبك، استفتاء القلب، من بورك له في شيء فليلزمه. أشعر بأن هذا أفضل، هذا كله إلهام، أو يظن الشخص بأنه إلهام، قد يكون إلهام لكن يظن هو بأنه إلهام، أو تحديث، يظن بأنه تحديث.

هذا الذي يقع في قلبك، الصوفية أو غلاة الصوفية بلغ بهم الحال إلى أن أسقطوا الأحكام الشرعية بحجة أن الواحد منهم وصل إلى اليقين من خلال التحديث، ويزعم غلاتهم بأن النبي عليه الصلاة والسلام يأتيه الوحي عن طريق واسطة، أما هو فلا يحتاج إلى واسطة، واضح؟ الآن ليس يعني من همي ولا من هدفنا في هذه المجالس أن نتكلم عن غلاة الصوفية، لأنني أظن لم يعد لهم ذاك، غلاة الصوفية لم يعد لهم اليوم حضور كبير، الصوفية نعم لكن غلاتهم لم يعد لهم حضور كبير في الأمة الإسلامية خاصة في الأماكن المركزية فيها.

لكن لما نأتي الآن وننظر في مرتبة التحديث أو الإلهام الذي يقع عند الشخص أو الشعور بأن هذا العمل أفضل من هذا العمل، هذا الشعور يقع ما يقع؟ يقع، لكن هو هذا الشعور ما مصدربه؟ هل مصدره الله الرحمن سبحانه وتعالى؟ لمة الملك؟ هل هذا الملك الآن يؤزك ويدفع إلى أن تقوم بهذا العمل الصالح؟ أو هو من الشيطان؟ أو ليس هذا وهذا، إنما كما ذكر ابن القيم انعكاس لما يتحدث به الإنسان، لما تشوف نفس الإنسان، ويكون الإنسان خاصة المعتزل والذي لا يأكل كثيراً، هذه النفس تكون شفافة، النفس الشفافة لما يفكر صاحبها يشعر بأنه يسمع ويشعر بأنه يرى، هو في الحقيقة لا يرى شيء ولا يسمع شيء، لكن هذا كله عبارة عن تحديث داخلي، لكن هو يظن بأنه سمع هذا الشيء أو رأى هذا الأمر.

الآن هذا التحديث الذي يقع عند الإنسان ما هو ضابطه؟ حتى نعرف أن هذا من الملك أو هذا من الشيطان، لما تقول بأني الأفضل أفعل كذا أو أشعر بأن هذا الشعور أفضل، هل هو من الله أو من الشيطان؟ ما هو الضابط؟ عندنا عدة ضوابط. الضابط الأول هو أن لا يكون في هذا التحديث أو هذا الإلهام إسقاط لحكم شرعي، يعني ما يكون حكم شرعي ثابت في الكتاب والسنة، يأتي شخص ويقول بأني أنا أشعر بأن خطأ. الثاني: ألا يتبجح صاحبه بذلك، فارق كبير جداً بين الشخص الذي يتبجح بأني أنا عندي كذا أو أنا هذا شعور، هذا من الشيطان قطعاً، إذا كان الشخص بهذه الطريقة يتعامل هو من الشيطان قطعاً ليس من الله سبحانه وتعالى وليس من الملك، هي ليست لمة الملك، إنما الشيطان ينفخ فيه فيظن هو، وهذا ترى كثيراً ما نراه، كثيراً ما نراه هو موجود لكن صاحبه ما يعرف. لماذا؟ لأن لما قرأ كلام ابن القيم هو ما استنطق هذا الكلام أو ما قرأ ممكن كلام هذا الكلام فلذلك الشياطين تتلاعب بالناس ويظن بأن هذا إيش؟

ذكر هو بعد ما ذكر الحديث عن الإلهام والتحديث انتقل إلى الرؤى إلى الرؤية مباشرة، لأن بين هذا الباب وهذا الباب ارتباط. فالشخص يرى في منامه أشياء، هذه الرؤية منين؟ هل هي من الله؟ هل هي من النفس؟ هل هي من الشيطان؟ تحتمل كذا وكذا وكذا. كذلك هذا التحديث وهذا الإلهام الذي يقع في نفس الإنسان، فالإنسان يقع في نفسه شيء، لكن هذا الذي وقع ما مصدره؟ هل هو من الله؟ هل هي مرتبة من الله سبحانه من عليك بها بحيث أنك توجه؟ أو لا؟ طيب كيف أعرف؟

أقول لك: أولاً، هذا الأمر يحتمل الخطأ، لا تعتقد دائماً بأنه صواب، انتبه، لأنه قد يكون إيش ليس من الله. طيب أنا كيف أعرف؟ أقول لك: أولاً، أنه ما يصادم الحكم الشرعي. ثانياً، أنك ما تتبجح بذلك، يعني ما تقول أنا دائماً، لا، لأن الشيطان سيدخل ويكون له نصيب. ثالثاً، أن الشخص يدعو، يعني هذا الإنسان يكون دائماً مفتقراً إلى الله في اختياراته، واضح الكلام ولا؟

بمعنى أنت الآن تريد أن تعمل أي عمل لنصرة الدين أو أي عمل للإسلام، وأي طريق تريد أن تسلكه حتى تنصر الدين، يقع في ذهنك أن هذا أفضل من هذا، هذا الذي وقع لا يشترط أن يكون من الله، ولا يشترط أن يكون لأجل ديانتك، قد يكون هو من الشيطان أصلاً. طيب كيف أنا أميز؟ أقول لك: إظهار الافتقار الدائم، يعني لما تختار هذا القرار، حتى هذا الذي وقع في ذهنك هو صواب أو خطأ، لما تفتقر إلى الله مستحيل يتركك الله، يعني قطعاً إذا كان هذا من الشيطان سيبعد عنك ولن يستطيع أن يؤثر عليك، أما إذا لم يكن من الشيطان فهي هداية، لكن إظهار الافتقار هذا يهدي الإنسان.

رابعاً: حال الإنسان، هل حال الإنسان على استقامة أو حال الإنسان على ضلال؟ ذكر ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية بأن رجلاً في زمان عبد الملك بن مروان من قراء القرآن، رأى في المنام بأنه يوحى إليه، فأرسل إلى أبيه وقال له بأني رأيت في المنام بأنه يوحى إليّ، فقال: يا بني، أنت لست منهم، أي لست من أهل الضلال، الله يقول: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام: 121]، وأنت لست من أولياء الشياطين، أنت نبي هذا الزمان! فانظروا كيف دخل الشيطان عليه، هذه فتنة، وكان يعني أنا شخص يخبرني بأنه كان يرى في المنام بأن من يقول هناك من يقول له بأن الشيطان لا يستطيع عليك، طيب هذا كله من الشيطان، هذا قد يكون في المنام على صورة رؤيا أو حلم، وقد يكون في اليقظة على صورة إيش تحديث وإلهام، والإلهام شيء يقع في نفس الإنسان يشعر بأنه هذا أمر ضاغط عليه، هذا قد يكون من الشيطان، لا يشترط أن يكون من الله سبحانه وتعالى.

طيب الآن كيف تقول هذه القصة في سياق حديثك عن من حاله الاستقامة؟ هذا الإنسان ظاهر حاله استقامة، فكيف إذاً يرى في المنام هذا الشيء؟ أقول لك: هذا فتن، يعني هذا نعم حاله استقامة، لكن لما وقع معه هذا الشيء، هذا يصادم الأمر الأول أو ما يصادمه؟ لا نبيه بعدي، يصادمه، إذاً هذه فتنة، هذا اختبار، وإلا الإلهام والتأييد كله باب التتقدير، وليس الأمور الظاهرة في الدين، باب التقدير الأمور المشتبهة، الأمور التي تحتاج إلى بصيرة زائدة وليست إلى علم واضح.

صلوات، كم الفرائض؟ كم فريضة في اليوم؟ كم صلاة؟ خمس، صح؟ هل تحتاج إلى إلهام ولا تحديث؟ أبداً، هذه أمور إيش بينة وظاهرة. ولكن الآن من الذي ينبغي علينا فعله، وبعد قليل هذه المرحلة، هذه كلها تحتاج إلى إيش؟ هدايات خاصة، هذه الهدايات الخاصة هي مبحث باب الإلهام والتحديث، الهدايات الخاصة هي مبحث الإلهام، وهل الآن أفضل الجهاد في سبيل الله أو أفضل الدعوة إلى الله وفي أي مكان؟ هذا كله أصله علم، لكن خفايا تحتاج إلى هدايات، هذه الهدايات هل مصدرها من كذا أو كذا أو كذا؟ أقول لك: الافتقار والحال، وتكون حال الإنسان على استقامة، ومعرفة أن هذا المبحث حاله، أعلى المحدثين على الإطلاق هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه.

عمر لما ننظر إلى سيرة عمر الفاروق رضي الله عنه، هل عمر تحديثه كان يدخل في الفرائض أو في الأركان أو في الأمور الواضحة؟ أبداً، إنما يكون إيش في الأمور الدقيقة جداً والخاصة جداً، وهذا يعني كذلك هي من الكرامات التي يمن الله سبحانه وتعالى بها على من يشاء من عباده. هذا المبحث لا يمكن للإنسان أن يصيب المقامات العالية يعني فيه، وأن يكون هذا الإنسان يعني حاله على استقامة وعلى هداية وعلى توفيق، إلا لما يكون هذا الإنسان حاله في الديانة مثل حال عمر، والمثلية ليس بمعنى أنه مطابق له، لا، ولكن أقصد هو يسير على ما كان يسير عليه عمر الفاروق من الإخلاص والصدق والمحبة والتعظيم والإجلال، هذا كله هو الذي يعطيك على درجة في هذا المقام.

طيب، هل شخص إذا ما وقع معه هذا الشيء، طيب هو صعب أنه ما يقع، لكن إذا ما كان كثير معه، هل معنى هذا أنه سيء؟ أبداً، بالعكس هذا أفضل، لماذا؟ لأن هذا الإنسان صديق، هو صدق لله ظاهراً وباطناً، فأصبح الله سبحانه وتعالى يوجهه من غير أن يحتاج إلى مثل هذه الوسائط، واضح الكلام؟

هو شوفوا يا إخوان، المبحث هذا ابن القيم كتبه بعد ما فتح عليه، واضح؟ وبعد ما وصل إلى مرحلة معينة، لأن ابن القيم كان يصالح الصوفية، ونقل كلام الهروي في الحديث عن الإلهام، وبين أن التحديث يكون خاص وعام، والإلهام خاص وعام، وهذا الكلام يعني الدخول في تفاصيله ليس بصواب الآن، لكن قصدي إيش؟ قصدي أن مثل هذه المباحث مهم جداً أن الشخص دائماً يرجع لها، لأنك لما تتقدم سيتقدم معك الشيطان، يعني هو يرتقي معك وأنت كذلك ترتقي في العمل والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، فقد تفهم كلام السلف بطريقة خاطئة، لما ترجع لابن القيم، ابن القيم يضبط لك هذا الميزان، لذلك قلت في المقدمة أن ابن القيم مجدد في هذا الباب، لأن هذه الموازين إذا ما ضبطت الشخص يصير يشطح إلا أن يحميه الله.

لأنه هو يقع في نفسه يقول: أنا رأيت في المنام كذا، رأيت باستخارة، قد لا تكون رؤية من الرحمن، قد تكون نفس. هذا الباب بالضبط هو نفسه بالإلهام والتحديث، بالضبط، نفسه بالإلهام والتحديث. إذاً هذه الوقفة الأولى المتعلقة بالإلهام والتحديث على وجه الإيجاز والاختصار، لكن فقط أحببت أن أزيد كلام ابن القيم إيضاحاً، وأبين بأن هذا يحتاج إلى ضبط، وذكر بعض الموازنات المتعلقة به، لما يكون في مصادمة أمور ظاهرة بينة بالشرع، ما يكون أمور تستطيع أن تصل إليها من خلال العلم البين، ما يكون أمور تستطيع أن تصل إليها من خلال العلم البين، إنما يكون أمر خاص ودقيق، يحتاج إلى هدايات معينة حتى تصل إلى إصابة الحق فيه، وهذا ترى يدخل حتى في الاختيار، يعني حتى في اختيار من يحمل الرسالة، اختيار الرجال، اختيار كذا، وهذا كله يدخل ترى في هذا الباب، هذا كله يدخل في هذا الباب. لماذا في الأمم السابقة المحدثون كثر وفي أمتنا قلة؟

الجواب هو لقوة الشريعة ووضوح الشريعة؛ فشريعة النبي عليه الصلاة والسلام هي خاتمة الشرائع، وهي صالحة في كل زمان ومكان. فلم يعد علماء الشريعة والصالحين في هذه الأمة يحتاجون إلى كثير من التفصيل لتفصيل الشريعة، فالقرآن الكريم كتاب واضح ومبين، كتاب مفصل، والله بين لنا كل ما نحتاج إليه فيه. الأمور الدقيقة هذه التي قد يحتاج الإنسان في الاجتهاد فيها والترجيح إلى مثل هذه الأبواب المتعلقة بإلهام إلى آخره. وابن القيم هذا الباب يعني ابن القيم متقن لموازنة ظاهر مع باطن.

متقن لموازنة الظاهر مع الباطن؛ أي أعمال الظاهر مع ما يقع في جوف الإنسان في الباطن. ليس فقط الحب والإخلاص إلى آخره، بل كذلك مثل هذه الأمور لأنها قد تكون وساوس. وهذا الباب، باب الكرامة مثلًا والأحوال الشيطانية، هذا الباب لا ضابط له إلا استقامة الإنسان.

لا ضابط له إلا نفس استقامة الإنسان على مراد الله سبحانه وتعالى، وإلا الشياطين تتلاعب بالإنسان ولا تتركه. هذه الوقفة الأولى. الوقفة الثانية متعلقة بكلام الإمام رحمه الله تعالى المتعلقة بالاستشفاء بالقرآن الكريم، وهذه حقيقة تحتاج إلى حديث طويل.

لأن في زماننا العلم تطور فيه تطور كبير، وصل إلى درجة فتن الناس بالعلم، فتن الناس بالطب. هذه الفتنة أو وصول الطب إلى هذه الحال، هذا كله يدخل في دائرة الأسباب، يعني الطب لن يصل إلى خارج دائرة السبب. وما أنزل الله سبحانه وتعالى من داء إلا وأنزل معه دواء، علمه من علمه وجهله من جهله. الله سبحانه وتعالى أنزل في هذا الكون دوائين؛ دواء روحي، ودواء خاضع للتجربة متعلق بالمواد التي خلقها الله سبحانه وتعالى من نباتات إلى آخره.

هذا الدواء الثاني لا بأس به، وهذا خاضع للتجربة المضبوطة، فإذا ثبت بالتجربة المنضبطة أن هذا الدواء شفاء لهذا المرض، فلا بأس به ويكون سبباً حقيقياً، سبباً قدرياً حقيقياً، وجاء الشرع به. الدواء الثاني أو الأول هو القرآن الكريم والرقية الشرعية.

فالرقية الشرعية والقرآن الكريم هذا دواء روحي يخاطب روح الإنسان، وكذلك يؤثر في شفاء بدن الإنسان. لكن هل كل من يقرأ هذا الكلام يشفى؟ أبداً. هل كل من يقرأ عليه يشفى؟ كذلك أبداً. لماذا؟ لأن من شرط المداواة والشفاء أن يكون الشخص صاحب يقين وإيمان، خاصة المتكلم أكثر من الذي يعالج، أكثر من المريض. الشخص الذي يتكلم أو الذي يرقي نفسه، الراقي، هل هو صاحب يقين تام؟

هل هو صاحب معرفة تفصيلية؟ هل هو سبق له أن عاش مع هذه الآيات لما يقرأها؟ إذا عاش مع هذه الآيات ووصل إلى يقين فيها يكون أثرها عظيم على هذا الإنسان. وكذلك لما يكون تركيبه للآيات موافق للمرض الذي وقع به الإنسان. لذلك تجدون في باب الرقية كثيراً ما يجتهد الرقاة في اختيار وانتقاء الآيات التي يعالج بها المريض، وهذا ترى علم، هذا علم.

يعني مثلاً لما تأتي عند مرضى العاشق، مثلاً الجن العاشق، قد تقرأ عليه آيات معينة يتأثر، لكن لا يكون تأثره مثل لما تقرأ عليه آيات أخرى. لماذا؟ لأن هنا وافق الدواء الداء فركب عليه. وذكر ابن القيم لما تكلم عن الأرواح وكيف أن الأرواح تؤثر في بعضها، وذكر مثال الشخص الذي صاحب نفس العضوية التي بعض الناس يعني ما يستطيع يعيش إلا لما يخرج هذا الأذى، يعني لازم يغلط على أحد، لازم يفعل مع أحد، وذكر ما يتعلق بهذا الأمر.

وكذلك كيف إن الشخص أحيانًا لما يتخيل صورة شخص معين يستطيع أن يصيبه بالعين، وهذا الكلام هنا يرد على من يقول بأن العائن لا يصيب إلا لما يرى، وهذا مشهور عند الرقاة أو عند كثير من الرقاة أنه لا يمكن يصيبك العين إلا بالرؤية. ابن القيم يقول لا، إنه ممكن يصيبك حتى بالسمع، لكن تتشكل صورة معينة فتصيب الروح الروح. هذا كيف يكون؟ الله أعلم، لكن هذا من علم الأرواح.

هذه الأرواح الآن لما تصاب في هذه الأمراض، علاجها كيف يكون؟ يكون بالرقية الشرعية. طيب هل كل رقية تشفي؟ نعم، القرآن شفاء، ولكن قوة الأثر تكون بثلاثة أمور؛ واحد: أن يكون الراقي صاحب إيمان ويقين وصلاح، هذا يؤثر التأثير العظيم بالرقية. الثاني: أن يكون نفس الآيات التي يختارها الراقي تكون مناسبة للحال، مناسبة للمرض. ثلاثة: أن يكون نفس المحل قابل، يعني نفس الذي يرقَى يكون قابل لأن يتأثر.

وذكر هنا قصة أبي سعيد الخدري في رقيته في سورة الفاتحة، وذكر هو ما وقع معه في سورة الفاتحة؛ كيف أنه لما كان في مكة أصيب بمرض أقعده، فأخذ يقرأ الفاتحة وينفث في الماء ويشرب، وأخذ المرض يضعف تدريجياً حتى ذهب. وهذا الذي ذكره ابن القيم هنا في هذا الموطن هذا يعرفه من جربه، والذي لم يجربه هذا لا يعرف.

يعني الذي أصيب بأمراض معينة ثم لم يتعالج بالقرآن الكريم هو ممكن ما تعالج أو تعالج لكن من غير يقين، طبيعي جداً أنه ما يتأثر، إلا أن يكون في حالة خاصة. لكن الأصل أن الشخص الذي يريد أن يتشافى بالآيات والأحاديث لا بد أن يكون صاحب يقين، لا بد أن يكون صاحب يقين وصحر معرفة بأن هذا الكلام كلام الله.

وحدثني أحد أقاربي وهو خالي، أنا ما حضرت هذه الحادثة، لكنه حدثني بالذي وقع في نهايتها؛ ابنه أصيب بشلل كلي ولم يكن يتحرك، ولم يكن يتحرك منه إلا عينه فقط، لا شيء يتحرك في بدنه فقط عينه، حتى ما يستطيع يتكلم. يقول: فذهبت إلى المستشفى وقيل لي بأن نريد أن نسافر إلى بلدان أوروبا، ألمانيا، ويتعالج بها. فيقول: قلت لا. وكان صاحب يقين.

يقول: فأخذته وقلت أنا سأقرأ عليه. فكان كل يوم أقرأ ثماني ساعات؛ سورة الفاتحة 500 مرة، وآية الكرسي 500 مرة، والبقرة عدة مرات، والبقرة مع الدعاء. يقول: فكنت أقرأ وأنا أقول بيني وبين نفسي: هذا الكلام لو نزل على الجبال لصدعها، سيقيم هذا الشخص. يقول: جبل لو نزل عليه صدعه. وعنده يقين فقرأ عليه.

يوم، اثنين، ثلاث، ما تأثر، يعني ما ظهر تأثر، حتى جاء اليوم الحادي عشر، بدأ يتأثر، ثم استمر 42 يوماً بالضبط، قام الولد، وحضرت أنا بعد ما قام سوى العشاء، فحضرنا العشاء والولد قام ويمشي ويتحدث ويسوق سيارة، سبحان الله العظيم! فيقول: ينظر كيف أن القرآن الكريم قام... هو أرسل لي إياه، وأنا كنت زائر أحد الأشخاص في المستشفى فأرسل لي رسالة يقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، هو قام.

يعني قام الولد، لكن هذا ما يكون لأصحاب اليقين، يعني هذه الطريقة هذه ما تكون للناس العاديين الذي ما عنده يقين كبير، يقرأ يقول: أنت شافى الله تشافى. يعني مثل قبل فترة كنت أسمع طبيب نفسي ابنه مات رحمه الله تعالى، فيقول بأني هو ما يؤمن بالرقية، ما أدري شلون مسلم ما يؤمن بالرقية بس إنه هكذا يعني.

فيقول بأني قيل لي: ليش ما تجيب راقي حتى يرقي ابنك؟ فيقول: يلا نجرب. هذه كلمة نجرب ليس يقين. هل تقصد من التجربة مع اليقين؟ يعني تجرب مع يقين بأن هذا كلام الله، وأن الله سبحانه أنزل هذا الكلام، وهذا الكلام شفاء، وأنزل القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين؟ أو لا تجرب، يعني صار صار ما صار، لا، هذا لا يحدث.

يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ماء زمزم شفاء للعين». وذكر العلماء بأن البعض يستشفي بهذا الماء وهو على يقين بأن هذا شفاء فيشفى، وبعضهم قال لا نجرب، فازداد مرض العين عنده، لأننا لسنا مع حديث النبي عليه الصلاة والسلام تجربة بمعنى الشك، يعني حدث ما حدث، إنما ما خسرنا شيئاً أو هكذا، هذا لا يكون، لابد فيه من يقين.

إذا لم يوجد اليقين لم يوجد الشفاء، خاصة عند الراقي الذي يرقي؛ هذا سيف ذو حدين كما يقول ابن القيم. فلما يكون صاحب الرقية عنده يقين ومعرفة بالآيات، يعني لما يقرأ يستحضر من هو الله جل جلاله، يعني لما قرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2]، رب العالمين هو يعيش مع اسم الله رب، مع اسم الله إله، مع الرحمن، مع الرحيم، مع مالك يوم الدين، يعني هو يعيش مع هذه الآيات، هذه تكون سلاحاً عظيماً فتاكاً، سلاحاً عظيماً في الرقية. ولكن الناس سبحان الله في مثل هذه الأبواب اليقين يؤثر تأثيراً كبيراً جداً في الشفاء.

إذاً، هذه الوقفة الثانية المتعلقة بكلام ابن القيم حول القرآن والشفاء والاستشفاء به. الأمر الثالث المتعلق بكلام ابن القيم هو طريقة استدلال ابن القيم في سورة الفاتحة في الرد على المخالفين؛ يعني ابن القيم هنا رد على أصحاب وحدة الوجود، ورد على الجبرية، ورد على القدرية، ورد على الرافضة، ورد على جماعة كبيرة من المخالفين في سورة الفاتحة. كيف كان يستدل ابن القيم في الرد على هؤلاء؟

رد ابن القيم لما تقرأونه أنا أتصور بأن الانطباع الأولي سيكون يعني أمراً عادياً عاماً، لكنه ليس بهذه الطريقة. الأول يقع في نفس الإنسان هذا غالباً ما يكون صحيحاً، غالباً خاصة لما تكون قراءة لناس كبار مثل ابن القيم. هو يرد بناء على ايش؟ بناء على معرفة تفصيلية بما تحمله الآيات من معنى، فهو لما يقرا الحمد لله رب العالمين ويفهم معنى الحمد ويحيش معه تفصيلاً، ثم لما يرد، يرد بناء على المعرفة التفصيلية.

الآن، نتكلم عن ردود ابن القيم على المخالفين، ليس هذا الهدف، لكن فقط أريد أن أبين بأن الشخص إذا وصل إلى المعرفة التفصيلية في الآيات يستطيع أن يرد على المخالفين فيما لا يستطيع عليه أكثر الناس، ويظن أكثر الناس بأن ليس فيه دليل، وله فيه دليل، ولكن السبب أنك ما وصلت إلى المعرفة التفصيلية. إذا أدركت المعرفة التفصيلية ستعرف كيف ترد.

ولذلك قال الشافعي: لو ما أنزل الله على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 1-3]. ابن القيم ترى من هذا الباب هو يرد ويفهم الدين من خلال هذا المنظار وهذا الطريق.

إذاً، هذه الوقفات الثلاث أتصور بأنها مهمة للشخص أن يعيش معها. وأختم بأن التعليق الإجمالي هذا لا يكفي عن القراءة، ولكن في كلام ابن القيم كلام كثير والله نفيس، يحتاج إلى تثوير ويحتاج إلى قراءة وعيش طويل معه حتى يفتح الإنسان مثل هذه الأبواب، لكن هذه كلها التعليق الإجمالي يكون باب التقريب. والله أعلم.