يا مرحباً بكل من ألقى السلام، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وكل من حيا، حياك الله وبياك، وعمت صباحاً ومساءً، وأهلاً وسهلاً ومرحباً بالجميع.
تعلمون أيها الإخوة، هذا هو المجلس الثالث والأخير في الجواب عما كان تحديده من استشكالات أو الطعونات البلاغية في القرآن الكريم التي سجلها العيني ورفعها المدعو بالباحث على اليوتيوب، وكان عمرها عامين تقريباً. فأرسلها إلي البعض وحددتها.
أجبنا في المجلس الأول عن الاستشكالات الثلاثة الأولى، وفي المجلس الثاني عن الثلاثة الثانية التي هي الرابعة والخامسة والسادسة، واليوم إن شاء الله نجيب عن السابعة والثامنة والتاسعة. وعلى عادتنا، أسمعكم أولاً الشبهة بصوت صاحبها، ثم بعد ذلك أقرأها مما فرغته وعربته في الكلام، وبعد ذلك أشرح في الإجابة عنها، ومن ثم أنتقل إلى الشبهة الجديدة أو التي تليها إن شاء الله.
فأهلاً وسهلاً بكم جميعاً، وكل من ألقى السلام، أهلاً حبيبنا خالد الشيباني، وكل من ألقى السلام، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وكل من حيا، حياك الله وبياك، وعمت صباحاً ومساءً، ورزقك الله تعالى نعمة العقل والبيان.
تعالوا الآن أيها الإخوة إلى الشبهة السابعة ننتهي معها اليوم إن شاء الله. وبعد ذلك إن شاء الله يا إخوة لنا مجلس مع «مرقعته والنجم إذا زهر»، وسيكون مجلساً طريفاً بيانياً بلاغياً أيضاً، فيه دراسات وكذا خفيف لطيف. وأنصحكم شديداً بحضوره والاستمتاع به، هذا المجلس فيه بعض الثقل العلمي ببيان الأصول والمسائل مع وجود الطرافة أيضاً التي فرضها علينا موضوعه واستشكاله، لكن هناك طرافة صرفة؛ لأنه نص صنعه ويدعي أنه بذلك يعارض القرآن العظيم.
الاستشكال السابع، دعونا نسمع إليه أولاً. بسم الله.
ما هو يعني ممكن أنقش واحدة عشان برضه وقتي ووقتك؟ لا ما أنا لا، في الروم هنا فيها طرح، فالطرح يطرح كاملاً ثم بعد كده نبدأ النقاش. يعني أعتقد المفروضين كثير على هذا المنوال، ممكن حضرتك تسجل عندك كل اللي أنت عايز ترد عليه ونتناقش فيه، كله واحدة واحدة بعد ما نخلص، كل الوقت اللي أنت عايزه يا دكتور.
طيب، في الجمل وصلنا عند «إلا» أو «شهرة»؟ وليه اعتذار الطاهر بن عاشور في التحول ده؟ طيب، نيجي إيه بعد كده؟ في بقى عندنا حاجتين أنا عامة بسميهم اللاءات المطلقة، في كده كم «لا» في القرآن مطلقة تبغض عليك المعنى، أكثر واحدة مطلقة فيهم هي دي: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: 12].
ما منعك أن تسجد؟ أإن أمرت؟ لما خلقت بيدي؟ جاءت: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾. طيب هنا الله، هنا الطبري عرض عدة أقوال فيها، من ضمن هذه الأقوال أن «لا» هنا زائدة، حشوة. ممكن أحط لكم لينك تفسير الطبري، استنوا واحدة علشان تطلعوا فيها على الأقوال. الدكتور أحمد طالع لو حد يبعت له.
أول هذه الأقوال أن «لا» هنا زائدة حشوة، زي ما بتيجي في الشعر زائدة حشوة. الطبري رد على هذا الكلام: القرآن لا يحتمل أن يكون فيه حشو، طبيعي ومنطقي لو كان في حشو ده كان يبقى انتقاد بلاغي.
قال لك بعد كده إيه؟ قال لك والله هنا مزيدة للتوكيد مش حشوة، زي ما قال: ﴿لَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ للتوكيد، وزي ما بيقولوا إن «ما فعلت كذا» يزيد يقول «ما» للتوكيد. بس الحقيقة الطاهر بن عاشور اعترض على الأصل، قال لك إيه؟ قال لك الأصل أننا بنؤكد الفعل، مش نؤكد عدم حصول وقوع الفعل. يعني الأصل أن التوكيد هو توكيد وقوع الفعل، اللي حصل هنا هو عدم السجود مش السجود، فمش من المستساغ حسب الطاهر بن عاشور أن يكون هنا توكيد؛ لأن هو لم يسجد.
وأحط لكم لينك التفسير بتاع الطاهر بن عاشور برضه علشان تشوفوا رد الطاهر بن عاشور على قصة أنه مزيدة للتوكيد. أقرأ لكم أنا كلامه دلوقتي في موضوع التوكيد ده: «وفي توجيه معنى التوكيد إلى الفعل مع كون السجود غير واقع فلا ينبغي تأكيده؛ لأن التوكيد تحقيق حصول الفعل المؤكد، فلا ينبغي التأويل على هذا التأويل». هو نفسه رفض فكرة أنك تقول إن «لا» هنا مزيدة للتوكيد.
أنا الصراحة برضه برفضها لهذا السبب، ولسبب آخر؛ وهو إيه؟ أن المفروض أنت لما بتقدم على كلامك تؤكده، الواحد يا إما يكون منكر في اللي أنت بتقوله، يا إما يكون متردد في اللي أنت بتقوله. إنما أنت دلوقتي موقف حاصل قدامك؛ مثلاً أخوك ماسك كوباية وراح رمى كسرها على الأرض، أنت هتقول له إيه اللي خلاك تكسر الكوباية؟ مش هتقول له إيه اللي خلاك... إيه اللي خلاك... إيه اللي خلاك... تخسر الكوباية؟ هي مش هتكرر حاجة عشان تأكد ليه؟ الموقف حاصل قدامك، أنت شايفه وهو عارف إنك شايفه، فبالتالي مش مقام واحد بينكر إن الكلام ده حصل ولا إنه يتردد في أن الكلام ده حصل أصلاً، فلا داعي أصلاً للتوكيد.
فهنا الحقيقة كل محاولات التقطيع فشلت، جمعوها إزاي بقى؟ قال لك والله أول جملة محذوفة، بعد قال لك: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾ فاحوجك إلى ألا تسجد. يا سلام بقى يا سلام على الحلول اللوزعية الصراحة! تلاقوا الكلام ده برضه في التحاليل وتفسير الطبري، وده اللي اختاره الطاهر بن عاشور وده اللي اختاره ابن جرير الطبري؛ أنهم يأولوا جملة كاملة محذوفة.
طب يا جماعة ليه وجع القلب ده؟ كان قال: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾. قالها ما هو قالها، في موضع إني قال: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾. ليه كل هذا القلق بسبب «لا»؟ ويعني إيه الأول كده جمل من اللاشيء علشان نفسر حاجة مش مفهومة؟ هو فين الكلام ده؟ العرب لما بتحذف كلام بيبقى ليه مجوز الحسب ويبقى في قرينة للحسب، ما بقاش في هذا الغموض وأنت محتاج تقعد تدور وراه. كان بكل بساطة تقول: منعك أن تسجد، طبعاً الكلام هذا النسق ليس على الدرجة العليا من البلاغة.
برضه من ضمن اللاءات المطلقة، بس هي أقل غرقاً: ﴿مَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ * وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ * وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ ۗ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ ۖ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: 19-22]. طب يا سيدي دلوقتي أنا لما أقول لك...
تساوى أحمد ومحمد؛ تساوى، هذا من الأفعال التي يشترك فيها اثنان، ليس فعلاً يقوم به واحد فقط، بل فعله اثنان. فلما أقول لك: تساوى أحمد ومحمد، وتساوى خالد وعلي، وإبراهيم ومحمود، وأريد أن أعطف، أقول: تساوى أحمد ومحمد، وخالد وعلي، وإبراهيم ومحمود.
أما إذا أردت النفي، فأقول: وما تساوى أحمد ومحمد، ولا خالد وعلي، ولا إبراهيم ومحمود. ولا أقول: ولا محمد ولا محمود؛ لماذا؟ لأنني لو جربت "لا" هنا، فكأني عطفت وترًا على وتر، كأني عطفت الفرد على الفرد، وليس زوجًا على زوج، أو شفهًا على شفه. المفروض أنني أعطف شفهًا على شفه؛ شفه أحمد ومحمد مع بعضهما، وخالد وعلي مع بعضهما، وإبراهيم ومحمود مع بعضهما، فلا أكرر "لا" بين الزوجين اللذين أعطيهما. وإلا لصار المعنى: ما يستوي أحمد، وما يستوي محمد، وما يستوي خالد، وما يستوي علي، وما يستوي إبراهيم، وما يستوي محمود؛ وكأنك تكرر الفعل بعد كل اسم.
لا، الأصل في الآية هو العصمة، لكنه جاء باللاوات الكثيرة هذه زائدة، أي جاء بها زائدة للتوكيد. أنت الآن تريد أن تؤكد شيئًا، ففضلت أن تتحرك في طريقة التوكيد الخاصة بك حتى لا يكون هناك لبس في الكلام. أنت هنا تؤكد ماذا؟ تؤكد أن الظلمات والنور لا يستويان. هل يوجد أحد في الدنيا ينكر أن الظلمات والنور لا يستويان؟ هل يوجد أحد ينكر أن الأحياء والأموات لا يستويان؟ فيؤكد ذلك.
هو يؤكد المشبه والمشبه به المحذوفين؛ حيث يعبر بالظلمات عن الكفر، وبالنور عن الإيمان. التوكيد هنا حاصل بالاستعارة نفسها، لأن الاستعارة هي أقوى أنواع التشبيه، حيث اعتُبر المشبه والمشبه به شيئًا واحدًا، فإذا أراد التأكيد فإنه يفعل ذلك.
الفكرة كلها أن الذي قال هنا «مخلفة»؛ ففي قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الظُّلُمَاتِ فِي لَيْلٍ مُّظْلِمٍ﴾، كان الأولى ألا يذكرها لأنها مذكورة كدة، فهي زيادة. والغريب فعلاً في الآية قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ﴾، ولم يكرر "لا"، لكنه في قوله: ﴿أَوْ كَالظُّلُمَاتِ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ الظُّلُمَاتُ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾، جعل الأحياء والأموات، فقال: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾. فما الفرق؟ في الأولى لم يضع "لا"، وفي الأخيرة وضع "لا"، مع أن المعنى واحد؛ أي أن الشيئين لا يستويان، ولا أحد ينكر ذلك، لكن وضع "لا" لكي لا يكون هناك استشكال.
السابع، وهو ما سماه بـ "اللاءات المقلقة"؛ وهو بحث من أحسن الأنواع، لعلماء مثل علاء عبد الفتاح الأسري، وهو باحث من أحسن الباحثين. أنا أقرأ لمن لم يفهم المصرية أو لمن سيستمع إلى المجلس ولا يعرف المصرية، ولا لوم عليه، إنما اللوم على عدم معرفة العربية. يقول هنا: "هناك ما أسميه اللاءات المقلقة". هو يقول "أسميه"، فهناك فعل مضارع يدل على الثبوت والتجدد؛ الرجل المشتغل بالبلاغة هناك ما يسميه، وهناك ما أسميه أنا "اللاءات المقلقة". إنها مقلقة لأنه يسميها بهذا الاسم.
طبعًا أنا أقول نحن نتسلى ونستفيد في الوقت نفسه؛ لأنه بما أنه لا نعرف عينه، ولكن نعرف رسمه وعلمه وأثره، فقد يضع الله تعالى في بعض الأشخاص أسبابًا ليكونوا سببًا للإفادة، كما جلسنا وصنعنا مجالس هذا القرآن. كما يقول بعض إخواني: "يا أبو قيس، نعمل مجالس في البلاغة القرآنية وننشغل بالشعر الجاهلي، وفي الأخير الذي يأتي بك كائن كهذا!". فقلت لهم: معلش.
يقول: "هناك ما أسميه اللاءات المقلقة"، وأكثر اللاءات إقلاقًا هي التي في الآية: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: 12]. ويذكر كلمة "العيي" هنا في كل مرة، وأريد بها الذي لا يكاد يبين أو يستبين، العاجز، الذي فيه ثقل. ولكن إذا قلت الكلام بطلاقة اللسان وانطلاق الذهن، ففيه حصر كذلك.
فهو الباحث يسمي نفسه الباحث في وسائل التواصل لمن لا يعرف، ولكنه "عيي". أنا ماذا أفعل؟ أقرأ هنا وأشغل نفسي بتدوين رؤوس أقلام ليترتب الكلام، وأشعر بخسران إلا إن استحضرت الأجر. أنا رجل قضى سنين مع امرئ القيس والنابغة وزهير، وفي الآخر أجلس مع... حرام والله حرام! أجلس يومًا أتلذذ بالشعر، يومًا أنزل في الطبقة الشعرية، وأشحن مسامعي بلطيف الشعر:
أهلاً بذلكم الخيال المقبلُ *** فعل الذي نهواه أو لم يفعلِ برقٌ سرى في بطن وجرةٍ *** فاهتدت بسناه أعناق الركاب الضللِ من غادةٍ منعت وتمنع نيلها *** فلو أنها بذلت لنا لم تبذلِ كالبدر غير مخيلٍ والغصن غير ميلٍ *** والوضع غير مهيلِ ما الحسن عندك يا سعاد بمحسنٍ *** فيما أتاه ولا الجمال بمجملِ عذل المشوق وإن من شيم الهوى *** في حيث يجهله لجاج العذلِ ماذا عليك من انتظار متيمٍ *** بل ما يضرك وقفه في منزلي إن سيل عيٌ عن الجواب فلم يطق *** رجعًا فكيف يكون إن لم يسالي؟ لا تكلفن لي الدموع فإن لي *** دمعًا يتم عليه إن لم يفضلي ولقد سكنت من الصدود إلى النوى *** والشوق أحرى عند أكل الحنظلِ وكذاك طرفة حين أوجس ضربةً *** في الرأس هان عليه قطع الأكحلِ
أترك هذا اللطيف، ولنكن مع هذا البحث ونستفيد ونتذوق في البلاغة، وفي نفس الوقت نتعلم من هذا النموذج.
يقول: "العيي لا...". عرض الطبري فيها عدة أقوال، منها أنها زائدة حشو، ورد هذا الطبري؛ لأن القرآن لا يكون فيه حشو. قال بعض نحاة الكوفة، ونحن نعلم ما معنى الحشو كما نعرف من كتب النقد المتقدمة، مثل "عمدة ابن الرشيق"، أن الحشو نوعان؛ ويمكن أن ينظر في الحشو من جهة المعنى، أي الزيادة المرادفة للزيادة التي لا تؤثر في أصل المعنى والإعراب ولكن تؤثر لفائدة، وننظر إليه من جهة أخرى جهة نقدية.
فلا يفرق بالضبط بين المصطلحات، وعلى كل الطبري في هذا نقل، قال بعض نحاة البصرة. مش أنه قول، يعني قاله المفسرون وكذا، هو قصد. ودائما المفسرون الجامعون ليسوا ككتب الفقه التي فيها الخلاف والاعتبار؛ المفسرون عادة لأنهم يتعاملون مع لغة، يقصدون أحيانا إلى الاستقصاء، يعني أن يذكروا الأقوال المعتبرة وغير المعتبرة إذا اشتهرت وسارت بوجه من الوجوه، أو إذا كان هناك احتمال لقيلها، أو يذكرونها لأجل بيان أنها لا تصلح، يستبقون، وأحيانا ينقلون للتنبيه إليها، هذا يعرفه من درس العلوم.
لكن ليست هذه قضيتنا الآن إطلاقا، يعني أنا لو أردت أن أحرر لكم نقله وكيف فهم هذه قضية أخرى، ربما نعقد فيها مجلسا وربما لا على حسب. يقول منها إنها زائدة حشوا، ورد هذا الطبري وقال: القرآن لا يكون فيه حشو. وقال هذا الطبري فعلا، ومنها أنها مزيدة للتوكيد لا حشوا، مثل: ﴿لَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾، ومثل: «أما فعلت كذا أو أما فعلت كذا»، خلاص، فما فما للتوكيد مفهوم. «فأما تريني لا أغمض ساعة من الليل إلا أن أكب، فأنعس، تأوبني داء القديم»، فغلس امرؤ القيس.
قال: لكن اعترض على هذا ابن عاشور، اعترض على الأصل وقال: نحن نؤكد الفعل وليس نؤكد عدم وقوع الفعل، والحاصل هنا هو عدم السجود وليس السجود. ونقل كلام ابن عاشور فيما يقول: «وأنا أوافق ابن عاشور في عدم صحة الزيادة للتوكيد لهذا السبب، ولسبب آخر وهو عدم احتياج الموقف للتوكيد».
تفضلوا، هذا الشيء عراقي يا إخوة، جميل جدا، هذا من حسنات العراق، الشيء العراقي بالهيل شيء رائع جدا، والله جرب تأخذها في أنصاف الأكواب، أنصاف الكاسات هكذا، خلاص، لكن إذا كانت الكأس لا تقل إلا في الخمر فإن أنصاف الأقداح، لكن الشوام يقدمون كاسة كاسة شاي وكاسة ميه.
قال العي: «وأنا أوافق ابن عاشور في عدم صحة الزيادة للتوكيد لهذا السبب ولسبب آخر، وهو عدم احتياج الموقف للتوكيد؛ لأن التوكيد يكون لمنكر ونحو ذلك». خلاص، لماذا نؤكد؟ ما منعك إلا تسجد؟ يعني يا الذي لم يسجد، يا الذي لم يسجد، لم تسجد؟ على التأكيد.
ويقول العي: «فكل محاولات الترقيع فشلت»، أيوه، فقاموا بالترقيع بأن أولوا بوجود جملة محذوفة بعد «لا»، والتقدير: ما منعك أن تسجد فاحوجك إلى ألا تسجد. يقول هو بالعامية المصرية: يا سلام على العقول اللوذعية! يعني يتكلم عن الطبري، يا سلام على العقول اللوذعية! وهذا ما اختاره ابن عاشور والطبري؛ أولوا جملة كاملة محذوفة، اسمها قدروا جملة محذوفة، لكن أولوا جملة معناها أنها موجودة وأولت عن وجهها، ويصح التأويل على وجه، لكن هنا العرف السائد في الاستعمال قدره، أنت عالم بتعترض على الطبري فلطفتك لغتك.
يقول: بأن أولوا بوجود جملة محذوفة بعد «لا»، خلاص، يعني أول الآية بوجود جملة، ماشي، أوله بمعنى فسره، جميل، أنا لا أعترض، يعني يقال هنا الأفضل قدروا وجود جملة: ما منعك أن تسجد فاحوجك إلى ألا تسجد. يا سلام على العقول اللوذعية! وهذا ما اختاره ابن عاشور والطبري، أول جملة كاملة محذوفة، هذه عبارة إضراب، أول جملة كاملة محذوفة، لكن مش مشكلة، أولوا جملة كاملة محذوفة.
ثم يقول بالمصرية: يا جماعة ليه وجع القلب ده؟ ما كان قال: ما منعك أن تسجد؟ وهو قالها في موقع آخر في سورة «ص»، وهو قالها في موقع آخر: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾. هو قالها خلاص، هو مين اللي قالها؟ صاحب القرآن، ما هو بيقول لك يا جماعة ليه وجع القلب ده؟ ليه وجع القلب ده؟ ما كان قال: ما منعك أن تسجد؟ وهو قالها في موقع آخر، هو اللي قالها في القرآن، يعني محمد ﷺ، وهو قالها في موقع آخر: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾.
ولماذا نؤول جملا من اللا شيء؟ لماذا نؤول جملا من اللا شيء؟ ما هو عنده مشكلة، يقول لك: ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا﴾، يقول لك: طب ما إحنا بنسير أصلا، ما إحنا ماشيين، ما نحن عندنا رحلة الشتاء والصيف، عندنا رحلات إلى اليمن وإلى الهند، والعرب يرتحلون، لماذا تقول سير؟ حشو! قل انظر فقط لما تمشي، لما تنزل امشي.
هو لا يفهم هذا إطلاقا، ولا يعلم أن العرب توقع الأمر بالفعل على جهة أو على صفة معينة، كأنه أمر بأصل الفعل إذا كان المراد إيقاعه على طريقة أو على وجه، حتى وإن كان يقع لكن بدون هذا الوجه، أو دون الوجه كما قال امرؤ القيس لحبيبته: «سيري وأرخي زمامه». طيب ما هي سيره؟ هو حد قال لك إنها واقفة في الصحراء فقلت لها: سيري وأرخي زمامه. هو الأب يقول لابنه: انزل في الشارع في الطريق واسأل الناس، طب ما الابن بينزل، الناس ينزل طبيعي، انزل وتأمل في الخط، طب ما هو ينزل، لكن هذا أمر بالسير على صفة، فيأمرون به من أصل الفعل ابتداء.
طيب هو لا يفهم كل هذا أصلا، فهو يقول -أنا ما زلت أقرأ كلامه يا إخوة لمن لم يفهم المصرية- ولماذا نؤول جملا من اللا شيء لنفسر شيئا غير مفهوم عنده؟ العرب لما تحذف... أحلى شيء أن العيي يتكلم عن العرب، يا سلام! أنا آسف لا أستطيع أن أقرأ هذا قراءة موضوعية على صرفه، لأنه يعطيه قيمة وهو ليس له قيمة. يعني هذا الذي لا يعرف الفرق بين الصيغة الاسمية والصيغة الفعلية، وبين «أل» النفي و«أل» النفي كون المعنى، وبين نفي المعنى، لا يفرق، لا يفرق بين ﴿مَا أَنزَلْنَا﴾ و﴿مَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾، لا يفرق بين ﴿مَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ و﴿مَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾، لا يفرق بين الصيغتين، هذا العيي!
يا إخوة حقيقة ليس رميا له، العيي ثقيل، فهم العربية ليست لغته كما قلت، لا الأولى ولا الثانية ولا الثالثة، هي العامية لغته، العامية بك با بك با بك، هذه كما سمعتموه، لكن العربية ليست لغته، العربية ليست لغته، لا يعرف أسرارها. وتعجبني الكلمة التي تنقل تقريبا عن توماس تيرنس إليوت، تي إس إليوت يقول: «الشعر لغة قومية»، فن قومي. لماذا يقول إن فيه أسرار لا يعرفها إلا أصحاب هذه اللغة؟ في التراكيب، في دلالاتها وخصائصها، أسرار لا يعرفها إلا أصحابها، فهذا ليس يعرف شيئا من ذلك. يقول العرب لما تحذف... أيوه يكون هناك مجوز للحذف، صحيح، لكن ماذا لو كنت أنت غير عالم بالمجوز للحذف؟ وهذا الحذف وجه من الوجوه المذكورة بالمناسبة، وسنأتي الآن، وسنبين أن اختلاف العلماء في الوجه في...
التأويل ليس اختلافًا أو ليس تأويلاً وتفسيرًا لتصحيح الكلام، وإنما لبيان الوجه البياني الذي أتى عليه الكلام. يقول العرب: لما تحذف يكون هناك مجوز للحذف، ولا بد من قرينة للحذف.
وهذه شبهتان؛ لأن اللاءات المقلقة واللاءات الحزينة... العرب لما تحذف يكون هناك مجوز للحذف، ولا بد من قرينة للحذف. هو في الطبري -مش عارف- قرينة للحذف؟ ابن عاشور لا يعرف قرينة للحذف، أو توجد قرينة أكثر من "لا" التي تقول إنها زائدة، ما هذه القرينة؟ يقول لك ما فيش قرينة للحذف، ما هو مش فاهم، هو لم يفهم العبارة فلم يستطع تصور القرينة، يا رجل لم يستطع أن يتصور المقابلة الحاصلة بين بغته وجهره؛ يعني لو لم ينتبه إلى الدلالة في الإتيان، فكان يمكنه أن ينتبه إلى الدلالة في الاحتباك.
﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾ [الأنفال: 72]. هذا لو أنا طالبته بأن ينقض القرآن، يعني أن يأتي بشبهات، وأنا وعدته أمس أن أنشر له الرابط بقناتي وبصفحتي في اليوتيوب يسجل على اليوتيوب ويرفع، وأنا آخذ الرابط أنشره عندي في اليوتيوب وفي الفيسبوك، أنا وعدته بهذا وأقسمت عليه، فأنا أعطيه شبهة في هذا أيضًا.
﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا ۖ فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ﴾ [الأنفال: 72]. هذه ليست مقابلة صحيحة؛ إما أن يقول: فئة تقاتل في سبيل الله وفئة تقاتل في سبيل الشيطان، وإما أن يقول: فئة مؤمنة وفئة كافرة. أما هذه فليست مقابلة صحيحة، هذا كلام ليس في ذروة البلاغة. هذا يسمى الاحتباك عند العرب، وهو من أساليب الإيجاز؛ حينما يحذفون من المتقابلين يحذفون من كل طرف من المتقابلين ما يدل عليه المثبت في الآخر، على شرط جواز إلحاق المعنى بالمعنى.
وهذا يا مساء الطيب والأنوار دكتورنا عبد القدوس، الحبيب على الرأس، يسعدنا حضورك ونستفيد منك ونحن نتكلم في صمتك يا مولانا. رضي الله عنكم، دكتور عبد القدوس من آل عبد القدوس القضاة، هؤلاء أسياد النشامة، بحق آل القضاة رضي الله عنهم وأرضاهم، وعليهم سلام الله، فهم من آل البيت حسينيون عليهم سلام الله. آل القضاة، رحم الله الشيخ محمد علي سلمان القضاة والد الحبيب عبد القدوس، وكان متذوقًا أديبًا، ورحم الله الشيخ نوح القضاة، كان مفتي الأردن، المملكة الهاشمية الأردنية، رحمه الله ورضي عنه وعليهما سلام الله. رضي الله عنكم يا مولانا، كنت في أي جزء أيها الإخوة؟ حول ماذا؟
حول الاحتباك. كنت أقول: وهذا من طرق الإيجاز في القرآن وتكثيف المعنى بتقليل اللفظ، وهناك طريق أخرى يعرفها النحاة وينصون عليها لأنها تأتي في عظم التركيب؛ يعني النحوي ربما لا يلزمه أن يتكلم خلاص، أو لا يلزمه أن يتكلم عن الاحتباك والبلاغة في ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ﴾؛ لأنه لا يعنيه إلا صحة المقابلة ولا يعنيه إلا استقامة الكلام، ربما لا يتكلم ربما عن المعاني الزائدة هنا، لكنه مضطر إلى الكلام عن ماذا؟ التضمين.
لأن التضمين يكون ظاهرًا في جسم الكلام، في عظم الكلام، حينما يعد الفعل المتعدي أو يعامل الفعل المتعدي معاملة اللازم في تعديته بالحرف، وسياتي معنا الكلام إن شاء الله. هذا أيضًا من أساليب الإيجاز في القرآن والبلاغة، وهذا يندرج تحت مبدأ عام اسمه التوهيم؛ هذا التضمين تحت مبدأ عام تندرج صوره تحت عنوان عام هو التوهيم، وسياتي الحديث في ذلك.
وأعد المصاحف معكم يا إخوة لأنكم سيبهركم بيان القرآن بما تقرأون، جهزوا المصاحف لأجل هذا الموضع على الخصوص، سيبهركم بيان القرآن، وستعلمون ما معنى أن يطابق الكلام مقتضى الحال أو الغرض؛ لأن الغرض في البلاغة هو الحال. ليس الحالة الواقعة من حول هذا في مطلق البلاغة العامة، لكن لما نتكلم عن بلاغة النصوص كالقصائد مثلاً وكذا يقال: مطابقة الكلام لمقتضى الغرض، ونبه إلى هذا دكتور محمد أبو موسى.
فيقول العرب: لما تحذف يكون هناك مجوز للحذف، ولا بد من قرينة للحذف، يعني "لا" الزائدة ليست قرينة. لكن هو عقله لم يذهب إليها كما لم يذهب إلى كل ما سبق، ثم يقول: ومن اللاءات المقلقة ومن تبعيضية... طبعًا خلاص، يعني أنا اللاءات المقلقة كثيرة في القرآن التي أسميها المقلقة، وهذه منها، وإن كانت أقل قلقًا من السابقة. والله أنت يقلقك حرف الجر، ويقلقك الواضح، الحمد لله رب العالمين، أنت لا يقلقك هشام الجخ، مش القرآن، أنت يقلقك الشعر العامي.
عجيب، أنا لا أستطيع أن أتجاوز هذه الطرافة، هي طرافة يا إخوة حقيقة هي طرافة. عارف مثلما يأتي مثلاً طالب علم طالب فقه وعايز يقول بقى إنه أصبح يدرس المذاهب الفقهية، فيأتي ويقول: ومن مذهبنا فرضية الصلاة والزكاة والصيام والحج، ومن مذهبنا حرمة الزنا، ومن مذهبنا حرمة شرب الخمر؛ هذه الأحكام قاطعة في مذهب الإمام، هو بالضبط، "وإن كانت أقل قلقًا من السابقة".
ما علينا، ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ * وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ * وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ * وَلَا الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر: 19-22]. يقول أنت تقول كما سمعتم، لكن لمن لا يعرف العربية المصرية، أنت تقول: ما تساوي أحمد ومحمد، ولا خالد وعلي، ولا محمد ومحمود، لماذا أكرر له؟ يقول لو كررت "لا" فكأنك عطفت وترًا على وتر.
فيا حبسته بقى لو "لا" بما أنك لن تتنحنح عن هذه القضية، فلو كررت "لا" كان المعنى كالاتي: لا يستوي أحمد ولا يستوي محمد، ولا يستوي خالد ولا يستوي علي، كأنك تكرر الفعل بعد كل "لا"، هذا الأصل في العطف. الذي يقدر فعل العطف وليس "لا" سيأتي الآن.
التوضيح يقول لك هذا الأصل في العطف، والله شكله فاهم يقول لك هذا الأصل في العطف، ويقول العي، لكن هو جاء بها زائدة.
لماذا جاء بها زائدة؟ قالوا للتوكيد، هو يقول قالوا للتوكيد. أنت تريد أن تؤكد شيئاً، فالمفروض هو أن تتحرى في طريقة التوكيد بحيث لا تحدث لبساً في الكلام. لبساً عند من؟ من أين اللبس؟ أن تتحرى في طريقة التوكيد بحيث لا تحدث لبساً في الكلام.
ثم أنت في هذه الآيات ماذا تؤكد؟ هو يقول لبس لماذا يا إخوة؟ ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ * وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ * وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ [الإنسان: 2-3]. هو يقول أنت هنا لن ترى اثنين، يعني لن ترى العطف؛ أنك تعطف النور على الظلمات، والحرور على الظل، والأموات على الأحياء، لا، هو يقول أنت عندك مشكلة أنك لما تقول: ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ يبقى بتعطف كل هذا على الظلمات، متخيل؟
ثم أقول آخر كلامه: "ثم أنت في هذه الآيات ماذا تؤكد؟ الظلمات والنور"، وهل يوجد أحد في الدنيا ينكر أن الظلمات والنور لا تستويان؟ هل أحد ينكر أن الأحياء والأموات لا يستويان؟ ثم يقول: "والغريب أنه لم يكرر (لا) بين الأعمى والبصير". لماذا؟ ما المعنى؟ لماذا ميزت بين هذا وهذا؟ "والغريب أنه لم يكرر (لا) بين الأعمى والبصير، لماذا؟".
طبعاً هو لما أورد كلام الطبري في الوجوه بهذا المستوى وبهذه الطريقة من نقد هذه الوجوه، يتعرض لانتقاد ما لا يعرفه من الأصل، ولا سأبين هذا الآن. تخيلوا أن يتعرض لانتقاد القرآن، بل لنقده شخص لا يعرف الوجوه الرئيسة كوجه رئيس من وجوه التقدير الدلالي في اللغة العربية، وهو كثير في الشعر. التقدير الدلالي بدلالات الكلام والسياق.
هو قال: "العرب طيب ما هم ذكر لك (لا)، ومع ذلك أنا لا أتناول الآن قضية تقدير الجملة ولا وجه مما ذكره الطبري، لا، ولا وجه، لكن أنا أريد أن أرى حيثية هذا المتكلم في فهم هذه الوجوه سواء وقعت الإصابة في ذاتها في المؤولين أو لم تقع". فعلى فكرة، زيادة "لا" مثلاً، ووقوعها في الشعر، نحن عندنا ما هو أكثر من زيادة "لا"، عندنا فكرة حذف "لا".
يعني مثلاً هو يقول لك اللبس، وما اللبس؟ امرؤ القيس يقول: سموتُ إليها بعدما نام أهلها ... سمو حبابِ الماءِ حالاً على حالي فقالت سباك الله إنك فاضحي ... ألستَ ترى السمار والناس أحوالي؟ فقلت يمين الله أبرح قاعداً ...
"أبرح" يعني ماذا؟ "أبرح قاعداً" يعني أنصرف أم أبقى؟ يمين الله أبرح قاعداً، يعني أنصرف ولا أبقى يا إخوة؟ ليس ما تعرفون بدون تقدير "لا". فقلت يمين الله أبرح قاعداً، قالوا يقدرون هنا: "لا"، يمين الله لا أبرح قاعداً. ما الذي جعلهم يقدرون "لا"؟ هذا لو كان عرض عليه شعر القياس لقال هذا يحدث لبساً؛ كيف تحذف "لا"؟ كيف تحذف "لا" وتقول نقدرها موجودة؟ ما يمكن خاف، هو يقول لك كذا، طب ما يمكن خاف "أبرح"، يمين الله أبرح، هذا لبس، ولن يرى "لا" كلمة قاعداً، ولن يفهم رقة السياق واتجاه المعنى، لن يفهم شيئاً من هذا.
فهذه مشكلة عنده؛ فعقل هذا الأعجمي كما أرى في كلامه أمامي، عقله أبعد شيء عن التقديرات التي يدل عليها الكلام. بل نحن عندنا من الحذف كذلك. تخيل هذا الذي أتى بوجوه الطبري وأخذ يعترض عليها دون تمحيص، أنا لا أتكلم الآن عن صحة وجوه الطبري، أتكلم عن: هل هذا الإنسان قادر على مناقشة هذا؟ أم اعترض على الوجوه لذاتها لأنه رأى أنها لم تثبت الدلالات عليها؟ نحن لن نتكلم عن ثبوت الدلالات عليها، سنتكلم عن الدلالة الأقوى في تحقيق الرتبة، وسأشرح كل هذا الآن، والبحث محفوظ يمكنك أن تراجعه وتتهنى.
هذه بلاغة ودراسة تحتاج إلى تأني، ليست سلق بيض وشرحها للناس. على الأكثر يحتاج، يعني إذا جلست، أنا أعرف أشخاصاً، منهم الدكتور عبد القدوس، إذا قرأنا مثل هذا الكلام بنظرة واحدة من أعيننا مع ابتسامة، تفهم منها أننا فهمنا كل ما أقوله أنا الآن. أنا كلامي والله على الحقيقة ليس على المجاز، نحن ننظر في أعين بعضنا ونبتسم لأننا نفهم هذا، لكن شرح هذا للناس كما قلت في الأول سأفصل.
سأتكلم عن هذا إن شاء الله. نحن عندنا نوع آخر من التقدير، تعرف تقدير ماذا؟ خذ عندك تقدير الفعل الذي يحذف ويبقى عمله. طبعاً هو هنا سيكون تاء، خلاص، يقول لك أنا أين الكلام؟ الكلام كله راح أين؟ الدلالة لابد أن تتأنق في الكلام وتظهر الفعل. امرؤ القيس يقول: ليالي يا سلمى إذ تريك منصباً ... وجيداً كجيد الرئم ليس بمعطاء نجيب السياق: ألا عم صباحاً أو ديار لسلمى ... عافيات بذي خالي الحليّ الطوا وتحسب سلمى لا تزال تراطلاً ... من الوحش أو بيضاً بميثاء محلالي وتحسب سلمى لا تزال كعهدنا ... بوادي الخزامى أو على رسّ عالي
ليالي يا سلمى، إذ تريك منصباً؛ لماذا نصب "ليالي"؟ على ماذا؟ "ليالي" مفعول به لفعل محذوف، يقدر: "اذكر ليالي سلمى". ما الذي قضى بهذا التقدير المحذوف؟ ليس هناك كما في هذه الآية زيادة "لا"، ليس هناك شيء إلا فهمك للسياق. "ليالي يا سلمى إذ تريك منصباً"، هذا لو قرأ مئة سياق إذا ما كان امرؤ القيس يجيب له الكلمة يقول له: "أهو اذكر ليالي يا سلمى؟"، اذكر ليالي يا سلمى ما فهم شيئاً، هقول له: حذفت ما لا نضطرب في فهمه، هو لا يفهم شيئاً أصلاً، هذا لا يفهم بين ما فعلت وما كنت فاعلاً، ما يفهم الفرق بين العبارتين.
فنحن عندنا "ليالي يا سلمى" هذا تقدير، وعندنا "لا" تقدير. إذا كان لا يفهم الزيادات ولا يفهم المحذوفات ولا يقدر على تقديرها بدلالة السياقات، كيف سيفهم التوهيم أو التضمين؟ وكيف سيفهمه، وهو الذي هو أحد وجوه الإيجاز وتكثيف الدلالة، وهو الوجه الذي جاءت عليه سورة الأعراف، الموضع الذي استشكل للأسف الشديد.
كنت أتحدث اليوم مع بعض الفضلاء، وحدثني في هذا الأمر في هذه المجالس. وقلت له العجيب: هل استطيع الآن، أنا مثلاً أقرأ الإنجليزية، هل استطيع أن أجادل في بلاغة الإنجليزية؟ في مسائل في بلاغة الإنجليزية؟ أن أقول له: لا أستطيع، لكن ربما أستطيع المناقشة في الأمور العقلية، ربما أتفلسف. وربما حتى وإن لم أدرس المنطق، ربما أتكلم بالمنطق؛ ليس شرطاً أن أقول لك مقدمة صغرى ومقدمة كبرى ونتيجة، وليس شرطاً أن أقول لك كل جابه وكل باجا كما في متن "نموجي" في المنطق الذي درسته على أحد مشايخي الهنود.
لا ليس شرطاً، أنا بعد أن درست عدة كتب في المنطق وعلى يدي مشايخ متخصصون، أحدهم هندي، لأن هذا العلم مادته لأن علم الأعاجم عادة. بعد ذلك شعرت أنني كنت أسرع ذهناً في التفكير من تعلم المنطق. المهم، يستطيع أن يناقش في المنطق وأن يتفلسف، والناس يتكلمون بالعقل لأن هذا الباب مناطه العقل. لكن لما تكون اللغة، إذا لم تكن عندك قريحة ومن أهل هذه اللغة، لا تجادل؛ تطلع حمار. تجادل في شيء أساسه القريحة تطلع حمار.
أنا مثلاً الآن، وأنا في العراق وفي الأردن كنت أسمع شعراً بدوياً، أفهم نصفه ولا أفهم نصفه الثاني. ومعنا حبيبي عبد القدوس يقول شعراً بدوياً بالمناسبة. وكان في العراق الشعر البدوي، ما شاء الله، في ناس شعراء بدوي للشارع، البدوي العامي، أسمع وأشد، أقعد أحلل الكلام، ألاقي أنا مش فاهم المقاطع، بس في لقطت كلام، نصف الكلام فهمته، خلاص. لكن هل أستطيع أن أجادل فيه؟ وأعي؟ قريحتي ليست في البدو، ليست في شعر البادية أو النبطي أو العامي. وإن كنت وجدت فيما وجدت في العراق فناً، في كلام جميل، لكن يظل في فن شعبي، يظل كذلك.
أخونا السماوي، ما أنت سماوي عراقي يا مولانا، طبعاً تفهمه كله، أنت من بادية العراق أصلاً. المهم أنا أشك أن البغدادي يفهمه، أشك. لكن هو أنشده في مسجد الإمام أبي حنيفة، لو يبطئ في الغالب ستفهمه كله. أخونا الحبيب المرافق سيد عباس أنشده في مسجد الإمام أبي حنيفة مع إمام المسجد، فتفاجأت بانفعال الشيخ وأنه طلب منه، قال له: أعدها، أعد القصيدة، وأعادها له، كان سعيداً وطائراً بها.
المهم، القضية اللغوية قضية ليست قضية جدال ومكابرة، فهذا حمق. هذا حمق الدخول فيما لا تحسن، فيما لم تنشأ عليه، فيما لم تدرسه وتعيشه، حمق.
فمثلاً عندك من هذه المواقع ما يعرف بالتضمين في القرآن، قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63]. وقف النحاة هنا في التضمين؛ هذا اسمه تضمين يا إخوة، وهذا اصطلاح نحوي قبل أن يكون بلاغياً، وإذا كان في البلاغة فهو من النحو. ويستعمل تحت اصطلاح أعم يشمله، وربما يشمل صوراً غير التضمين النحوي، اسمه "التوهيم".
فليحذر الذين يخالفون عن أمره. الفعل "يخالفون" فعل متعدٍ، يعني الأصل أن يتعدى أثره بالنصب في مفعول، فليحذر الذين يخالفون أمره، هذا الأصل. الذي يتعدى بالحرف هو الفعل اللازم -ولا أعرف إذا كان السامع يعرف معنى الفعل اللازم والمتعدي أم لا- الفعل اللازم هو الذي يحصل في نفس الفاعل ولا يتعدى أثره إلى مفعول، وإنما يتعدى بالحرف. يعني مثلاً: يجلس، هل أنا يجلس كذا؟ لكن "أكتب الدرس"، هذا يتعدى بنفسه. أما "أجلس"، فهو يحصل في نفسي، لكن يتعدى بالحرف، يقال: أجلس على، أمشي في، أمشي على، أمشي فوق، أمشي تحت. هكذا، فهو يتعدى بأثره بالحروف. فالأصل في الفعل المتعدي أن يتعدى بنفسه، والنحاة يقولون يتعدى بنفسه، والفعل اللازم يتعدى بالحرف.
أحياناً يريد المتكلم تكثيف الدلالة، فيرتكب شيئين، هذا من أساليب تحميل الكلمة معنى كلمة أخرى دون زيادة هذه الكلمة، وهذا من باب الإيجاز في العربية. ففي نص القرآن: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾، ليس هذا الأصل، ولكن "يخالفون عن أمره". الفعل بصيغته "يخالفون" دل على فعل المخالفة أنك خالفت الأمر، ولكن المراد هنا أن تكون المخالفة عن عدم إذعان، وعن انصراف وتحويل، وهو الفعل اللازم الذي أريد تضمينه في لفظ المخالفة دون زيادته، دون أن يقال "يخالفون منصرفين".
فعمل الفعل المتعدي "يخالفون" بالتعدية بالحرف الظاهر في جسم الكلام، ليوحي ذلك الحرف بأن هناك معنى آخر في كلمة "يخالفون" يتعدى، وهذا المعنى يناسب أن يجاور المخالفة. فإذا صار معنى قوله تعالى ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ أنهم يخالفون منصرفين غير مذعنين؛ من أين جئت بـ "مذعنين" أو "منصرفين"؟ من التعدية بالحرف. الله لم يقل: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ أَمْرَهُ﴾، وإنما قال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾.
ولك أن تجرب أن تأتي بأفعال وتريد أن تأتي بها بصيغة الحال؛ بكلمة أخرى، كيف يمكنك تعدية الكلمة الأولى أو الفعل الأول بحرف يخلق في داخله معنى الكلمة التي أردت أن تأتي بها حالاً؟ هذا في العربية يسمى التضمين. يقال: الكلمة دلت بصيغتها على المخالفة وهي الفعل المتعدي، ودلت بتعديتها بالحرف على المعنى الآخر الذي حملته اللفظة ولم ينص عليه، ليس من صيغتها وإنما من تركيبها بإسنادها مع حرف الجر الذي تعدت به. هذا هو معنى التعدية. وكما قلت، ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ في سورة النور، هذا من أساليب التكثيف وتحميل اللفظة أكثر من معنى في الكلام العربي.
وهذا الذي وقع في سورة الأعراف، هو نوع من هذا التوهيم والتضمين، يدخل تحت مبدأ عام يسمى "التوهيم"، وهو إيهامك بالكلام أنه سيقع في السياق على هيئة معينة، ولكن يأتي بعد الكلمة شيء يدل على أنه أريد من الكلمة الأخرى شيء آخر. نوع من المناورة اللغوية، والمناورات اللغوية من أساليب الكلام البليغ، فهذا يسمى التوهيم؛ من الوهم، من الإيهام، اصطلاح بلاغي: التوهيم.
تعالوا الآن إلى الموقع من سورة الأعراف: ﴿مَا مَنَعَكَ﴾.
أني حاولت في هذه الأيام تذكر ما قرأته في هذا، من قرأت له تفسيراً، بالتوهيم لكن لم يرد بذهني، فاكتفيت بالشرح. لكن قالها بعض المفسرين المعاصرين وبينها وفسرها، نص عليها في تفسيره، أظنه معاصراً غلب على ظني أنه متأخر، لكن عهدي بذلك بعيد، ربما عشرة أعوام تقريباً أو كذا لا أذكر.
ربما كان الدرويش في إعراب القرآن الكريم وبيانه أو شيء من هذا أو بلاغته، سنبحث ونحن الآن مع بعضنا. لكن دعونا ندخل في الأمر الأول: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾. قالوا هنا وقع توهيم أو ما يشبه التضمين في «منعك»، والدلالة على هذا كما كانت في التضمين التعدية بالحرف، الدلالة على هذا هي «لا».
﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾، فإذا قلت: ما منعك لا تستعجل، نحن سنرجع إن شاء الله إلى القرآن، جهزوا المصاحف يا إخوة، قلت لكم جهزوا المصاحف، معك ولا تمسها إلا متوضئاً يا إخوة، وإلا فافتح على اللابتوب أو على الهاتف أو الآيباد.
﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾، ضُمنت في معنى منعك التصيرير، يعني صيرك ممتنعاً عن السجود. «ما منعك ألا تسجد» أصلها «ما منعك أن تسجد»، خلاص «ما منعك أن تسجد»، يعني ما منعك السجود، صح ولا لا؟ «ما منعك من السجود» صح، لكن «ما منعك ألا تكون ساجداً». قالوا هنا، صيغة «ألا تكون كذلك»، «ألا تكون من الساجدين»، ردت الذهن إلى معنى منعك وأوجدت فيه معنى التصيرير الذي هو أقرب المعاني إلى المنع، يعني ما منعك أي ما صيرك ألا تكون من الساجدين: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾.
وقالوا هذا التوهيم. وقبل ذلك طبعاً هنا السؤال الذي يأتي: لماذا؟ طيب ما هو العيب؟ قال: طب ما أنت قلتها فعلاً من قبل، «ما منعك أن تسجد» خلاص، لما خلقت بيدي، طب ما هو قالها كذا. طب ما هو صح هو معه حق. لكن نحن نحتاج إلى النظر في السياقين، وإلى مواقع الألفاظ في مجال المعاني، وإلى توخي معاني النحو والمفردات بحسب ما يؤم من الأغراض.
الفرق أيها الإخوة أنني من دهر طويل أقرأ المصحف بغرض استجلاء البلاغة، فمثل هذه السياقات وشرح هذه السياقات بعد ذلك هو درر قديمة. لكن تعالوا الآن، لعل الله فتح علي بتذكر كلام أن الكتاب عند الدرويش، محمود الدرويش تقريباً، محمد.
تعالوا لحظة واحدة، طبعاً أنا لن ألوم إذا وجدتها هنا، لن ألوم الباحث على أنه لم يبحث هنا، إذا كنت أنا نسيت الموضع لكن لم أنس الكتاب لا ألومه، المفروض كان يبحث. هذا يا إخوة كتاب «إعراب القرآن الكريم وبيانه» للشيخ محي الدين الدرويش، هذا من الكتب المعاصرة الجيدة ونصحت به كثيراً يا إخوة. يأتي بالآيات وبالقطع وبالفصول من السورة ثم أحياناً يعلق عليها بما فيها من البلاغة.
تفضلوا الشاي يا إخوة، براد بلدي مصري. سورة الأعراف، كم رقم الآية؟ الثانية، في طبعه ابن كثير واليمامة المجلد الثاني، الأعراف في المجلد الثاني، الأعراف الآية الثانية جاءت ضمن المجلد الثاني صفحة 521 تحت كلمة البلاغة مباشرة. يقول الشيخ في قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾: «فإن في قوله: ﴿أَلَّا تَسْجُدَ﴾ فن التوهيم».
هذه تريد رشفة شاي، وحمداً لله على التذكر، يا أخي أنا منذ يومين أتذكرها، مش عارف أتذكر الموضع وارتجالاً هكذا، سبحان الله، الحمد لله. يقول في قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ فن التوهيم. هذا الشيخ يقول هذا من علماء حماه، صح؟ هو والشيخ محمد علي طه الدرة، حمويان، يعني صحيح ولا من حمص؟ لا من حماه، وحماه أخرجت علماء كثر نعم.
في قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ فن التوهيم، وقد تقدم الإلماح إليه. هو يقول الإلماح، طبعاً معناها ليس التلميع، الإلماح يعني الإلماح، وقد تقدم الإلماح إليه، أي أن يأتي المتكلم بكلمة توهم ما بعدها من الكلام، توهم ما بعدها من الكلام أن المتكلم أراد تصحيفها أو تحريفها أو اختلاف إعرابها أو اختلاف معناها. فإن الظاهر «ما منعك من السجود»، والتاويل الذي يرد هذا الكلام أن العلماء قالوا: ما منعك أي ما صيرك ممتنعاً عن السجود، أي ما صيرك ممتنعاً عن السجود، يعني ما صيرك إلى عدم السجود، ما صيرك بهذا المنع كما يخالفون أمره، «ما منعك» صيرك ممتنعاً «ألا تسجد».
طيب ثواني، أنت هكذا يا أبا قيس، لماذا جاءت هنا هكذا وهناك هكذا؟ أنا محتاج سياق، وهذا حقك الصراحة، يعني أنت حقك أن تطالب بالسياق، لكن قبل ذلك دعني أقول شيئين: الشيء الأول أن هذا لأن ممكن الآخر يقول لك أنا مش فاهم حاجة، يعمل لك كذا، هو أي حد يجي يقول لك حصل تضمين، خالفونا مش عارف إيه، إذا لم يكن فاهماً سيفعل ذلك. هذا التضمين وهذا التوهيم فن موجود في الكلام العالي، أي أن تدل الكلمة على معنى بلفظها وعلى معنى آخر بموقعها وسياقها ومعاملتها النحوية، وهو أحد أساليب تكثيف الدلالة التي يعرفها أهل اللغة جميعاً ويمتلئ بها الشعر. بيفصل في البلاغة، وليس ذنبنا أن العيِّ لا يعرفها.
الشيء الثاني حتى لا يفوتني قضية الوجوه، بعد ذلك أقول اختلاف العلماء في الوجه الذي حصل، أو الوجه الذي يقدر به وجود هذا النفي: «ما منعك ألا تسجد»، سواء قيل زائدة لتوكيد، أو قيلت بتقدير جملة، أو قيل بكذا. هذه عبارة ليست عبارة عن اختلاف في الوجوه تصح أو لا في ذاتها، بل هي اختلاف، اسمع معي هذه نقطة لا بد أن أوضحها، هذا كله أيها الإخوة اختلاف في ماذا؟ اختلاف في الوجوه التي تتحقق بها البلاغة في هذه الآية. وليست مثلاً الكلام على زيادة كما هو أورد هنا الكلام على زيادة اللفظة للتوكيد، أو الكلام على تقدير الجملة المحذوفة.
هناك قول آخر عند الطبري، أنا أذكره، أن «منعك» بمعنى «القول»، هذا ذكره الطبري ولم يذكره العي، لكن أنا أذكره من الطبري، لأن الطبري مما أدمن قراءته من سنين ثم صرت منه إلى تهذيب الشيخ رحمه الله صلاح.
ثم صرت أرجع لتتبع صيغ الروايات مرة أخرى في الطبري. فالطبري ذكر في هذا الموضع القول، إن منعك ضمن معنى القول، لم يقل هذا خطأ صرف، قال الأصوب أو الأرجح، وكذا، أو حتى لو قال الصواب، لا يعني أن الآخر غلط في أصله، وإنما ينظر المفسر إلى بتقديره إلى ما يتحقق به الوجه البياني الأعلى في هذا؛ فهذا ليس اختلافًا في أصل الوجه، وإنما هو اختلاف في الوجه المقدم. فكل هذه الوجوه موجودة في العربية وتحتمل، لكن أي الوجوه أولى؟
في القرآن وفي الشعر، في القرآن مثلاً، إذا فتحت كتب المفسرين المعربين تراهم يقولون في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَٰهِ النَّاسِ﴾، يقولون تحتمل ثلاثة أوجه: تحتمل البدلية، وتحتمل العطفية (عطف بيان)، وتحتمل النعتية. العلماء الذين يتناولون البيان يقولون هذا طرح أو ذكر لكل الوجوه الجائزة، سواء كانوا مخطئين في طرح كل الوجوه أو كانوا يذكرونها احتياطًا وإبراءً للذمة. في الأخير، الوجه الذي يتعين هو الذي يتحقق به البلاغة، الطبقة الأعلى في مثل هذا النص، أو يتحقق به اتساق النص.
فأنا نظرت في هذا فوجدت أن هذا اختصار في الكلام، وإلا فالشرح قد يطول. وجدت أن وجه البدلية، كما يعرف في النحو أنه على نية إعادة العامل، والنحاة يقولون: كل ما يصلح عطف بيان يصلح بدلًا، إلا أن عطف البيان يكون بقصد المبين الأول، لا يكون بنية إعادة العامل، أما البدل فيكون على نية إعادة العامل. يعني لما تقول مثلاً: «جاء عبد الله، جاء أخوك»، لو قصدت عطف بيان فأنت تريد: «جاء عبد الله الذي هو أخوك». لو قلت هكذا: «جاء عبد الله، جاء أخوك»، اسمع شوف الفرق بين الموقفين بين عطف البيان والبدل، وتفهم الفرق بينهما مع اختلاف النص، لكن الذي يحكم بذلك هو الحال والسياق.
تعال نخترع حالًا: أنت الآن تريد أن تصالح بين شقيقين، عندك زيد وقعت مباغضة أو مشاحنة بينه وبين أخيه عبد الله، وتخاصما مدة وتقاطعا، فإذا بأخيه عبد الله يأتي من بعيد فتقول له: «جاء عبد الله، أخوك»، «جاء عبد الله، أخوك». هذا يسمى ماذا؟ عطف بيان أم بدل يا أخوه؟ هذا عطف بيان؛ «جاء عبد الله الذي هو أخوك»، فكلمة «أخوك» تفسير بيان لعبد الله حتى تحضه، «جاء عبد الله الذي هو أخوك»، بيانه «أخوك»، فهذا الموقف ينطق أنه عطف بيان.
طيب، إذا كان الأمر عاديًا وهناك أكثر من شخص اسمه عبد الله ويحتمل المجيء، يعني المجيء يحتملهم جميعًا، فقلت: «جاء عبد الله»، فنظر لك مستفسرًا فقلت: «أخوك». هذا يسمى بدلًا على نية إعادة العامل، يعني: «جاء عبد الله، جاء أخوك»، أنت لا تريد أن تقول «جاء أخوك الذي هو أخوك»، جاء أخوك وخلاص، أما في الأول «جاء عبد الله، أخوك» أي «عبد الله الذي هو أخوك»، فهذا عطف بيان. لو نويت إعادة العامل فأنت تخبر من جديد بمجيئه: «جاء أخوك» خلاص. فهناك مواضع تقتضي بلاغتها تصور إعادة العامل، وهناك مواضع لا تقتضي هذا.
فلو نظرت في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَٰهِ النَّاسِ﴾، ما رأيك لو فسرتها بـ «قل أعوذ برب الناس ملك الناس» على عطف البيان؟ يعني الذي هو إذا «ملك الناس، إله الناس» مشدود إلى الاستعاذة الأولى، الأمر بالاستعاذة الأولى: «قل أعوذ برب الناس»، لماذا؟ لأنه إله الناس، لأنه ملك الناس. وهذا صحيح وجميل، لكن ماذا لو كانت كل صفة (الربوبية، والملك، والألوهية) كل منها يجوز إنشاء استعاذة به، أو تتعلق كل منها باستعاذة؟ استعيذ بالرب، استعيذ بالملك، استعيذ بالإله. وهنا يكون وجه البدلية الذي يرجح، إعادة أو تصور إعادة العامل، فيكون تقدير الكلام: «قل أعوذ برب الناس، قل أعوذ بملك الناس، قل أعوذ بإله الناس». أنت تعوذ برب الناس، أنت تعوذ بملك الناس، أنت تعوذ بإله الناس. الوجوه الأخرى ليست خطأ في التقدير، لكن هذا الوجه المقدم عليها في الترجيح.
فاختلاف العلماء في تقدير «ما منعك ألا تسجد» ليس اضطرابًا وليست ضعفًا عقليًا من الوجه الذي حُصِد للعيي، لأنه عيي؛ هؤلاء علماء بلاغيون مفسرون. أما هذا العيي فتقديرهم الجملة، أو تضمينهم القول، أو تحملهم القول المعنى على معنى القول، وهذان عند الطبري قالها، أو حتى من قال بالتوكيد، هذه وجوه في التقدير بحسب فهمهم للسياق البلاغي. هناك وجه آخر لم يتعرض له العيي وهو الذي ذكرته عن التوهيم، وقدمت الشرح له بالتضمين النحوي: «فليحذر الذين يخالفون»، هو وجه التوهيم، وأن الكلمة ضمنت معنى التصير؛ «ما منعك» يعني «ما صيرك بالمنع؟ ما منعك؟ صيرك بالمنع ألا تسجد»، «ما منعك؟ صيرك بالمنع ألا تكون من الساجدين».
ويأتي هنا السؤال، تعالوا نضرب مثالًا آخر في موضوع ترجيح الوجه. كان هناك بيت للنبيغ الذبياني -اللهم صل وسلم وبارك على نبينا الأعظم الأمجد محمد وعلى آله وصحبه- يقول النبيغ الذبياني في بائيته: فلا تتركني بالوعيد كأنني ... إلى الناس مطلي به القار أجربُ
هناك إعراب أو شرح يشيع في شروح الديوان، وهو أن «به القار» في «مطلي به القار»؛ إن «به القار» يتعلق بـ «مطلي»، «مطلي به القار»، وهنا يوجد قلب، يعني هو «مطلي بالقار» لا «مطلي به القار». ليس أنه هو الذي طلي بالقار، لا؛ «مطلي به القار» يعني القار مطلي به وليس هو مطلي بالقار. قالوا هذا لأجل مبالغة أن القار هو الذي طلي، فمن كثرة القار عليه طلي به ثم أجرب.
هذه جملة أخرى تناظرها في استقلالها، ظلت لسنوات -والله يا أخوه أقرأ هذا ولا أجد راحة في نفسي على هذا التفسير- «مطلي به القار أجرب»، تعرفون لماذا؟ «مطلي به القار»، قالوا هذا قلب يعني القار الذي طلي به. الصورة فيها تشويش، ليس إشكالًا أيضًا، ربما العيب عندي أنا، هذه عادتي، ربما العيب عندي، كثير مما لم أفهمه في الأول فهمته بعد ذلك. لكن حصل ضعف في الوصف «أجرب» بعد «مطلي به القار»، لأن الجرب سبب الطلي، لأن الجرب سبب الطلاء، الطلاء بالزيت أو الدهان بالقار، صح؟ فتأتي تقول «أجرب» بعد «مطلي»، والله يعني هو نزلت صح «مطلي به القار أجرب»، لم أشعر لما قويت ذائقتي بعدها وصرت أتعامل مع شعر كثير بعد سنوات وكذا، والله بعد سنوات انتبهت، وجدت الوجه الذي أيضًا في الوجه النحوي الذي تتصاعد به الدلالة، وكل واحدة دلت على حرفيتها وزيادة عليها.
فلا تتركني بالوعيد كأنني إلى الناس مطلي، تصوير الشخص المطلي إلى الناس «مطلي» هذا خبر أول، «به القار» خبر ثانٍ.
تفسير له. وبعد الأول، مطلي يحصل نوع من الشلل؛ لأن هناك وجوهاً في القار، وأوجه في تعليق القار بالشخص به القار، وليس أن المطلي به القار مطلي به، لا، تكون الباء هنا توطن القار فيه ظرفية به، القار به مطلي به القار.
أجرب؛ لأن أجرب دلت على علة الطلي، ودلت باستقلالها وحدها على النبذ في الناس، فصرت أقرأ البيت بالإعراب النحوي هكذا: «فلا تتركني بالوعيد كأنني.. إلى الناس مطلي به القار أجربُ»، وليس: «إلى الناس مطلي به القار أجربُ».
هناك تشويش في الأول وهبوط في الأخير؛ «فلا تتركني بالوعيد» يقول لنمان بن منذر النابغة الجاهلي -لله دره من شاعر انفجرت العيّة التي ترجعني للعِيّة إني بقيت-؛ فلا تتركني بالوعيد كأنني إلى الناس مطلي به القار أجرب، وهذا أبلغ، وأسلم، وأنجع في الضراعة والخضوع، الذي هو باب الاعتذار والتوسل.
على البيان أن من البيان لسحر. هل أنا الآن اختلفت مع الشراح؟ أنا الآن اختلفت مع الشراح. هل اختلفت اختلافي مع الشراح لأجل أن النص مضطرب؟ لا، لأجل أن كلاً منا حاول أن يرفع التقدير، سواء في الإعراب أو تقدير المحذوفات أو التأويل، بمعنى عام على حسب ما يرى بلاغة النص.
فقولهم بتقدير العبارة المحذوفة كما نسبها للطبري وابن عاشور، وقولهم بالتضمين بتحميل المنعم معنى القول، وقولهم بالتوهيب؛ كل هذا لأجل تفسير النص بلاغياً، فينظرون الوجه المناسب وتتفاوت نظرتهم هنا، وليس لأن النص مربك، فرق كبير.
من يفهم هذا الذي قلت لكم؟ هل يفهم هذا الذي قلت لكم الآن من لا يفرق بين ما فعلت وما كنت فاعلاً؟ لكن بعد ذلك يا إخوة من حقك أن تقول: لماذا؟ هو أظن قالها صح، هو قال: «طيب أنت الآن ما قلتها في موقع آخر، ما منعك أن تسجد؟»؛ حقك هذا، فبقي الشيء الذي لا بد وأن تنصرف إليه الآن أذهان المتيقظين وكذلك أذهان المترقبين المتنمرين كما فعل هو وإن كان أعجمياً.
وهذا يقتضي منا الرجوع إلى الموضعين وقراءة العبارتين على قاعدة النظم، وعلى قاعدة السياق، وعلى قاعدة توخي معاني النحو والمفردات بحسب ما يؤم من الأغراض، وعلى قاعدة مواقع الألفاظ والعبارات في مجال المعاني، وعلى قاعدة مطابقة بقية الكلام لمقتضى الحال.
تعالوا، هاتوا المصاحف. سنقرأ أولاً النص الذي في سورة صاد، الذي ليس فيه اللام الزائدة، صفحة 457 يا إخوة. قلنا هذا درس في القرآن في البلاغة القرآنية. والله أنا سعيد بهذه المدارسات القرآنية معكم، وأطلب من العِيِّ كما طلبت منه أمس أن يزيد في هذه الشبهات، يعني يخليه رجلاً عملياً، يطلع شبهات جديدة، يخرج يرد على هذه الشبهات، يعمل فيديو أو صوتي حتى تسمع الناس وتنظر في كلامه وكلامي، وكل له عقل، يقعد محترماً؛ أبو قيس يتكلم وهو يتكلم، وأطالبه بشبهة جديدة تكون من بنات عقله، لو كان عنده من بنات عقل يأتي بهذه الشبهة، وهذه الفرصة نغتنمها إن شاء الله أيها الإخوة.
صفحة 457، الآية الخامسة بعد السبعين: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ۖ اسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾. تعالوا نبدأ من الأول، من الآية الأولى بعد السبعين: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ﴾.
أسألكم وأجيب: هذا سياق حكاية وإخبار بخبر الغيب، أم سياق من جبروت وإظهار قدرة بالخلق؟ ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ﴾، هذا السياق سياق حكاية وإخبار عما كان من أمر الغيب، أو قصة الخلق في الغيب.
﴿فَإِذَا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين﴾؛ هذه لازم تنبه، تقول: «فقعوا»، بلاش «فقعوا» هذه يا جماعة، الله يكرمكم، «فقعوا له ساجدين». الفاء حرف عطف، فأظهروا أنها كلمة، لا تنحتوها مع اللفظة مع الفعل، لا تقل «فهدى»، خلاص وليس «فهدى»، بل «فقعوا» وليس «فقعوا». هذا مستوى في التجويد لا بد أن تتعلموه، بعض الإخوة قال هذا تشدد منكم يا أبا قياس، يعتبروا مدرستنا متشددة في التجويد، لا، هذا مهم: «فقعوا له» وليس «فقعوا».
﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. حصل إخبار، اسمع، حصل إخبار بسبب عدم سجود إبليس، حصل إخبار بعدم سجود إبليس. الله تعالى يقول لنا: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.
﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ اسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾. انظر، السؤال عن الاستكبار بعد أن أخبرنا به، يبقى السياق من الأول سياق حكاية، وأخبرنا تعالى على الحكاية، والله أخبرنا هنا بعلمه بسبب عدم سجود إبليس.
مرة أخرى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ * قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ اسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾.
تعالوا الآن إلى موضع سورة الأعراف الذي فيه زيادة اللام، تعالى صفحة 152 من مصحف المدينة، سنقرأ من صفحة 151 لأن الآية في أول الصفحة: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ...﴾. سياق ماذا؟ حكاية أم من جبروت وأمر بالخضوع للخالق المنعم؟ ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾. هل تمحض الكلام في الحكاية كما في سورة صاد؟ أجيبه: هل الكلام في محض الحكاية كما في سورة صاد؟ سورة صاد صفحة 457 نعلم عليها عشان نرجع لها.
أخونا عبد المنعم يقول: والله إننا محظوظون يا أستاذ. الحمد لله، اشكروا العِيَّ. ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ * وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ...﴾.
ثم صورناكم، سياق جبروت واستعلاء، استعلاء الخالق الرب المقدر الصانع.
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الأعراف: 11]. قال: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: 12]. هناك في سورة ص، ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [ص: 74]، علل، وهنا ليس هناك تعليل مجرد الفعل؛ عدم السجود، لم يكن من الساجدين، والتوجه مباشرة إلى سؤاله.
ففي سؤاله إبليس في موضع الأعراف من التعجيب والإنكار والأذ والتذهيل، ما ليس في سورة ص، وهذا بدلالة السباق، سبق الكلام السابق في السياق. ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ...﴾ خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا، اسمع: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾. لم يقل كما في الصاد: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ فأعلمنا بعلة كفره وعدم سجوده، فليس هناك تعجيب.
أما هنا: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾ فقط، ثم السؤال لإبليس: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾. لم يباشر التعليل الذي في سورة ص، بل الإخبار بعدم السجود بعد إظهار الجبروت والخلق والقدرة مباشرة، بعد أن أخبر أنه لم يكن من الساجدين. لم يعلمنا بعلة عدم سجوده، بل جعلنا نشاهد محاكمة إبليس: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾، أي ما سَيَّرك بالمنع ألا تكون من الساجدين؟
تعال هناك نرجع لسورة ص، إذ قال ربك للملائكة: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [ص: 71-73]. أين التذهيل؟ أين الذهول؟ أين التعجيب؟ لا، ما فيش، إلا حكاية بدأت بحكاية، ولأنها حكاية أخبر الله بالعلة: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [ص: 74].
تعال الآن نشوف اللحاق، نحن شفنا ما قبل السباق، تعال نشوف اللحاق في موضع الحكاية وعدم التعجيب وعدم الصدم بالخبر وبالكلام. أولاً: السابق لم يخبر الله تعالى في الأعراف بالعلة، وهنا أخبر بالعلة، ولذلك بعدها ماذا قال الله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾؟ لما خلقت بيدي؟ يعني هناك الآن محاجة عقلية برهانية لإبليس، محاجة عقلية برهانية لأن الجو هنا هادئ، لأن الله أخبر أنه استكبر، ثم أرانا الله محاكمة إبليس، وهو يقال له: استكبرت أم كنت من العالين؟ الله يسأله، وقبلها أخبرنا: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.
وبلاغة هاتين الآيتين أن الله أخبرنا ثم يشيع بالحكاية: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ اسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾. والله أخبرنا أنه استكبر، فمحاجة توجد محاجة برهنة للموضوع، لأن الجو أصلاً ليس جو صدمة وتذهيل وإظهار عدم العلم في التصوير البياني، فالله يعلم في كل الأحوال، ليس إظهار عدم العلم في التصوير، بل في الحكاية.
تعال نشوف اللحاق هنا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ * قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ اسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾. ما سيرك في هذا تحت جبروتي وعظمتي؟ ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك؟ "إذ أمرتك"؛ قال: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾. ليس "استكبرت أم كنت من العالين" بعد "إلا إبليس استكبر"، بل "إذ أمرتك" لإظهار التعجيب.
ففي سورة ص ليس هناك مجال للتعجيب وتضمين المنع معنى التسيير: "ما صيرك إلى هذا الجرم؟"، أما هنا في السياق: "ما منعك أن تكون من الساجدين؟". وفي الأعراف: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ اسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ﴾ [الأعراف: 12-13]. وهنا أيضاً قال: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ﴾، لكن الحديث الذي هو من الله سبحانه وتعالى هنا بغرض، وهناك بغرض.
فها أنتم رأيتم في الموضوعين دلالة السياق واللحاق الذي اقتضى التوهيم وتضمين التسيير إلى عدم السجود "إذ أمرتك"، وبين السؤال الهادئ لمشاكسه الماكر "ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي"، هناك محاجة لأن الله أخبرنا أنه استكبر، فالأمر هناك أهدأ. البلاغة تقتضي الهدوء والترسل في الكلام، وأن نرى سؤال الله له عما أخبرنا أنه يعلمه. انظر بلاغة الموقع في ص، وبلاغة الموقع في الأعراف.
وهكذا نرى في كل مجرى من المعاني قد وقعت الألفاظ والتراكيب على الهيئة التي تؤم فيها الأغراض في هذا المجرى، وهذه نظرية النظم يا إخوة، وقاعدة البلاغة الرئيسة.
نأتي إلى الأمر الثاني، ما مشكلته الثانية؟ يقول: "واللاات القلقة المقلقة وإن كانت أقل قلقاً، وما يستوي الأعمى والبصير، ولا الظلمات ولا النور، ولا الظل ولا الحر". هو يقول: لو كررت، فكأني عطفت وتراً على وتر وأنا يجب أن أعطف شفعاً على شفع. من قال هذا؟ هذه هبدة مولدة يا إخوة، لكنها حلوة في الإنسان بمعنى أنها تعبر عن شيء، لكن ليست فصيحة. هذا ليس صحيحاً.
العي يا إخوة إذاً لا يفهم معنى "يستوي" ولا يفهم معنى "العطف"، كلاهما. أولاً، لأن الأصل في الاستواء لما نقول استوى فلان وفلان، الأصل أن يُنسب إلى الفاعلين جميعاً، لأن كلا منهما تحقق منه الاستواء مع الآخر. وثانياً، خذوا هذه العجيبة منه؛ التكرار للفعل الذي ذكره، سببه العطف وليس "لا"، سببه العطف يا إخوة. أنت ستتخيل إعادة الفعل وتصور الفعل، وليس التقدير؛ لأن أي طفل في العربية درس وعرف أن فائدة العطف هي اختصار الكلام، يعني لما تقول جاء عمرو وزيد ومحمد، فهو اختصار لـ: جاء زيد، جاء عمرو، جاء محمد.
يشرك في الحكم وفيما أسند إلى المعطوف عليه، لما تقول: جاء زيد وعمرو ومحمد، ولذلك أخذ إعرابه؛ لأنه في الحقيقة تقديره أو تصوره: جاء زيد، جاء عمرو، جاء محمد، جاء زيد، جاء عمرو، جاء محمد. هذه فائدة العطف، والذي يفيد تصور الفعل وتخيله هو العطف، وليس "لا".
حتى لما تريد أن تنفي تقول: لم يجيء... دعنا في التمثيل الآن، نحن نتكلم في أصل العطف. فإذاً الذي يحقق تصور الفعل هو العطف بالواو وليس "لا"، يعني الواوات التي في هذه الآيات هي التي تحقق ذلك. فليست المسألة الآن في تكرار الفعل "يستوي"، بل في إعادة ذكر "لا"، هي هذه قضيتنا الآن؛ لأن الفعل المكرر أو الذي نتصوره هو مكرر بالمعنى على كل حال بسبب العطف لا بسبب اللاءات، وربطها باللاءات هذا جهل عظيم، هي مربوطة بالعطف.
﴿لَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ﴾، يعني لا يستوي الأعمى ولا يستوي البصير، والفعل وقع منهما. ثم قضية: ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾، ليست الفكرة في العطف، الفكرة في "لا"، "لا" هي التي زادت، هي التي أضيفت. إنما حتى لو قلت: لا يستوي الأعمى والبصير، والظلمات والنور، والظل والحرور، والأحياء والأموات، فالفعل أيضاً متصور بعد كل واو؛ أولاً لأن الفعل يقع من المعطوف والمعطوف عليه في المعنى في الاستواء، ولأن فائدة العطف اختصار الفعل، فالفعل متصور كأنك قلت: لا يستوي الأعمى، لا يستوي البصير، لا يستوي الظلمات، لا يستوي النور؛ يعني الظلمات مع النور، والأعمى مع البصير، والظل مع الحرور.
فصارت المسألة الآن ليست في تكرار الفعل "يستوي"، وإنما في تكرار "لا"، أما الفعل "يستوي" فهو موجود متصور بمعناه بسبب العطف لا بسبب "لا". إذا عطفت جئت بالواو، ولم تأتِ بـ "لا" هو موجود، وعلق وجوده بـ "لا" وهذه منه عجمة وضعف عقل، وهذا في عقل لغوي.
تكرار "لا" بعد ذلك، صار السؤال: لماذا نكرر "لا"؟ إنما يكون لأجل إظهار العناية باستقلال المسند إليه، الفعل المنفي. كما تقول مثلاً: لم يجيء زيد ولا عمرو. أسألكم سؤالاً وأجيبوني بنعم أو لا، استعدوا للإجابة: لم يجيء زيد ولا عمرو ولا محمد ولا علي، هل تساوي في الغاية البلاغية: لم يجيء زيد ومحمد، لم يجيء زيد وعمرو ومحمد وعلي، لم يجيء زيد ومحمد وعمرو وعلي، حيث عطفت بالواو فقط ولم تكرر "لا" وجعلت الجميع؟ هل تساوي في الغرض؟ لا تساوي في الغرض. هل تساوي في أصل المعنى، الذي سماه أخونا المضمون؟ هل تساوي في أصل الحدث؟ تساوي.
هل تساوي في الغاية والتعبير والانفعال وتحريك النفوس؟ هل تساوي في الغاية في التعبير، في تحريك النفوس نحو الاهتمام بشيء ما؟ لا، ما شاء الله، صار عند الناس وعي. أنت تقول الآن: لم يجيء زيد ولا عمرو ولا محمد ولا علي، عمال يعطف وتر على وتر، مش شفع على شفع، يقول لك عمال يعطف وتر على وتر: لم يجيء زيد ولا عمرو ولا محمد ولا علي. هو على مذهبه قل: لم يجيء زيد ومحمد وعمرو وعلي وخلاص، خلصنا. هو أعجمي!
ففي قولك: لم يجيء زيد ولا محمد ولا عمرو ولا علي، فيه العناية والاهتمام بعدم مجيء كل واحد منهم، على أن عدم مجيئه وحده حدث ينبغي أن تقف عنده ويحزنك. لما تقول: لم يجيء زيد وعمرو ومحمد وعلي، هو حدث واحد، لكن لما تقول: لم يجيء زيد ولا محمد ولا عمرو ولا علي، كأنك في كل واحد تقول: تخيل، وحتى محمد لم يجيء، وحتى زيد لم يجيء، حتى عمرو لم يجيء، حتى فلان لم يجيء؛ هذا كأنك تظهر عنايتك بعدم مجيء كل واحد منهم حدثاً مستقلاً.
بعد أن فهمنا لماذا أضيفت هكذا، وتركنا تعليقها باللاءات، صار الأمر: لماذا في عبارات جُمع وفي عبارات لم يُجمع؟ احضروا المصاحف وافتحوا على سورة فاطر من الآية 19، صفحة 437 من مصحف المدينة. هنا سؤال، كما سألنا هناك: لماذا في هذا الموضع "ما منعك أن تسجد" وهنا "ما منعك إلا أن تسجد"؟ لماذا؟ هنا كذلك نسأل: فلماذا ﴿الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ﴾، ولماذا ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾؟
قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ * وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ * وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ ۗ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ ۖ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: 19-22]. ستلاحظوا يا إخوة أن أول عبارة حقيقية وليست مجازاً، أول عبارة أقرب إلى الحقيقة لا إلى المجاز: ﴿الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ﴾، هي تمثيل على طريقة الإقناع شديد على الإنسان مما لم يعوده.
نوع هذه العبارة، حق العبارة الإقناعية التي يؤتى بها على طريقة البرهنة، حقها المباشرة في موقعها، واشتراك الأعمى والبصير في نفي واحد، لأن ذلك شأن الإقناع الذي يقوم مقام البرهان. يعني مثلاً: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَلَا الْبَصِيرُ﴾ هنا لا يليق في هذا السياق، لأن الأعمى هو الأعمى حقيقة الذي لا يرى، والبصير الذي يبصر فعلاً، وهنا واجب هذه العبارة الحذف، يقولون يحذف، فتقول: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ﴾.
أما بعد ذلك ترون: ﴿الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ وَالظِّلُّ وَالْحَرُورُ﴾، شوف التدرج؛ الأعمى والبصير حقيقة، والظلمات والنور مجاز، عن الذي يمشي كالأعمى بغير هداية، فالظلمات مجاز عن الذي يمشي كالأعمى بغير هداية، والنور عن الذي يمشي كالبصير بهداية. فالأعمى والبصير حقيقة، والظلمات والنور مجاز. وهذه من منازع القرآن: ﴿يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾، هل يعني من غرفة ظلمة؟ لا، الضلال ظلمات الكفر، وظلمات الجاهلية، والظلمات الإسلام، ونور التوحيد، ونور الهداية والتشريع، نور. فالنبي ﷺ يخرجهم من الظلمات المجازية إلى النور المجازي.
حتى لو فرضت مسلماً عاش في ليل دامس، أو عاش أعمى، فهو في نور؛ هو في الحقيقة في نور، هي الهداية والضلال. فالظلمات والنور هنا على المنزع القرآني ليس الغرفة المظلمة والغرفة المضيئة، أو ليل ونهار، وترى أن الظل والحرور يأتي كذلك كمجاز عن آثار الظلمات والنور.
﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ * وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ * وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ [فاطر: 19-21]. فهذه الظل والحرور تمثيل مجازي، بصورة عندنا مجاز عن ماذا؟ عما يترتب على السير في الظلمات والنور. والظلمات والنور قعد لها ومثل لها بالحقيقة، بالتمثيل الذي هو الإقناع الأول الذي سبق قياساً.
بعد ذلك لما جاء مجازاً صار: ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾، يعني لا هذا ولا هذا يستوي أحدهما مع الآخر، ولا الظل ولا الحرور؛ لأن الذي جاء بعد ذلك مجازات وهي المراد في نفسها، وليس الأعمى والبصير مراداً في نفسه. فصاحة العبارة الأولى أن تُحذف حذفا، وهذا من تعبيرات بعض النقاد؛ يقولون يُحذف الكلام حذفا لا تقف عنده لأن هذا ما تقتضيه غايته.
وما يستوي الأعمى والبصير، شوف في الآيات التالية فيها إشارة إلى أننا نقيس الثاني على الأول؛ ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ * وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ * وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾. كل هذا لا يستوي. وما يستوي الأعمى والبصير، حتى لو أردتها، كما قال: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ * وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ * وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾، وهذا بدهي، لا يستوي الظلمات ولا النور التي تنكرونها.
أما الأول فلا ينكرونه، الأعجمي العليل الكليل العي يقول لك: هل هناك أحد ينكر الظلمات والنور؟ هي أي ظلمات وأي نور؟ كان الجمهور ينكر ذلك في هذا الوقت وما زال العالم كله ينكر الظلمات والنور. وما أكثر الناس ولو حرصت مؤمنين! طبعاً لا أحد ينكر الأعمى والبصير أنهما لا يستويان، ولهذا ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ﴾، عرفت هذه الحقيقة؟
﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ﴾ أيضاً مثل الأعمى والبصير، ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾؛ لأن هذه الثانية هي التي يُكذب بها لأن المراد المعنى المجازي. وهذا من منازع القرآن الذي لا يفهمها العيي؛ أن الظلمات والنور في القرآن مجازات عن الهداية والضلال، والظل والحرور هنا إشارة لما يترتب على ذلك في الدنيا أو الآخرة.
كل هذا مبني بالتأكيد باللامات المقلقة عند العيي، كل هذا مبني بهذه اللامات مؤكداً. لما أقول لك زيده التوكيد، يقول لك: «بيسخر»، يقولون لك زيده التوكيد، فهمت معنى التوكيد؟ ما هو الذي كتبوا التفسير لا يعلمون، لم يتصوروا أن كليلاً سياتي، أن عيياً سيأتي يتكلم هكذا. أكدت لأجل إسنادها إلى البدهي الأول، وهذا جواب استفسار العيي: لماذا وقعت في الأول دون لامات وبعد ذلك جاءت باللامات؟ هذا جوابه.
وبعد ذلك: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾، يقول لك هو أعاد الاستواء، أعاد الفعل نفسه «يستوي»؛ لأن ذلك انتقال للسياق من أحوالهم في أنفسهم إلى أحوالهم مع ما يسمع. ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ﴾، خلاص. خذ عندك، ما يستوي أبوك والغريب، ولا ابن عمك ولا ابن خالتك ولا جارك ولا زميلك. الأولى بدهي سيقاس عليها فحذفت حذفا: «ما يستوي الأعمى والبصير»، «ما يستوي أبوك والغريب»، مفهوم لا نحتاج إلى «لا».
فيقول لك قياساً على ذلك: «ولا ابن عمك ولا ابن خالتك» لو كان يفرق بينهما، «ولا جارك»؛ إذا كان سيبدأ بالتفريق بين أفراد يشك فيهم أو ينكر التفريق بينهما. لكن التفريق بين أبيك والغريب في الشارع لا يحتاج، لكن ممكن يكون شخص يريد إقناعك بالفرق بين ابن عمك وابن خالتك، بين جارك وصديقك المقرب، بين زميلك في العمل والصديق؛ لا يستوي الصديق فيحتاج إلى بنائها على ما يحذف حذفا: «ما يستوي أبوك وابن عمك، ما يستوي أبوك والغريب، ولا ابن عمك ولا ابن خالتك ولا جارك ولا صديقك» قياساً عليه.
فلذلك جاءت اللامات فيما يُستنكر ولم تأتِ فيما في الأول. بعد ذلك أعيد الفعل في الأحياء والأموات لأن السياق انتقل من أحوالهم في أنفسهم إلى أحوالهم مع السماع: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ ۗ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ ۖ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: 22]. انتقل من أحوالهم في أنفسهم إلى أحوالهم مع سماع الرسالة، هذا هو.
أما قوله بعد ذلك، هو يقول: «طبعاً فهمنا، ثم أنت في هذه الآيات ماذا تؤكد؟ الظلمات والنور، وهل يوجد أحد في الدنيا ينكر الظلمات والنور؟». إن الظلمات والنور لا يستويان، أنت عايش في الظلمات، أنت يا عيي تعيش في الظلمات!
معلش، أنا بعض الإخوة قال لي: «لا تشد عليه، ادعه وكذا»، أنا لست داعية، أنا أتكلم هذا، أنا على هذا الثغر فقط. أنا لست داعية ولم أفكر وأخاف أن أعمل داعية فأقصر فأشعر بالذنب، لا، أنا لست داعياً، أنا أقف على هذا الثغر البياني البلاغي، أقف على كتاب الله على لسان العرب، بس لا يطالبني أحد بأكثر من ذلك.
هل يوجد أحد ينكر الظلمات والنور؟ أنت تنكرها لأنها المجاز، الإسلام والهداية والضلال والكفر، أنت تنكرها، لكن أنت تحسبها: «أطفئ النور، شغل النور»، النور، الظلمات، هذه الظلمات، النور، الظلمات، النور، الظل، الحرور. والله شر البلية ما يضحك فعلاً.
بعد ذلك يقول: أين الـ... في عبارة... طبعاً أنا أجبت عن سؤاله، والغريب أنه لم يكرر «لا» بين الأعمى والبصير، لماذا؟ إيش معنى؟ فاجبت عنها، يقول: «طيب أنت تريد أن تؤكد شيئاً، فالمفروض أن تتحرى في طريقة التوكيد بحيث لا تحدث لبساً في الكلام». يقول لك: لما تعمل لبساً في الكلام لما تذكر واحدة وراء أخرى، يعمل لبساً، لازم تذكر شفعاً لا وتراً. هو يقصد اللبس في الكلام، يعني الظل والحرور والكذا والكذا ممكن يفهمها وراء بعض، لكن نحن نريد...
شفع، شفع؛ لا تقل مثلاً فلان، ولا تقل مثلاً. ﴿لَا يَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾، ولا الظل والحرور، ولا الأحياء والأموات. تذكر الله مع كل شفع؛ لكي لا يحصل لبس، والذي يمنع اللبس هنا هو طبيعة التقابل. طبيعة التقابل تمنع اللبس، أي لبس؟
أريد أن أفهم شيئاً، ركزوا معي: لا يستوي المجتهد والمهمل، لا يستوي المجتهد والمهمل، ولا القوي والضعيف، ولا الذكي والغبي. هل كل اثنين متقابلين وقع بسبب هذا الأسلوب لبس عندكم يا إخوة؟ هل وقع عندكم لبس في أن القوي مقرون بالضعيف، وأن الذكي مقرون بالغبي؟ أسألكم، هل وقع لبس عندكم هنا؟ أجيْبوا، هل وقع لبس؟
لا يستوي المجتهد والمهمل، ولا القوي والضعيف، ولا الذكي والغبي. هل بسبب ذكري، ولا بعد كل وتر؟ وتر، وتر، وتر يقول لك ما المفروض هو عمله؟ المفروض تكون شفع، شفع. هو يقول لك محمد ﷺ أتى بها وتر، وتر، المفروض تكون شافع، شفع. طب أنا سأجيب لك وتر، وتر، واختبر نفسك أمام المرآة أيها العي، بقول لك: اختبر نفسك، اقف أمام المرآة وقل: لا يستوي المجتهد والمهمل، ولا القوي والضعيف، ولا الذكي والغبي.
هل حصل عندك لبس بأن المراد عدم استواء القوي مع الضعيف على حده، واستواء الذكي مع الغبي على حده؟ مجرد المقابلة تكفي في عدم الاشتباه، وأن الأربعة لا يجمعها شيء واحد، وإنما القوي والضعيف يجمعهما شيء، والذكي والغبي يجمعهما شيء. وإذا فكرت بغير ذلك فأنت معاق، صراحة إذا وقفت أمام المرآة وتكلمت بغير هذا فأنت معاق لغوياً وذهنياً.
ثم أقول في الأخير، وهذا آخر شيء في هذه الشبهة، أو ما سماها شبهة، أنا أسميها "مهم الشبهة". في الآية الأخيرة، هل أحد منكر أن الأحياء والأموات لا يستويان؟ يقول: هل أحد ينكر أن الأحياء...؟ لا، يقول: ثم أنت، في هذه الآيات ماذا تؤكد؟ الظلمات والنور، وهل يوجد وكذا؟ هل بعد ذلك أحد ينكر أن الأحياء والأموات لا يستويان؟
طبعاً هو بهذا، للأسف الشديد، قد فقد شيئاً في... حتى إذا نظرنا إلى أن هذا شيء لا ينكره أحد، فالطفل في علم البلاغة يعلم ما يعرف بمجيء الكلام مطابقاً لمقتضى الحال دون مقتضى الظاهر. ويُمثلون بالبيت المشهور: جاء شقيقٌ عارضاً رمحهُ *** إنَّ بني عمك فيهم رماحُ
لو هذا البيت سمعه العي لقال: ماذا؟ ما هم عارفين أن بني عمه فيهم رماح؟ هو في جيش عربي، ما فيه رماح، هو في جيش عربي ما عنده رماح، في بيته سيف وقوس. البيت هكذا، شطره الأول هو بيت الشاهد البلاغي المشهور يدرسه الأطفال: "جاء شقيقٌ عارضاً رمحه". لو أخطأت في البيت قوموني فيه. جاء إنسان ويضع الرمح بالعرض غير مستعد للقتال، فيقولون: إن بني عمك فيهم رماح.
يقولون هذا لا يريد به الظاهر؛ لأنه يعلم أن بني عمه فيهم رماح، ولكن يريد بذلك ما ينبني على ذلك من اللازم: وجوب الحذر، سيضربونك برماحهم وأنت غير مستعد. فهو يأتي إلى الشيء، هذا لا ينكر على فرض صحة أنه ظلمات ونور حقيقة وكذا، ولكن لا يُعرف أن الشيء الذي لا ينكر في ذاته قد ينزل منزلة الشيء الذي يُنكر لشواهد وأمور قامت كالجهالة أو عدم أخذ العدة أو كذا وكذا؛ فينزل العالم فيه منزلة الجاهل. هكذا قال البلاغيون بالنص: "ينزل العالم منزلة الجاهل".
ومن جميل ما جاء في هذا، أيها الإخوة، أن البلاغيين قالوا: كل ما قال فيه النبي ﷺ مؤكداً وكان المتلقي ليصدق، فهو من هذه الباب. قالوا: كل ما أكده النبي ﷺ بأن... هو من باب مطابقة الكلام لمقتضى الحال دون مقتضى الظاهر. لأن مقتضى الظاهر أن النبي ﷺ مصدق، ولكن النبي ﷺ أنزل ما يقول من غرابته ومن عنايته به منزلة ما لا يُصدق؛ فليس لأنهم لا يصدقون، بل إنزال للنص الذي يُصدق منزلة الذي لا يُصدق، لأجل العناية به.
حديث النبي ﷺ: «إن الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث»، لو قال النبي ﷺ: الله أعطى كل ذي حق، طب ما هو نزل في القرآن فعلاً؟ موجود في القرآن آيات المواريث. ولكن أنزله منزلة الشيء الذي يُعنى به ويؤكد أن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث. وكذلك: «إن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله»، وقوله: «إن الله تعالى كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة». كل ما فيه "إن" في الأول هو من هذا الباب.
نأتي إلى الشبهة الثامنة ونستمع إليها. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ۚ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: 58-59].
في آية سورة الأعراف قال: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ﴾. وهي نفس الآية، كلمات بسيطة. المفروض أن يكون "أنزلنا"، ولكنك كنت تقول "فأنزلنا عليهم رجزاً من السماء"، وهذا من باب الإيجاز، والإيجاز هو حكمة القرآن كما يقولون.
على الذين ظلموا في موضع الإضمار، إنك ممكن تضمر ذلك وتعبر عنه بالطير، لأنك سبق.
جاء الطاهر بن عاشور، يعتذر لهذا كيف؟ يقول لك: هو هنا أظهرها علشان ما يلتبس على السامع المعنى، فيفتكر أن العذاب نزل على كل بني إسرائيل، فيقول لك: العذاب نزل على الذين ظلموا فقط. في سورة الأعراف قال: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ﴾، ما قالش: «فأرسلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء»، وهي نفس الآية باختلاف كلمات بسيطة، هي نفس المعنى. مش المعنى هنا كان سيختلط ولا لن يختلط؟ مع العلم أن "العيّي" (الذي لا يحسن الكلام) لو الكلام هذا كان عاملاً في سورة الأعراف، لو واحد جاء يقول لي: والله أصل عشان في الآية الأولى ذكر هذا، فلما جاء في الآية مرة ثانية في موضع آخر من القرآن قال: خلاص نخليها بالضمير مش لازم نذكر الذين ظلموا.
سورة الأعراف أصلاً نازلة أولاً، المفروض هي التي يكون فيها «فأرسلنا على الذين ظلموا». اعتذار غير مقبول، الذي ننقده ليس أنا من نقده، أنا أنقله. الآية نفسها وضعها، فكرة أن نفس الآية مرة هنا ذكرت ومرة هناك لم تُذكر، فواضح أن الموضوع عندك فيه إشكال. فإن كان أنك أظهرت هنا بدلاً من الإضمار بالبلاغة لكان عملك.
يقول الآية: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ۚ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾، فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم، ﴿فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. وفي الأعراف: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ ۚ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾.
يقول العيي المفروض أن يقول في آية البقرة: «فأنزلنا عليهم رجزا من السماء» بدلاً من «الذين ظلموا» مرة أخرى، بدلاً من أن يقول: «الذين ظلموا» مرة أخرى لأنهم تقدم ذكرهم، والإيجاز هو حلية القرآن كما يقولون، لكنك أظهرت في موضع الإضمار، هو فاهم ما شاء الله، لكنك أظهرت في موضع الإضمار. يقول أولها الطاهر بن عاشور بأنه أظهرها حتى لا يلتبس على السامع فلا يظن أن العذاب نزل على كل بني إسرائيل. يقول: كيف وفي سورة الأعراف «فأرسلنا عليهم»؟ كيف؟ ما هي في سورة الأعراف «أرسلنا عليهم»، وهي تقريباً نفس الآية والاختلافات قليلة.
يا نصه، في شخص يفهم في البلاغة ويفهم مطابقة الكلام لمقتضى الحال وللغرض، ويفهم توخي معاني النحو بحسب ما ينم عن الأغراض، ويفهم مواقع الألفاظ والمفردة في مجال المعاني، وكل هذه عبارات العلماء في تأسيس نظرية النظم والبلاغة، في شخص يفهم هذا يقول: الاختلافات قليلة! يا ابني هذا حرف واحد يقلب الدنيا، حرف واحد تختلف معه الأحوال كلها. والله حرف، أنا لا أبالغ، حرف، أنا أشتغل في الشعر وأعرف، حرف يغير الدنيا، لفظه يقلب القصيدة، ليس يقلب البيت، القصيدة كلها. يقول: «وهي تقريباً نفس الآية والاختلافات قليلة»، يا سلام! يتكلم بالكيلو.
يقول: لماذا يلتبس في سورة البقرة ولن يلتبس في الأعراف، مع العلم بأن سورة الأعراف نزلت قبل سورة البقرة؟ يقول اعتذار غير مقبول ينقده مؤلف القرآن نفسه، يعني يقول لك مؤلف القرآن نفسه الذي ألف القرآن محمد ﷺ عنده فيما يبدو يرفض هذا؛ لأنه قال في الأعراف «فأرسلنا عليهم»، فلماذا لا يلتبس؟ فيقول مؤلف القرآن ينقد كلام الطاهر بن عاشور.
وهنا يا إخوة نرجع إلى نظرية النظم اللغوية ومبدأ مواقع الألفاظ في مجال المعاني، وتوخي معاني النحو بحسب ما ينم عن الأغراض؛ لأن التوخي يكون بحسب الغرض في كل موقع، وهذا ما لا يوعبه عقل إلا باحث. تعالوا نقرأ الآيتين ثم نضع أيدينا على الفروقات التي أدت إلى هذا.
سورة البقرة، أولاً: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ۚ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.
نقرا الآية الأخرى، الموضع مباشرة: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾. سترى في سورة الأعراف التي يستشكلها أو التي يجابه بها سورة يحتج بها على الموضع في سورة البقرة: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾.
فصار الكلام في هذا السياق مباشراً في طائفة منهم قد تعينت، ولهذا هذا كان «فأرسلنا عليهم»؛ لأن الكلام صار في جهة مخصوصة بعينها، بعضها بلفظ «منهم» وليس بصفة الظلم. في سورة البقرة: «فبدل الذين ظلموا» دون «منهم». ما هذا الفرق؟ ماذا تريد أن تقول يا أبا قيس؟ كلمة اختلفت ولم ينتبه إليها العيي.
في سورة الأعراف: «فبدل الذين ظلموا منهم»، فصار الكلام في سورة الأعراف في سياق الظالمين من بني إسرائيل، أو من أي طائفة قيل فيها «منهم» وظلمت، فبدل الذين ظلموا منهم الظالمين؛ إذا صار الكلام متجهاً في طائفة معينة «فأرسلنا عليهم». في سورة البقرة: «فبدل الذين ظلموا» دون «منهم»، فصار الكلام في عموم الظالمين بوجهين، وهو طبعاً طائفة الذين ظلموا، مفهوم أنه منهم في المعنى المجرد، لكن لما قال تعالى: «فبدل الذين ظلموا»، صار الكلام في الظالمين من حيث كونهم ظالمين، والكلام في صفة الظلم بإطلاقها في غرض الكلام دون مباشرة الطائفة بعينها.
وذلك كقول الشاعر: ها ولو أن قومي أنطقتني رماحهم ... نطقت ولكن الرماح أجرتي
«الرماح أجرتي»، أراد أجر لساني، بدليل قوله: «فلو أن قومي أنطقتني رماحهم نطقت ولكن الرماح أجرتي». وهذا بيت أدار عليه عبد القاهر بحثاً طويلاً جميلاً في كلمة «أجرت»، لماذا قال «أجرت» ولم يقل «أجرتني»؟ لأنه لو قال «أجرتني» لكان ذلك خاصاً به، وكأنهم أسكتوه هو، لكنه أراد اللذع في قومه؛ قال «ولكن الرماح أجرتي»، يعني كان من شأنها أن تجر، مع أننا في الإعراب نقول المفعول مقدر به: «أجرته»، يعني «أجرتني أنا» خلاص، لكن «أجرتي» من جهة النظم البلاغي أشارت إلى أن قومه يفعلون هذا وأراد لذعهم، أن هذه صفتهم. ولذلك امرؤ القيس لما قال: «ولا تبعديني من جناك المعلل».
لم يقصد الذي يعللني أنا فقط، مع أن في واقع الحادثة والمعنى يعللني أنا، ولكن قال: «من جناك المعلل»، أراد أنها جميلة من حيث نفسها وجميلة في عين أي أحد، وأن من شأنها أن يتعلل بها أي أحد من جمالها، ليس أنها تعللني أنا فقط. فربما المراد مغزال، يعني الحبيب يرى، لا هو يتكلم عن فتاة فعلاً في نفسها جميلة، في نفسها هكذا. فحرف يختلف به الكلام، كلمة يختلف بها الكلام.
فبدل الذين ظلموا، منهم الكلام اتخذ مجرى طائفة بعينها؛ «فأرسلنا عليهم». انتهينا. وأما هنا، فبدل الذين ظلموا لم يقل سبحانه وتعالى «منهم»، ليبقى الكلام في مجرى الظالمين من حيث كونهم ظالمين، ومن هنا جاء الاحتفاء بعذابهم؛ «فأنزلنا على الذين ظلموا» رجساً، وليس على طائفة. فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم، «فأنزلنا على الذين ظلموا». فالكلام في الظالمين، لم يقل في لما في الموضع الذي قال الله تعالى فيه: ﴿فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، لم يكن مسبوقاً بـ «منهم»؛ لأن لفظ «منهم» جعل الكلام فيهم.
خذ عندك، ولهذا ترى في الأعراف: «فأرسلنا»، شوف يقول لك العيي: «الاختلافات طفيفة»، الطفيفة دي هي اللي قلبت الموضوع، وفيها جواب سؤالك يا عيي. يا أخي هب أن القرآن وضعه محمد قرشي، يا بني آدم افهم، قرشي ليس أنت! يعني لو القرآن هذا وضعه محمد ليؤخذ عليه الذي تأخذه يا بني آدم، رايح فين؟ تعال هنا. لو أن القرآن وضعه محمد ﷺ لن يؤخذ عليه الذي تأخذه أنت، مش هو ده؟ أنت بتنتحر يا ابني، أنت تنتحر! تحط يفط أنا عبيط؟
أحياناً بالمناسبة، أحياناً تأخذني شفقة عليه، كما قلت لكم هو ربما في منتصف العشرينيات، فآخذني شفقة عليه فيضيع نفسه. حتى لك ملحد، لو عاش ملحد، عاش ملحد عبيط، حتى ما يأخذ حقه؛ في ملحدين يحاولوا يأخذوا الدنيا ما يأخذ شيء، يطلع عبيط قدام أي عاقل. متجرئ في كل شيء، يتكلم في كل شيء، ناهيكم عن قلة الأدب التي رأيناها، ما علينا، مش مهم مش دي القضية، لكن أحياناً أشفق عليه في الحقيقة.
يقول لك اختلافات بسيطة بين الموضعين، تخيلوا هذا الإنسان يسمعه أناس! تخيل أن واحداً يقتنع عشان بتقول كده، يا نهار أسود، يخرب بيت الخسران! يخرب بيت عدم الاحترام، أنت مش محترم نفسك! أنت ممكن تبقى ملحد بس محترم بالمناسبة.
في يوم من الأيام وأنا أدرس في مدرسة إسلامية في القاهرة، كان يحضر أمامي بجوار بعضهما مسيحي وملحد. وهو الشاب ماريو عبد النور الذي أنتم عارفين، كان يحضر مجالسي، كان يحضر في مدرسة شيخ العمود لما كنت أدرس فيها هناك، تبرع طبعاً في الشعر، وأنا قلت أنا مستعد أدرس الشعر العربي ولو في كنيسة، بشرط أن تفتح الحضور للجميع، للمسلمين والملحدين، كان هذا شرطي. كنت أقول أشرح الشعر في أي مكان طالما شعر، لا علاقة لنا بالدين.
في يوم من الأيام في مدرسة أزهرية، المنهج القائمون عليها أزهريون، كان يحضر معي في مجلس واحد ماريو عبد النور مسيحي مصري، وواحد ثاني أحمد أو محمد لا أذكر، ملحد. كان مستحيلاً يسمع هذا الكلام، كان معجباً بالشعر وكان يفهم ويقول لي: «أنا ما مش مصدق البيان العربي ده». فعنده درجة فهم، لكن هذا ليس محترماً بوصفه ملحداً، يقول لك: «الاختلافات طفيفة هي سبب الاختلاف».
بالضبط يا شيخ، هي سبب الاختلاف يا ابني، رايح فين؟ تعالى، أنت فاهم نظرية البلاغة أصلاً؟ شوف بقى لماذا يقول لك اختلافات طفيفة؛ «فأرسلنا عليهم»، «فأنزلنا عليهم» في موضع، و«فأرسلنا عليهم» في موضع، و«فأنزلنا على الذين ظلموا» في موضع. ارجعوا إليه: في الأعراف «فأرسلنا عليهم»، وفي البقرة «فأنزلنا على الذين ظلموا».
وهناك «فأرسلنا عليهم»، لماذا يا إخوة؟ لأن الفرق بين الإرسال والإنزال هو أن الإرسال فيه الانسحاب والتعميم في أصل مادته، فناسب أن يكون بعد التخصيص؛ لأنه صار «منهم»، فبدل الذين ظلموا «منهم» قولاً غير الذي قيل لهم «فأرسلنا عليهم»، لأنه خلاص تم تحديدهم وتخصيصهم، فتناسب أن يكون التعميم في العذاب بعد التخصيص.
وأما الإنزال ففيه المطابقة، فناسب بعد عدم ذكر «منهم» أن يكون إنزالاً وتخصيصاً في النازل: «فأنزلنا على الذين ظلموا». السحب والتعميم جاز بعد تخصيص الفئة، وأما وقد لم يذكر «منهم» فامتنع تخصيصها أو لم يرد تخصيصها، وكان لفت الانتباه في الكلام والعناية بفئة الظالمين ولم يذكر «منهم»، فناسب إنزال العذاب على الذين ظلموا.
زائداً عليه ما قلته، إن العناية بالظالمين جعلت العلة هي عدم ورود الضمير، وهذا معنى قول الطاهر بن عاشور الذي أنكره أنه لم يقل «منهم»، فربما يظن فعلاً تعميم العذاب. نعم هو في تعميم عذاب في الأمم، وكل يبعث على نيته، فالله يخبر أنه أنزل العذاب على الذين ظلموا دون غيرهم لأنه لم يقل «منهم».
وإذا لم يخص ولم يقل «منهم»، فنعم، يفهم منه أنه تعميم في العذاب. إذاً مؤلف القرآن يا عيي يقول إن مؤلف القرآن نفسه يرد على الطاهر بن عاشور؛ لما في الأعراف قال: «فأرسلنا عليهم» لأنه قال «منهم»، والتعميم بعد التخصيص، والانسحاب في الإرسال بعد التخصيص لا يضر، «فأرسلنا عليهم» هذا بعد التخصيص فخلاص. إنما «على الذين ظلموا»؛ نعم قد يفهم في موضع البقرة أن العذاب عم المؤمنين والكافرين بفعل الكافرين، لكن عذبنا الذين ظلموا فقط، لم نأخذ الكافرين على نية المؤمنين ولا معاقبة على تقصيرهم، لأن الأمر محتمل؛ محتمل أنه أخذهم بتقصيرهم عن دعوتهم وعن نصحهم، أو أنه يبعثون على نياتهم كما في بعض الأثر النبوي.
الأمم تؤخذ كلها، وكل يبعث على نيته، فلذلك «على الذين ظلموا»، وتكون علة ثانية؛ فصاحب القرآن يا عيي لم يرد على الطاهر بن عاشور، أنت لم تفهم اختلاف المواضع التي قلت في مجملها: اختلافات طفيفة، وهي كل البلاغة يا عيي.
طيب، ماذا بقي؟ طبعاً العيي لم يرَ شيئاً من هذا إطلاقاً.
بل نراه يقول فيها وهي قريبة من بعضها، وهذه الاختلافات هي كل فكرة البلاغة أصلاً؛ لأن الاختلافات كانت بسبب مطابقة الكلام لمقتضى الحال، أو مطابقة الكلام لغرض الكلام.
هذه العبارة لا يقولها من يعرف معنى البلاغة أصلاً. كيف تهين الناس أنفسها بالاستماع إليه؟ بالمناسبة، أنا قلت سأرشد هذا الإنسان العيي إلى كتب لا يعرفها الباحث في هذا الموضوع. يا عيي، هناك كتاب «ملاك التأويل»، ابحث عنه، وأريدك أن تجهز الشبهة صح وتُقرأ في «ملاك التأويل»، لأن حتى هذا الموضع جاء في كتاب «ملاك التأويل» لأبي جعفر الثقفي الغرناطي، في كتاب من مجلدين.
هناك طبعة «بي دي إف» تحقيق مصري، وهناك طبعة دار الغرب الإسلامي، وهي سيئة هي التي عندي. ومع ذلك، قبل قراءتي الأولى للكتاب، طابقتها مع الطبعة «البي دي إف» المصرية القديمة؛ لأن الطبعة التي حققها سعيد الفلاح -تقريباً أو كذا- محقق سعودي، للأسف لم يكن يفهم النص إطلاقاً وأتلفه ووقع منه ضبط خاطئ، فأنا راجعت النسخة على نسخة مصرية محققة كانت في دار النهضة المصرية، وهي نسخة رائعة جداً. فابحث في الإنترنت عن كتاب «ملاك التأويل» «بي دي إف» بدار النهضة المصرية في مجلدين، وهو كتاب كبير.
الكتاب هو «ملاك التأويل»، وله عنوان فرعي طويل في الرد على أهل التعطيل والاشتباه، ويأتي لك بمثل هذه المسائل ويعلل لماذا هنا كذا ولماذا هنا كذا، وهذا من أجمع الكتب إن لم يكن أجمع الكتب في هذا على الإطلاق. نعم، أنا أرشدك إلى الكتب حتى عندما تأتي لتجيب بحجة، أريدك أن تجيب بحجة حلوة تجعلني أشعر أنني أحترمك وأنا أرد عليك، لا أن أكون قاعداً أشفق عليك وأتضايق منك.
حسك لا يحترم الناس، ولكنك كنت منذ سنتين غالباً أصغر سناً، فإنا شاء الله الآن تجهز حججاً أكبر وتدرس؛ عندك كتب الفروق، وعندك كتب المترادفات، ومعاجم المترادفات والأضداد، وعندك كتاب «ملاك التأويل»، وعندك كتاب محيي الدين الدرويش «إعراب القرآن وبيانه». احصل على هذه الكتب، أريدك أن تجيب بنسخ جيدة وتجيب بشبه جميلة، وإن شاء الله إذا أردت إرسال أي استفسار عن الكتب لتجهز شبهتك الجميلة فأنا تحت أمرك، أو تسأل من طلابي فيرسلك إن شاء الله تعالى.
صحيح، هذا العيي قدم خدمة عظيمة، الحمد لله رضي الله عنه. نأتي إلى الشبهة الأخيرة، يا رب تكون قصيرة، إن شاء الله قصيرة.
يقول: «نسمعها أولاً، خلونا نسمعها، هي قد إيه؟ أنا سأريح ثلاث دقائق، نسمع الشبهة». بعد ذلك عندنا إشكال: لما قال: ﴿وَجَنَّاتٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133]، البلاغة هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال، فهل مقتضى الحال أن القرآن نازل للعرب الأوائل فقط؟ أم أنه نازل للناس في كل زمان وفي كل مكان؟
مقتضى الحال يقول إن القرآن نازل للناس في كل زمان ومكان، فكان الأولى بالبلاغة أن يقول: «عرضها السماوات» ويسكت. لماذا لم يقل «والأرض»؟ لأننا في واقعنا المعاصر، بعد ما ربنا علينا بالعلم والشهادات التي عرفناها، هذه الأرض ما هي إلا ذرة تراب بالنسبة للكون؛ فإنك تقول لي «عرضها السماوات والأرض» كأنك تقول لي: «أحمد ذكي كأينشتاين ومحمد الذي طلع الأول على التحرير». أنت غير مستزٍ خالص؛ إذا قلت أينشتاين، لن تقول محمد طلع الأول، بل ذكرت السماوات ولم تذكر كل الأرض.
ذكرت شيئاً واسعاً شاسعاً، ذكرت شيئاً بالنسبة له عظيماً، حتى لو كانت الأرض بالنسبة لنا متسعة، لكن مع السماوات، فلو قلت «عرضها الأرض» واسكت لتمشي أيضاً، لا مشكلة فيها، لكن لما طلاها لي بالسماوات ذكرت الشيء الذي هو القمة. المعطوف هنا ليس بينه وبين المعطوف عليه علاقة تساعد في الموضوع.
فوالله سأقول لك: ناس العرب الأوائل ما كانوا يعرفون هذا الكلام، وصعب أن نمشي على عقولهم وعقولنا كما نقول؛ هم فهموا السماوات، ونحن فهمنا، ولكن كان الأليق بالحال هنا أن تقول «عرضها السماوات» مراعاة للعرب الأوائل ومراعاة للقرآن رب العالمين، لكن تبقى القصة... لنقرأ الشبهة لمن لم يفهم لهجة العيي.
يقول العيي في قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133]. يقول العيي: البلاغة هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته -أوعى يا قزويني، البلاغة هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته-. فهل مقتضى الحال أن القرآن نزل للعرب الأوائل فقط، أم أنه نزل للناس في كل زمان وكل مكان؟ مقتضى الحال يقول: إن القرآن نازل للعرب في كل زمان ومكان، فكان الأولى أن تقول «عرضها السماوات» فقط، ولا يقول «الأرض»؛ لأننا في واقعنا المعاصر الأرض ليست إلا ذرة تراب في الكون.
لا، لست حداثياً، أنا قصدت شيئاً آخر؛ الأرض ليست إلا ذرة تراب في الكون، فقولك «عرضها السماوات والأرض» كأنك تقول: «فلان ذكي جداً مثل أينشتاين، وفلان الأول على مدرسته في الثانوية». حتى لو كانت الأرض بالنسبة لنا متسعة، لكن ذكرها مع السماوات هو رابطة السماوات كبيرة في الفلك. ثم قال: لو قلت «عرضها الأرض» كان يصلح، لكن الاقتران بالسماوات غلط، يعني يقول عرضها عرض الأرض، لكن مشكلة السماوات في كيفية الجمع بين السماوات والأرض.
وهذه الشبهة الأخيرة أيها الإخوة هي كذلك من شواهد هذا الباحث على أنه أجنبي عن قانون البلاغة. لماذا يا إخوة؟ المعيار في الخطاب البياني المحرك للنفوس بالتخييل هو اعتبار ما يحصل به التصور والتحريك في النفس، وتبادر إليه النفس، حتى لو تصور من جهة عقلية أخرى بما هو فوقه.
التخييل البلاغي المؤدي إلى تحريك النفوس في المعاني الجمهوريه، على اصطلاح فلاسفة النقاد كقرطاجني، يعني التي تتعلق بالإنسان من حيث كونه إنسانا. أقول: التخييل البلاغي المؤدي إلى تحريك النفوس، هذا أيضا اصطلاح قرطاجني في المعاني الجمهوريه؛ إنما يتعلق بإدراكات المخاطب على جهة التمثيل أو على جهة التحقيق بمعيار ما يحرك في النفوس ويحقق التصور المحرك، لا باعتبار حقيقة الشيء العقلية التي تدرك في مساحة العقل دون مساحة التحريك، حتى وإن كانت فوقها في المعنى.
مثلا، هل تتصور إنسانا يقول لحبيبته: «إذا دعتني حبيبتي جئت إليها كالطير»؛ أسرعت إليها كالطير. ما رأيك أن نقول بشيء أسرع من الطير؟ جئت بسرعة اثنين مئة، أو جئت بسرعة أربعمئة كم، يعني أسرع من الشاحن. ما هو أصل الطير؟ ليس أسرع شيء في الوجود، لو قلت أسرعت إليها كالطير؛ لأن سرعة الطير هي المتصورة المحركة للنفوس في هذا المقام.
ولهذا كان النابغة الذبياني واقعيا جدا لما قال لنعمان بن المنذر: أحكم كحكم فتاه الحي إذ نظرت ... إلى حمام سراع وارد الثمد يحفه جانب نيق وتتبعه ... مثل الزجاجة لم تكحل من الرمد
أراد إسراع الحمامات وتداخلها، فماذا قال؟ «أحكم كحكم فتاه الحي إذ نظرت إلى حمام سراع وارد الثمد». هناك رواية «شراع» و«سراع» وكلاهما واحد تقريبا، «إلى حمام سراع وارد الثمد»؛ جماعات القطا يذهب إلى الثمد بقية الماء، و«وارد الثمد» يحفه جانب نيق، يعني جانب جبلين في شق في جبل أو سطحي جبلين، فتتداخل الحمامات مسرعة، وتزيد سرعتها في المرور من المكان الضيق. ومع ذلك قال: «يحفه جانب نيق وتتبعه مثل الزجاجة لم تكحل من الرمد».
فهمتم؟ قالت: «ألا ليت ما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا ومثله فقد حُسبوه، فالفوه كما حُسبت تسع وتسعين لم تنقص ولم تزدِ»، فكملت مئة فيها حمامتها وأسرعت حسبه في ذلك العدد. فالذي يراعى في التصوير هو ما حرك النفوس وتخيل.
ولذلك فالعرب حتى مع علمهم القديم باتساع السماء والأرض، وباتساع السماء وربما الأرض، حتى لو قالوا إنها قبة، نراهم يقولون في بيان الاتساع وعدم التناهي: «ضربت في مشارق الأرض ومغاربها». لماذا؟ لأن المخاطب هو الإنسان، ولأن اتساع السماء عنده كاتساع الأرض، وهذا هو المجاز، وإذا كان ذلك مجازا فمجاز بمجاز. لماذا لم يقل أيه ضربت طائرا في السماء في الأفلاك؟ لأنه يصور ما يحرك، ما يحدث ما يعرف بالتخييل.
التخييل الشعري هذا مصطلح علمي طبعا؛ التخييل الذي هو الإنهاض، والمعاني الشعرية مرتبطة بالإنهاض والتصور، لا بحقائق العلوم.
أسألك سؤالا: تعال يا عيي، قف أمام المرآة واسأل نفسك، هل تكون محقا لترغيب الإنسان لو أنك قلت له إن الجنة عرضها كذا وكذا من ملايين السنين الضوئية؟ هل ستغريـه؟ لو قلت له إن الجنة عرضها كذا وكذا من السنين الضوئية، طب ما السنين الضوئية؟ أكبر من المشارق ومن المغارب وأكبر من السماء التي نراها بأعيننا، يعني ما تدركه أعينك من السماء خلاف النجوم ليس سنين ضوئية، ولما ترى النجوم أنت تحددها بالنجوم، مش بالسنين الضوئية خالص، والنجوم في رؤية الإنسان ليست بعيدة جدا عن الأرض، هي مما يتاح له. ولذلك: «جنة عرضها السماوات والأرض»؛ لأن هذا ما يحرك نفس الإنسان.
الغرض من النص البليغ التحريك يا عيي. هل ستُحرك إنسانا لو قلت له جنة عرضها كذا وكذا من ملايين السنين الضوئية؟ هل هذا يتصوره الإنسان فتتحرك نفسه نحو الجنة؟ هذا غير مدرك له، فالذي يدرك هو الذي يحرك. والعربي يعلم أن النص يحركه وليس أنه يخبره بحقائق.
وهذه من عبارات العلماء، كما في الشريف المرتضى؛ له عبارة رائقة جدا، الشريف المرتضى في أماليه لما كان يناقش الذين اعترضوا على البحتري في اللامية لما شبه ذيل الفرس بذيل العروس، ماذا قال؟ ذكروني يا إخوة في الرائي في اللامية، أهذا بذلكم الخيال المقبلي؟ أذنب كما سحب الرداء؟ ويذّب عن عُرْفٍ وكالقناع المسبل!
البعض انتقد البحتري على هذا البيت، قال: «صاحب الرداء» وكذا... المهم، أنا كنت مع الشريف المرتضى قديما والآن مع نقد البيت. المهم، الشريف المرتضى قال في الكلام: «والشعراء في التصوير، يعني والتحريك، إنما يرمون إلى التخييل في النفوس دون التحقيق». هذا في أمالي المرتضى. قال: «وإنما الشعراء اعتمادا على فهم الناس للكلام البليغ، إنما يرمون إلى التقريب والتصوير والتخييل، شيء من هذا التعبير دون التحقيق». أعجبتني عبارته: «دون التحقيق».
فلما تقول «جنة عرضها السماوات والأرض»، تقول لي أصل الأرض ذرة في الكون والسماء خلاص، روح قول له: جنة عرضها ملايين السنين الضوئية خليه يفرح! فهذا طبعا يا عيي، وإنما شفاء العي السؤال والعلم. تخيل أن تهدر ذكرى الأرض بمشارقها ومغاربها وما يثيره ذلك في النفس من شعور بالاتساع والانطلاق، لأجل حقيقة فلكية هي أن الأرض تساوي كذا كذا من الشمس، والشمس كذا كذا من المجرة من النجوم الأخرى، ومجرتنا تساوي كذا وكذا؛ فلو قلت عرضها السماوات تخيلت، تخيل كل هذا راح، ما فيش تحريك أصلا، ما فيش تحريك.
وهذا هو القانون الذي جاء عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: 26]. لأنها يحصل بها التصور الكامل. ومنه جاء حديثه، لو أن أولكم وآخركم... حديث قدسي، لو أن رواه مسلم، حديث صحيح: «لو أن أولكم وآخركم وجنكم وأنسكم وقفوا على صعيد واحد، أو كما قال الحديث، فأسألوني فأعطيكم ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا غمس في البحر».
وهذا تقريب أيضا، تقريب للتصور؛ لأن الحقيقة أن ما عند الله لا ينقص، ولكن تصورك، لأن الشيء لا ينقص من الشيء لو أخذ منه، لا ينقص تصورك؛ هذا لا يحرك النفس، هذا عقلي.
تقعد كده مع دكاترة علم الكلام، تقعد مع الدكتور عبد العزيز سيف النصر رحمه الله، تقعد كده مع بعض علماء الجدل من الأشاعرة والمعتزلة وغيرهم مع سعيد فودة، تقعد مع أهل الجدل من كل الطوائف، تجلس معهم. وكل الأشاعرة أنهم أهل الجدل، وتجلس معهم، يتصورون لك هذا عقلاً، لكن هذا لا يحرك النفوس. هذا بالعقل يتصور، لكن لا يحرك النفوس، الذي حرك النفوس هو نصوص الكتاب والسنة.
﴿فَبَعَثْنَا عَلَيْهِمْ بَعُوضَةً مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ فَأَغْشَوْهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ إِلَىٰ شَيْءٍ﴾، وقوله: «لا ينقص مما عندي إلا كما ينقص المخيط من البحر إذا غمس فيه». هذا تصوير آخر تماماً. ومع ذلك، دعني -إذا عرضت السماوات والأرض- أي ما ينطلق فيه إنسان ولا يبلغه من مساحات مفتوحة، وليس ما في معلوماته وما معارفه من السماء ومساحة الأرض جنب السماء، أنت تخاطب إنساناً، مش بتألف كتاباً في الفلك وفي الطبيعة أو في الكون، ومع ذلك ساتنزل.
نحاول نمشي معاك في حقيقة علمية؛ لا، مش أنت بتقول الأرض كروية تدور حول نفسها خلاص؟ مهما لفيت في الأرض مالهاش نهاية، فبالمنطق والعقل اتساع الأرض على الإنسان زي السماء، دي مالهاش نهاية ودي مالهاش نهاية، وهي تمشي وأنا أمشي وراها وهي تمشي وأنا أمشي وراها.
وهذا الضحك تمام، ما نجيب به عن شبهات، أو مو شبهات العي بعد ذلك. مكث يناقش بعض الناس معه، واستخلصت من هذه المناقشة بعض الأشياء العجيبة. هذا الرجل لا تنقضي عجائبه، وأنا أقول له: كما أن القرآن معجز، أنت أيضاً معجز، أنت آية من آيات الله: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، والله أنت عجيب!
جراتك هذه أنا إلى الآن لا أملكها، وأنا أناقش تلميذاً في البلاغة، أنا وأنا أناقش طالباً عندي يعترض عليّ، ترتفع حرارتي وأتهيب وأنتظر، لكن أكون رابط الجأش. تخيل أبو قيس يكون رابط الجأش وتلميذه يناقشه، تلميذي الذي أنا علمته يناقشني، أكون رابط الجأش لأني عارف ممكن يضربها لي في مقتل، فأكون قاعد كده: يا ترى هو خد باله من إيه؟ ما أخدتش بالي منه؟ واستشكالاتهم بتكون دقيقة، حتى لو أراه ليس استشكالاً، يعني ليس مصيباً فيما ظن، لكن استشكال يكون عايز الشرح. إنما أنت عجيب من عجائب الله، والله فعلاً تقوم بك الحجة. هذه الجرأة التي عندك وهذه القدرة التي عندك عجيبة حقاً.
لحظة، منها مثلاً هو يقول -اسمع العجب العجاب في عقل هذا الإنسان يستشكل- يقول: لا توجد أحاديث فيها تحدي العرب إلى القرآن، هو القرآن فقط، لا يوجد حديث أن النبي راح يقول لك كده، أن النبي راح لقريش قال: «اتحداكم أن تأتوا بمثل هذا»، عايز حديث! أمال يا كائن؟ أنت تتكلم في كل هذا القرآن على أنه وضعه محمد وجاء إليك، فأي حديث تنتظر؟ يعني أنت متناقض.
يقول لك القرآن، يقول لك الآيات فقط، والسنة ليس فيها شيء، يعني إيه الآيات فقط؟ يعني يقول لك النبي هو قال هذا، النبي يقول كلاماً مع نفسه ولم يقله للكفار. يقول لك النبي قال كلاماً مع نفسه لم يقله للكفار، ماراحش للكفار وقال لهم، راح إيه؟ أمال مين اللي قرأ القرآن؟ وأين قرأه؟ كان مخبيه؟ أمال جالك إزاي وهو مخبيه؟ يقول لك هات لي دليل. هوب بقى، إيه بتاع هات لي دليل؟ عايز دليل حديث من الأحاديث أن النبي راح يتحداهم؟
يا ولدي، نحن نتكلم دائماً في الأحاديث، حصلت ولا لم تحصل؟ وتقول هذا الأثر ما صحته؟ أنت الآن تطعن في أي قرآن، يعني كل هذه المواضع التي تشكك فيها تشكك في بلاغتها، من أين جاءتك؟ كيف وصلت إليك؟ التي وضعها محمد، يعني الأحاديث التي تعترف أنت بها، أنت تعترف بالقرآن. تخيلوا، أنت بتنقد كل هذه النصوص، هل أنت ترى أن كل آية النبي ﷺ ورد في السنة أنه بلغها للبشر؟ هتقول لا، لم يرد. طب ما بلغك إزاي؟ أنت على أي أساس بتنقد كتاب اسمه القرآن؟ مش أنت بتنقد القرآن أهو، ما القرآن الذي تنقده؟ بتقول هو ألف في القرآن، طب ما هو اللي في القرآن ووضع آيات التحدي وكذا هو اللي ألف ووصل لك كما وصل لغيرك.
تخيلوا، بيقول هو قالوا مع نفسه ولم يذهب يتحدى، طبعاً عقل لا يوجد. يعني يتكلم عن كل الآيات على أنها كلام محمد ﷺ، وأنها التي وضعها لأجل أن يتحدى بها العرب، أو يقول لهم نحن ونحن، ثم ينزل ويطلب حديثاً في أن آيات التحدي بلغت الكفار، لكن قرآن مخفي أخفاه لك، أنت اتحدى الكفار وخباه عشان ما الكفار ما يسمعوش! عيب، والله اللي إحنا عايشين فيه ده الشيء رقم 11، طبعاً ده كده العاشر، اعتبره يضيفه على اللي فات، لكن هو أشياء هو قالها هكذا.
يقول لك، وهذا متعلق بالدلالة يا إخوة، قمة العجب، يقول هو ادعى أن القرآن تحدى المضمون، هو يقول القرآن تحدى العرب إلى المضمون، المضمون اللي هو إيه؟ المعنى المجرد يا إخوة، محصول المعنى، أصل المعنى، كل هذه المصطلحات استعملها عبد القاهر؛ المعنى في مقابل الغرض، أو أصل المعنى، أو محصول المعنى، أو المعنى المجرد، أو تجريد المعنى، كل هذه مصطلحات قالها عبد القاهر أو قريباً منها.
يقول القرآن تحدى للمضمون، يعني يريد أصل المعنى، استشهد على وهو استشهد العيي، يقول لك إيه الدليل بقى على أن القرآن، أن هذا «إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ»؟ إيه ده؟ طب إزاي تحدى؟ هو أول حاجة تناقض، ألم يقل إن آيات التحدي لم تصل؟ مش هو آيات التحدي لم تصل يا إخوة؟ يعني أنا ما عنديش آثار تدل على أنه تحداهم، كيف هنا يقول إن التحدي كان في المضمون؟ ويقول قول الكفار «إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ» قرينة حال ويشهد على أن العرب فهمت التحدي أنه للمضمون.
مش أنت بتقول ما عندكش آثار أن النبي ﷺ تحداهم؟ من مين بتقول بعد كده قرينة على أنهم فهموا يعني يوصل لهم التحدي؟ أنا صدعت يا ابني حرام عليك! أنت فاهم بتقول إيه؟ أنت بتشوف أكثر من زفيرك لما تظفر. قبل دقيقة واحدة أو دقيقتين في الكلام قال: ليس عندي دليل على أنه قالها مع نفسه، ليس عندي دليل على أنه تحدى العرب، ثم يقول: الآيات هذه قرينة حال أن العرب فهمت.
التحدي للمضمون، ما أنت قلت العرب ما لم تتحدَّ أصلاً، كيف قلت الآن إنها تحدت للمضمون؟ أنت يا ابني واعي؟ حبيبي، أنت عندك دماغ؟
هو قال لك، هم قالوا مع أنفسهم، قال لك آيات التحدي كانت مع نفسه ﷺ، كانت مع نفسه خلاص، ثم قال: ﴿إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. هذا دليل لما هم قالوا: ﴿إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾؛ فهموا، يعني وصل لهم، التحدي مثلما وصل إليك، يا واد يا متحدي!
يقول بالنص: «هذه قرينة حالية على أنهم فهموا أن التحدي في المضمون». يا ذكي يا منطقاوي يا مخضرم يا بتاع المناظرات والجدالات، أخِي خرب بيت الغباء الذي في الدنيا كلها! لماذا حملت ذلك على الوجه المقصود في التحدي؟ ماذا أفهم؟ عند العقلاء، يكون اتهام النص في معناه دليلاً على أنهم انصرفوا عن جهة البلاغة؟
توهان، الولد تايه! يقول لك: قولهم ﴿إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ هذه قرينة حالية على أنهم فهموا التحدي من النبي ﷺ أنه في المضمون. يا عاقل، هل يكون التحدي في كلامك -يعني أنا أنظر في كلامك الذي قلته- هل اتهام النص في معناه يكون دليلاً على انصراف الجهة عن بلاغته؟
هذه تتجاور لا تزاحم. تتجاور يعني أنا ممكن أتهم النص في معناه وفي بلاغته. عندما أقول: ﴿إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، فإني في معناه بلغت جهة أخرى. يقول لك: هذه قرينة على أنهم فهموا التحدي من النبي ﷺ أنه في المضمون. لا، ممكن يتحداك النبي في المضمون ويتحداك في البلاغة، وأنت تطعن في البلاغة والمضمون؛ ليس لهما علاقة، هما جهتان منفكتان، صح ولا إيه يا عقلاء؟ افهموا هذا!
أنت فاهم الكلام هذا؟ يقول لك هم قالوا: ﴿إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، فالتحدي كان للمضمون. لماذا قد يتحداك في البلاغة وأنت تقول بلاغته ليست متحققة والمضمون «أساطير الأولين»؟ هل أنا عندما أقول المعنى رديء، معناها أنني أنظر في القصد بالمعنى فقط؟ لا، قد أنظر فيها بالمعنى والبلاغة، فالمعنى المجرد شيء والبلاغة شيء. فأين المنطق؟ أنا يمكنني أن أتهم نصاً في بلاغته وإن كان مضمونه كذلك رديئاً.
يقول لك: ما هي الأدلة اللغوية هذه؟ عجيب! وأنا أنصحكم أن تذهبوا وتقرأوا آيات التحدي في القرآن. يقول لك التحدي في المضمون، وآيات التحدي في جهة، وآية ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ بالتكذيب بالوحي جهة منفكة تماماً. وهل كل القرآن ذُكر فيه مثل ما قال الأولون؟ لا، هو مليء بسور تشريعية كاملة، سورة النور تشريع كامل.
اذهبوا واقرأوا آيات التحدي وافهموا أنها في المضمون قرينة حال. أخذ المغفل يعدد في شواهد من القرآن على أن التحدي كان للمعنى. كيف من القرآن والنبي يؤلف آيات في أن التحدي للمعنى وهو كان مخبئاً الآيات، ما ذهب بها للكفار؟ ولا يوجد حديث يقول لك هذا الكلام. أنت قلت: «أنا لن أصدق أنه تحدى الكفار لأنه لا يوجد حديث يقول ذلك»، طيب كيف تجيب شواهد على أن التحدي كان للمعاني؟ ما هو كلامك يثبت أن آيات التحدي وصلت إليهم، وكلامك السابق يقول لم تصل إليهم! أنت بتفهم ولا حد مسلطك؟ ليه بتهزق نفسك كده يا ابني؟
معقولة في حد ممكن يصدق الولد هذا؟ يقول لك: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، برضه كلام في المعنى لا يعارض الكلام في البلاغة. وكان هناك محاور كويتي يبالغه، كان يقول له: «أنا فقط أسأل لأني لا أعرف»، والناس خائفة من دخله. هذا الولد ذاكرته واقعة، وعقله واقع، ولسانه وإدراكه وقريحته واقعة. أنا أسمعتكم كلامه وقرأت لكم تفريغه وأجبتكم عنه بما قرأناه في كتاب الله وبأصول البلاغة والنقد، وأرجو أن يأتي بمثله.
كان معه محاور كويتي، فقال له: «خذ الثالثة»، قتادة -أظن قتادة من التابعين- قال في الآية: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ﴾، قال: «مثله في الحق وعدم الكذب»، يعني التحدي للمضمون. ومن قال لك إن هذه الآية في تحدي البلاغة؟ آيات التحدي في البلاغة معروفة. وهل التحدي للمعنى في ﴿هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَا﴾ ينفي التحدي الآخر؟ لا، هما يجتمعان لاختلاف الجهة. أنا لا أجد في القرآن ولا في السنة أن التحدي إلى البلاغة، من أين جئتم بها؟ بل في حاجة ثانية كمان، التحدي ما كانش حاصلاً أصلاً.
أخيراً، آخر شيء يقوله كآخر حجة قالها: «لو كان معجزاً لماذا لم يكثر المؤمنون به؟». والله اسأل نفسك يا أخي، هل كل من آمن بشيء سلم له؟ الإنسان عقله أحد محركاته وبواعث قراراته، وعنده محبة، والإنسان منذ خلقه الله يصارع الأهواء. في المعجم كلمة «مكابرة»، من أين جاءت؟ هذا الولد، أنت تعلم أنك لا تعلم، ولكن لن تقول هذا. غالباً إذا كنت عاقلاً، ما أنت يا عاقل؟ يا مجنون! أنت لو كنت بعد كل هذا لم تقتنع.
بأنك لا تعرف اللغة، ولا تعرف النحو، ولا الصرف، ولا البلاغة، ولا البيان، ولا النقد، ولم تقرأ القرآن ولم تفهم؛ إذا كنت لم تقتنع فأنت مجنون حقيقي. أهو كلامنا مبثوث موجود في المصحف قرأنا منه، والبلاغة قرأنا منها المصنفات، وقرأنا السياقات كاملة، عملنا كل شيء يفعله أي ناقد للكلام.
وكلامي موجود وكلامك موجود، فإنت لو مش مصدق وما تقتنع الناس الآن به فأنت مجنون، ولو أنت عاقل هتبقى بتكابر، أنت تعلم أنك جاهل لكنك تكابر في أنك جاهل، فإذًا مجرد القناعة لم تجعلك تسلم وتذعن للحقيقة. ومنطقيًا هكذا بواقع الناس، يا أخي أنا بتكلم في منطق، لا إله إلا الله، بتكلم في منطق.
الأخ المنطقاوي، المناظر، يقول لك: «لو كان معجزًا لكثر متبعوه». ما شاء الله، إحنا عايشين في يوتوبيا؟ ملائكة؟ الإنسان مليء بالغرائز، مليء بالبواعث. عندك في المعجم المكابرة، عندك المداراة، عندك الإنكار. النفس جاحدة، لما لم يرجم، لما لم يتوقع، لما لم يفكر؛ النفس تجحد، يقول لك النفس جاحدة. وهذا مش في الإيمان بس، ده في كل شيء؛ كذبت نفسي، كذبت عيني، كذبت عقلي، لا أؤمن.
عندك أمم، أغلب البشرية في العقائد الباطلة، يؤمن بلا منطق أصلًا ويصدق به. فأنت يا أخي تحطني في حاجة زي كده خليني أرد عليك فيها. أنت هنا عمي، تحت العامي كمان؛ «لو كان معجزًا لمَا كثر المؤمنون به». عندك غرائز، وعندك نوازع، وعندك أسباب قبلية، وعندك أحكام جاهلية، وعندك المقابرة والمكابرة، وأنت عارف كل ده.
هل أنت شايف أنك لو شفت الحق هتتبع؟ والله أبدًا، ده أنت بعد كل اللي فات ده هتكابر وتفتكر نفسك بليغ. وهذا آخر لقائنا حول العي في هذه الشبهات، ولنا لقاء طريف معه ربما بعد يوم أو يومين إن شاء الله مع المرقعة التي صنفها وقال: «والنجم إذا زهر والنهار إذا استعر». وسيكون مجلسًا لطيفًا خفيفًا مسليًا مضحكًا، فيه فوائد بلاغية أيضًا، لن أخليه من ذلك إن شاء الله. وشكرًا لكم ودعواتكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعمتم صباحًا ومساءً.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد