بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد النبيين والمرسلين، وبعد؛ أيها الإخوة، هذا لقاؤنا الثاني من لقائنا الذي تعرفون "نظرات في بلاغة القرآن وحماقات الملحدين"، وفيها التسري والتسلي بالجواب عن نقدات العيي الموسوم بالباحث كما عرفت.
وفيها طبعا نتناول أي مقطع له فيما يقرب من ثلاث ساعات، في ساعة منه أورد كما تعلمون ما توهمه، وهو عيي حصر ما توهمه من شبهات حول القرآن العظيم في بلاغته. فكانت هذه كما قلت فرصة نهتبلها في تناول البلاغة القرآنية والتمثيل لأمثال هؤلاء، لأنهم يشبهون بعضهم في الحقيقة.
مرحبا بالحبيب دكتور عبد القدوس، يا مرحبا. وكذلك للأسف وجدت بعض من تنطلق عليه مثل هذه الاستشكالات التي يلقي بها بعض الأعاجم، فإذا به يتأثر، فنستمتع ونفيد ونبين إن شاء الله تعالى لبعض الناس.
تناولت أمس أيها الإخوة أول ثلاثة استشكالات استشكلها العيي، وأنا أنبه لمن يحضر لأول مرة أن قولي إن العيي لم يكن ذلك من باب الإساءة أو الشتم له، وإنما كان من باب وصفه على حقيقته؛ لأنه مع عيه فيه جرأة لا تناسب هذا العي في الحقيقة.
أول استشكال كان حول سورة الرحمن، وورود ﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ بعد أمور لا تناسب العبارة كما فهم أمس، ورأيتم كيف أنه قصير العقل جدا ويفتقد مفهوم النصية، ويفتقد عناصر النصية، ولا يعرف قضية بناء النصوص ولا نحوية النصوص، ولو تكلمنا حتى باللغة اللسانية هي المعاصرة.
وأما المسألة الثانية أو الاستشكال الثاني: قال ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾، قال هذا العيي: كيف يكون السير في الأرض وكيف ونحن نحتاج فقط إلى التأمل؟ وبالمناسبة يا إخوة ربما فاتني شيء هنا في الاستشكال الثاني، لأنه يقول في معنى كلامه: ما أصل العرب؟ كانت تسير في الأرض، صح؟ كانت لها رحلات الصيف والشتاء، وتسير في الأرض، ولها رحلات إلى اليمن، ولها رحلات إلى الشام، ورحلات إلى الهند، وتتاجر وتذهب وتجيء وكذا وكذا، فيقول في هذا: طيب ما هم كانوا يسيرون في الأرض؟ لماذا يأمرها بعد ذلك بالسير في الأرض؟ يأمرها بالتأمل.
وهذا منه عي وقصور عقل عن فهم العربية، لماذا يا إخوة؟ لأنه من فقه العربية: الأمر بالشيء بقصد إجرائه على صفة معينة، كأنه أمر بهذا الفعل من أساسه. يأمرون بالشيء إذا أرادوا أن يحصل على هيئة وعلى صفة معينة، لا يقولون افعل كذا في مسيرك، افعل كذا في الفعل الذي أنت متلبس به، بل يأمرون بالفعل نفسه.
فهذا من فقه العربية أن يجعل المجيء به لأجل صفة معينة مجيئاً من الأساس، يجعل ذلك في مقام المجيء به من الأصل. يعني امر امرؤ القيس مثلا لما قال لمحبوبته: «سيري وأرخي زمامه ولا تبعديني من جناك المعللي». يقول لك: سيري، سيري موجودة أصلاً ما كانت تسير، يعني هي كانت واقفة ما هي كانت تسير، فقلت لها سيري وأرخي زمامه، لكنه أراد سيري على صفة معينة وهي الاطمئنان، يعني سيري ولا تنظري ولا تفكري ولا تهتمي، دعيني ألهو، فقلت لها سيري وأرخي زمامه.
حتى إن محمود شاكر في حاشيته على كتاب طبقات فحول الشعراء وقف عند كلمة سيري هنا، وكاد أن يقول إن سيري بمعنى اطمئني، بل حتى في اللغة المحكية الإنسان يقول لابنه مثلا: انزل الشارع، انزل إلى الطريق، وانظر هل ترى أحدا يفعل هذا؟ طيب ما هو ابنك فعلاً ينزل إلى الطريق، ابنك ينزل إلى الطريق فعلاً، فلماذا تقول له انزل إلى الطريق؟ قل له تأمل في الطريق لما تنزل، لماذا تأمره؟ لأنه أراد أن يسير في الطريق متأملاً شيئاً معيناً على صفة معينة.
فالعرب في مثل هذا تجعل الأمر بالفعل على صفة معينة في مقام الأمر بالفعل من أصله. فلما يقول الله تعالى: ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ﴾، فالسير في الأرض هنا بخلاف قوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾. هذا التوجيه بالسير في الأرض لا يجاب عنه: طيب ما هم يسيرون؟ هو لا يريد سيراً، وإنما من فقه اللغة ألا يقع المسير إلا على هذه الصفة، وكأنه لا يقع من أصله إذا لم يكن على هذه الصفة.
فهذا مما كان ينبغي أن أنبه إليه على كلمته، أنهم يسيرون في الأرض وهم لهم أسفار ويجوبون الأرض ولهم رحلة الصيف والشتاء ويسافرون إلى الهند واليمن، لماذا أقول لهم سيروا في الأرض؟ هو بعيد عن فهمه لأنه كما قلت في مقام الأعجمي. ونبهت ما معنى الأعجمي؟ الأعجمي هو الذي لا يبين ولا يستبين ولا يتبين، لا يستطيع أن يتبين الشيء سواء كان بأصله عربياً أو كان غير عربي.
بشار بن برد أصله فارسي، أبو نواس فارسي، ابن جني رومي، سيبويه فارسي، ابن الرومي رومي، لكن هؤلاء ما بين متبين فقيه في العربية وبين شاعر عظيم؛ أبو نواس شاعر عظيم وأصله فارسي، وابن الرومي شاعر كبير وأصله رومي، وبشار بن برد شاعر عظيم وأصله فارسي، وابن جني ناقد كبير، وسيبويه عالم نحوي متبين كبير بل ربما وضع أساس البلاغة في كتابه، وكان ممن أخذ عنهم كذلك عبد القاهر في تأسيسه لنظريته البلاغة.
فلما أقول أعجمي لا أريد بذلك العجمة أو الأعجمي باعتبار أصله؛ عند من يفرق بين الأعجمي والعجمي بأن الأعجمي هو الذي لا يبين ولو كان من أصل عربي، وأن العجمي هو الذي من أصول غير عربية وإن كان مفصحاً أو فصيحاً. فهذا الأعجمي لا يتبين، وهذا يقول: طيب ما هم أصلاً يسيرون في الأرض؟ لماذا تقول سيروا؟ امرؤ القيس قال لها سيري وأرخي زمامه، طيب ما هو دخل خدرها أصلاً؟ ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة هي كانت تقف على الجمل في خدرها، والجمل ثابت، كانت تنتقل ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة فقالت لك: الويلات إنك مرجلي، تقول وقد مال الغبيط بنا معا، عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزلي.
«فقلت لها سيري وارخي زمامه، يعني سيري مطمئنة، وارخي زمامه ولا تبعديني من جناك المعلل». فهي تسير فعليًا، فتخيلوا لو أن هذا العي أراد أن يشرح الشعر، امرؤ القيس سيقول: هذا حشو؛ لأنها يا إخوة كانت تسير أصلاً، فلماذا قال لها سيري؟ وأنت تقول لابنك انزل إلى الطريق وانظر؟ ما ابنك ينزل إلى الطريق؟ اذهب إلى جامعتك وانظر في أصحابك وبسلهم، ما هو يذهب إلى الجامعة!
العرب تجعل الأمر بالشيء -لإقامته على صفة معينة- أمرًا به من أصله، عناية به وتأسيساً له، وكأنه بغير هذه الصفة لا يكون موجودًا.
الإشكال الثالث كان: ﴿وَضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [الحج: 75]. ضرب لكم مثلاً من أنفسكم، سورة الروم، وقال المثل غير واضح ولم يُرَ بعينه السياقات، وأراد أن ينص له في المثل وخالف بذلك قاعدة المثل، وعرفتم عيّه هنا.
نأتي الآن أيها الإخوة إلى الإشكال الرابع، تعالوا نستمع إليه أولاً، تعرفون منهجنا لمن يحضر أول مرة: نستمع إليه ثم نقرأ ما دونته.
مشكلة كمان لما قال لك: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا مِنْ بَعْدِهِ عَلَى قَوْمِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ [يس: 28]. هو المفروض هنا يتكلم عن واحد في زمن المسيح، وأنه لم ينزل عليه جند ليهلكوه، ففي إطار القصة هذه، أنت قلت: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا...﴾ جميل، و﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾، طب ما أنت قلت ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا﴾، عرفنا أنك لم تنزل، مذكور ليه؟
الطاهر بن عاشور يعتذر لهذا، كيف يقول لك: والله هذا اعتراض ردًا على المشركين الذين طلبوا أن يأتيهم الله وجنوده. هل في ذكر الكلام هذا في الآيات يا جماعة؟ هل هذا الكلام جاء في الآيات أصلاً عشان نقول إنه رد على المشركين؟ نجيب الآيات من أولها في سورة يس: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ * قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ [يس: 13-15].
بعد ذلك يذكر قصة الآيات كلها، وبعد ذلك يقول: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ * قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ * وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ * إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ [يس: 22-29].
يعني خلاص، أنت قلت إننا لم ننزل على قومه من بعده جندًا، ليه تقول ﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾؟ الرشيد يقول: والله كان يقول هذا الكلام ردًا على كلام قريش، كلام قريش هذا لم يذكر في الآية في السورة أصلاً. طيب يا سيدي، حتى لو فرضنا أن هذا الكلام كان في ذهنكم، كونك قلت ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾، فبأنك رددت عليهم أيضًا، لماذا ضربت له مثلاً من الماضي؟ فقولك: ﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ لا داعي له ولا يستساغ في كلام بليغ، إنه في الدرجة العليا من البلاغة.
يقول -لأجل من لا يفهم المصرية- ما معنى أن يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ بعد قوله: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا﴾؟ يقول العي، الطاهر بن عاشور يعتذر عن هذا بأنه اعتراض ردًا على المشركين الذين طلبوا أن يأتيهم الله وجنوده. يقول الملحد -والملحد أقصد بها أيضًا الملحد في الفهم، قد يكون ربوبيًا، قد يكون الله أعلم بحاله- يقول: هذا الكلام ليس مذكورًا في الآيات. قرأ الآيات: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾، فيقول: هذا الكلام لم يذكر في السورة أصلاً، وإنهم طلبوا لم يذكر، وإن المشركين لم يذكر، كلام قريش لم يذكر في السورة أصلاً، فما معنى أن يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ بعد أن قال: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا﴾؟
هذا الكلام أيها الإخوة لا يقوله إلا أعجمي، العربية ليست لغته الأولى، ولا الثانية، ولا الثالثة، ولا الرابعة. هذا الكلام لا يقوله إلا أعجمي، إنسان لا يفرق بين دلالة الصيغة الفعلية ودلالة الصيغة الاسمية، ولا يفرق بين دخول النفي على المعنى ودخول النفي على الكون المسند إلى المعنى. أعجمي رسمي، عليل متوقف العقل رسمي، هذا لا يمكن أن يشرح نصًا لأحمد فؤاد نجم.
أنا بالمناسبة لا أعرفه، لكن أنظر إليه على أنه نمط موجود لتتعرفوا إلى هذا النمط، وتعرفوا حجم هؤلاء الذين يخرجون كالذباب ولا تعرفون ما وراءهم. أنا والله اشتقت للملحد المحترم الثقيل، أتمنى وأرجو إنسانًا شاعراً، فقيهاً في العربية، بليغاً، ناقداً بل نقاداً. والله العظيم كنت أدعو الله في السجود أن يرزقني به، ويأتي ويكون كافراً بالقرآن ويطرح شبهة حول القرآن في البلاغة، لأشعر باحترام الشبهة وأنا أتكلم، وأرد الآن على إنسان أو أجيب عن مادة شغل بها حيزاً في اليوتيوب، وهو إنسان لا يعرف الفرق بين دلالة الصيغة الفعلية ودلالة الصيغة الاسمية، ولا بين دخول أداة النفي على المعنى ودخول النفي على الكون المسند إلى المعنى أو المسند إليه المعنى.
تخيلوا، افتقدنا الملحد المحترم الثقيل، يعني هيموت بخراب دياره. فأنا أقول أتكلم معكم هكذا حتى تعرفوا حجم هذا الذباب الموجود، أنا لا أعرفه إلا إنسانًا عليلاً، الرجل لا يفرق بين عبارة "ما فعل" و"ما كان فاعلاً"، ما فعل لم يفعل، و"ما كان فاعلاً" لا يفرق بين العبارتين. لا يفرق بين دخول النفي على الصيغة الاسمية ودخول النفي على الصيغة الفعلية، ولا يفرق بين مباشرة النفي للمعنى ومباشرة النفي للكون المسند إلى المعنى أو المسند إليه المعنى.
أعجمي رسمي، هذا الكلام يا إخوة يعرفه الأطفال. كل من درس متناً في الصرف يعرف معاني الأوزان والأبنية، سواء في أوزان الأفعال أو أبنية الأسماء. وكل من درس العربية نحوياً يعرف دلالة الفعل ويعرف دلالة الاسم، وكيف أنه يؤتى بالاسم للدلالة على الثبوت والدوام، وكيف يؤتى بالفعل لأجل نوعه في الأزمنة؛ لأجل إظهار عدم الوقوع في النفي أو الوقوع في الإثبات في حيز هذا الزمان، إلا إذا كان كوناً شيء آخر.
الطفل يعرف هذا، تخيلوا أنه لا يفرق بين ما فعل وما كان فاعلاً. لا يفرق في القرآن مثلاً بين «إن الله غفور رحيم» وبين «إن الله كان غفوراً رحيماً». هذا من جهة الكون، لا يفرق بين «وما ظلمونا» وبين «ولكن كانوا أنفسهم يظلمون» في سورة البقرة.
لا يفرق بين قولك لأحد يتهمك بظلم فلان: «ما ظلمته»، وبين «وما كنت ظالماً». سيقول لك هذا العيي تخيل: «أنت قلت ما ظلمته، خلاص، لماذا تقول وما كنت ظالماً؟ وما كنت من الظالمين؟ خلاص!». كما قال في الآية: ﴿وَمَا كُنَّا مُنَزِّلِينَ﴾. ما ظلمته، وما كنت ظالماً؛ لا يفرق بين العبارتين.
يبقى إذاً لم يفرق في شيئين يعرفهما كل عربي بالفطرة أو بالدراسة، وهذا ما كنت أقول لكم عنه أمس نختمه به لأنه أقرب إلى الطرفة. هذا أقرب إلى الطرفة يا إخوة، لكن قلته لمجلس أمس طالما تقول: «ما ظلمته»، يعني ما وقع مني الظلم له عليه، وبعد ذلك تقول: «وما كنت ظالماً».
إذاً عندك في هاتين العبارتين شيئان: أولاً التفريق بين الصيغة الاسمية والصيغة الفعلية، وعندك التفريق بين دخول النفي على الكون المسند إلى المعنى، ومباشرة النفي للمعنى. نأتي إلى الآية لنشرح هذه العبارة؛ مثلاً «ما ظلمته» تنفي وقوع الظلم، تنفي الوقوع في حالة هي محل الكلام. بعد ذلك تقول «وما كنت ظالماً»، يعني تنفي استحقاقك لهذه الصفة التي يمكن أن يقع بها مثل ذلك الظلم في الحادث، فكأنك تحتج بالثانية على الأولى.
ما ظلمته، وما كنت ظالماً، يعني ما ظلمته وأنا من الأول لم يكن من هيئتي، ولهذا استعمل كلمة استعمل الكون، هذا معنى الكون. ولهذا قال فقهاء اللغة كالثعالبي وغيره: إن «كان» تأتي وهي صيغة ماضٍ في سياقات لوقوع الصفة أو الشيء في القديم مع استمراره. «إن الله كان غفوراً رحيماً»، يعني ليس معناه أن الله كان في الماضي غفوراً رحيماً والآن ليس غفوراً، لا، إن الله كان غفوراً رحيماً؛ يعني كان في الأول حصل هذا وبدأت موجودة هذه الصفة من الأول، كان غفوراً رحيماً وبقيت مستمرة، فهي أزلية أبدية.
فلا يفرق بين دخول النفي على الصيغة الاسمية والصيغة الفعلية، ولا يفرق بين مباشرة النفي للمعنى المنفي، ومباشرة النفي للكون المسند إلى المعنى المنفي أو المسند إليه المعنى المنفي. لما إنسان يقول: «ما ظلمت، ما ظلمته، وما كنت ظالماً»، فهو ينفي صفة الظلم عن نفسه التي توقع الظلم على هذه الحادثة المنفية وعلى غيرها، فهو يقدم الحجة على أنه لا يفعل هذا؛ فالأول نفي وقوع، والثاني نفي استحقاق.
ولهذا اختلف النظم، وهذا هو ما نتكلم عنه حينما نقول: النظم هو كما يقول عبد القاهر: «توخي معاني النحو بحسب ما يقتضيه الغرض». لما قلت «ما ظلمته»، معناه أنك ما أوقعت الظلم عليه، ولما قلت «وما كنت ظالماً»، فأدخلت النفي على الكون، وجئت بالصيغة الثانية اسمية ليست فعلية، الدالة على الثبوت والدوام، بخلاف الفعلية الدالة على التجدد. كما قالوا في المضارع التجدد؛ لما قلت «وما كنت ظالماً» أي لم يكن من الأول ومستمراً الظلم، لم يكن الظلم من الأول مستمراً صفة لي. من أين جئت بالصفة بصيغة الفاعل «ظالماً»؟ «وما كنت ظالماً».
تعالوا إلى الآية الكريمة، العجيب يا إخوة هو العجيب في هذا الإنسان، هذا أمر. هذه سورة يس، الصفحة 442. الشيء العجيب في العي أنه قرأ الآيات من أولها ولم ينتبه إلى ما تقوده إليه الآيات، سواء في السباق أو السياق أو اللحاق، يعني ما قبل اللفظ وما بعد اللفظ.
تعالوا، هو قرأ من أول: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾. انتبهوا معي وعيشوا مع السياق القرآني، لأنه قرأ ولم يجد شيئاً. لماذا قرأ من قبلها؟ ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾. طب خلاص، ما كانت تكفي واحدة، «وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء» وخلاص، لماذا «وما كنا منزلين»؟
اسمع: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ * قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ * قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ * وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ * قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ * وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ * وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ * إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ * قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ * وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ * إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾.
العي قرأ كل الصفحة. ثم ذكر، قال: «واضرب لهم مثلاً»، ثم ذكر قصة، لا يرى كيف يرى أصلاً وهو لا يعرف الفرق بين الصيغة الاسمية والفعلية، ولا يعرف الفرق بين دخول النفي على الكون المسند إلى الاسم ودخول النفي على المعنى مباشرة، لا يعرف معنى الكون، لا يفرق بين «إن الله غفور رحيم» و«إن الله كان غفوراً رحيماً». سأقول لك: «كان» زائدة، فليجعلها كلها «إن الله غفور رحيم»، سيقول هكذا. وإذا مشى في الطريق وقال لأحد سمع أحد يقول: «ما ظلمته وما كنت ظالماً»، سأقول له: الثانية حشو. تخيلوا هذا الإنسان يجلس ويتكلم، والله لا أرضى أن يتكلم في بلاغة هشام الجخ أو أحمد فؤاد نجم، بلاغة قرآن.
بلاغة المتكلم العادي لا يعرف أصل تصحيح الكلام أيها الإخوة، رأيتم أمثال هؤلاء ويرفعون عقيرتهم، نتحدى المسلمين في بلاغة كتابهم. مقطع متروك عامين على الإنترنت، عامين! كيف لم يهن أحد هذه العقلية؟ لا شيء، صفر، صفر صفر صفر يا إخوة، صفر الرجل صفر.
وما أنزلنا إذا السياق أولاً الذي لم يره العي؛ السياق أولاً. فيه كثرة إرسال الرسل، وفيه كثرة النظر، وفيه عتوهم في الكفر. فيه كثرة الرسل وفيه عتوهم في الكفر من أول الصفحة السابقة، وكأنهم بلغوا من استنفادهم عند الله -سبحانه وتعالى- حتى في رتب العذاب اختار لهم أوجزها: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ﴾ [يس: 28].
تخيلوا أنه قرأ، فضلاً عن أنه لا يعرف فرقاً بين الصيغة الاسمية والفعلية، وبين مباشرة النفي للكون أو مباشرة المعنى؛ تخيلوا أنه لم يرَ حتى قوله تعالى: ﴿عَلَىٰ قَوْمِهِ﴾، والضمير يعود على هذا الذي كلمهم وجادلهم: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ﴾. ولو أنك رجعت إلى الأول، انظر السورة من أولها، اسمع: ﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ * لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ * وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ ۖ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ * إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ * وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: 1-17].
العدد هنا: النذر، والرسل، وعدد الكبر؛ لأن الإنذار من الأول، واضرب لهم مثلاً، والإنذار في قول: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ ۖ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾. فالكلام من أول السورة في إرسال الرسل وفي عناد الأقوام، فإذا عاند هؤلاء الأقوام يا محمد صلى الله عليه وسلم، فاضرب لهم مثلاً أصحاب القرية.
وبعد صفحة كاملة: ﴿اضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ﴾. وجدال وخصومة، وجدل في الخصومة عُرف عن قريش في هذا الوقت، ثم: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ﴾. يعني أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث، ووقع الجدال، وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى في منتصف الصفحة ووقع الجدال.
بعدها اسمع: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ﴾، على أصحاب القرية أم على قومه؟ وإذا كان العي لغوياً يفكر، لقال: لماذا قال: ﴿عَلَىٰ قَوْمِهِ﴾؟ ولماذا ﴿مِّن بَعْدِهِ﴾؟ لأن الضمير في "قومه" و"بعده" مرجعه واحد. ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ﴾؛ إذاً هناك سباق أو سياق. الكلام مشدود إلى هذا الذي جادلهم بعد مجادلة الرسول الثالث، ومجادلة الرسولين قبله؛ يعني في صفحة واحدة جادلوا وتخاصبوا مع أربعة كذبوا بالله: ثلاثة من الرسل، ورجل جاء من أقصى المدينة يسعى.
جاء رسولان أرسلنا إليهما الاثنين فكذبوهما فعززنا بثالث، شوف استيفاء الأسباب واستيفاء الحجج عليهم: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾، وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال: يا قوم اتبعوا المرسلين، هؤلاء الثلاثة اتبعوهم. وشد الكلام إليه: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ﴾؛ يعني من بعد هذا الذي كان منهم معهم، إذاً هذا الذي ستسمعون يا سامع القرآن متعلق بانتهاء حجتهم وباستهلاك أعذارهم مع هذا الرجل الأخير.
﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ﴾. اسمع: ﴿وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ﴾. العي فهمها ماذا؟ فهمها: ﴿وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ﴾؛ اختلفت الصيغة من الفعل إلى الاسم، ودخل النفي بما نافى الكون. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾، ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. لم يظلموه ولا مرة من هؤلاء، لكن كل ما يفعلونه هو على أنفسهم.
فترى هنا في كلامه يقول: لماذا؟ ما معنى أن يقول: "وما كنا منزلين" بعد قوله "ما أنزلنا"؟ أنا مش فاهم حاجة! كيف تحاور إنساناً قوته المشاغبة والاستنفار لأنه فارغ ليس عنده ما يقول؟ فهمتم لماذا أقول أعجمي وعيٌ كليل؟ كليل العقل، قليل اللسان، والجنان جداً لا يفقه، لا يفهم.
فكان قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ﴾ ممهداً للحاق؛ إن كانت "ما" النافية لا تكون إلا صيحة واحدة، جند؟ لا، لا تستحقون حتى الجند. ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ﴾؛ سينزل جند من السماء وكذا؟ ليس لكم اعتبار بعد أن كذبتم كل هؤلاء وطغيتم واستهلكتم كل الأعذار.
هذا الولد يفتقد مفهوم النصية، لا يستطيع أن يقرأ نصاً، ولم يستطع أن يرى الضميرين في "من قومه" و"من بعده". طب لماذا؟ لو كان يشغل عقله قليلاً، قال: لماذا "من قومه" و"من بعده"؟ ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ * وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ﴾. يعني ليس نحن في حكمتنا وعظمتنا وجلالنا من نفعل هذا مع هذا التكذيب وهذا الطغيان، ﴿وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ﴾ يعني مع أمثال هؤلاء في مثل هذه الحال. وليس "ما كنا منزلين لهم رسل" بمعنى "ما أنزلنا"، هذا لا يقوله حتى غبي، ليس عيئياً فقط، بل لو كان غبياً تحت العي سبحان الله، لا يفهم كلام العامة. ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
ولا شك أن الله تعالى لا يقصد أنه لم يكن من المنزلين للجند إطلاقاً، لأن الله أنزل جنده، وإنما ﴿وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ﴾ دين على هؤلاء بعد أن تأكد بالضميرين: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ * وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ﴾؛ إن كانت "ما" ليست إلا صيحة واحدة، فإذا هم خامدون. ثم انتهى الكلام عنهم، يا حسرة على العباد، انتهوا في كلمة في كلمتين، صيحة واحدة. ستقول لي جند ونزلت وملائكة وبتاع، إن كانت ما كانت لم تكن إلا صيحة واحدة، انتهى. فلم ينتبه لا للسياق أو السباق، ولا للحاق، ولم ينتبه إلى لحمة الكلام ونصية الكلام والعلاقات التناسبية التي تكلمنا عنها أمس، لا من قبل ولا من بعده، للأسف الشديد.
كما رأيتم، هذا العي يكاد لا يكون قارئًا، وأنا أؤكد أنني لا أقصد شخصه، وإنما أقصد نمطه، وأمثاله كثير من التافهين، من الحصيرين، الأعاجم؛ يتكلمون في بلاغة القرآن! والله لا أرضى أن يتكلموا في بلاغة أحمد فؤاد نجم -رحمه الله-، لا أرضى أن يتكلموا في بلاغة إنسان يلقي خطابًا سياسيًا كُتب له من قبل، لا أرضى أن يساووه، فكيف كما ترون يكاد لا يكون قارئًا يا إخوة؟
أما الدلالات البلاغية فدونه ودونها سنوات ضوئية. فمن لا يرى دلالة الصيغة الاسمية، ومن لا يرى دلالة الصيغة الفعلية، ومن لا يميز بين دخول النفي على المعنى ودخول النفي على الكون المسند إلى المعنى؛ هو لا يفهم أصل اللغة ودلالاتها النحوية والصرفية.
الاستشكال الخامس.
طبعًا أنا إذا كان من شيء يفرح هذا الولد فهو أني نشرت رابطه، وأظن أنه الآن يراه كثيرون، وهذا فضل لي عليه أن يطلعوا عليه. وأنا أطالبه بالمناسبة، لأنني يبلغني أن كلامه يبلغه ويشتم، المهم أنا أطالبه الشيء الذي أرجوه منه بكل أدب أن يزيد من هذا، لأن قدر الذين راسلوني بسعادتهم بهذه المجالس في القرآن كبير، وحتى إن بعضهم قال لي: يا أبا قيس، يوم أن يأتي بك أحد إلى مجلس في البلاغة القرآنية يكون ملحدًا أو يكون مسيئًا، هل نتمنى أن يسيء؟ فأوحى إلي بالفكرة أنني أطلب من الأخ العي أن يكثر من هذا، فأنا أطالبه بالإكثار من هذا، وسأكون سعيدًا إذا ناقش هذا الكلام وطرحه، والمجال مفتوح كما طرح شبهاته، فليتفضل وليناقش على راحته ويقدم هذا كله للناس، ولكن أرجو ألا يطيل علينا.
أنا أنتظر منه أمثال هذا حقيقة، فأنا أرجوه أن يكثر من هذا. قد يستفز بعض الإخوة ويقولون لن يناقشه، لكن إن شاء الله يناقشه؛ لأن هذا الكلام محفوظ في بثوثي. حتى أخبرني اليوم كثير من الإخوة وواصلوني قالوا: سهرنا أمس على البث ثلاث ساعات لأننا حسبنا أنها غير محفوظة، لما قلت إنها رد على أحد الملحدين في بلاغة القرآن، فحسبنا أنها غير محفوظة حتى لا تنشر شبهاته، فحضرنا. فقلت لهم: لا، البث محفوظ، واحضِروا في الوقت الذي تحبون، لا يلزمكم اللقاء الثاني غدًا، وإن شاء الله هناك لقاء غدٍ الأخير. فقلت لهم البث محفوظ، وله سلسلة وحدها على قناتي في اليوتيوب، تحضرون وقت ما تشاؤون أو تشاهدونه، ليس شرطًا أن يكون مباشرًا.
فلذلك قالوا لي أمس: سهرنا عليه حسبنا أنك لن تحفظه، فقلت: كيف؟ بالعكس، ده أنا لما قالوا لي لا تنشر رابطه قلت: لا والله، أنا أريد نشره، بل أنا الآن أطلب طلبًا من الباحث المتخفي؛ خليك متخفي لا بأس، لكن أرجوك انشر أي شبهة أخرى. أنا أحب النقاش العلمي، أحب الدراسة العلمية، أحب التأمل، وسأحب كذلك أن أرى كتاباتك المنمقة أو إلقاءاتك المنمقة والتفنيت على هذا الكلام، سأحب أن أراها جدًا جدًا، ومعي معك نفس طويل في هذا، والجماهير مستفيدة، صح ولا لا؟ الجماهير لها عقول.
أنا أطالبه بالإكثار من هذه الشبهة، لكن لي عنده رجاء آخر فوق هذه الشبهة: لو سمحت خذ وقتك وقوِّ الشبهة، أعطني بعضًا من التقدير، لا تجعلني أكره نفسي وأنا أنظر لما كنا منزلين، أخذت عليّ ذنبًا كبيرًا فيها. أنا كنت جالسًا أقرأ وأسمعك كذا مرة، أقول معقولة لا يقصد هذا؟ يمكن فُهمت شيء، هو قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُنَزِّلِينَ﴾، أيحق يقصد الاستغناء بما أنزلنا على قومه عن ﴿مَا كُنَّا مُنَزِّلِينَ﴾؟ فتستغني بهذه عن هذه؟ فأنا لو سمحت يا الأخ الباحث، ابحث أكثر وانظر أكثر.
وهناك أيضًا بعض الأمور في الشبهات الآتية، إن شاء الله لو سمحت، لما تكون باحثًا، بعض الأمور فيها كتب صُنفت أنت لم تعرفها، فلو سمحت لأنك باحث ابحث. هذا طلب ثاني فوق أصل الشبهة: لو سمحت عزز القوة، عزز البحث، حاول أن تقوي شبهتك للناس. أنت تعتقد أن هذا القرآن ليس كلام الله، وليس معجزًا، وأكيد لا تقصد أن الله أنزله معيوبًا ومليئًا بالخزعبلات، هو يدعي أنه قارئ في اللغة العربية ويعدل على علماء المسلمين في التيك توك، وهذا حاله، وهو مهزلة، لكن إن شاء الله تنصلح الأحوال.
المهم، حاول أن تقوي اعتقادك بالبحث. أنا أدعوك إلى تقوية البحث، وأنا أطلب منك طلبًا حقيقيًا؛ أطلب منك أن تزودنا بكثير من هذا. أمسك المصحف، اقرأ الآيات، وحاول تستخرج الشبهة وتبحث كل شبهة، اعمل كده. الجمع أولاً، ثم طبق الصبر والتقسيم. إخوتنا يقولون فعلاً خاربها على التيك توك، لا، أنا عايزك تخربها مع أبو قيس، اخربها في البلاغة، هات الشبهات، أنا بقول لك كل ما ستقوله في الشبهة هاته. وإذا وجدت في كلامي أنني لا أتناول كلامك أو أقول مصادره على المطلوب وليس أحلل بلاغيًا، أطلع وقل انظروا علم البلاغة كذا، وأبو قيس يقول كذا، والدلالات كذا، وروح شهد علينا طلاب النحو الصغار، واتفقنا.
طلاب البلاغة، علوم البلاغة موجودة؛ أصغر طالب بلاغة عندنا يقرأ "الإيضاح" للقزويني، ليس "التلخيص"، بل "الإيضاح" الكبير، كل طلبتي في "رواد القصيد" درسوا "دلائل الإعجاز" لعبد القاهر، يشربونه شربًا. فتعال، الدنيا مفتوحة، وأنا أدعوه إلى أن يقوي شبهته على المسلمين.
ادعوه إلى أن يقوي شبهته على المسلمين.
أخبروني الإخوة أنهم أرسلوا لي التاريخ، لكن أنا لا أريد، أنا فقط أريد أن أطلب منكم شيئًا يا إخوة لو سمحتم. البعض أرسل إلي مشكلته مع مناظرته أو ما فعله معه الدكتور محمد المغترب أو الدكتور أحمد الشافعي وكذا، وأروني كيف فعلوا به وكيف كشفوه وكشفوا ضعفه، وقالوا إنه يحاول أن يكسب جماهير من خلال ذلك وكشفوا لي بعض الأشياء.
ليس من الصواب في هذا السياق أن أظهر هذا، أنا لست في مناوشة معه، هذا شخص مجهول وواضح أنه سنّه صغير، أنا أقدره في منتصف العشرينيات، لا يزيد، لكن سناً ونضجاً هو أصغر من ذلك، لكنني أقدره في منتصف العشرين بقطع النظر. أسأل الله أن يهديه، وأنا كما قلت إنما أصف حقيقته. خلاص، لما أقول عيًّا وأعجمي وكذا، أصف حقيقته؛ لأنني حينما أدخل في اللغة والأدب والشعر والبيان، سواء كان في القرآن أو في غيره، تعتلج النفس، حتى طلابي معتادون على ذلك والجمهور معتاد على ذلك، أنني أعبر بصدق عما أجد.
فأنا حتى وأنا أناقشه لا أستطيع أن أكذب، أنا أراه عيًّا ضعيفًا، وسأحاول أن أفيده ببعض المراجع وبعض الكتب هنا إن شاء الله وأنا أكلمه، لأنني أريد أن يقوي شبهته، فسأساعده إن شاء الله بذكر كتب وكذا، وأعينه على طرح شبهة تستحق النظر إن شاء الله.
أرجو من الإخوة ألا يقولوا لي كيف فعل فلان معه، ولهذا عنده فوبيا من التواتر وعنده كذا، وتقولون: «أنا مسكين، أنا لا أناقش إلا في فني»، هذا العيي عالم إمام علامة فهامة نقاد في كل شيء، يناقش في البلاغة، ويناقش في التواتر، ويناقش في الاعتقادات وعلم الكلام، إمام علامة في كل شيء! وأنا لا أجد من نفسي ووقتي إلا ما هو في البلاغة، إنسان مسكين جئت على هامش حياة هذا الإمام العلامة الفهامة، فليش لا أحد يكلمني في ماضيه وتاريخه وما فعل فيه الإخوة الشافعي والمغترب وفلان؟ اطلعوني على ذلك، اطلعوني على ذلك ولا أستعمله ضده.
أقول للإخوة: لا تراسلوني بشيء عنه، لن أسوء إليه، ولن أقول له انظر ماذا فعل معك فلان، والله لن أفعل هذا. أفعل أنا معه لكن لا أستعين عليه بأحد، وهذا منهجي الذي تعرفون، وأنا رجل أقرب إلى البدوي، أصولي بدوية بالمناسبة ليست ريفية، وما زلت أحمل البداوة، ومن البداوة في هذا السياق ألا أستعين عليه بغير نفسي.
فأنا أرجو ألا يراسلني أحد عما فعل معه وعما حصل كذا، والله لن أستعمله معه ولن أستعين عليه. ولست لأنني أيضًا لست في مناوشة معه، هو شخص غير موجود، هي طرحت شبهة خلاص، لكنني أرجو هذا الفتى أن يجتهد، وأن يستخرج شبهًا شديدة من القرآن وأن يطرحها، وأن يقوي الشبهة في عقيدته عن المسلمين أو يقوي الشبهة في عقيدته عن قرآن المسلمين، وأن يطرح هذا بين المسلمين، أنا أطالبه أن يطرح هذا بين المسلمين وأنا سأنشر له الرابط، أحلى من كذا شهرة؟
والله يا باحث، لن أستعين عليك بأحد، ولن أذكر لك ما يفعله معك أحد، ولا أقول لك "لي قطعك فلان وعمل لك كذا"، كما يقال لي، ولم أهتم أن أبحث هل حصل هذا منهم أو لا، أرسلت لي روابط والله لم أفعل، لم أفتحها والله لم أفتحها خلاص. وقالوا إن عندك فوبيا من التواتر عشان مش عارف من المغترب عمل معك ماذا وظبطك وكشفك وفضحك وحصل كذا وكذا، أنا مالي علاقة، شوف، أنا الكلام هذا عارفه من الأول من عشرة أيام، من أول ما قلت سأناقش، وكنت تسيء إلي لم أتكلم عنه إلا مصادفة، أنا لن أفعل شيئًا.
فقط، أحد يقول لك: «والله عنده فوبيا من التواتر»، أنا مالي علاقة أيضًا، أنا عندي فوبيا بلاغة، أي أحد يتكلم عن البلاغة تعال! طلبي لك لو عندك وقت لي بعد أن تنتهي من مناظراتك ومن اجتهاداتك يا العليل يا باحث -معذرة جرى قلبي بالصدق- بعد أن تنتهي من مناظراتك وشبهات التواتر والمعارك مع الشافعي مع المغترب مع مش عارف من، فضِّ نفسك شوية وحاول تستخرج شبهات تطعن في بلاغة القرآن، وحاول ترفع مستوى الشبهة، وسجل ذلك أو ألقه في غرفة وضعه على اليوتيوب.
وما شاء الله البشر ما توصف، سترسل إلي، ولأناشرن لك الرابط بشبهاته، أحسن من كذا يا عم! والله في قناتي يا باحث سأنشر لك الرابط وأنا أقول هذا، ولم أرَ شبهاتك الجديدة بعد، أنا أتكلم عن أشياء في حكم الغيب، والله لو أصدر جهدك عن شبهات حول القرآن لم أرها، لم تخرج، لم تولد بعد، والله لأنشرنها لك عندي، والله قسم محفوظ. لو أخرجت شبهاتك عن القرآن، شبهات جديدة عن القرآن وعن بلاغة الآيات، سواء في الإعجاز البلاغي -طبعًا دعك الإعجاز في أصل البلاغة يا سيدي، ما تقولي لي أنا أفهم إعجاز، أصل هو داخل في حكم الغيب في فكرة البلاغة القرآنية معجزة أو غير معجزة- والله ما ستقوله من الشبهات التي لم تخرج بعد، سأنشرها لك عندي في قناتي ويراها الآلاف، والله يمين، في بث محفوظ.
الآن معك، أرسل بس الشبهات، وطلبي لو سمحت الزيادة، يعني قوِّها، اصبر عليها، دافع عن اعتقادك بقوة، أنا لو مطرحك عمر ما أعمل كذا، أنا لو كنت مكانك ما أتيت بهذا. يا أخي أقول لك حاجة بيني وبينك، والله مكسوف لك، أنا مكسوف. ولو سمحت يعني احترامًا للملكية الفكرية بلاش الشبهات كما يقول الإخوة تجي لك من فوق، أنا عايز الشبهات بتاعتك أنت، يا مستشكل يا باحث، أنت اسمك الباحث، عيب عيب اسمك الباحث، عيب، الشبهات تكون بتاعتك أنت.
إنما مثلاً تروح تجيب لي من الدكة، تجيب لي من بعض المستشرقين الألمان، خلاص ومفهوم عندي كتب المستشرقين الألمان وأعرفها، فبلاش ما تعملش زي رشيد حمادي، ما تعملش زي رشيد حمادي، حمادي بيجيب الكلام من غيره، أنا عايز شبهاتك أنت بقى "فريش"، وأقسمت لك، أقسمت لك أن أنشرها وأنا لم أرها بعد، أن أنشرها لك على قناتي، وأن أشهرها، وأن أشيعها، أحلى من كذا، وأن أكثر سواد المطلعين على الشبهات التي نقحتها التي أصر عليك أن تنقحها.
خلاص يا سيدي، كذا في أي شيء ثاني؟ عدينا العيب، محترمين كذا تمام، شبهات، يلا أنا عايز شبهات في البلاغة. طيب، الإشكال الخامس يقول:
افتحوا المصاحف يا إخوة، سورة آل عمران.
أولاً، نسمع الأول، شبهة، صحيح؟ ماشي. فإنا أشكل ثاني. نأتي للي بعده، قال لك: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رَبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: 146].
الوهن والضعف بمعنى واحد؛ لما قال لك: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ﴾ [لقمان: 14]، وتفسيرها: ضعفا على ضعف. فإيه اللي يخليك تقول: «فما وهنوا وما ضعفوا»؟ اللي يخليك تكرر كلمة بالمعنى مرة ثانية، فده برضه مشكلة في الآية، البلاغة بتاعة الآية. الوهن والضعف الاثنين بنفس المعنى، كأنك بتقول: «فما ضعفوا وما ضعفوا» أو «فما وهنوا وما وهنوا». كان ممكن تكتفي وتقول: «فما وهنوا» خلاص، «فما وهنوا لما أصابهم»، وتقول وما بعرف، تحش وليس له أي فائدة.
لما الزمخشري يحاول أن هو يعتذر لهذا، فقال لك: «فما وهنوا» عند موت النبي، أو عند قتل النبي، و«ما ضعفوا» بعد موته. قبل موت النبي وبعد موته؟ أنت جبتها منين يا زمخشري؟ جبتها من القرآن ولا جبتها من دماغك؟ من دماغك. هل القرآن بيقول لنا: «والله أعرف اللي في ضميري»؟ هنقعد نتأول محذوفات كده بدون أي قرينة، وبدون أي مجوز للحذف، طب لو كده يا جماعة نطلع أي كلام في الدنيا أحسن، كلام محذوفات. المشكلة بقى اعتذار غير مقبول.
الطاهر بن عاشور حاول برضه يعتذر لهذه الآية، فقال: «فما وهنوا» يعني ما جزعوا، والجزع هو عكس الصبر. الوهن ممكن يأتي بمعنى جزع، أنا معاك في ده، بس الوهن برضه بيعني الضعف، بدليل: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ﴾، فلو قلت «فما وهنوا» كانت «وهن» تؤدي المعنيين أصلاً، لو أنت عايز الجزع أديهاته، لو أنت عايز الضعف ذكرت ومضت. أنت تبقى يعني بشكل كبير فاكر الكلام ده ينطبق كثير على الشعراء؛ الشاعر اللي يجيب كلمتين، كلمة منهم ما أضافت معنى جديد، يُنتقد على طول. طبعاً الكلام ده، لكن لو في القرآن، مش أنا.
الإشكال الخامس لمن لا يعرف المصرية؛ افتحوا الآية في سورة آل عمران، الآية 146: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رَبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾.
أولاً نقرأ قبلها بثلاث آيات: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا * وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ۚ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: 144-145].
ماذا قال؟ قال: الوهن والضعف بمعنى واحد. هو يقول هذا كما في القرآن: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ﴾ وتفسيرها ضعفا على ضعف. هو يقول هذا، فما الذي يجعلك تقول: «فما وهنوا وما ضعفوا»؟ أنا أقرأ كلامه مرة أخرى: ما الذي يجعلك تقول: «فما وهنوا وما ضعفوا»؟ ما الذي يجعلك تكرر الكلمة بالمعنى؟ فكأنك تقول: «فما ضعفوا وما ضعفوا» أو «فما وهنوا وما وهنوا». كان ممكن يكتفي بواحدة وينتهي، هكذا قال هذا حشو ليس له فائدة.
ثم قال: جاء الزمخشري وحاول أن يعتذر لهذا، فقال: «ما وهنوا» عند موت النبي ﷺ، و«ما ضعفوا» بعد موته. قال: من أين جئت بهذا يا زمخشري؟ إنه من رأسك، يعني من دماغك. وهل القرآن تركنا هكذا للضمير؟ قال: هل القرآن تركنا هكذا للضمير دون أي قرينة ودون أي مجوز للحذف؟ فاهم بلاغة؟ يعني مجوز للحذف، وأخذ بالكم؟
وقال الطاهر أيضاً، الطاهر بن عاشور، حاول أن يعتذر فقال: «ما وهنوا» يعني ما جزعوا، وهو عكس الصبر، فالجزع بمعنى الوهن أيضاً، أو بمعنى الوهن، لكن أيضاً الوهن هو الضعف. الشاعر الذي يأتي بلفظه لا يأتي بمعنى جديد يُنتقد فوراً، لكن القرآن طبعاً لا أحد ينقده عند المسلمين، يعني لا يمكن أن يُنقد، لكن لو الشاعر أتى بلفظ واحد دون معنى جديد هذا يُنتقد فوراً.
أول شيء يا باحث تراه لا يفرق بين ذكر المرادف الذي يذكره النحاة والمفسرون للتقريب اللغوي في تجريد المعاني، وبين معنى المفردة المترادفة من كل وجه. وهذا من أعجب العجب، لكن لا عجب، أنا لا ترونني الآن متعجباً، لو بدأت بهذه لكنت ضارباً كفاً بكف أو وجهاً بكف.
يعني مثلاً، تقرأ كتب التفسير أو النحو، تراهم يقولون لك قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾، يقولون لك هنا «في» بمعنى «على». خلاص، يقولون لك «في» بمعنى «على»، في مصنفات فقه اللغة يعقدون أبواباً، كما في كتاب الثعالبي (فقه اللغة القسم الثاني)، وهذا أنصحك به يا باحث. تحتاج إلى فهم، لا، أنت تحتاج إلى فهم مفهوم اللغة قبل حتى اللغة العربية، تحتاج إلى أشياء، تحتاج إلى كل شيء.
يقولون لك في استعمال الحروف مكان الحروف، وفي كتب التفسير، وفي كتب النحو؛ لأن النحاة يعنون بماذا؟ بتصحيح الكلام ولو في أصله. فترى النحاة يقولون لك: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾، «في» بمعنى «على»، خلاص، هذا بيان أصل المعنى بالمرادف، لأجل تصحيح الكلام نحوياً. لأن النحاة لما فصلوا النحو عن الصرف، ما بقي من قسم النحو متعلقاً بالتراكيب، ذكروا في شرطه أن يكون مفيداً، حتى اختلفوا في الإفادة.
هناك من قال: «السماء فوقنا والأرض تحتنا» بهذا الصريح ليس كلاماً لأنه لم يفد شيئاً جديداً، وغيرهم يقول: لا، الإفادة معناها إفادة شيء ولو كان معروفاً، لكن ألا يكون التركيب لا يفيد شيئاً؛ "السماء تحت فوق"، هذا كلام لا يقال فيه كلام لأنه إسناد لا يفيد نسباً إسنادياً، فلا بد أن يكون على وجه يفيد. بعضهم قال: لا بد أن يفيد شيئاً غير معلوم على البديهة، يعني لو قلت "السماء فوقنا" لا يقال هذا كلام عند النحاة. بعضهم قال هذا الشاهد هو عنايتهم بقضية الإفادة وتصحيح الكلام، فلما يقولون لك: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾.
وإن فيه بمعنى "على"، يريدون تصحيح إفادة الكلام؛ لأن قولك: "في جذوع النخل" على الظاهر بدون المجاز، مجاز الحرف عن الحرف سيكون كلامًا غير صحيح.
بعد ذلك، تفسير العلة أو ذكر العلة في مجيء الحرف مكان الحرف هذا شيء آخر تمامًا؛ لماذا جاء هذا مكان هذا؟ خلاص يقولون مثلًا يأتي "ما" مكان "ها"، يأتي مثلًا "ما" أو "لا" مكان "لم"؛ فلا صدق ولا صلى، فلا صدق ولا صلى، يعني إيه؟ يعني "لم" فلا هنا بمعنى "لم". يقولون مثلًا في: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ﴾، إنما جاءت مكان "من"؛ وكل هذا ذكره علماء اللغة في القرون الثلاثة الأولى لو كنت تتكلم بالعربية.
فأنا هنا، وبالمناسبة نص عليها عبد القاهر في "الدلائل"، يتكلم في الذين قالوا إن قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: 37]، هذا دلائل الإعجاز يا إخوة، صفحة 340. معليش نسخة تاريخية عندي، تحملني، أنا أعتز بها شديدًا، تحملتني دهرًا طويلًا في دراستي، أنا لها وإدماني على حفظ الكتاب وما شرحته للناس وكذا؛ فهذه نسخة عريقة، يعني هذه كانت مجلدة أصلاً بمطاد قوي، لكن خلاص الزمن، فسأجلدها بالجلد الطبيعي عند مجلد محترف تقديراً لهذه التي لها فضل عليّ.
في صفحة 304 يا إخوة من "الدلائل"، بـطبعة المدني القديمة، محمود شاكر الآن طبعت صورتها مكتبة القدس، تأخذها من مكتبة القدس. ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: 37]. فيقول: أما تفسير من يفسره على أنه بمعنى "من كان له عقل"، يعني القلب هو العقل، فإنما يصح على أن يكون أراد الدلالة على الغرض على الجملة؛ فإنه إنما يصح أن تقول قلب بمعنى عقل مرادف، يعني القلب والعقل وإنه يرادفه، فإنه إنما يصح على أن يكون قد أراد الدلالة على الغرض على الجملة.
فأما أن يؤخذ به على هذا الظاهر حتى كان القلب اسمًا للعقل كما يتوهمه الحشو، بعض أسفلة الناس من المتقدمين من العجم الذين كثروا وصاروا يتكلمون بغير علم، كما يتوهمه الحشو ومن لا يعرف مخارج الكلام كصاحبنا، فمحال باطل. إذًا قضية المرادف، يا العي، تقول الوهن والضعف هو الضعف، الوهن والضعف بمعنى واحد، وأنت تقول: "فما وهنوا وما ضعفوا"، فيكون بمعنى "ما ضعفوا وما ضعفوا" أو "ما وهنوا وما وهنوا"، هذا كلام لا يقوله من عنده بثلاثة قروش، فهم في المعجم والعربية بثلاثة قروش.
شيء ثاني، أخونا العي وهو ينتقد كتابًا، على الأقل من وجهة نظره هو محل جدل، أريد أن أفسر لكم فكرة الباحث، مستواه الباحث، يعني باحث بقى باحث. مهم جدًا أن تعرفوا مقادير الناس بعلو أو سفله وأنت تنظر في الباحث، وهو يبحث في كتاب الذي هو القرآن، باحث يبحث هنا وهو يبحث في كتاب يزعم المسلمون أنه أبلغ البيان العربي، وهو يبحث ويعترض على المفردات، يجهل نوعًا من المصنفات صنفت في هذا الذي سماه الترادف.
هناك مصنفات ومعاجم صنفت في خصوص أو مطلق الترادف، وهناك مصنفات صنفت فيما يعرف بالفروق. وخذوا العجب العجب، باحث أحد علماء العربية وهو أبو هلال العسكري نص على هذين. تعالوا شوف يا باحث، قلت لك سأعلمك اليوم بعض المصادر ترجع إليها إن شاء الله، وممكن بقى تتكلم على أنه -طبعًا لو كنت تعلمها ما كنت تركتها، يعني أكيد لم تعلمها وتخفيها- أنا متأكد، فانت أكيد لك بعد أن تعلمها هنا أن تتكلم بها وتأخذ منها وتوهم الناس بأنك تعرفها من الأول.
وأنا ذكرت لك الآن "دلائل الإعجاز"، وأذكر لك بعض المصنفات كذلك، وإن شاء الله تقرأها. المهم لو أردت سؤالي عن الكتب في بلاغة القرآن وكذا، سأذكر لك عددًا في بعض الشبهات الأخرى، أريدك أن تقوي الشبهة، يعني خلاص سأذكر لك مصنفات تعينك إن شاء الله لحبك الشبهة على المسلمين، وقد أقسمت لك أن أنشر مقطعك الذي فيه الشبهات أمام الناس، شاهدون عليه خلاص.
تعال يا كابتن، تعال يا عيي إن شاء الله إلى أن تتعدى مرحلة العي، خلاص لكن حتى ذلك أنت عيي، أنا ما أعرف لازم أكون صادق. تعال، هذا كتاب اسمه "الفروق" لواحد من القرن الرابع، وخذ بالك يا باحث في البلاغة والقرآن وكذا، في واحد كده مشهور بس أنت لأنك باحث جدًا لم تره، اسمه أبو هلال العسكري. أبو هلال العسكري له كتاب مشهور اسمه "كتاب الصناعتين: الشعر والنثر". أبو هلال العسكري هذا الرجل المغمور غير المعروف، حتى إن الهيئة العامة لقصور الثقافة وغيرها التابعة لوزارة الثقافة المصرية طبعته، بس معليش يعني قد تكون مش مصري ولا تحب تجيب الكتب المدعومة التي تُباع بـ 11 جنيه، الكتاب بـ 11 جنيه يا أخ، يعني 5 دولار، هذا السعر سعر مدعوم من الدولة المصرية، الكتاب كمان جديد يعني موجود إلى الآن، أنا شفت أكوام، بس أنت لأنك باحث ما أخذت بالك منه، إنك باحث قوي فكنت تبحث في الحاجات المشهورة دي، مش مستواك يا أخي، مستوى المساكين زينا الذين يذهبون ليشتروا كتابًا بـ 11 جنيه.
تعال يا باحث، في هذه النسخة التي طبعتها من كتاب "الفروق"، كتاب الفروق ده يا باحث يأتي فيه بما يعرف بالمترادفات، ويبين الفرق بين المترادفين؛ لماذا؟ لأن الترادف كما عرفنا يكون في أصل المعنى وليس من كل وجه، وليس من كل وجه، هناك فروق يعرفها أهل البيان تجعلهم يستعملونها في مواضع مختلفة، وفي الموضع الواحد واحد.
وسبحان الله، أكيد كنت تعلم يا نصه أن أبا هلال العسكري تكلم في الوهن والضعف في نسخة من كتاب "الفروق في اللغة"، وخذ بالك "الفروق في اللغة"، عايزك تعرف الكتاب وتروح تتكلم به، عارفه من الأول خلاص. ما عندك باحث، أنا أقول لك شيء الصراحة، أنا لو مكانك باحث وملحد، أنا ما أقدر أفتح فمي وأنا على علمي هذا بالبلاغة ومعرفتي وبالشعر، ما أفتح فمي بالقرآن قبل كل ما أشوفها تأخذ لها عشر سنين الصراحة وأقرأ كل كتب اللغة وأعرفها وكذا، لكن سبحان الله، لست بطائع في القرآن وقارئ الكتب هذه.
أكيد كنت عارف الكلام هذا ولكن اكتفيت أن تشوف الزمخشري قال إيه والطعبر بن عاشور إيه، إنما الوهن والضعف في أصل اللغة... لا، معرفة الوهن والضعف في أصل اللغة لا، أنا مش هنظر لكتاب الفروق.
في كتاب الفروق في اللغة للعسكري، في طبعة الهيئة العامة لقصور الثقافة، وهي الطبعة المصرية القديمة جداً، وهناك طبعات أخرى كدار ابن سينا، في صفحة 108 يقول الفرق بين الوهن والضعف:
الفرق بين الوهن والضعف أن الضعف ضد القوة، وهو من فعل الله تعالى، يعني في التعبير المباشر؛ فتقول الأصل عندكم أيها المسلمون أن كل شيء من فعل الله. هذا في التعبير والإسناد المباشر، وفي البلاغة هذا مستوى آخر. متى تقول ضعف؟ ومتى تقول وهن؟ متى تقول لا تضعف؟ ومتى تقول لا تهن؟
الفرق أن الضعف ضد القوة وهو من فعل الله تعالى، كما أن القوة من فعل الله تعالى؛ الضعف والقوة من فعل الله، تقول خلقه الله ضعيفاً أو خلقه قوياً. لو قلت الآن: ﴿وَخَلَقَ الْإِنسَانَ وَاهِنًا﴾، شعرت بماذا؟ شعرت بفرق. أنا عندما أسمع هذا أجد في نفسي بصفتي عربياً قارئاً لكلام العرب قبل أن أجرد هذه المعاجم. الدارس الحقيقي يجرد لسان العرب، والقاموس، ويجرد هذه المصنفات ويقرأ الفروق والأضاد والمترادفات والمشتركات؛ هذا هو طالب العلم.
لا أتصور التطابق بين الوهن والضعف؛ إذ أسمع قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ الْإِنسَانَ ضَعِيفًا﴾، كلمة ضعيف تشعر بها صفة في الإنسان تلازم خلقته وفطرته. لكن لو قلت: ﴿وَخَلَقَ الْإِنسَانَ وَاهِنًا﴾، كلمة واهن أخذتك بالانتقال من نقطة إلى نقطة. كيف خلق واهناً؟ الإنسان يهن، ينتقل من قوة إلى ضعف باختياره. وإذا قلت يضعف فمعناه يتمكن ذلك منه حتى يلازمه، فالضعف يكون ملازماً لما في النفس، والوهن يكون حادثاً بفعله، ولهذا يلام الإنسان على الوهن.
تقول خلقه الله ضعيفاً أو خلقه قوياً، وفي القرآن: ﴿وَخَلَقَ الْإِنسَانَ ضَعِيفًا﴾. والوهن هو أن يفعل الإنسان فعل الضعيف؛ تقول وهن في الأمر يهن وهناً وهو واهن، إذا أخذ فيه أخذ الضعيف. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [آل عمران: 139]؛ لا تهنوا يعني لا تتكلفوا، لا تفعلوا فعل الضعيف.
ولهذا ترون في حديث النبي ﷺ: «يوشك أو توشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها»، قالوا: أومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ (وهذا حديث في سنن أبي داود وصححه بعض أهل العلم). قال: «لا، إنكم يومئذ كثير، ولكنكم كغثاء كغثاء السيل، ونزع الله مهابتكم من صدور عدوكم، وألقى في صدوركم الوهن»، قيل: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت».
يبقى ليس من قلة، بل هو ضعفٌ مشيتم فيه. المسلمون الآن أثرياء وأصحاب عدد وقوة حقيقية، وعدد مجموعهم العروبة والإسلام عدد ضخم جداً وأثرياء بثروات ضخمة جداً، ويأتي الغربي الذي تقف حياته بدونه، يقول لهم ادفعوا فيدفعون؛ هذا هو الوهن. إذاً الوهن ليس هو الضعف، وإنما هو فعل الضعيف مع كونك لست ضعيفاً.
قال: «إنكم يومئذ كثير»، يعني قوة، ولكنكم كغثاء بفعلكم، نزع الله من صدور عدوكم المهابة وألقى في صدوركم الوهن، وهو حب الدنيا وكراهية الموت، فصرتم كالضعيف؛ تميلون إلى مال الضعيف مع كثرتكم ووحدتكم اللسانية والدينية وثرواتكم، تؤولون إلى حال الضعيف من الوهن لا من ضعف حقيقي.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾، لا يصح أن يقال: ولا تضعفوا؛ لأن الضعف يكون فينا من قلة العدد أو من كذا. أي لا تفعلوا أفعال الضعفاء وأنتم أقوياء على ما تطلبونه بتذليل الله إياه لكم. ويدل على صحة ما قلنا أنه لا يقال: خلقه الله واهناً كما يقال: خلقه الله ضعيفاً.
وبعد ذلك نبه إلى أن أحدهما يستعمل عن طريق المجاز، كقولهم: وهن العظم وضعف الكذا. وإذا رجعنا إلى الآية نجد الوهن مع السبب الحادث؛ يقول تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 146]، فما وهنوا يعني لما أصابهم هذا في سبيل الله لم يفعلوا فعل الضعفاء.
ثم ماذا؟ «وما ضعفوا»، كيف ضعفوا؟ عطف عليها: «وما ضعفوا وما استكانوا». لماذا رتب الضعف بعد الوهن؟ لماذا لم تأتِ الآية: فما ضعفوا وما وهنوا؟ لأنه لا معنى للوهن بعد الضعف، ولأن الاستكانة إنما يراد بها أن تأتي بعد الضعف الذي هو تمكن آثار الوهن. فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا، أي ما أظهروا ضعفهم الذي يراه عدوهم، ولذلك قال: «وما استكانوا»، أي ما خضعوا وسلموا.
وما ضعفوا يعني ما أظهروا ضعفهم، فما ضعفوا بعدما وهنوا؛ يعني إذا تمكن الوهن في الناس ينتقل بعد ذلك إلى ضعف يكون كضعف الخلقة أو كالضعف الواقع فيهم، فيؤول هذا الإظهار للضعف إلى الاستكانة. فما وهنوا لما أصابهم، لم يقل وما ضعفوا لما أصابهم؛ لأنه لا يقال ضعف لما أصابه، الضعف يكون وصفاً للحالة الراهنة القائمة، أما حالة الانتقال والتشبه بالضعيف فاسمها وهن، فإذا انتقلت في حالة الوهن ثبتت في الضعف صرت ضعيفاً.
إذاً الوهن والضعف والخور والرخاوة، كل هذا فيه معنى الضعف العام الذي هو ضد القوة، لكن يقال وهن ووهن لما تنتقل ويرى أنك تفعل فعل الضعفاء، فإذا انتقلت وثبت على ذلك كنت فعلاً ضعيفاً.
بعد الضعف، لأن الضعف يكون ثابتا فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا. ثم تجد الأخف يقول لك: ما الفرق أصلاً؟ ما كأنه قال: ما وهنوا وما وهنوا، أو قال: ما ضعف وما ضعف؟ بعد كل هذا، أنت راجعت الكلام وتعرفه؛ لأنك باحث، والمفروض أن الباحث يعرف هذه المصنفات.
أنا سأعلمك إن شاء الله عدداً من المصنفات المناسبة، وأعلمك فصيحة، ليس لأنني أعلمك المسألة، بل أعلمك العلم، وأعلمك عدداً من المصنفات الصحيحة. يقول زهير بن أبي سلمى: «تعلّم أن شرّ الناس حيٌّ يُنادى في شعارهم يسارُ». فأنا سأعلمك إن شاء الله بالمبالغة هذه، والضغط، والزيادة في البناء، بعض المصنفات التي تنفعك وأنت ترد الشبه عن القرآن إن شاء الله، وبالتوفيق.
بعد ذلك نأتي إلى كلام الزمخشري. لماذا أنا قصدت القراءة من قبل الآية؟ لماذا؟ لأن وفاة النبي ﷺ ذُكرت قبلها. فالزمخشري ربما يحمل -كما نُقل عنه هنا- ويُوزع. وربما في الأخير أعمل إطلالة عامة على توثيقه للكلام؛ لأنه في الحقيقة لم أجده يفهم حتى الكلام المنقول. أنا فقط أعطيت عنايتي في مناقشة قوله وتفنيده، لكنني اكتشفت أنه حتى في النقل عن الزمخشري والطاهر بن عاشور لا يحسن النقل؛ إذ يقرأ بعينه ثم يأتي ليعبر عما فهم هو بطريقته. وإذا رجعت أنت الآن إلى مصادره، الزمخشري والكشاف، فما وجدت ما فهمه في المقول.
لكن على كل حال، الزمخشري هنا فهم أيضاً التفريق بين الاثنين، فقال كما نقله هو عنه، وربما أعمل معه وقفة هنا إن شاء الله في النقولات وحدها. الشخص الذي ينقل للناس، إذا نقل للناس وقالوا آمين، فإنه حتى النقل ليس صحيحاً، وكثير من النقل لم يفهمه. ولو قرأت لكم النقل وكلامه الذي يصوغه بما فهمه عن النقل، لا أقول تضرب كفاً على كف، ولكن من العجب ما تقرأ.
المهم، هو يقول هنا الزمخشري: ما ضعفوا بعد موته، وما وهنوا عند الموت. يعني عند الموت وجزع الموت الذي فسره الطاهر بن عاشور؛ ينقل هو عن الطاهر بن عاشور أنه لم يحصل عند هذا الجزع ما هو الوهن، أن يكونوا كالضعفاء. ولما مات واستقر موته ﷺ لم يضعفوا، لم يصل الضعف صفة لهم بعد الوهن الذي انتقلوا إليه بفعل الضعفاء حتى صاروا ضعافاً فعلاً. ففي الأخير هذا تفسير من الزمخشري للوهن والضعف بحسب ما رأى من سياق قبله، وأنت لك بعد ذلك أن تفرق بينهما في سياق آخر، وهذا يكون بالنظر البياني والبلاغي وليس في هذا المقام. لكن في الأخير، صاحبنا لم يفهم حتى قانون المترادفات، ولم يعرف كتب الفرق، ولم يعرف أشياء كثيرة. نكتفي يا إخوة ولا نأخذ إشكالاً سادساً، نأخذ إشكالاً سادساً وнынصرف إن شاء الله، لكن هذا الأخير طريف أيضاً.
بعد ذلك قال: وصلنا؛ لماذا؟ ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً ﴿47﴾ هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: 47-48]. طبعاً هو حتى ينقلها خطأ، أو يقرأها بعينه خطأ؛ يعني ينقد النص من لا يحسن قراءته للآيات.
البغتة هي الشيء الذي يحدث فجأة، بدون مقدمات، هذا يقال عليه بغتة. والجهرة هي الشيء الذي يُرى عياناً، لما قالوا عذاب الله جهرة يعني عياناً، حتى الطبري يذكر في تفسيره أن الإشهار بمعنى الإبصار؛ فالشيء الذي يحدث هو الشيء الذي يحدث عياناً للناس شايفينه.
المفروض أنك هنا عامل مقابلة؛ تقول: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً﴾. فمن الممكن أن يكون بغتة وجهرة، هذه المشكلة؛ كأن يُقتل الملك جهرة، يراه الناس عياناً، كأن تخرج رصاصة وتأتيه بلا مقدمات. فكان الأليق أن يكون «خفية أو جهرة» للمقابلة. الطاهر بن عاشور قال إن الزمخشري استخدم بغتة هنا بمعنى خفية من باب التجوّز، أي من باب اتساع المعنى، لكن الكاتب البليغ المتأنق في كلامه يستخدم الكلمة الأدق ويبتعد عن التجوّز، خاصة أن البغتة والجهرة لهما معناهما المعروف.
نقرأ الإشكال السادس، وهذا في سورة الأنعام. هو قرأ الآية بالخطأ تماماً، ولا تقف له عند هذا، فالسورة في الصفحة 133. الآية السابعة والأربعون، نقرأ قبلها بالآية: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ ۗ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يُصْدِفُونَ﴾ [الأنعام: 46]. ثم قال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: 47].
هنا للأسف الشديد، وفي كل موضع ساقوله، تقف على جهالة عظيمة جداً ومزدوجة؛ وستعرف في الأخير لماذا هي مزدوجة. هنا الخيبة بخبتين، تقف على جهالة عظيمة جداً بموارد الكلام وأصول البلاغة وبكل شيء، وهذا طبعاً متوقع بعد الذي رأيناه.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلِكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: 47].
يقول: البغتة هي الفجأة. البغتة هي الفجأة، والجهرة هي الشيء الذي يُرى عيانًا. والنص المفترض في القرآن -يعني أنه يريد المقابلة- يفترض أنه يريد المقابلة، لكن يمكن أن يحصل الشيء بغتة وجهرًا. ما المشكلة؟ هو يقول: نقول قتل الملك بغتة وجهرة؛ جهرة يعني على مرأى من الناس، وبغتة يعني فجأة بدون مقدمات، فيصح أن نقول: قتل الملك بغتة وجهرة. فكان الأليق أن يقول خفيًا أو جهرة، أو خفيًا أو جهرًا.
ثم قال الطاهر بن عاشور: «بغتة هنا هي بمعنى خفية، لكن من باب التجوز». هو لم يقل هذا بالضبط، ربما نقرأ لكم كلام الطاهر بن عاشور، لكن ليس هذا عنائي، أنا لا أصطاد له الفهم؛ فهل فهم النقل عن العلماء أصلًا؟ لم أصطد له هذا، لماذا؟ لأنه يتصدر على أنه مفسر، وبمعنى أنه يفهم ألفاظ القرآن والبلاغة وينقده بلاغيًا، فأنا أقف معه عند هذا. إذا كان لا يفهم الدلالات والصيغ، سيفهم عن العلماء الكلام.
قال الطاهر بن عاشور: «إن بغتة هنا هي بمعنى خفية، لكن من باب التجوز»، يعني نتوسع في المعنى وندخل في معنى غيره. يقول: «لكن يظل الكاتب أو الشاعر البليغ المتأنق في كلامه يستعمل الكلمة الأدق، ويبتعد عن التجوز في المعنى، ويستعمل ما هو أدق، خصوصًا أن هذا التجوز في الحقيقة ضعيف؛ لأن للبغتة معناها، وللجهر معناها، ويجتمعان عاديًا».
وهذا نختم به اليوم، ويبقى لنا مجلس الغد إن شاء الله، بموارد الكلام وأصول البلاغة وبكل شيء. لا يعرف -ولما أقول موارد الكلام معناه- لا يعرف مواقع الألفاظ وما يليق في الاختيار، كما مر في المفردات والمترادفات.
تعالى: "بغتة" أيها الإخوة معناها فجأة، كما قال: "صحيح"، بغتة معناها فجأة، نقول: بغتك الشيء يعني فاجأك. ولكن النصب في "بغتة" على أي وجه؟ هو على الحال من العذاب في إتيانه، يعني يأتيك العذاب بغتة. وهذا يوجب فعلًا سابقًا على ذات المباغتة والمفاجأة.
قال: "يأتي"، مادة الإتيان؛ أنه فرق بين الإتيان والحصول، بين الإتيان والحصول. لك أن تفسر أن تنصبها بالوجهين يا مولانا، والوجهان يصدق عليهما نفس الكلام، وأنا الآن أحملها على الحال، وإن كان ربما وجه آخر مع تقدير فيه نفس الكلام. هو قال: ﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً﴾، "بغتة" هنا طبعًا صيغة المصدر والنصب للحالية، فهي حالية من ماذا؟ من العذاب في إتيانه.
وهذا يوجب فعلًا يمتد، هو الإتيان قبل وقوع المباغتة والمفاجأة، لماذا؟ لأنه فرق بين الإتيان والحصول، فرق بين أتى فجأة وحصل فجأة. كيف الفرق؟ الحصول فعل منجز، وقع وحصل. أما الإتيان ففيهما معنى التأتي، وفيهما في جسم الكلام معنى -ولا يزول هذا المعنى منه- معنى المسير قبل الوقوع. أتى ووقع؛ ما الفرق بين أتى ووقع؟ أنت تقول: أتى فصل الشتاء، وتقول: وقع فصل الشتاء. أيهما أقرب؟ أيهما تشعر أن الشتاء قد اقترب فعلاً؟ أتى فصل الشتاء أم حضر الشتاء؟ أيهما تشعر بالقرب؟ نستعمل هذا في عاميتنا، هذا ما يسمى بموارد الكلام يا إخوة؛ أنت تختار اللفظة على الغرض، توخي معاني النحو والمفردات بحسب ما يؤم من الأغراض.
الإتيان تشعر أنه أبعد، أنت تقول: أتى فصل الشتاء، وتقول: حضر فصل الشتاء، أيهما أقرب في الزمن؟ يكون الشتاء متلبسًا أو قريبًا؛ أتى فصل الشتاء أم حضر فصل الشتاء؟ حضر فصل الشتاء. لو قلت: وقع العذاب، وأتى العذاب فقط بدون "بغتة"، أتى فيها بُعد بدون "بغتة". ما هذه الفروق يا إخوة؟ ما الفرق بين أتى العذاب وحضر العذاب؟ ﴿أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: 1]، فأتى أبعد، فيها تنفيس زماني أكثر من وقع وحضر.
ما الفرق بين وقع العذاب وأتى العذاب؟ أتى ربما لم يمهله مدة أصلاً، فلما تقول: ﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً﴾، فهذا لا يكون كحضر بغتة أو وقع بغتة، لا، وإنما هو فيه قدر تمامه في البغتة، وهذا الذي يلزم منه الخفاء. ما معنى أن تقول أتى بغتة فاجأك؟ فكيف فاجأك مع الإتيان إلا إذا كان هذا الإتيان هو الخافي عليك؟ فإذا لزم من إسناد البغتة إلى الإتيان سبق الخفاء، وأنا سأبين لكم الآن بالبرهان والتفريق بين العبارة التي أتى بها وعبارة الإتيان.
لماذا يا إخوة؟ لأنه فرق بين الإتيان والحصول، وفرق بين أتى فجأة وبين حصل فجأة؛ فالأول أتى مفاجئًا، وهذا يوجب فعلًا ومسيراً قبل الوقوع، هو محل الخفاء لتحقيق المفاجأة، بخلاف الحصول الذي هو عين وقوع الفعل، مثل: "وقع العذاب".
ولفظ "جهرة" أخذ نفس الإعراب من خلال العطف بالواو أو النسق بالواو، فأخذ نفس الإعراب، ويلزم منه حصول ماذا؟ المعاينة. ركزوا معي، يلزم من الجهرة كما قال حصول المعاينة؛ يعني عيان، صح؟ يبقى الجهرة فيها عيان، فيلزم من جهر كما قال حصول المعاينة. ولكن لا تنسَ أن الإشراك في الإعراب يعلق الجهرة أيضًا بفعل الإتيان، يعني كأنك قلت: إن أتاكم عذاب الله بغتة أو إن أتاكم عذاب الله جهرًا، يبقى أصبح عندي إتيان مع الجهرة، كذلك تقول: أتى جهرًا، فيبقى عندك أتى بغتة وعندك أتى جهرًا، واتفقنا على أن الجهرة مطلق المعاينة.
ساعة، سنة، أعوام، مش مهم. لكن إذا أسندت الجهرة إلى الإتيان، فقلت: أتى جهرة، فلا يتصور "أتى جهرة" إلا ببرهة من الزمن يحصل بها المجاهرة والمعاينة؛ لأنه إتيان، ولأن المجاهرة تقبل هذا. قلنا: المجاهرة التي هي المعاينة امتدت في الزمان مع الإتيان.
أما المباغتة، فلأنها لا تقبل هذا، قلنا: إن الوقوع هو الذي جاء مباغة أو مفاجأة، ولكن الإتيان والتسلل هو الذي كان فيه قدر الخفاء، ولذلك قلنا هنا المباغتة فيها معنى الخفاء بإسنادها إلى الإتيان، وسيتبين بالتمثيل الآن.
طبعًا الكلام الآن للدارسين الفاهمين؛ هذا لن يفهم الشيء أصلًا، هذا لسه عايز يفهم الفرق بين "ما فعل" و"ما كان فاعلاً"، هذا لسه هناك بعيد. فإذا قولنا "أتى جهرة" لا يستقيم دلاليًا إلا ببرهة من الزمن تحصل بها المجاهرة مع المعاينة في الإتيان؛ لأنه فرق بين "أتى جهرًا" أيضًا و"وقع جهرًا". هو ماذا قال؟ هو فسرها بوقع جهره، المشكلة عنده في "أتى"؛ "أتى" تختلف عن "وقع". إذا قلت "أتى جهرًا" فلا بد من مدة من المجاهرة، ترى فيها، فأصبحت المجاهرة ممتدة زمانيًا وفيها الإعلان.
وأصبحت البغتة يسبقها الخفاء، فأصبح الخفاء مدعومًا بالمفاجأة بزيادة المعنى بالدلالة باجتماع الإتيان مع البغتة. وأصبح الجهرة مع الإتيان فيها هذه المدة وفيها هذا الظهور الشديد الواضح الذي يقابل الخفاء، ويقابل عدم الجهر، ويقابل البغتة التي في الأولى.
ولهذا لو قلت تعال بقى الآن، تعال نختبر هذه طريقة العلماء وعبد الطاهر يختبرون، صح؟ يقول لك فماذا لو قلت -اسمع الآن-: "أتاه بغتة جهرة" في فاعل واحد؟ كان إحالة، ولم يكن حتى فقط خلفًا، يعني رديئًا كما قال عبد القاهر، لم يكن خلفًا من الكلام؛ كان إحالة من الكلام، ممنوع أصلًا، غلط. لأن الإتيان بغتة يستلزم مصاحبة المجيء الخفاء للمجيء للإتيان، والإتيان جهرًا يستلزم امتدادًا في وقت من الزمان تحصل فيه المجاهرة والعيان للإتيان؛ فيحصل تعارض بين ملزوم البغتة وملزوم الجهرة.
يعني لو جاء إنسان قال "أتى بغتة جهرة"، غلط الكلام؛ لأن "أتى بغتة" يستلزم قبل حصول المباغتة في إتيانه نسبة خفاء، و"أتى جهرًا" يستلزم المعاينة مدة، فتناقض الكلام. لا أقول صار خلفًا من الكلام يعني رديئًا، صار إحالة من الكلام، غير متصور أصلًا، غير صحيح أصلًا في أصله.
فهمتم يا إخوة الدلالات؟ هذا معنى قولي: "العي لا يعرف موارد الكلام". موارد الكلام! لو كان يتصور أن أبا قيس ليس من الشجاعة الكافية بحيث لو وجد القرآن غير بليغ أو يستشكل عليه لم يبح، والله بوجهي أقولها -ولا أسمى نفسي الباحث ولا المنقب ولا الكذا- بوجهي أقولها، وهي بقى معادن. لكن أنا ما أرى القرآن إلا في الذروة، وما استشكلت شيئًا يومًا في بداياتي وشروعي في هذا الباب إلا تجلى لي واستنار ولو بعد سنين.
وأما الآن، فالحمد لله لا استشكل شيئًا في كتاب الله، وأعطيت الباحث شيكًا مفتوحًا؛ ائتِ بالشبهات، والله لأنشرنها لك. عندي شبهات في بلاغة القرآن، بس لو سمحت خليك أصيل، ما تنقلش عن "عنك" وعن "رودي ديبارت" وعن الألمان وكذا رشيد حمامي، يعني عيب، أنت باحث، أنت بتبحث عن الجديد، صح؟ وخليك في شبهات القرآن. عايز التواتر روح عندك، قال لك محمد المغترب ولا هيثم طلعت ولا معرفش، والله ما أعرف ولا واحد من الإخوة دي يا جماعة، وسألوهم لا يعرفونني ولا أعرفهم.
تعال وأنا أنشر؛ عشان بس القسم بتاعي تكلم في شبهات، قل لي: أنا جبت عشر شبهات جديدة في القرآن، وقبل أن أجيب عنها أنشرها لك في قناتي. خلاص، انشر الرابط بتاعي، إن أنت عندك صفحتك وكذا، انشر، وأنا أنشر لك الرابط عندي في الفيسبوك والقناة، ونعمل مجلس بقى كده ونتبسط كلنا إن شاء الله، ونقطع عندك برضه، ناخدها ونركب دي على دي وتبقى الدنيا جميلة إن شاء الله، بحيث تبقى الشبهة وجوابها، يا سلام على العلم!
إذن، إذا قلت "أتاه بغتة جهرة" تناقض الكلام؛ لأنك ذكرت "أتى" لو ذكرت ذاك في فاعل واحد كما شرحت الآن. ومن هنا تعلم أن قول العي -إن تمثيل العيي بقوله "قتل الملك بغتة جهرة" ليس من هذا الباب- لاختلاف ما يقتضيه حال الفعل في الإلزام، وهذا من عيه للأسف. هو قال: "قتل الملك بغتة جهرة"، "قتل" فعل منجز، فجاء "بغتة جهرة" في جزء من الثانية. إنما "أتى بغتة" و"أتى جهرًا" لا يجتمعان. فهمتم؟ عقله كليل، وهذا تفسير قوله في الأول إنه لا يعرف موارد الكلام.
وهذا يرجع أيها الإخوة إلى مبدأ طبعًا صعب يعرفه، هو يحتاج إلى دراسة التأسيس من الأول، يرجع إلى ما سماه محمود شاكر "الإسباغ والتجريد". يا إخوة، تعالوا بقى شوية شعر بقى، إحنا عيب كده، كفاية عليك يا عي، حرام عليك، تعبتنا يا أخي، بس تعبنا أننا على الأقل نتكلم في كتاب الله ونؤجر إن شاء الله.
محمود شاكر تكلم عن شيء تعبر عنه العلماء بصيغ مختلفة، لكن محمود شاكر عبر تعبيرًا جميلًا لما قال "الإسباغ والتجريد". ما معنى الإسباغ والتجريد؟ لا مش هنقرأ شعر يا أبو كافه، أنا في نفس الموضوع، لكن شيء من الإسباغ والتجريد يا إخوة. مثل صاحبنا الباحث، لن يستطيع أن يفهم مثل قول امرئ القيس يصف وثار جسد حبيبته:
كحقف النقى يمشي الوليدان فوقه *** بما احتسبا من لين مس وتسهل
يعني إيه "احتسب"؟ طبعًا لو وقف على شعره كده مش هيفهم "احتسب" يعني إيه بهذا المستوى، لماذا؟ لأن "احتسب" في المعاجم معناها اكتفى. احتسب فلان اكتفى؛ "حسبي الله ونعم الوكيل" يعني كافيني الله، "حسبك الله" كافيك الله كفايتك. هذا معنى "حسب"، تقول للشخص "حسبك" يعني كفى. فاحتسب معناها في اللغة تجريدًا: اكتفى.
فما معنى "كحقف النقى يمشي الوليدان فوقه بما احتسبا"؟ يحصل في اللفظ ما يسمى الإسباغ؛ ويحصل الإسباغ بسقوط الكلمة بأصل معناها في موقع يتقبل بهذا الموقع أن يسبغ عليه شيء قبل هذه الزيادة، بالمواجهة بين الموقع وأصل الدلالة. ولهذا اختلف مع بعض النقاد المتأخرين حين يقولون: وهذه الكلمة من دلالة هذه ولم تنص عليها المعاجم، هي ليست من دلالتها.
يقول: احتسب بمعنى اطمأن؛ لا، احتسب اكتسب بمعنى اطمأن، امرؤ القيس يريد أن يقول إن عظام حبيبته بعيدة حتى في مناطق البروز، وثأرها كحقف النقى.
النقى هو التراب الناعم، والحقف المجتمع بفعل الرياح يكون له تراكم ملتف دائرة أو نصف دائرة أو شبه دائرة ويكون له بطن، كما قال: ﴿فَلَمَّا أَجَزْنَا سَاحَةَ الْحَيِّ وَانْتَحَى بِنَا بَطْنُ حَقْفٍ ذِي رُكَامٍ عَقَنْقَلِ﴾، فقال: إنها كحقف نقى. ومنها صوت الأحقاف، والأحقاف هي الرمال التي تتجمع، رمال ناعمة تتجمع وتتراكم بفعل الرياح.
وهذا أشار به امرؤ القيس في المعلقة لما قال: «وانتحى بنا بطن حقف ذي ركام عقنقلي»، هو لم يقل لك إنني ابتعدت بعيدًا، قال لك: «انتحى بنا بطن حقف»، يعني خرجنا من الأرض الحزنة، من الأرض المستقرة التي فيها حصى وحجارة وفيها خيام الناس أو بيوت الناس وكذا، وضربنا في الصحراء حتى وصلنا إلى الأحقاف، لم يقل بعيدًا بل إلى «بطن حقف ذي ركام عقنقل» يعني متداخل عالي جدًا، كل هذا اسمه إشارة في الشعر.
نأتي هنا: قال إنها كحقف النقى، حقف التراب الناعم، لماذا قال حقف؟ لأنه يكون لينًا، تجمعه الرياح وتراكمه فيصير عاليًا وتحته مسافة كبيرة لا تصل ربما إلى الأرض الصلبة، فقال: «كحقف نقى»، أراد أن يصف هذا الحقف إلى أي حد يطمأن إليه، قال: «يمشي الوليدان فوقه»، ذكر وليدين لأن الطفلين يلعبان ويغوصان في الرمال ويأمنان من وجود حجارة قريبة، فقال: «كحقف نقى يمشي الوليدان فوقه بما احتسبا»، يعني بما اطمآنا إليه واكتفيا، فجمع بين اكتفيا بالدلالة اللغوية الأصلية واطمأن بدلالة لهو الطفلين، يعني اطمأنا مكتفيين بهذا، لا نريد عنه حولًا.
هكذا وثأر حبيبتي كحقف نقى يمشي الوليدان فوقه بما احتسب، من لين ومس وتسهال، لن يستطيع أن يفهم قول امرئ القيس: «فقلت لها سيري وأرخي زمامه»، سيري! هنا ما هي سائرة أصلًا، هو من أين جئت بها؟ ويوم دخلت الخدر، خدر عنيزة، فقالت لك الويلات إنك مرجلي، يعني تفسد علي الدابة والرحل، فارجع امشِ في الصحراء إلى أهلي خلاص.
«كحقف... ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة فقالت لك الويلات إنك مرجلي»، تقول: «وقد مال الغبيط بنا معا، عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزلي»، فقلت لها: «سيري وأرخي زمامه ولا تبعديني من جناك المعل»، سيري أنا سائرة يا ابني ما تسيبني، لماذا يا امرأ القيس تقول لها: «سيري»؟ حشو!
فقلت لها: «سيري»، يعني اطمئني، وقلت في أول المحاضرة: بعيدًا عن شوارب العيي، لا يفهم أن من فقه العربية أن يؤمر بالفعل من أصله لإتيانه بصفة من الصفات معينة، فيجعل الإتيان بهذه الصفة إتيانًا بالفعل من أصله، مثل: «انزل إلى الطريق وانظر في حال الناس»، لو أبوه قال له: «انزل في الطريق وانظر في حال الناس»، هو يقول: «انزل»، قلي: «انظر في الناس» وأنا كدة كدة نازل، هو مضحك، هو في صحته خفة دم في النقد، فلا بأس من التلطيف وإن أعاننا على ذلك.
فقلت لها: «سيري» يا امرأ القيس، سيري لماذا؟ هو لا يفهم هذا، طب دعونا نتنزل، قلت لكم في الأول هذه طريفة، إن هذه الشبهة أو الإشكالية عنده مزدوجة، سنعتبر أن ما فيش سياق وأن الإتيان ليس بكذا، وإن الإتيان لا يدل مع البغتة ومع الجهر على صفتين مختلفتين، وسنعتبر أن لم يفهم موارد الألفاظ ولازمها وملزومها، إذا لم يفهم كل ذلك وغفل عنه تمامًا ولم ينظر إلا إلى كلمتين تقابلتا أو تطابقتا باصطلاح البلاغة، وقع التضاد بينهما.
لو كان ممن له أدنى عناية بالبلاغة لوقف على وجه ما يسمى بالاحتباك، ما هو الاحتباك؟ نختم به ويكون فائدة، الاحتباك أيها الإخوة وجه يستعمل في قسم الإيجاز، إيجاز القصر في الكلام أو إيجاز الحذف، قد تصنفه في إيجاز القصر ولكن قد يصنف كذلك في إيجاز الحذف، إذا راجع البث يا إخوة استقر.
هو الإيجاز عندنا في العربية في باب الإيجاز والإطناب من علم المعاني، وعندك نوعان من الإيجاز: إيجاز القصر وإيجاز الحذف، هذا نوع من الإيجاز يسمى الاحتباك، إذا قدرت فيه الجملة فهو إيجاز حذف، لكن أميل إلى أنه إيجاز قصر؛ لأنك لا تقدر العبارة وإنما تأخذها من لازم الكلام والمقابلة، فهو أقرب إلى إيجاز القصر.
مثاله قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ [الأنفال: 38]. صاحبنا سيقول لك: أين التقابل؟ إما أن يقول فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى تقاتل في سبيل الشيطان، أو يقول فئة مؤمنة وفئة كافرة.
الاحتباك يا إخوة هو أن يحذف من الطرفين ما يدل عليه الطرف الآخر، بإيقاع المقابلة، يعني لما تقول: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾ ثم يفسر: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾، إذا لما قلت: «وأخرى كافرة» فهمت أن التي تقاتل في سبيل الله مؤمنة، ولما قلت: «تقاتل في سبيل الله» عرفت أن الأخرى تقاتل في سبيل الشيطان.
فقوله تعالى: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ هذا اختصار لقولنا: قد كان لكم آية في فئتين التقتا، فئة مؤمنة تقاتل في سبيل الله، وأخرى كافرة تقاتل في سبيل الشيطان، فحصل ما يسمى بالاحتباك، وهو أن تحذف من كل من الطرفين ما يكتفى في الدلالة عليه بالطرف الآخر، يعني تحذف من هنا ما يدل عليه الطرف الآخر، ومن هنا ما يدل عليه الطرف الآخر.
فلو أنه لم ينظر في شيء من ذلك، ولا في معنى إسناد الإتيان إلى البغتة على هذه الجهة والجهر، فقلت: «إن أتاكم عذاب الله بغتة...».
فهمت من «بغته» أنك لما تذكر «جهرة» أنها فيها امتداد زمني، وتفهم من «جهرة» أن «بغته» فيها الخفاء عن طريق الاحتباك. خذ العجب! أثبتت لك وجود الامتداد الزمني في «جهرة» عن طريق الإتيان؛ لأن الإتيان مع «جهرة» لا يكون إلا بامتداد، وأثبت لك بطريق وجود الخفاء في «بغته» بإسنادها إلى الإتيان.
ولو قلت بالاحتباك، سترى أن «بغته» تثبت المدة الممتدة في «جهرة»، وأن «جهرة» تثبت الخفاء في «بغته»؛ لأن الذي ساق إلى ذلك وجه الاحتباك بمقابلة الشيئين، فإذا جاز أن يكون مع كل منهما ما حذف منه الذي دل عليه الآخر، إذا جاز أن يكون مع كل طرف مثبت ما حذف منه مما أثبت في الطرف الآخر.
لما قال الله تعالى: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ثم قلت «كافرة»، هذه المقابلة جاز أن تثبت مؤمنة عكس الثانية؛ أي أن تجتمع مع «تقاتل في سبيل الله»، يعني المؤمنة ستقاتل في سبيل الله مفهومة، صح؟ ولما قلت «كافرة» وقلت في الأولى «تقاتل في سبيل الله»، جاز أن تثبت في الثانية «تقاتل في سبيل الشيطان»، ولا تعارض بالاجتماع، لأن الكافرة تقاتل في سبيل الشيطان. فشرط ذلك أن تثبت في المتقابلين ما حذف منه، إذا جاز أن يجتمع مع ما أثبت مما يثبته الطرف الآخر.
فلو قلت: «إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة»، فهمت من «بغتة» أن «جهرة» كانت على امتداد، وفهمت من «جهرة» أن «بغتة» كانت على خفاء. وبذلك يجتمع الخفاء مع «بغتة»، ويجتمع الامتداد مع «جهرة»، والخفاء يصح اجتماعه مع «بغتة»، والامتداد والزمن يصح امتداده مع «جهرة». بل هذا الخفاء لائق بـ«بغتة»، والجهر أو الامتداد لائق مع «جهرة».
تثبت ذلك بوجه الاحتباك إذا لم تفهم الإتيان، وأنا أثبتته لك بالإتيان، فالرجل مزدوج، عدم الفهم وقع من قفص لم يتلقفه الثاني. وشكرا لكم، وجزاكم الله خيرا، موعدنا غدا إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد