دخولتسجيل الدخول

التعليق على مدارج السالكين 26 | منزلة التفويض

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وآله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فأحييكم إخواني جميعاً بتحيتهم، وسدد على طريق الخير خطاي وخطاكم.

ذكر مدرسة كتاب مدارس السالكين، وكنا قد توقفنا في اللقاء الماضي عند الحديث عن منزلة التوكل، وأتبع الهروي هذه المنزلة في عدد من المنازل اللصيقة بها؛ وهي منزلة التفويض، ثم منزلة الثقة بالله، ثم منزلة التسليم.

أما المنزلة الأولى فهي منزلة التفويض، وكان يرى الهروي بأنها أعلى من منزلة التوكل. ورد عليه ابن القيم، وبين وجه الخلل والخطأ الذي وقع فيه. ومن ضمن هذه البيانات القيمية لابن القيم، قوله بأن التوكل ذكر على خاصّة اللسان وخاصّة خلق الله، بل الله سبحانه وتعالى أمر خواص خلقه بالتوكل عليه: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: 9]. هذا خطاب للنبي عليه الصلاة والسلام.

أما التفويض فلم يأتِ إلا على لسان مؤمن آل فرعون في قوله تعالى في سورة المؤمن سورة غافر: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر: 44]. فكيف يكون التفويض أعلى من التوكل؟ قسم من ذلك أن ابن القيم أطال رحمه الله تعالى في بيان الفارق هنا، وبين بأن التوكل أعلى من التفويض. حرر الرحم رحمه الله تعالى موطن الخلاف والنزاع، وكذلك بين الإشكال. ولا أريد أن أخوض في مثل هذه المجالس بنقل كلام ابن القيم التفصيلي في هذه المسائل، فممكن تقرؤون، وليس القصد هنا بيان مثل هذه المسائل، إنما القصد هنا الوصول إلى حقيقة هذه المنازل.

وفرق كبير بين التعامل النظري أو حل الإشكالات وهذا أمر مهم ولا ننقص من قيمته، ولكن مرتبة العيش مع التفويض، مع التوكل، مع التسليم لأمر الله سبحانه وتعالى، مع الثقة بالله سبحانه وتعالى، هذا هو المقصد الأعلى، هذا هو المقصد الأعلى. والشيطان وهذه مداخل على الإنسان، أحياناً يشغل الإنسان بالتنظير على حساب نفس الطريقة التي من خلالها يصل إلى تحقيق هذه المعاني. فممكن الشخص ينشغل كثيراً بالتوكل والحديث عن التوكل، الفرق بين التوكل والتفويض إلى آخره، هذا كله التحقيق مهم ولكن ليس هو أعلى من نفس تحقيق التوكل والتفويض. وليس معنى هذا الكلام مثل ما ذكرت أن الشخص يقلل من شأن هذه المسائل، لكن القصد أنها ليست أعلى من تحقيق نفس هذه المنازل، هذا هو القصد. ومثل ما ذكرت لكم، الشيطان يدخل على الإنسان، فالإنسان لما يدخل في مثل هذه المسائل، ربما هذا الإنسان يحمل حب العلم والمعرفة على المبالغة في التحقيق وذكر الفرق على حساب نفس تحقيق المعنى عملياً وتطبيقياً.

أريد أن نقف مع التفويض وقفة واحدة ومهمة جداً، بودي أن نعيش معها، توني نقرا عليكم كلام ابن القيم في المجلد الثاني في صفحة رقم 426، يقول: قال الهروي: وهو على ثلاث درجات. التفويض الأولى: أن يعلم أن العبد لا يملك قبل عمله استطاعةً، فلا يأمن من مكر، ولا ييأس من معونة، ولا يعول على نية. أي الآن شرح ابن القيم: يتحقق أن استطاعته بيد الله لا بيده فهو مالكها دونه، فإن لم يعطه الاستطاعة فهو عاجز، فهو لا يتحرك إلا بالله لا بنفسه. فكيف يأمن المكر وهو إلا يحركه من حركته بيده، بل يثبطه ويقعده مع القاعدين، كما قال في منعه من هذا التوفيق: ﴿وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ بِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة: 46]. فهذا مكر الله بالعبد: أن يقطع عنه مواد توفيقه، ويخلي بينه وبين نفسه، ولا يبعث دواعيه ولا يحركه إلى مراده ومحابه، وليس هذا حقاً عليه يكون ظالماً بمنعه، بل هو مجرد فضله الذي يحمد على بذله لمن بذله له، وعلى منعه لمن منعه إياه، فله الحمد على هذا وهذا.

ثم قال: ومن فهم هذا فهم باباً عظيماً من سر القدر، وانحلت له إشكالات كثيرة؛ هو سبحانه لا يريد من نفسه فعلاً يفعله بعبده يقع منه ما يحبه ويرضاه، فيمنعه فعل نفسه به وهو توفيقه، لا أنه يكرهه ويقهره على فعل مساخطه، بل يكله إلى نفسه وحوله وقوته ويتخلى عنه، فهذا هو المكر.

الوقفة هنا أن الإنسان أحياناً في طريقه إلى الله سبحانه وتعالى يشعر بعدم وجود الدواعي الدافعة إلى العمل. يعني الإنسان أحياناً ينشط للدعوة إلى الله والتحرك في هذا الدين والسير في تحقيق مرضاة الله سبحانه وتعالى، ولكن أحياناً يصيبه ضعف، هذا الضعف ما سببه؟ هل سبب دائماً هو أن الإنسان من الطبيعي أن يصيبه الضعف، أو أن سبب هذا الضعف الحقيقي هو أن هذا الإنسان وكله الله سبحانه وتعالى إلى نفسه؟

كثيراً ما يخطئ الإنسان في تشخيص المشكلة، والخطأ بالتشخيص علامة على عدم التوفيق. تقول لي: كيف يعني؟ أقول لك: شخص كان يعمل للإسلام، وكان يدعو إلى الله سبحانه وتعالى، ثم بعد ذلك فقد الدافع. والانسان كان يتحرك بنفسه لا بعقله، يعني هذا الإنسان إذا ما وجد هذا الدافع النفسي يصعب عليه أن يتحرك. أصدق الأسماء حارث وهمام، حارث من الحرث، وهمام من الهم، هذا الهم مبني على ماذا؟ مبني على الحب والبغض، فالانسان يتحرك تبعاً لحبه وبغضه. طيب، هذا الحب وهذا البغض إذا ما وجد عند الإنسان، ما الذي يدفعه لذلك؟

تجدون في أنفسكم أن الإنسان إذا أراد أن يفعل شيئاً أو يذهب إلى مكان، إذا كان محمولاً هو بدنه محمول بقلبه، يكون سهلاً عليه هذا الشيء. ولكن لما هو يحمل قلبه ويحمل نفسه، يكون ثقيلاً عليه. فممكن الشخص يضرب المشوار البعيد وهو سعيد مطمئن مرتاح، وممكن هو هذا الإنسان يكون ما بينه وبين هذا المشوار إلا عدة كيلوات، ومع ذلك يشعر بثقل كبير، سبب هذا هو إيش؟ هو نفس دافع النفس.

طيب، الآن لما ناتي وننظر، لما ناتي وننظر إلى الدافع العملي للإسلام، هذا الدافع العملي للإسلام إما أن يكون معه حب لله سبحانه وتعالى، وتعظيم لله سبحانه وتعالى، ورجاء لله سبحانه وتعالى، فهذا الإنسان يعمل ليل نهار ولا يتوقف. أو يكون هذا الإنسان هو الذي يحمل نفسه، الإنسان ممكن يحمل نفسه، لكن الوضع الطبيعي في هذا الطريق أن حمل لنفسه لا يكون كثير.

تقول لي: كيف يعني؟ أقول لك: يعني الوضع الطبيعي أن الله سبحانه وتعالى يسكن في قلب الإنسان حباً، يسكن في قلب الإنسان تعظيماً، يسكن في قلب الإنسان رجاءً، يسكن في قلب الإنسان خوفاً، هذه الأعمال القلبية هي التي تحرك بدن الإنسان وليس العكس، يعني ليس هو الذي يحمل بدنه على أن يفعل هذه الأعمال. طيب، ممكن تاتي لحظات الإنسان يبتلى بها، يقول لك: نعم، ممكن، ولكن هذه اللحظات عارضة في حياة الداعية إلى الله سبحانه وتعالى وليست أصلية، وهذا هو الذي يكشف لك سر استمرار العبد في العمل الإسلام والدعوة إلى الله إلى أن يموت.

العوارض تعتريه، الأمراض تعتريه، المشكلات يتعرض إلى بلاءات كثيرة، ومع ذلك هو مستمر بدعوته. لماذا؟ لأن هذا الإنسان عنده حماية إلهية عظيمة، وهي قلبه حب يطغى ويغلب اللب على كل هذه العوارض، هذا الحب ما يجعله يتوقف، ما يستطيع، فهذا الحب يحمل الإنسان. فهذا الإنسان يستمر، تقع عليه المشكلات، يستمر، تقع عليه القواطع، يستمر. لماذا؟ لأن في قلبه حب عظيم لله سبحانه وتعالى يدفع هذا الإنسان للاستمرار.

طيب، لماذا تتوقف؟ لأن هذا الإنسان وكل إلى نفسه، انقطع عن الدعوة إلى الله تماماً، لم يعد يستمر في هذا الطريق، ثم بدأ هذا الإنسان يتذمر، ثم بدأ هذا الإنسان يعترض، بدأ هذا الإنسان يتكلم، بدأ يتلون. أقول لك: هنا هذه علامة قوية على قوله تعالى: ﴿وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ بِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة: 46]. هنا لما قعد هو مع القاعدين ولم يقم بالقيام بهذه الأعمال التي يحب الله سبحانه وتعالى، يبدأ بعد ذلك يتلون، يأتي بعد ذلك يبحث عن الأعذار. هذا البحث عن الأعذار هو بحد ذاته أصلاً علامة على الإصابة، وهذا أمر خطير.

لذلك هذا قسم الناس لا يذكر العذر إنما يذكر بالله، يعني هذا صنف الناس لا يأتي وتقول له: طيب أنت صح كلامك، ولا تدخل معه في هذه الدائرة، إنما فقط أعده إلى الجنة والنار، أعده إلى يوم القيامة، أعده إلى نظر الله سبحانه وتعالى له، أعده إلى هذه المعاني يذكرها. هنا يذكر الإامام أن هذا باب من أبواب الحرمان، حتى لو لم ترد أن تسمع هذا الكلام، لكن هذه الحقيقة: عدم عملك للإسلام واستمرارك به هذا دليل على أنه أصابك والعياذ بالله مكر الله.

طيب، لماذا يصيبك هذا المكر؟ لأنك أمنت هذا المكر، تتعامل مع الله سبحانه وتعالى تعامل العبد مع الرب، العبد مع الغني، الفقير مع الغني، الذليل مع العزيز، إنما تعاملت معه بأنك أنت مستحق، هذه كلمة مستحق، علمت خلاص، توكل نفسك، الله سبحانه وتعالى يكلك إلى نفسك، فلما توكل نفسك، نفسك ما تعطيك لأنك أنت ضعيف.

جاء في الحديث: «يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث، أصلح لي شاني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين». ولما خرج عمر بن عبد العزيز مع مزاحم مولاه من المدينة إلى الشام، ودعا عبد الملك بن مروان وكانه الخليفه هو عمه ودعاه اليه حتى يكون قريب منه، قال لي مولاه مزاحم: أترانا قد نفتنا؟ هذا الاستحضار هو استحضار أهل الخير والصلاح.

ولما قيل لأبي عبد الله أحمد بن حنبل بأن أهل الثغور أي المجاهدين يضربون ويقولون هذا عن أبي عبد الله، يعني من شدة محبتهم للإمام أحمد كانوا يتقربون إلى الله سبحانه وتعالى بأن يضربوا، يقولوا هذا عنه، يعني يريدون أن يشارك معهم أحمد في الجهاد. فكان يقول أحمد: أخاف أن يكون استدراجاً. لماذا؟ حتى ما يأمن، الشخص إذا لم يأمن الاستدراج هو الآن آمن مكر الله.

يعني الإنسان لما يكون في طريقه إلى الله سبحانه وتعالى ثم يعتريه البلاء أو يأتيه الموقف هو ما يستحضر أن هذا ممكن يكون استدراجاً، ليس معنى هذا أن استدراج يغلب عليه حتى يكون يتعامل مع المواقف بطريقه مخالفة للدين، لا، لكن معنى هذا أن الإنسان ما يجعل الثناءات أو الكلمات تفتنه، إنما هو يقول: أسأل الله أن يكون هذا من علامات الخير، ولكن أخاف أن يكون استدراجاً. وهكذا، هكذا يتعامل.

لذلك العبد، العبد الكامل هو الذي يجمع بين حسن الظن بالله وبين الأمن من مكر، لأن العبد لا يأمن مكر الله. عدم الأمن من مكر الله، فالعبد يخاف وكذلك يحسن ظنه بالله، وكذلك لا يقنط من رحمة الله، هذه ثلاث، هذه ثلاث: لا يقنط من رحمة الله، لا ييأس من روح الله، إنما يكون دائماً حسن الظن بالله، وحسن الظن بالله سبحانه وتعالى وأنه لا يأمن بمكر الله. الأمن بمكر الله بوابته فتح باب الرجاء على إسرار واغلق باب الخوف.

المهم جداً أن نستوعب المعاني مع استيعاب الألفاظ، الألفاظ تابعه للمعاني. يعني هنا عند الخوف والرجاء، الأمن مكر الله، حسن الظن بالله، القنوط من رحمة الله، هذه كلها داخلة في بعض. مهم جداً أن نعرف المعنى ثم بعد ذلك يأتي في إطلاق الألفاظ.

الآن لما نأتي عن باب الرجاء، إذا فتح هذا باب الرجاء، والإنسان ما كان عنده خوف مقابل لهذا الرجاء، ما الذي يفعل؟ الرجاء يجعل الشخص يأمن من مكر الله. لماذا؟ دائماً يقول: الله رحيم، الله سبحانه وتعالى غفور، الله سبحانه وتعالى تواب، ويغيب عنه بأن الله شديد العقاب، ويغيب عنه بأن الله سبحانه وتعالى منتقم، ويغيب عنه بأن الله سبحانه وتعالى ذو الجلال، ويغيب عنه أن الله متكبر، ويغيب عنه بأن الله غني. فهنا إذا ما جمع من هذه الأسماء هنا يقع بالخلل والخطأ.

كذلك في الطرف المقابل: الشخص لما يتوسع في الخوف ولا يكون عنده باب الرجاء، يقنط من رحمة الله، يوصل الخوف إلى اقنوط من رحمة الله: ﴿وَلَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: 87]، ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: 56].

طيب، ما هو المخرج؟ المخرج أن يكون عندك رجاء، عندك خوف، وذكرنا موازنتها في باب الرجاء إذا تذكرون، كذلك باب الخوف أو منزلة الخوف، منزلة الرجاء. ثم بعد ذلك ما تأمن، يعني لما يأتي الموقف تكون حسن الظن بالله وتقول: أسأل الله أن يكون هذا من عاجل بشرى المؤمن. لما يأتيك أحد يثني عليك وأنت ما طلبت الثناء بالأصل، فتقول: أسأل الله أن يكون هذا من عاجل بشرى المؤمن، ولكن أسأل الله ألا يكون هذا من باب الاستدراج. هكذا تجمع، هكذا.

فلذلك مالك بن محمد لما سئل قال: ما يقول الناس عني؟ سأل المطرف، فقال المطرف: أما المحب فيثني، وأما المبغض فيسب أو يشتم أو يتكلم. فقال: لم يزل الناس على ذلك، ولكن نعوذ بالله من تتابع الألسنة. يعني أعوذ بالله أن تسجل بالتاريخ من الناس الذين يطعن بهم مثل الحجاج بن يوسف الثقفي، وهذه علامة قوية على وهذا هذا معنى شريف في معرفة يعني الآن لما الناس يطعنون بالنووي مثلاً من علامة خير النووي وفتح الله على النووي ثناء الأمة عليه، هذه علامة قوية على قبول عمل العبد عند الله سبحانه وتعالى لما تجمع الأمة أو عامة الأمة على ثناء على شخص معين هذا دليل على أن هذا به خير، ثم بعد ذلك يعني هذا غالب على نفس كلامه. وعلاشه ما يقاتل، خاصة لما يكون هذا التتابع عبر الأجيال والقرون، فالإمام مالك هنا كان يقول: لكن نعوذ بالله من تتابع الألسنة.

قصد من هذا الكلام كله أن هذا المبحث، هذه الصفحة من الصفحات التي لابد أن تكون قريبة من الإنسان دائماً.

لأن الإنسان أحياناً يصيب هذه الفتور، يعني يعمل يعمل ثم بعد ذلك خلاص يتعب هذا الإنسان ويشعر بأنه ما عن الدافع، عدم عدم وجود الدافع أحد أما أن يكون موكل هذا الععبد إلى نفسه، خلاص كره الله سبحانه وتعالى بهذا، وهذه نصيحة لمن لمن هو واقع في هذا، أقول لك الآن لازم تفزع إلى الله، لازم الآن فزعك إلى الله ولجؤك إلى الصلاة والدعاء وعمل الصالحات لابد أن يكون أقوى من السابق، لأنك أنت الآن مبعد، والشخص لما يكون مبعد ليس لما يكون مقرب، فالعبد لما يكون مبعد هو لابد الآن يفعل.

لما اجتمع اثنان من السلف قال أحدهما الآخر: إذا عتب الله عليك ماذا تصنع؟ قال: استرضيه بـ«لا إله إلا الله»، أو قال: استعتبه بـ«لا إله إلا الله»، يعني يزيح عتبه بكلمة التوحيد لأنها أعظم الكلمات، هي أفضل الحسنات.

فأنت الآن تشعر بفتور، تشعر بعدم قدرة على الدعوة، عدم قدرة على طلب العلم، عدم ما ما تشعر بأن هناك دافع قوي، أقول لك الآن قل لا إله إلا الله، وأكثر من لا إله إلا الله حتى يرضى الله سبحانه وتعالى عنك، هذه علامة سوء، أو يكون الثاني بلاء، تقول لي يعني إيش بلاء؟ أقول لك يعني الله الآن يريد أن يختبرك، هل أنت تعمل الإسلام فقط لما نفسك تحضر، أو أنت عبد صادق ستحمل روحك، وتحمل بدنك، وتحمل نفسك، وتحمل قلبك النافر حتى تحقق العبادة لله؟ هذا اختبار، لا، وهذا لابد أن يصيبك، والأول قد يصيبك.

الأول يصيبك متى؟ لما تقع بأحد نوعين: أما تقع بكبيرة من كبائر الذنب خاصة العقوق والصلاة، أو لما تشعر بينك وبين نفسك بأنك أنت الذي عملت الإسلام، أنت الذي دعوت إلى الله، أنت الذي صنعت البرنامج، أنت اللي حضرت المسجد، أنت، هذه كلمة أنت مصيبة تدمرك، هذه خلاص توكل نفسك، أنت خلاص أنت، اذهب وانظر إلى نفسك كيف ستعينك؟ لن تستطيع، ستفاجأ بأنك كنت تقرأ عشر ساعات، كنت تقرأ، كنت تدعو إلى الله، ثم فجأة هذا كله ذهب! لماذا؟ لأن أنت الذي كنت تطلب العلم، وليس لم تستحضر أن هذا عطاء الله فتح الله سبحانه وتعالى، فهنا يقال لك خلاص، أجلس لا تجاهد مع، لا تستحق شرف الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، هم يظنون بأن هذه حكمة وهذه مصلحة، لكن هي بالحقيقة هذا مضروب على قلبه.

أما الثاني فمثل ما ذكرت يكون هذا من البلاء الذي يصيب الداعي الله سبحانه وتعالى، يكون الله يريد من هذا الإنسان أن يصبر وأن يثبت له الحب والتعظيم والإجلال، ويحمل نفسه حتى يباهي الله سبحانه وتعالى به الملائكة، وهذه المباهات ما تكون إلا مع نفرة النفس، المباهات ما تكون إلا مع شدة النفس، لكن لما تنظرون بالحديث التي بها المباهات، انظروا إلى عبدي، تجدون بأن المعنى المشترك هو تفرد العبد بفعل هذا الشيء، وهذا التفرد ما يكون مع إعانة النفس مستحيل.

التفرد في عمل شيء ثقيل أو عمل شيء ما يفعله الناس عادة هذا ما يكون إلا مع مجاهدة نفسية كبيرة وليست قليلة، هذه مجاهدة نفسية في هذا السياق يوصل العبد إلى انظروا إلى عبدي، وهكذا، إذاً هذا ما يتعلق بهذه المنزلة الشريفة، المريف المنزلة تليها منزلة الثقة بالله سبحانه وتعالى، وافتتح الهروي هذه المنزلة بقول بقول الله لأم موسى: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: 7]، وذكر هنا الهروي بأن الثقة هي سواد عين التوكل ونقطة دائرة التفويض وسويداء قلب التسليم.

معنى الكلام أن الثقة بالله سبحانه وتعالى هي أخص ما في التوكل والتفويض والتسليم، يعني أنا لما ناتي عند التوكل على الله سبحانه وتعالى، تفويض الأمر إلى الله سبحانه وتعالى، تعلق القلب بالله سبحانه وتعالى ومباشرة الجوارح لفعل الأسباب الدائرة الخاصة هنا.

الثقة بالله يعني العبد الآن لما يكون في حالة صعبة يحتاج إلى إعانة إلهية، ما الذي يسهل على الإنسان هذا الأمر؟ الثقة بالله، أنه يعلم بأن الله سبحانه وتعالى رحيم، ويعرف بأن الله سبحانه وتعالى قادر، ويعرف أن الله سبحانه وتعالى مالك الملك، ويعرف أن الله سبحانه وتعالى خبير، ويعرف أن الله سبحانه وتعالى بصير، هنا يحصل العبد الثقة بالله، يعني هذه الثقة بالله أصلها يأخذ الإنسان من التعرف على الأسماء الحسنى والعيش معها، لكن تمام هذا الباب أو تمكن الثقة من قلب العبد تكون بعطية الله سبحانه وتعالى وفتحه بعد بذل العبد هذا السبب، فهذا العبد يكون واثق بالله خلاص، ما ما يكون تعلقه بغيره سبحانه وتعالى، ووسط هذا التعلق أو وسط هذا التعلق بالله سبحانه وتعالى هو أنه واثق بأن الله سبحانه وتعالى لن يتركه، لما قال إبراهيم عليه السلام: حسبنا الله ونعم الوكيل، وما قال له جبريل: لك أي حاجة؟ قال: أما إليك فلا، ولكن إلى الله فنعم.

هنا كان واثق بالله، الثقة بالله كانت عنده عالية وعظيمة.

هنا أم موسى لما ألقت بابنها في اليم وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً، يعني انظروا التعبير القراني كيف أن أم موسى الآن لم تعد تستطيع أن تسيطر على شيء من عاطفتها أو من نفسها، لكن مع ذلك الله سبحانه وتعالى ربط على قلبها وهي كانت واثقة بالله بأن الله سبحانه وتعالى سيعيد ابنها إليها، فألقت ابنها في اليم والله قالها: ﴿لَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: 7]، فلما فعلت هذا كان فعلها هذا معه ثقة بالله سبحانه، يعني هذا الموطن الذي تحركت به النفس التحرك المذكور بالقران الكريم، وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً، هنا النفس النفس يصل بها الحال لما تتحرك التحرك العظيم والكبير أنها تمنع العقل من أي تدخل، النفس تتحرك فالعقل يكون موجود فالإنسان ممكن يسيطر على عقله بنسبة معينة لما تتحرك النفس، لكن لما يصل الحال بالنفس إلى درجة التحرك والاضطراب الكبير العقل هنا لا يتدخل ولا يستطيع يفعل شيء، لذلك لا طلاق في إغلاق، يعني الشخص لما يغلق عليه ويغضب غضباً شديداً هو يقول كلام الآن ما يعقله، لماذا؟ لأنه وصل لهذه الدرجة.

طيب هذا متى كان؟ لما تحركت النفس، تحركت النفس متى تحركت؟ عند الخوف الشديد، وعند الغضب الشديد، وعند الفرح أخطا عبدي، ماذا قال؟ اللهم أنت عبدي وأنا ربي، أخطأ من شدة الفرح، لا يحكمن حُكْمٌ باثنين وهو غضبان، فالغضب الشديد مع الفرح الشديد مع الحزن الشديد يوصل الإنسان إلى درجة أنه لا يستطيع أن يسيطر على عقله، وهنا يرفع عنه التكليف، هنا يرفع عنه التكليف لما يصل إلى السقف إلى الحالة الكبيرة من هذا القصد.

من ذلك أن أم موسى وصل بها الحال إلى أن قلبها أصبح فارغاً، ومع ذلك الله سبحانه وتعالى ربط على القلب وكان عندها ثقة بالله سبحانه وتعالى، يعني هذا الوحي الذي ححاه الله سبحانه وتعالى عن طريق الإلهام على أم موسى كانت واثقة بالله.

طيب هنا ما هي الأسباب؟ لا توجد أسباب إلا ثقة، وهذا عين التوكل، يعني ثقة بالله سبحانه وتعالى ما تكون إلا لما يصل الأمر إلى درجة أن ما في سبب تبذله، ما خلاص الآن ما ما أملك شيء، خلاص أنا الآن في موطن في حالة صعبة لا يوجد من يبرئني ولا أستطيع أن أخرج من هذه المصيبة، وهذا هو عين الذي وقع لجريج، جريج كان واثق بالله، هو ما يعرف كيف سيخرج من المشكلة التي وقع لما دعت المرأة بأنه واقعها وأنها حبلت منه وأن الولد هو ابن جريج ودعوه وهدم صمعته، طيب كيف سيخرج الآن؟ ما يعرف، لكن هو يعرف بايش؟ بأن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير وواثق بالله سبحانه وتعالى، هذا هو معنى الثقة بالله، هذا هو معنى الثقة، وهذا الباب لا يتكلف، إنما هذا الباب يعطى ككرامة عطية ربانية، ولكن هذه العطية ما تكون إلا لمن يحسن تعبد الله سبحانه وتعالى، فالذي يحسن تعبد الله ويجاهد نفسه ويجتهد ويفعل الذي يستطيع يعين الله سبحانه وتعالى ويبلغه هذه المراتب.

والبلاءات التي تقع على الصالحين هي مساوية لما عنده من إيمان، لا يقع البلاء على الصالح فوق إيمانه، يبتلى المرء على قدر دينه، على قدر دينه فإن كان في دينه صلابة زيد له في بلائه، فبلاء العبد هو موافق لقدرته، أين يقع الخلل؟ لما العبد ما يبذل وسعه، هو إذا لم يبذل وسعه هنا ما يعطى الكرامة الإلهية الموجودة في هذا البلاء، يعني التوكل الموجود به، الثقة بالله الموجودة به، الحب التعظيم الإجلال هذا كله داخل قوالب البلاء، لذلك كان السلف الصالح يفرحون بالبلاء، وكان من كان قبلنا يفرحون بالبلاء، ما كان أحدهم يفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء، لماذا يفرحون بالبلاء؟ لأن هذا البلاء في باطنه التجريد، في باطنه التوكل، في باطن الحب التعظيم الإجلال لله سبحانه وتعالى، ولكن ما يتمنى عبد الله، لماذا؟ لأنه قد لا يتحمل، قد يسقط، لا تتمنى لقاء العدو، لكن لما يقع هنا العبد يكون يتعامل العبد الصالح يتعامل من بلاء على اختبار إلهي يريد أن يحقق أعلى مرتبة فيه، وفي هذا بعد ما يتجاوز هذا البلاء يحصل شيء من الثقة بالله وشيء من التوكل على الله والتفويض لأمر الله، وهكذا.

المرتبه التي تريها والمنزلة التي تريها منزلة التسليم، التسليم لأمر الله وهذه منزلة منزلة التسليم لأمر الله سبحانه وتعالى تنقسم إلى قسمين: هناك تسليم لأمر الله الديني، والثاني تسليم لأمر الله القدر الكوني، طيب ما الفرق بينهما؟ الفرق بينهما بين التسليم الأمر الديني مذكور في قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّن قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]، وكذلك المذكور في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36]، يعني الله سبحانه وتعالى إذا قضى أمراً هنا مباشرة المؤمن والمؤمنة يسلمون لأمر الله سبحانه وتعالى ولا يعارضون، من الذي يعارض هنا؟ المنافق.

فالله سبحانه وتعالى لما يقضي ويحكم في أمر معين هنا واجب العبد هو التسليم لهذا الأمر والرضا به، المقصد هنا الأمر ماذا؟ الشرع الديني، فليحذر العبد من أن يعارض حكماً من أحكام الله سبحانه وتعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63]، لذلك إذا ثبت بأن الله قال هذا أو قاله النبي عليه الصلاة والسلام قل: سمعنا وطعنا، سمعنا وطعنا، سمعنا وطاعة، ثم اجتهد في تنفيذ الأمر واجتهد في اجتناب النهي، واحذر أن يصل الأمر إلى القلب في المعارضة، يعني حتى لو قصرت بالفعل في التطبيق أو بالترك هذا لا يصير، إنما يكون فقط بالأفعال، لكن ما يصل قبل سمعنا وطعنا، أمر الله سبحانه وتعالى، قال الله هذا إذاً سمعنا وطعنا.

وبهذا كان يتنافس أصفياء منزلة التسليم، منزلة التسليم الناس فيها مراتب، ذاك صحابي النبي عليه الصلاة والسلام كانوا في الذروة في هذا الباب، حتى أن الرجل لما كان يقول لابن عمر: أرأيت لو زحمت؟ أرأيت لو دفعت في الحج في الطواف في العمرة وفي الحج؟ فماذا يقول ابن عمر: اجعل أرأيت في اليمن؟ يعني هذه كلمة أرأيت اجعلها في اليمن، أنا أقول لك النبي عليه الصلاة والسلام كان يستلم الركن الحجر الأسود والركن اليماني، اجعل أرأيت في اليمن، يعني إيش؟ يعني لا تضرب الأمثال، سلم وافعل الذي تستطيع، يعني لا تاتي تقول لا أرأيت كذا، هذا الذي نقع فيه كثيراً.

ولما لما قال أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال رسول الله عليه وسلم: «لا تتوضأ بما مست النار»، فاعترض عليه من اعترض قال: أرأيت كذا وكذا؟ فتعجب أبو هريرة وأخذ مجموعة من الحصى وقال: يا ابن أخي، اشهد عدد هذا الحصى أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا، يا ابن أخي إذا حدّثتك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تضرب له أمثلة، هذا هو التسليم، خلاص قال الله، قال النبي عليه الصلاة والسلام ليس لنا أي قول مع هذا القول.

لما كان أحد الأشخاص أحد أحد الأشخاص الذين وقعوا بكبيرة كبائر ذنب السرقة، فسرق هذا الشخص وتم الحكم عليه بقطع اليد، تم الحكم عليه بقطع اليد، فلما دخل أقاربه عليه قالوا: تريد أن تطعن أو المحامين تريد أن تطعن بالحكم، يعني ننقل هذه هذه المحكمة الابتدائية الأولى ننقلها إلى محكمة الاستئناف والتمييز، فهل تريد أن تستانف؟ قال: أستأنف على حكم الله؟ يعني انظروا هو واقع بكبيرة، لكن يقول: أنا كيف أرد حكم الله؟ وهو الذي حكم بقطع اليد وأنا حقي حقيقة هو سرق، إذاً كيف أنا أرد حكم الله؟ هذا هو الإيمان، هذا هو هذا هذا مثال الصحابي اللي كان يشرب الخمر ويجلد، فقال بعض الناس: لعنه الله، ما أكثر ما يؤتى به! فقال: لا تلعنه، النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لا تلعنوه، فإنه يحب الله ورسوله»، لماذا؟ لأن في قلبه إيمان عند التسليم، وإن كانت نفسه تضعف، هذا ما وصل إلى قلبه، يعني هنا المخالفة ما وصلت إلى أنه يستحل المحرم أو يتساهل في المحرم أو يكون المحرم ليس كبير بالنسبة له أبداً، لكن نفسه أحياناً تغلب فيقع، غير الذي يفعل المعصية ولا يبالي بها، بل حتى هذا قد يكون إيماناً أعظم من إيمان الذي ما يفعل المعصية، لماذا؟ هذا معه تعظيم، هذا ما يقبل وتثور نفسه لما أحد يفعل المعصية التي هو يفعلها، لماذا؟ لما في قلبه من إيمان وتعظيم، لكنه زلت به القدم.

مرتبة التسليم، هذا الشق الأول منها هو التسليم لأوامر الله؛ شيء ثبت في الدين بأن الله قال والنبي عليه الصلاة والسلام أمر به، سمعنا وأطعنا مباشرةً، ولا يكون في قلب الإنسان أي حزازة. لكن الله يقول: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]. يعني هذا الحرج ينبغي أن يزول من قلب المسلم؛ لماذا؟ لأن الله هو الذي أمر به، خلاص.

ونحن اليوم ابتلينا بالحكم بالقوانين الوضعية الشركية، وهذه القوانين الوضعية سهلت على الناس التحاكم إلى غير حكم الله سبحانه وتعالى. وليست فقط هذه المشكلة، إنما المشكلة التي أصبحت عند الناس اليوم أنهم لما يتحاكمون إلى هذه الأحكام لا يجدون في أنفسهم حرجاً. وكذلك لما يأتي شخص ويقول إن هذا الحكم لا يجوز، نعم هو في القانون هذا الوضعي أُعطيت هذا الحق، لكن هو في حكم الله ليس لك، هنا في حكم الله هذا ليس لك، لا هذا حقي! هذه خطيرة جداً، وهنا المشكلة تحضر النفوس.

يعني لما تقع نزاعات بين الناس تحضر النفوس، فلما تحضر النفوس الشخص الذي يرى لأنه يريد أن -يعني مثلاً مشكلة طلاق مثلاً وقعت بين الرجل والزوجة الزوج وزوجته- هنا ممكن تُعطى المرأة شيء ليس لها هي لا تستحقه. هذا الذي لا تستحقه إذا أخذته خطر كبير؛ لماذا؟ رضيت بحكم الطاغوت، لا تأخذ هذا الحق. كذلك لما يبقى بين اثنين نزاع على أمر معين ثم يحكم لأحد الشخصين وقد يكون هو معه الحق، لكن تم الزيادة فيه، رد هذا الحق حتى لو كان هو ظلمك، إذن هذا ليس لك في حكم الله، هذا ليس لك في حكم الله سبحانه وتعالى. شخص حكم عليه مثلاً بـ 500 دينار وهو بالحقيقة الظلم الذي وقع عليه 200 دينار، 300 هذا ليس لك! لا هو ظلمني! قاضٍ! هذا حكم لن ينجيك يوم القيامة، انتبه، انتبه.

فالقصد من ذلك أن الناس هنا لابد أن يستحضروا هذا المعنى، خاصة عند المنازعات؛ هو هذا الفارق بين أهل الإيمان وأهل النفاق. أهل النفاق إذا كان حق لهم يأتون مذعنين، ولكن إذا كان عليهم يعرضون، أما أهل الإيمان الأمر عندهم مختلف. وقع خلاف بين رجلين، بين منافق ويهودي، وقالوا نتحاكم إلى... قال اليهودي نتحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبى المنافق وقال نتحاكم إلى كعب بن الأشرف. فذهبوا إلى كعب فحكم لليهودي، ثم بعد ذلك ذهبوا إلى عمر بن الخطاب أو حكم حكم للمنافق، ثم ذهب إلى عمر بن الخطاب فقال عمر: يعني أنت الآن تحكمت معه إلى اليهودي؟ قال: نعم، نريد أن ننظر إلى حكمك. قال: تنظر إلى حكمي؟! كنت ذهبت إلى اليهودي!

رجع عمر وأخذ السيف وقطع رأسه -كما يذكر قصة أبو برزة الأسلمي- فقتله. فخاف اليهودي وهرب، فزع للنبي عليه الصلاة والسلام أن خاف أن عمر يقتل كذلك معه، فأقر النبي عليه الصلاة والسلام حكم عمر ولم يعترض، لماذا؟ لأنه تحاكم إلى غير الله سبحانه وتعالى. طبعاً هنا إجراء هذا الحكم يكون الأصل للحاكم، لكن هنا أجراه النبي عليه الصلاة والسلام.

قسم ذلك أن هذا الباب باب التسليم لابد أن نصل لابد أن يجاهد الإنسان نفسه حتى يصيب المراتب العالية فيه، وأعلى الناس بعد النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الباب هو أبو بكر الصديق. أبو بكر الصديق وصل به الحال إلى درجة ما يدري الإنسان كيف يعني يعبر عنها. أبو بكر الصديق لما مات النبي عليه الصلاة والسلام، جاءت فاطمة بنت النبي عليه الصلاة والسلام وأرادت مال المال الذي بفدك، فقال أبو بكر: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه فهو صدقة»، فلم يعطيها فأغضبت. فأخذ أبو بكر يترضاها، حتى استأذن عليها قبل وفاتها فأذنت له -لما استشارت علي واستأذن علي- فلما دخل عليها قال لها رضي الله عنه: والله ما تركت الديار والأهل والمال والعشيرة إلا ابتغاء مرضات الله ورسوله وابتغاء مرضاتكم أهل البيت. أبو بكر الصديق يقول: النبي عليه الصلاة والسلام هو الذي قال هذا، قال: إني أخاف إن خالفت أمره أن أزيغ، أخاف، ما استطيع حتى لو أنتم غضبتم، حتى لو غضبتم ما استطيع.

ولذلك لما... يعني انظروا، هذا أمر عظيم عظيم جداً، هذا الصديق مستثنى من الجميع! لما مات والنبي عليه الصلاة والسلام كان قد بعث جيش أسامة، ما رد أسامة ولا غير أسامة، مع أن عمر الفاروق وبقية الصحابة كانوا يريدون منه أن يبقي الجيش، ثم بعد ذلك إذا لم تبقي الجيش... غير أسامة لم يقبل لا بهذا ولا بهذا، وقال: والله لو رايت الكلاب تأكل بأرجل أم المؤمنين لبعثت جيش أسامة. تسليم، تسليم، تسليم تام!

هذا التسليم ليس هذا تسليم إيماني، يعني هنا العقل ما يدخل. يعني أقصد العقل شنو؟ ماذا أقصد بكلمة العقل؟ أقصد أن هنا التقدير العقلي خاضع للتسليم الإيماني وليس فوقه، والناس يخطئون هنا كثيراً؛ يدخل دائرة العقل في دائرة تسليم، فما يصيب التسليم العالي تنزل درجة التسليم عنده. هذا تسليم إيماني، يعني خلاص هو الذي قال الله، هو النبي عليه الصلاة والسلام هو الذي فعل، والله سبحانه وتعالى... يعني الصديق كيف كان يفكر الصديق؟ يفكر بأن الله يعرف الغيب، يعلم الذي سيقع ومع ذلك أوحى لنبيه بأن يفعل هذا الفعل، إذن كيف أنا أتي وغيره؟

طيب، الحسبه العقلية الآن مختلفه. أبو بكر الصديق لا ليست حسبة عقلية هنا، حسبة إيمانية. الحسبه العقلية لما لا يكون بهذه الصورة نعم تغير الواقع يتغير التقدير، لكن هنا من الذي عقده النبي عليه الصلاة والسلام؟ من الذي أذن له بذلك؟ الله سبحانه وتعالى، والله يعرف الغيب وما يعرفه؟ يعرف الغيب، إذاً لا سيكون هذا هو الخير، طيب حسب ما هو ما عنده حسبة عقلية مخالفة للحسبة الإيمانية. هذه مرتبة الصديق العالية، هذا تسليم، تسليم عالي.

وكان السلف الصالح وعلى رأس من الأصحاب يتنافسون بالتسليم هذا، لأن هي بالنهاية المراتب الإيمانية العالية هي معلقه بما في القلب، ومن أخص ما يقع في القلب هو التسليم. التسليم ليس بأعمال الجوارح، أعمال الجوارح هي تابعة؛ أعمال الجوارح ليست ثقيلة طبعاً دون فراغ مقارنة بما يقع في القلوب. أثقل ما يوضع هو نفس هذا الأمر القلبي، لذلك لا تستطيع أنك تقول إن فلان أفضل من فلان بعد انقضاء زمن الوحي؛ لماذا؟ لأن هذا ممكن يكون عنده علم، ممكن يكون مشهور، ممكن الناس تعرفه، ممكن يبث يبث علمه بالآفاق، لكن وفي قلبه إيمان، لكن هذا الرجل المغمور الذي ما يبعد في قلبه من التسليم والتعظيم والمحبة والإيثار ما يفوق هذا ليكون عند الله مثال مثال ويسرني، لأن هو كله في النهاية يرجع إلى هذا، ومن يفهم هذا لن حرص أو لن سيرتب الدين ترتيباً صحيحاً، ولن يبالغ في الحرص على أشياء هي بالأصل ثانوية مقارنة بهذه المعاني الإيمانية الشريفة العظيمة.

هذا الشق الأول من التسليم، الشق الثاني من التسليم المتعلق بالقدر، وهذا هو الذي ذكر ابن القيم هنا، الذي هو مزلُّ أقدامٍ؛ لماذا؟ لان وجدت في الأمة طوائف تعظم القدر حتى وصل بها الحال إلى أن تستسلم القدر ولا تطبق الشرع الموافق القدر، وترى بأن القدر هو عين الشرع. غلاة الصوفية فيرون بأن أصحاب الصوفة كانوا يقاتلون مع أحد ضد النبي عليه... ماكو فرق! ضد النبي عليه الصلاة والسلام في يوم أحد! انظر إلى أي درجة يصل الإنسان! وهذا خطر. قسم ذلك أن هذا الباب يحتاج إلى تفصيل وليس هذا يعني محله، لكن فقط هنا من باب التقريب أقول؛ لأن هذه المشكلة مشكلة الشرع مع القدر أو التعارض بينهما أكثر ابن تيمية وابن القيم من الحديث عنها في الرد على هؤلاء الغلات. لكن القصد من ذلك أن هنا من باب التقريب فقط، من باب التقريب هذه المعاني أقول بأن مقابلة القدر بالشرع هي الأصل.

لما يقع عليك القدر، القدر الذي هو عبارة عن مصيبة، عبارة عن بلاء، هنا قابله بما يحب الله سبحانه وتعالى منك من الشكر، وهذه عبودية الأولياء. مقابلة البلاءات بالشكر، هذه أعلى ما يصل إليه الولي؛ الشكر. يختار الرد الجميل، حسن تقبل هذا البلاء أو أو يتعامل مع البلاء هذا التعامل، هذا أعلى ما يصل إليه الإنسان. القدر لما يقع على الإنسان له صورتان: صورة متعلقه بالمقابلة هذه، المقابلة بماذا؟ بالشرع. وصورة ثانية مقابلة بالقدر.

تقول لي كيف يعني كذا؟ هذا كله باب التقريب، ونريد نصل إلى المعاني، أما الألفاظ بعد ذلك يعني توضع حتى ما تشتبه علينا المعاني؛ المعاني أهم من الألفاظ، الألفاظ تكون تالية للمعنى وليست سابقة عليه. الآن لما ذهب عمر بن الخطاب وأراد أن يدخل الشام وكان بها الطاعون ماذا فعل عمر؟ استشار؛ استشار من المهاجرين، بدأ باستشارة المهاجرين، فالمهاجرون اختلفوا عنده. فلما اختلف المهاجرون دعا الأنصار، فاختلف كذلك الأنصار. قال: قوموا عني المهاجرون! ثم قال: قوموا عني الأنصار! ثم دعا مسلمة الفتح فلم يختلف يختلف عليه بالرجوع، فرجع ولم يدخل الشام لما نزل بها الطاعون.

فماذا قال له أبو عبيدة بن الجراح؟ قال: يا أمير المؤمنين، أفراراً من قدر الله؟ قال: نفر من قدر الله إلى قدر الله، نفر من قدر الله إلى قدر الله. إذن القدر ينقسم إلى قسم هو تسليم القدر: قدر لا تستطيع أن تغييره، قدر لا تستطيع أن تغييره خلاص، أنت الآن في مكان مكتوب عليك السجن، خلاص ماذا تفعل الآن؟ قابل هذا البلاء بالشكر بالعبادة. قدر آخر تستطيع أن تغييره، نعم هذا تقابله القدر، هذا تقابل ماذا؟

إذاً التسليم للقدر هو يكون بالشق الأول وليس بالشق الثاني. الشق الأول هو أن العبد يقابل أقدار الله دائماً بشرعه الذي يحب منه. وهنا فائدة عظيمة أختم بها الحديث عن هذه المنزلة وهذا المجلس، وهي أن كثيراً من الناس يسأل عن أمور تفصيلية لا يستطيع الشخص أن يوجه بها لعدم معرفته بقدر الله الخاص.

أضرب مثلاً، الآن شخص يعيش حياةً بها عند أب وعند أم، هو مسؤول عن كفالة الأبوين، هذا مثل الشخص الذي لا يوجد عنده أبوان، مثل الشخص الذي يوجد عنده أبوان لكنه غير المسؤول عنهم أبداً. إذن لم يأتي شخص ويسأل ويقول أنا أريد مثلاً أن أهاجر في طلب العلم مثلاً، ويكون هذا الإنسان هو المعين، هو المعيل للوالد والوالدة وهما متعلقان به، هنا هل يصح لك أنك تقول له إنك هاجر في سبيل الله وأجرك الآن في طلب العلم أعظم؟ هذا مثال! مثال من هلال مع والده، هلال لما شيخان قد نشدا كلاباً كتاب الله أن عاقل الكتاب: تركت أباك مرعيشاً يداه، وأمك لا يسيغ لها شرابا، فما أنت وباغي الأجر بعدي، إلا كطالب الماء... إلا كطالب الماء يبغي السراب، أو طالب السراب يبغي... طالب يبغي السراب.

فهو كلاب يريد نجا... يريد... يريد يدخل الجنة، طيب ما الطريق؟ سأل أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام فقالوا: لا يوجد أعظم الجهاد. هو الآن عنده والد كبير في السن، شيخ كبير، وأم عجوز، ولا يوجد من يقوم برعايتهما إلا هو. فاستأذن الوالدة فلم يقبل، فلم يزل به حتى قبل على مضاضة، على مضاضة. فذهب كلاب، فالوالد بدأ يتلوم، تعرفون القصة أذكرها الآن يعني بتفصيلها، لكن القصد من ذلك أنه بعد ذلك بدا... بدا يدعو إلى عمر الفاروق لتستعدي على الفاروق رباً و... فسمع بعض الناس كلامه فأخذوه إلى عمر، وعمر لما سمع خاف، قال: ما شأن هذا الإنسان؟ فذكروا له، فمباشرة أرسل أن يأتيني هذا الرجل كلاب على البريد يعني بسرعة، فجيء به، وبعد ذلك تعرفون بقية القصة.

القصد من ذلك أن هنا لم يقابل كلاب القدر بالشرع المناسب له، فهنا قد يكون الواجب على هذا الإنسان الجهاد، والواجب على هذا الإنسان البقاء؛ لماذا؟ لاختلاف القدر. وهنا بعض الناس يخطئ كثيراً لما يقيس نفسه على غيره؛ يعني الله يريد منك عبادة معينة محددة، هذه العبادة التي يريدها الله منك لا تخرج عن قدر الله عليك، أقصد القدر ماذا؟ الذي لا يمكن تغييره، حتى بفهم كلامي خطأ! يعني الآن أنت الآن مسؤول، خلاص الآن عندك هذا الأب أنت مسؤول عنه، وعندك هذه الأم أنت مسؤول عنه، هذا هو قدر هذه العبادة التي تريد نظامك.

بعض الناس ماذا يفعل؟ يريد أن يغير القدر بالمخالفة، وهذا سمعتها من بعض الأشخاص وهذا كثير للأسف يعني، يقول: أنا أريد أفعل كذا بس لما يحدث كذا! طيب هذه لما يحدث كذا أنت لعل ممكن ما يحدث، وليس مطلوب منك أصلاً، هذا لماذا؟ لأن هذا قدر ليس مطلوب منك أصلاً تغييره، المطلوب منك أن تقابله بالشرع، بخلاف القدر الآخر الذي يستطيع الإنسان أن يغيره. هذا المعنى مهم جداً يستوعبه الناس، وله يعني شرح، لكن هذا كله باب التقريب، فإذاً نفس مقابلة القدر في نفس مقابلة القدر لابد أن تكون بالشرع، لما يكون قدر لا يمكن تغييره أو ليس أو لا يكون تغيير إلا بـ... أو يكون مع تمني أو مع هذا، هذا لا علاقة لك به.

الشق الثاني الشق الثاني هو القدر الذي يمكن تغييره بالقدر، القدر الذي يمكن منازعته بالقدر وتغييره بالقدر، هذا لا يكون معه تسليم، هذا لا يكون معه التسليم، إنما يصارع هذا القدر بالقدر كما فعل عمر رضي الله عنه وأرضاه، حتى لما رد على أبي عبيدة وذكر له قال...

رأيت لو كانت عندك إبل ولها واديان؛ وادي مشعب ووادي لا يجد به عشب، بأيهما ترعى؟ ولو رعيت بهذا لم تكن رعيت بقدر الله؟ وإذا رعيت بهذا لم تكن رعيت كذلك بقدر الله؟ إذا نحن نفر من قدر الله إلى قدر الله، هذا هو منازعة القدر بالقدر. أما لما يكون قدر لا يستطيع الإنسان أن يغيره أو من الواجب عليه تغييره، فهنا واجب العدان.

طيب، هنا لماذا الإنسان لما يكون القدر هو لا يريده ويكون فرض الله عليه أن يفعل كذا، هو ما يفعل نقص نفسه على غيره؟ والسبب الرئيسي إن كانت عنده مشكلة كبيرة جداً بمنزلة التسليم وما سلم، وفلان يطلب العلم أنه يريد أن يصبح مثله، طيب هو واقع غير واقع والواجب عليه غير الواجب عليه، هو ما يفهم هذا وما يتعامل مع القدر كما يريد الله.

وكل إنسان مثل ما ذكرت له، لذلك قبل الزواج الإنسان ما يكون عنده زوجة وأبناء مسؤول عنهم فهنا الوقت أكثر كله أو أغلبيته لك، بعد ما تتزوج أصبح هذا قدر جديد أو لا؟ طيب، هذا قدر جديد كيف تتعامل معه؟ بالطلاق ولا تتعامل معه بأن لزوجك عليك حقاً؟ واضح. لما لما ترزق أبناء، أنت الآن لست مسؤول عنهم إلا يجب عليك أن تعمل حتى تنفق عليهم؟ إذا هنا قدر ماذا؟

الأقدار هذا المقصود يعني من هذه الكلمة، إذا هذا بعد ما يتعلق بهذه المنازل الثلاث، والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا.